هشام البرجاوي
07-02-2012, 07:21 PM
هناك في أعماق الحلم المورق، هناك في محراب الرقصات الشعبية ذات العراقة التليدة، هناك فوق أرض موشحة بالبياض، ارتدت سماؤها زرقة صافية مثلما أراد لها شاعر كوبي خلاب، هناك في بيت الحرية حيث جرت مفاوضات لافحة بين الواقع المكفهر، و الأمل المسجور بالمستحيل و بالمحتمل و بالممكن...يتسنى الحكم بأن الثورة ليست مجرد " لحظة انتخابية " .
هناك في أمريكا اللاتينية، يواصل الشعب مسيرته الشائكة نحو امتلاك قدره، مهما استعرت قتامة التحديات الثقيلة، فإن أرواح أشخاص بظلال طويلة جدا تتنازع المساحات المتقلصة بين المبنى الشاهق للبوليس السياسي و مبنى آخر أكثر وسامة للبوليس السياسي و منتجع فاره يحتضن أوقات الانتشاء و المرح...للبوليس السياسي.
و هم مسكونون بإصرار إلهي، فإن أناس البحيرات البعيدة، يتلون صلوات قصيرة في أعقاب حصة تراشق لكؤوس شفافة سقيت من نبيذ الديمومة.
في غمرة السرداب العسكري الاستبدادي، ذلك المبتكر التقليدي و المحافظ للاختطافات و القتلى في كل مكان يمارس الإنسان عبره انتماءه إلى الحياة...دماء متهاطلة على المدارس و المستشفيات و دور العبادة و المصانع الشاحبة، و دماء في جدران الضواحي النائية و دماء أيضا فوق مكاتب سماسرة كرنفالات موسمية ...وسط أنصاف جثث متكدسة في الشوارع، وصل الرفيق سالفادور أليندي إلى سدة الرئاسة رسولا لإرادة شعب مثخن بالجراح و الأوجاع.
خلال تلك اللحظات القاسية، تجرد العمال و المزارعون و الموظفون من الخوف و ألقوا بخديعة اللازم و المتعدي إلى أوراق عملاء المخابرات كي يرسلوها بأصابع مرتجفة...إلى البرزخ الأمني المقيت، إلى حيث يجالس كتاب الكلمة العذاب و الألم.
أنفق " اليانكي "، مثلما كان متوقعا، جهودا جبارة لإعاقة المسار الديمقراطي الذي حفرته بصبر عميق الأظفار المتورمة و المتربة للبؤساء. و بينما يسرق النظام المترنح الفلكلور الشعبي المعتق للتمويه المفضوح، تحركت آلات الإحباط إذ حاولت الولايات المتحدة استخدام البرلمان الشيلي الذي سيطر عليه المحافظون الممالئون لها لمنع المرشح التحرري من بلوغ السلطة. ثم لجأ " اليانكي" إلى العسكر لتحريضهم على اختطاف الشرعية مقابل دولة يختصرها تراث الجنرالات.
رفض قائد الأركان العامة الجنرال شنايدر مجاراة الانقلابيين فتعرض للاغتيال أواخر أكتوبر من العام 1970. لأنه شاهد عسكريا مخلصا يتوارى، و لأنه أدرك أن زمهرير الشمال يتغيى نسف حقه المشروع في الحلم، نزل الشعب الشيلي إلى الشوارع و الأزقة و الأحياء مطالبا المؤسسات بمعاقبة الانقلابيين و لاعب العرائس، بعدئذ جاءت البينة، لقد أعلن البرلمان المواطن الشيلي سالفادور أليندي رئيسا شرعيا للجمهورية بعد مسلسل انتخابي مرهق. كان يوم ال24 من أكتوبر 1970 مشهودا، رئيس اشتراكي منتخب ديمقراطيا يتولى الحكم باسم الإرادة الشعبية. بدا الأريج الشيلي سالبا للخواطر، و انتشر صيته في أرجاء القارة التي اغتصب ابتسامتها اليانكي الجشع.
استهل " الكونبانييرو بريسيدنتي " أو الرفيق الرئيس مثلما تنطقها بلغة اسبانية بديعة، حسناء شيلية إن سئلت عن ذكرى سالفادور، ولايته الرئاسية بإصلاح قطاع الزراعة و تأميم قطاع النحاس إحدى الثروات الطبيعية التي تزخر بها البلاد و التي احتكرتها طيلة سنوات مديدة الشركات الأمريكية مستحوذة على النصيب الأكبر من العائدات و متيحة الفتات لأصحاب الأرض.
