المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسائل من تحت وفوق الانقاض ( 5 )


صباح الزبيدي
01-31-2010, 12:33 AM
رسائل من تحت وفوق الانقاض ( 5 )
الرسالة الخامسة من تحت الأنقاض
صديقي الوفي:
أكتب لك اليوم وأشعر أن الهواء الملوث الذي أتنفسه قد أوشك حتى هذا على النفاذ، فما أشمه هو روائح لا تمت للحياة بصلة بل روائح تذكّرني أن الحياة مقبلة على الانقراض أقله لما حولي وفي الموقع الذي أعيش فيه، فصوَر الموت منتشرة وتغتال كل أمل أحاول رسمه على وجهي وملامحي، كل هذا يدفعني نحو اليأس والخنوع بل الركون إلى ناصية لا تنتهي بأحسن الأحوال سوى إلى الموت ولو ببطأ، أي أن النتيجة هي ذاتها لو تحركت وسعيت وحاولت تغيير ما يمكن تغييره وصولا إلى بعض الأمل بحياة أفضل.
فيا عزيزي، لم نعد نتذوق طعم للحياة لأنني لا أجد أية مظاهر للحياة، حتى إن رأيت موكبا للعرس، فلا تشعر بطعم الفرح والانشراح وأنت ترى عروس وعريسها بثيابٍ تدعو للسعادة والحبور ومعهم الأصدقاء يفرحون حينا ويغنون حينا آخر أو يترجلون من الموكب ليُنَظِموا حلقة من الرقص البريء بغية أدخال السعادة لأحبائهم الذين للتو بدأوا ببناء العش تماما كما يفعل العصافير، حيث تذكرت هذا عندما كنا نجلس في الحديقة العامة التي كانت في حيِنا أنا وأنت وكيف راقبنا عصفورا صغيرا يرتقي الشجرة حينا وينزل إلى الأرض ليبحث عن قشٍ بسيط يضعه في فمه ليعلو مجددا وينسج من خلاله عشا صغيرا تمهيدا لكي يضع فيه بيضه لتستمر حياته، وأتذكر أننا تسلقنا تلك الشجرة وشاهدنا عمل ذلك الطائر الجميل ومجّدنا الله للغريزة التي وضعها في مخلوقاته كي تبقى الحياة مستمرة، وفعلنا هذا رغم أن طائرنا الجميل كان يراقبنا وهو خائف أن نعبث بما توصل إليه من عمل، وربما بعد أن تركناه سالما شكر الله لأن حياته لم تصب بأذى.
لكن حياتنا اليوم تصاب بأذى أيها العزيز، وكل ما نراقبه وما يحيط بنا يتربص لكي يوصل أقسى أنواع الأذية لنا، وما حاولنا أن لا نلحقه حتى بالطائر الصغير، يلحق بنا أشد منه نحن البشر، ونلحقه أحدنا بالآخر ونحاول أن نسحق المقابل لكي نحقق كسبا ما، وهنا تذكرت كيف كنت تتكلم عن الغابة وسيطرة القوي على الضعيف وتُصَور لي كيف أن الأسد يسير متبخترا ما بين الحيوانات الأخرى وجميعا تصابُ بالهلع عند رؤيته وتتحاشى أن يراها كي لا تصبح فريسة محتملة له خاصة إذا كان جائعا، ونحن كنا متفقين على انه لو شبع لترك الجميع دون تدخل في حياتها ولا يسبب أية أذية لأضعف حيوان!!! لكن اليوم في العراق أصبحنا جميعا نعيش في غابة لا يطبق فيها حتى قوانين الحيوانات!!! فبشر هذه الغابة لا يشبع أبدا وحتى لو كان متخما فإنه دائم البحث عن ضحية جديدة، لا لشيء سوى ليُرضي غروره ونزقه وتصبح روحه السادية ثملة من دماء البشر الأبرياء وليرتاح عندما يرى العالم تتراكض خوفا وتدخل مخادعها وتغلق الأبواب عليها لكي تبعد الأذى عنها، فحتى أسد الغابة لم يمارس مع الحيوانات الضعيف ذلك!!!