بدا واضحا أن سياسات أليندي تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة التي لم تتوقف عن تحريض البرلمان و المؤسسة العسكرية ضد الحكومة المنتخبة ثم قامت بعد تتالي الهزائم السياسية لحلفائها بفرض عقوبات اقتصادية على الدولة الشيلية مستعملة وسائل متعددة من أجل خنق المشروع الاصلاحي و تأجيج المشكلات الاجتماعية.
بعد ثلاث سنوات من حكم أليندي، تصاعدت الصراعات بين حزبه و الأحزاب المحافظة المهيمنة على البرلمان الذي طالب الطبقة الوسطى, و هي الطبقة التي عززتها الحكومة المنتخبة، بإنفاذ حركة ضد انتشار الاشتراكية المعادية للحضارة المسيحية الشيلية، مثل هذه العبارات ليست غريبة عن الخطاب المسياني ( أو المهدوي ) الذي تتبناه السياسة الخارجية الأمريكية و الذي أحرق ملابسه عندما أعلن بوش الإبن للعالمين أن حربه ضد صدام حسين مهمة عليا كلفه الرب بها لإنقاذ البشرية من شر مستطير.
في ال11 من سبتمبر 1973، انقض الحلم الأمريكي على الحلم الشيلي حيث أقدم العسكر بزعامة بينوشيه على محاصرة القصر الرئاسي. اخترق صوت الرفيق أليندي متاريس اليانكي و الجيش المشمول بطاعته، ليؤكد للشيليين الذين انتظموا في مظاهرات غفيرة لحماية الحكومة المنتخبة أنه باق على العهد.
ليس تافها أن نلاحظ أن معاناة الحلم الأمريكي إبان نكسته الشهيرة في ال11 من سبتمبر تستدر تعاطفا كونيا، بيد أن الكثير من المتعاطفين لا يتذكرون أنه في نفس اليوم، اغتيل الحلم الشيلي بعد استيلاء الجنرال بينوشيه على مقاليد السلطة مدشنا عهد الظلام و الرعب و الاعتقال القسري للحياة الدستورية. باستشهاد أليندي تحول الشيلي إلى سجن كبير...و سحيق، تماما مثلما وصفه الشاعر العضوي بابلو نيرودا قبل أن تطفئه براثن الطاغية.
رغم سرقة حلم الشعب، فإن مسلسل تشويه و تزييف الحقائق الهوليودي لم يأل جهدا لمحو صورة المناضل أليندي من ذاكرة الشيلي. ليس جديدا أن يقال إن أجهزة هوليود حرصت كل الحرص على الاساءة إلى السياسيين الذين رفضوا الرضوخ للإرادة الأمريكية المرادفة حسب التصور الهوليودي للمصلحة العالمية. بمتابعة أفلام هوليود عن الحروب التي تزعمتها الحكومة الأمريكية، نلاحظ أن أعضاء المقاومة الوطنية في فيتنام و العراق و الصومال و كوبا يتحولون إلى " ارهابيين " و " خارجين على القانون".
مع انطلاق الثمانينات، تداعت الدكتاتوريات العاتية في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية و خصوصا في البرازيل و الأرجنتين و الشيلي حيث خاضت الجماهير صراعات دامية و قائظة ضد مؤسسة عسكرية تتلمظ مراكز القرار. إنها بداية القيامة الديمقراطية في عالم استأجره العسكر للخارج و لليأس. كان متوقعا أن ترفع المسيرات الشعبية الحاشدة بورتريهات شهداء الكرامة و في صدارتهم الرئيس سالفادور أليندي و الرمز تشي جيفارا.
تحت وطأة الكفاح الجماهيري، اضطر الطاغية بينوشيه ، راسم الفوارق الفاحشة بين الشيليين و المسؤول عن تبني سياسات الخصخصة المتوحشة المستلهمة من مدرسة شيكاغو ( التي تحدث و نفذ باسمها سياسيا كل من مارغاريت تاتشر و رونالد ريغن) المناهضة لتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية ، إلى انجاز استفتاء شعبي أعاد التعددية الحزبية إلى الوجود. رغم أنه حاول طلب المساندة من أمريكا، حيث كان سكرتيرها في الشؤون الخارجية هنري كيسنجر المسؤول الغربي رفيع المستوى الوحيد الذي رحب بالانقلاب، التي خدم مصالحها طيلة فترة اختلاسه للحكم منذ اغتياله للشرعية الديمقراطية ممثلة في الرئيس سالفادور أليندي. لكن التاريخ أكد سابقا في كوبا و باناما و فيتنام و غيرها و حديثا في مصر و تونس و ليبيا و سوريا أن الغرب مستعد دائما لتقديم أحباره قرابين للشعوب الغاضبة حينما يتأكد أن الرجوع إلى ما قبل نشوب الغضب مستحيل. كلنا نتذكر أن الغرب رفع اللعنة عن القذافي و اعتبره الحليف و الصديق بعدما كان " الأحمق " و " الارهابي " و " المعتوه" طبقا للأوصاف التي خلعها رونالد ريغن على قائد ثورة الفاتح من سبتمبر.
تمكن الشيليون، إذا، من صناعة الانتقال الديمقراطي بعد استنفاذ طاقة الانتقال التوافقي تحت مراقبة بينوشيه.
لا أحد يجادل في حقيقة أن " اليانكي " ما زال يتربص الشر باليقظة الديمقراطية المستمرة في أمريكا اللاتينية و لا أحد يجادل في كون المكتب البيضاوي مستاء من مواصلة الشعوب المحلية، المنتمية إلى ما كان يسمى حتى وقت قريب " الحديقة الخلفية "، استرداد سيادتها على مقدراتها الوطنية، لكن لا أحد أيضا يجادل في كون الشعوب في تلك المنطقة من العالم مصرة، مثل اصرار "اليانكي" و أكثر، على حراسة الانجازات التي قدمتها في سبيل الانعتاق.
اشتاق العريق بابلو نيرودا إلى الحرية فأكرم سلفادور أليندي مثواه حينما أحرز جائزة نوبل للآداب معربا لسعادته ما مثقاله سعادة شعب في عيده الوطني، قبل أن يغتاله بينوشيه في ال23 من سبتمبر 1973 أي بعد 12 يوما من اغتيال سالفادور أليندي.
رحل الطاغية إلى النسيان، ثم أعلنت العاصمة سانتياغو، جميلة للجميلات خلال حضور رجلين أهدياها الحياة...في سبيل خلود ابتسامتها الباسقة : الرفيق سالفادور أليندي و الشاعر بابلو نيرودا.
هناك في أمريكا اللاتينية، يواصل الشعب مسيرته الشائكة نحو امتلاك قدره، مهما استعرت قتامة التحديات الثقيلة، فإن أرواح أشخاص بظلال طويلة جدا تتنازع المساحات المتقلصة بين المبنى الشاهق للبوليس السياسي و مبنى آخر أكثر وسامة للبوليس السياسي و منتجع فاره يحتضن أوقات الانتشاء و المرح...للبوليس السياسي.
و هم مسكونون بإصرار إلهي، فإن أناس البحيرات البعيدة، يتلون صلوات قصيرة في أعقاب حصة تراشق لكؤوس شفافة سقيت من نبيذ الديمومة.
في غمرة السرداب العسكري الاستبدادي، ذلك المبتكر التقليدي و المحافظ للاختطافات و القتلى في كل مكان يمارس الإنسان عبره انتماءه إلى الحياة...دماء متهاطلة على المدارس و المستشفيات و دور العبادة و المصانع الشاحبة، و دماء في جدران الضواحي النائية و دماء أيضا فوق مكاتب سماسرة كرنفالات موسمية ...وسط أنصاف جثث متكدسة في الشوارع، وصل الرفيق سالفادور أليندي إلى سدة الرئاسة رسولا لإرادة شعب مثخن بالجراح و الأوجاع.
خلال تلك اللحظات القاسية، تجرد العمال و المزارعون و الموظفون من الخوف و ألقوا بخديعة اللازم و المتعدي إلى أوراق عملاء المخابرات كي يرسلوها بأصابع مرتجفة...إلى البرزخ الأمني المقيت، إلى حيث يجالس كتاب الكلمة العذاب و الألم.