اليوم يا عزيزي، نحن في العراق محرومين من أبسط الحقوق الإنسانية فنعيش بلا كهرباء العصب الأساسي في المدنية الحديثة، وكلما أتذكر هذه القضية تحضرني قصة كنا نتادولها ونحن صغار أيام لم تكن لا كومبيوتر ولا اتصالات ولا كهرباء ولا وسائل اللهو ولا أي شيء وكنا في قرية صغيرة، ما أن تغيب عنها الشمس حتى يلتحق كل بمخدعه يطوي الليل نوما لينهض مع خيوط الفجر الأولى ومع أول زقزقة لعصفور أو صياح لديك فكانت الحياة هكذا وحتى نقتل وقت الفراغ كنا نروي قصة نقول عنها انها لا تنتهي وملخصها أنك تسأل صديقك أي سؤال وعند جوابه ما عليك إلا أن توجه له سؤالا مفاده لماذا قلت هذا، وتستمر القصة لتنتهي بضحك متواصل وقضاء بعض من وقت الليل الطويل، لكن هذه القصة اليوم تشبه كثيرا ما نعانيه في قطاع الكهرباء، فالحجج موجودة والأرقام أصبحت مألوفة بحيث أصبحنا نؤمّل أنفسنا أن نحصل ولو على ساعتين من الكهرباء في اليوم لكي نستطيع أحماء الماء لغسل أجسادنا المتعبة والمتربة خاصة وأنت تعرف كم أن أجوائنا متربة صيفا وشتاءا، وليس هذا فقط بل أن الجسم وما يفرزه من العَرَق الأمر الطبيعي لحرارة الصيف اللاهبة كلها تحتاج لكي نغسل أجسادنا حتى عندما نجلس ونتحدث تكون رائحة الجالسين طبيعية ويقضون أوقاتهم براحة ونقاش مفيد أو مسلي!!!
الكهرباء اليوم يا عزيزي أصبحت تقاس بالأرقام 3×3 أو 2×4 أو 1×6 أو 1×12 وهلَمَّ جرا والرقم الصغير هو دائما لوقت التجهيز يقابلها الرقم الكبير الذي هو الانقطاع علما أن الكهرباء قد تنقطع ليوم أو اثنين او حتى ثلاثة دون أن يظهر لها أثرا ولولا ما يوفره مشغلوا المولدات الأهليه من تيار ضعيف لكنا نعيش في عالم آخر لا يعرف عن العالم المتحضر أية معلومات ولما أستطعت أن أتواصل معك برسائلي ولا تمكنت من طبعها وأيصالها إليك.
وكما قلت لك أن الأعذار جاهزة دائما؛ أعمال تخريب... أو تخريب في أعمدة، أو في محطات التوليد، أو تجاوز على الحصة المقررة من قبل المحافظة الفلانية والعلّانية، وكأننا كشعب لا نعرف بوجود سيطرة مركزية تُشرف على تغذية هذه المنطقة أو تلك وتعرف الحمل الكلي ويمكنها التحويل من منطقة إلى أخرى أو أطفاء منطقة معينة كي لا يحصل الحمل الفائق الذي يصبح المصروف أكثر من المنتج وتحصل اعطالا في الشبكة، وأنا اكتب لك ذلك لأننا عندما كنا في دراستنا وأذكرك بالتحديد عندما أقامت لنا الجامعة سفرة علمية إلى غرفة السيطرة المركزية للكهرباء وكيف كانت جميلة ومرتبة بحيث يستطيع من يديرها بأزرار معينة يرتب كهرباء العراق أجمع !!!! لكن أين نحن وما كنا عليه قبل عقدين من الزمان، والعالم يتطور ولكننا يا عزيزي نسير إلى الوراء دُرْ بلغة العسكر، وتقول لي برسالتك أن لو حدث انقطاع لدقائق معينة عندكم يتم أشعار الناس بذلك قبل فترة ليرتبوا أنفسهم خلالها ومع الاعلان كلمات كثيرة من الاعتذار لكون العمل أضطراري، ونحن هنا نخاف حتى ارتياد المصاعد مخافة أن نبقى حبيسي تلك المصاعد وقد نتعرض للأذى الجسدي عند انقطاع التيار عنها ونحن معلّقين فيما بين الطوابق!!!