أنفق " اليانكي "، مثلما كان متوقعا، جهودا جبارة لإعاقة المسار الديمقراطي الذي حفرته بصبر عميق الأظفار المتورمة و المتربة للبؤساء. و بينما يسرق النظام المترنح الفلكلور الشعبي المعتق للتمويه المفضوح، تحركت آلات الإحباط إذ حاولت الولايات المتحدة استخدام البرلمان الشيلي الذي سيطر عليه المحافظون الممالئون لها لمنع المرشح التحرري من بلوغ السلطة. ثم لجأ " اليانكي" إلى العسكر لتحريضهم على اختطاف الشرعية مقابل دولة يختصرها تراث الجنرالات.
رفض قائد الأركان العامة الجنرال شنايدر مجاراة الانقلابيين فتعرض للاغتيال أواخر أكتوبر من العام 1970. لأنه شاهد عسكريا مخلصا يتوارى، و لأنه أدرك أن زمهرير الشمال يتغيى نسف حقه المشروع في الحلم، نزل الشعب الشيلي إلى الشوارع و الأزقة و الأحياء مطالبا المؤسسات بمعاقبة الانقلابيين و لاعب العرائس، بعدئذ جاءت البينة، لقد أعلن البرلمان المواطن الشيلي سالفادور أليندي رئيسا شرعيا للجمهورية بعد مسلسل انتخابي مرهق. كان يوم ال24 من أكتوبر 1970 مشهودا، رئيس اشتراكي منتخب ديمقراطيا يتولى الحكم باسم الإرادة الشعبية. بدا الأريج الشيلي سالبا للخواطر، و انتشر صيته في أرجاء القارة التي اغتصب ابتسامتها اليانكي الجشع.
استهل " الكونبانييرو بريسيدنتي " أو الرفيق الرئيس مثلما تنطقها بلغة اسبانية بديعة، حسناء شيلية إن سئلت عن ذكرى سالفادور، ولايته الرئاسية بإصلاح قطاع الزراعة و تأميم قطاع النحاس إحدى الثروات الطبيعية التي تزخر بها البلاد و التي احتكرتها طيلة سنوات مديدة الشركات الأمريكية مستحوذة على النصيب الأكبر من العائدات و متيحة الفتات لأصحاب الأرض.
بدا واضحا أن سياسات أليندي تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة التي لم تتوقف عن تحريض البرلمان و المؤسسة العسكرية ضد الحكومة المنتخبة ثم قامت بعد تتالي الهزائم السياسية لحلفائها بفرض عقوبات اقتصادية على الدولة الشيلية مستعملة وسائل متعددة من أجل خنق المشروع الاصلاحي و تأجيج المشكلات الاجتماعية.
بعد ثلاث سنوات من حكم أليندي، تصاعدت الصراعات بين حزبه و الأحزاب المحافظة المهيمنة على البرلمان الذي طالب الطبقة الوسطى, و هي الطبقة التي عززتها الحكومة المنتخبة، بإنفاذ حركة ضد انتشار الاشتراكية المعادية للحضارة المسيحية الشيلية، مثل هذه العبارات ليست غريبة عن الخطاب المسياني ( أو المهدوي ) الذي تتبناه السياسة الخارجية الأمريكية و الذي أحرق ملابسه عندما أعلن بوش الإبن للعالمين أن حربه ضد صدام حسين مهمة عليا كلفه الرب بها لإنقاذ البشرية من شر مستطير.
في ال11 من سبتمبر 1973، انقض الحلم الأمريكي على الحلم الشيلي حيث أقدم العسكر بزعامة بينوشيه على محاصرة القصر الرئاسي. اخترق صوت الرفيق أليندي متاريس اليانكي و الجيش المشمول بطاعته، ليؤكد للشيليين الذين انتظموا في مظاهرات غفيرة لحماية الحكومة المنتخبة أنه باق على العهد.
ليس تافها أن نلاحظ أن معاناة الحلم الأمريكي إبان نكسته الشهيرة في ال11 من سبتمبر تستدر تعاطفا كونيا، بيد أن الكثير من المتعاطفين لا يتذكرون أنه في نفس اليوم، اغتيل الحلم الشيلي بعد استيلاء الجنرال بينوشيه على مقاليد السلطة مدشنا عهد الظلام و الرعب و الاعتقال القسري للحياة الدستورية. باستشهاد أليندي تحول الشيلي إلى سجن كبير...و سحيق، تماما مثلما وصفه الشاعر العضوي بابلو نيرودا قبل أن تطفئه براثن الطاغية.
رغم سرقة حلم الشعب، فإن مسلسل تشويه و تزييف الحقائق الهوليودي لم يأل جهدا لمحو صورة المناضل أليندي من ذاكرة الشيلي. ليس جديدا أن يقال إن أجهزة هوليود حرصت كل الحرص على الاساءة إلى السياسيين الذين رفضوا الرضوخ للإرادة الأمريكية المرادفة حسب التصور الهوليودي للمصلحة العالمية. بمتابعة أفلام هوليود عن الحروب التي تزعمتها الحكومة الأمريكية، نلاحظ أن أعضاء المقاومة الوطنية في فيتنام و العراق و الصومال و كوبا يتحولون إلى " ارهابيين " و " خارجين على القانون".
مع انطلاق الثمانينات، تداعت الدكتاتوريات العاتية في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية و خصوصا في البرازيل و الأرجنتين و الشيلي حيث خاضت الجماهير صراعات دامية و قائظة ضد مؤسسة عسكرية تتلمظ مراكز القرار. إنها بداية القيامة الديمقراطية في عالم استأجره العسكر للخارج و لليأس. كان متوقعا أن ترفع المسيرات الشعبية الحاشدة بورتريهات شهداء الكرامة و في صدارتهم الرئيس سالفادور أليندي و الرمز تشي جيفارا.
تحت وطأة الكفاح الجماهيري، اضطر الطاغية بينوشيه ، راسم الفوارق الفاحشة بين الشيليين و المسؤول عن تبني سياسات الخصخصة المتوحشة المستلهمة من مدرسة شيكاغو ( التي تحدث و نفذ باسمها سياسيا كل من مارغاريت تاتشر و رونالد ريغن) المناهضة لتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية ، إلى انجاز استفتاء شعبي أعاد التعددية الحزبية إلى الوجود. رغم أنه حاول طلب المساندة من أمريكا، حيث كان سكرتيرها في الشؤون الخارجية هنري كيسنجر المسؤول الغربي رفيع المستوى الوحيد الذي رحب بالانقلاب، التي خدم مصالحها طيلة فترة اختلاسه للحكم منذ اغتياله للشرعية الديمقراطية ممثلة في الرئيس سالفادور أليندي. لكن التاريخ أكد سابقا في كوبا و باناما و فيتنام و غيرها و حديثا في مصر و تونس و ليبيا و سوريا أن الغرب مستعد دائما لتقديم أحباره قرابين للشعوب الغاضبة حينما يتأكد أن الرجوع إلى ما قبل نشوب الغضب مستحيل. كلنا نتذكر أن الغرب رفع اللعنة عن القذافي و اعتبره الحليف و الصديق بعدما كان " الأحمق " و " الارهابي " و " المعتوه" طبقا للأوصاف التي خلعها رونالد ريغن على قائد ثورة الفاتح من سبتمبر.
تمكن الشيليون، إذا، من صناعة الانتقال الديمقراطي بعد استنفاذ طاقة الانتقال التوافقي تحت مراقبة بينوشيه.
لا أحد يجادل في حقيقة أن " اليانكي " ما زال يتربص الشر باليقظة الديمقراطية المستمرة في أمريكا اللاتينية و لا أحد يجادل في كون المكتب البيضاوي مستاء من مواصلة الشعوب المحلية، المنتمية إلى ما كان يسمى حتى وقت قريب " الحديقة الخلفية "، استرداد سيادتها على مقدراتها الوطنية، لكن لا أحد أيضا يجادل في كون الشعوب في تلك المنطقة من العالم مصرة، مثل اصرار "اليانكي" و أكثر، على حراسة الانجازات التي قدمتها في سبيل الانعتاق.
اشتاق العريق بابلو نيرودا إلى الحرية فأكرم سلفادور أليندي مثواه حينما أحرز جائزة نوبل للآداب معربا لسعادته ما مثقاله سعادة شعب في عيده الوطني، قبل أن يغتاله بينوشيه في ال23 من سبتمبر 1973 أي بعد 12 يوما من اغتيال سالفادور أليندي.
رحل الطاغية إلى النسيان، ثم أعلنت العاصمة سانتياغو، جميلة للجميلات خلال حضور رجلين أهدياها الحياة...في سبيل خلود ابتسامتها الباسقة : الرفيق سالفادور أليندي و الشاعر بابلو نيرودا.