إنه واقعنا الحالي يا عزيزي والذي نخجل حتى من الحديث عنه لأنه لأننا ماضون بسرعة نحو العصر الحجري، وربما سنستغني عن السيارات ونعوضها بالحيوانات وكذلك عن الغاز والمحروقات اللازمة لتسخين الطعام وغيرها من اللوازم والتي سأجعلها حديثي معك في رسالتي القادمة، والذي أطلبه منك أن تكون عونا لنا تتحدث عن هذه المآسي فربما منظمة تنتبه وتترك سعيها تجاه الرفق بالحيوان لكي توجه عنايتها للرفق بالبشر الذين سيصبحون قريبا كالهِرقل الذي عاش في غابة وتعلم لغة الحيوانات ولا يعرف من الدنيا سوى ما يحيط به من مخلوقات، هكذا نحن سائرون ويبدو هكذا سيكون مصيرنا لو استمرت الحالة وكبارنا والذين يسبقونا بالعمر يتحدوثون عن الشر لو دام دمّر، وشر يومنا يبدو عليه أنه سيدوم ولا أستطيع القول سوى الله يستر. وإلى اللقاء.
صديقك الذي يأمل أن تتغير أحواله لينتقل من تحت الأنقاض إلى فوقها
عبدالله النوفلي
بغـــــــــــــــــــداد – العـــــــــــــــــــــراق
*****
الرسالة الخامسة من فوق الانقاض
صـــــــباح ســـــــــعيد الزبيــــــــدي

قال يول ت س اليوت :" لقد تلوثنا بقذارة لانعرف كيف نغسلها قذارة متحدة بالهواء ".
صديقي الوفي ..
بهذه الكلمات الرائعة ابدا رسالتي الخامسة .. لقد ذكرت لي امور كثيرة يمر بها شعبنا العراقي المظلوم وعن حرمانه من ابسط الحقوق الانسانية .. وايضا ذكرت لي حول مسائل الحب والرحمة والعلاقات بين الكائنات الحية وعلاقة الانسان مع اخيه الانسان والواقع الحالي الذي تمرون به وخاصة من ناحية توفير ابسط مستلزمات الحياة اليومية المعاصرة ومن بينها الكهرباء.
من المعلوم ياصديقي أن للهيمنة الأمريكية والطبيعة العدوانية والشرسة لها ليست مجرد طور جديد فى علاقة الأمريكيين بالشعوب الأخرى فالتعطش المحموم للسلب والنهب والرغبة بالتوسع والسيطرة على مصادر الثروة الجديدة وتشييد اكبر الامبراطوريات في التاريخ هي صفات وراثية مكتسبة من اسلافهم .
ولابد من العودة الى شتاء عام 1990 لنتأكد مما قاله جيمس بيكر عندما ابلغ الاسير الحالي طارق عزيز " ان الولايات المتحدة ستعمل على إرجاع العراق إلى العصر الحجري ".. وهكذا تحقق هذا الرهان المخيف وكما قلت لي برسالتك اننا ماضون بسرعة نحو العصر الحجري.
فالظلام هو عدم وجود النور. . ومماثل لذلك أن الشر هو عدم وجود الخير. . لان الظلام لا تمييز فيه بين الطيب والخبيث ولا بين الحسن والقبيح.. وهكذا استطاعت قوى الاحتلال بكل اصنافها واقصد هنا قوات الاحتلال الامريكية وحلفائها وقوى الشر والظلام الارهابية التي وفدت الى العراق من بلدان عربية وإسلامية عديدة الى اغراق العراق بظلام اسود .
وهكذا اصبح الشر هو المنطلق الرئيسي لكل الآثام الاجتماعية والشخصية التي ترتكب فوق تراب العراق الطاهرة. فالعلة الأساسية للأمراض الأخلاقية في المجتمع العراقي في الوقت الحاضر هو الشر.. والشر ياصديقي جاء إالينا مع دعاة الديمقراطية وبناء العراق الجديد ومع القوى الدينية المتطرفة والتي تتبنى نهجاً تكفيرياً وعنفيا يتعارض مع المبادئ والقيم الدينية والأعراف الإنسانية .

لقد كان العراق محكوما من قبل قوى وثنية اتخذت من عبادة الشخصية وتقديس الفرد طريقا في بناء المجتمع العراقي حيث كان لها طقوسها وأدواتها وأسلوبها وكَهَنتها ولكنها في النهاية اصبحت عقبة أمام تطوير النظام ومسيرة الحرية والديمقراطية وكانت علامة من علائم النقص في الرشد الإجتماعي وادت الى الانحراف عن طريق الخير والسعي نحو السعادة الكاملة.
وبعد سقوط الحكم دخل العراق مرحلة جديدة هي مرحلة الشر وجذوره التي غرستها القوى الوثنية الجديدة فهؤلاء الكهنة الذين احاطوا انفسهم بهالة القداسة والمعصومية ولانعرف هل هم رجال دين ام سياسة والذين يحشدون بهائمهم يوميا لتمارس علنا طقوس عبادة الشخصية .
لقد ذكر الله تعالى : (إن النفس لأمارة بالسوء ) يوسف : 53، ونتيجة لذلك تبقى مشكلة الشر من اهم المشاكل التي تواجه مجتمعنا العراقي في العهد الوثني الجديد .
لإن مشكلة الشر هي أساس المشكلة الأخلاقية. . فالشر هو نقيض الخير في كل الأبعاد التي يمكن تصورها وهو أعظم درجة من درجات الفساد الأخلاقي التي يمكن تصورها عند العقل البشري..
فوجود الإنسان في هذه الحياة يرتكز تماما على العقل وان العقل هو المحرك الاساس لانطلاق تصرفاته .. وان الانسان عندما ميز النور عرف الظلام و لما استطاع ادراك الصباح استطاع ان يعارضه بالليل وبالمساء.
فالتطور هو في الأساس سر بقاء وثبات وديمومة الأفراد والمجتمعات والقيم ذات التحسين العقلي المؤصلة لذلك التطور والتقدم فيما يتعلق بتيسير وتسيير حياة المكونات المجتمعية اليومية, ويساهم ذلك في تخفيف وطأة عبء وثقل الحياة العصرية المعقدة.
فقد يستطيع الإنسان تنمية عناصر الخير والجمال والحب عبر استثمار حصة التقوى الموجودة في نفسه.
فإذا أحب الإنسان الفجور وعمل به أصبح فاجراً فاسداً، وإذا أحب الخير وعمل به أصبح تقياً خيرا.
ان طريق الخلاص، من أجل تحقيق إنسانية الإنسان هو الصبر، والتواضع، واللطف، والشفقة والرحمة وغيرها من الصفات الحميدة.
ولنعمل معا ياصديقي وكل الشرفاء في داخل الوطن وخارجه من اجل اجتثاث جذور الشر من تراب عراقنا المقدس وستكون كتاباتنا كالعاصفة التي في النهاية ستقلع أوتاد خيام الغزاة وعصابات القتل والفتن الطائفية وقوى الارهاب والظلم والظلام.. وسنبقى حاملين والى الابد مصابيح الفرح الاتي لكنس الظلام والقهر والظلم عن دروب وطننا الجريح ..
اخوكم
صـــــــباح ســـــــــعيد الزبيــــــــدي
بلغراد – صربيا
sabah@sezampro.rs
**********

علي سعدون
01-31-2010, 10:51 PM
كم انت جميل ايها الزبيدي وانت تجود بجماليات المكان بجوار الاشارات للقبح
اهم ما في رسائلك انها تشي بأنك بيننا وليس ببلغراد
وهو ما يشير الى حميميتك ونبلك ايها الجميل
كم انت شاعر يا خي
كم انت قامة باسقة بمقابل القبح الذي يعم العالم
كم انت ماخوذا بنا ونحن هنا في دوامة الضياع
محبتي لك ايها الجميل

علي سعدن

حسن المهندس
02-01-2010, 12:41 AM
ولنعمل معا ياصديقي وكل الشرفاء في داخل الوطن وخارجه من اجل اجتثاث جذور الشر من تراب عراقنا المقدس وستكون كتاباتنا كالعاصفة التي في النهاية ستقلع أوتاد خيام الغزاة وعصابات القتل والفتن الطائفية وقوى الارهاب والظلم والظلام.. وسنبقى حاملين والى الابد مصابيح الفرح الاتي لكنس الظلام والقهر والظلم عن دروب وطننا الجريح ..
شئ رائع جدا

تسلم

عبد الرسول معله
02-01-2010, 01:38 AM
رسائل من تحت وفوق الانقاض ( 5 )
الرسالة الخامسة من تحت الأنقاض
صديقي الوفي:أكتب لك اليوم وأشعر أن الهواء الملوث الذي أتنفسه قد أوشك حتى هذا على النفاذ، فما أشمه هو روائح لا تمت للحياة بصلة بل روائح تذكّرني أن الحياة مقبلة على الانقراض أقله لما حولي وفي الموقع الذي أعيش فيه، فصوَر الموت منتشرة وتغتال كل أمل أحاول رسمه على وجهي وملامحي، كل هذا يدفعني نحو اليأس والخنوع بل الركون إلى ناصية لا تنتهي بأحسن الأحوال إلا إلى الموت ولو ببطء، أي أن النتيجة هي ذاتها لو تحركت وسعيت وحاولت تغيير ما يمكن تغييره وصولا إلى بعض الأمل بحياة أفضل.
فيا عزيزي، لم نعد نتذوق طعم للحياة لأنني لا أجد أية مظاهر للحياة، حتى إن رأيت موكبا للعرس، فلا تشعر بطعم الفرح والانشراح وأنت ترى عروسا وعريسها بثيابٍ تدعو للسعادة والحبور ومعهم الأصدقاء يفرحون حينا ويغنون حينا آخر أو يترجلون من الموكب ليُنَظِموا حلقة من الرقص البريء بغية إدخال السعادة لأحبائهم الذين للتو بدؤوا ببناء العش تماما كما تفعل العصافير، حيث تذكرت هذا عندما كنا نجلس في الحديقة العامة التي كانت في حيِّنا أنا وأنت وكيف راقبنا عصفورا صغيرا يرتقي الشجرة حينا وينزل إلى الأرض ليبحث عن قشٍ بسيط يضعه في فمه ليعلو مجددا وينسج من خلاله عشا صغيرا تمهيدا لكي يضع فيه بيضه لتستمر حياته، وأتذكر أننا تسلقنا تلك الشجرة وشاهدنا عمل ذلك الطائر الجميل ومجّدنا الله للغريزة التي وضعها في مخلوقاته كي تبقى الحياة مستمرة، وفعلنا هذا رغم أن طائرنا الجميل كان يراقبنا وهو خائف أن نعبث بما توصل إليه من عمل، وربما بعد أن تركناه سالما شكر الله لأن حياته لم تصب بأذى.
لكن حياتنا اليوم تصاب بأذى أيها العزيز، وكل ما نراقبه وما يحيط بنا يتربص لكي يوصل أقسى أنواع الأذية لنا، وما حاولنا أن لا نلحقه حتى بالطائر الصغير، يلحق بنا أشد منه نحن البشر، ويلحقه أحدنا بالآخر ونحاول أن نسحق المقابل لكي نحقق كسبا ما، وهنا تذكرت كيف كنت تتكلم عن الغابة وسيطرة القوي على الضعيف وتُصَور لي كيف أن الأسد يسير متبخترا ما بين الحيوانات الأخرى وجميعا تصابُ بالهلع عند رؤيته وتتحاشى أن يراها كي لا تصبح فريسة محتملة له خاصة إذا كان جائعا، ونحن كنا متفقين على أنه لو شبع لترك الجميع دون تدخل في حياتها ولا يسبب أية أذية لأضعف حيوان!!! لكن اليوم في العراق أصبحنا جميعا نعيش في غابة لا يطبق فيها حتى قوانين الحيوانات!!! فبشر هذه الغابة لا يشبع أبدا وحتى لو كان متخما فإنه دائم البحث عن ضحية جديدة، لا لشيء سوى ليُرضي غروره ونزقه وتصبح روحه السادية ثملة من دماء البشر الأبرياء وليرتاح عندما يرى العالم تتراكض خوفا وتدخل مخادعها وتغلق الأبواب عليها لكي تبعد الأذى عنها، فحتى أسد الغابة لم يمارس مع الحيوانات الضعيفة ذلك!!!
اليوم يا عزيزي، نحن في العراق محرومون من أبسط الحقوق الإنسانية فنعيش بلا كهرباء العصب الأساسي في المدنية الحديثة، وكلما أتذكر هذه القضية تحضرني قصة كنا نتداو لها ونحن صغار أيام لم تكن لا كومبيوتر ولا اتصالات ولا كهرباء ولا وسائل اللهو ولا أي شيء وكنا في قرية صغيرة، ما أن تغيب عنها الشمس حتى يلتحق كل بمخدعه يطوي الليل نوما لينهض مع خيوط الفجر الأولى ومع أول زقزقة لعصفور أو صياح لديك فكانت الحياة هكذا وحتى نقتل وقت الفراغ كنا نروي قصة نقول عنها أنها لا تنتهي وملخصها أنك تسأل صديقك أي سؤال وعند جوابه ما عليك إلا أن توجه له سؤالا مفاده لماذا قلت هذا، وتستمر القصة لتنتهي بضحك متواصل وقضاء بعض من وقت الليل الطويل، لكن هذه القصة اليوم تشبه كثيرا ما نعانيه في قطاع الكهرباء، فالحجج موجودة والأرقام أصبحت مألوفة بحيث أصبحنا نؤمّل أنفسنا أن نحصل ولو على ساعتين من الكهرباء في اليوم لكي نستطيع إحماء الماء لغسل أجسادنا المتعبة والمتربة خاصة وأنت تعرف كم أن أجوائنا متربة صيفا وشتاءا، وليس هذا فقط بل أن الجسم وما يفرزه من العَرَق الأمر الطبيعي لحرارة الصيف اللاهبة كلها تحتاج لكي نغسل أجسادنا حتى عندما نجلس ونتحدث تكون رائحة الجالسين طبيعية ويقضون أوقاتهم براحة ونقاش مفيد أو مسلي!!!
الكهرباء اليوم يا عزيزي أصبحت تقاس بالأرقام 3×3 أو 2×4 أو 1×6 أو 1×12 وهلَمَّ جرا والرقم الصغير هو دائما لوقت التجهيز يقابلها الرقم الكبير الذي هو الانقطاع علما أن الكهرباء قد تنقطع ليوم أو اثنين أو حتى ثلاثة دون أن يظهر لها أثر ولولا ما يوفره مشغلو المولدات الأهلية من تيار ضعيف لكنا نعيش في عالم آخر لا يعرف عن العالم المتحضر أية معلومات ولما استطعت أن أتواصل معك برسائلي ولا تمكنت من طبعها وإيصالها إليك.
وكما قلت لك أن الأعذار جاهزة دائما؛ أعمال تخريب... أو تخريب في أعمدة، أو في محطات التوليد، أو تجاوز على الحصة المقررة من قبل المحافظة الفلانية والعلّانية، وكأننا كشعب لا نعرف بوجود سيطرة مركزية تُشرف على تغذية هذه المنطقة أو تلك وتعرف الحمل الكلي ويمكنها التحويل من منطقة إلى أخرى أو إطفاء منطقة معينة كي لا يحصل الحمل الفائق الذي يصبح المصروف أكثر من المنتج وتحصل أعطالا في الشبكة، وأنا اكتب لك ذلك لأننا عندما كنا في دراستنا وأذكرك بالتحديد عندما أقامت لنا الجامعة سفرة علمية إلى غرفة السيطرة المركزية للكهرباء وكيف كانت جميلة ومرتبة بحيث يستطيع من يديرها بأزرار معينة يرتب كهرباء العراق أجمع !!!! لكن أين نحن وما كنا عليه قبل عقدين من الزمان، والعالم يتطور ولكننا يا عزيزي نسير إلى الوراء دُرْ بلغة العسكر، وتقول لي برسالتك أن لو حدث انقطاع لدقائق معينة عندكم يتم أشعار الناس بذلك قبل فترة ليرتبوا أنفسهم خلالها ومع الإعلان كلمات كثيرة من الاعتذار لكون العمل اضطراري، ونحن هنا نخاف حتى ارتياد المصاعد مخافة أن نبقى حبيسي تلك المصاعد وقد نتعرض للأذى الجسدي عند انقطاع التيار عنها ونحن معلّقين فيما بين الطوابق!!!
إنه واقعنا الحالي يا عزيزي والذي نخجل حتى من الحديث عنه لأننا ماضون بسرعة نحو العصر الحجري، وربما سنستغني عن السيارات ونعوضها بالحيوانات وكذلك عن الغاز والمحروقات اللازمة لتسخين الطعام وغيرها من اللوازم والتي سأجعلها حديثي معك في رسالتي القادمة، والذي أطلبه منك أن تكون عونا لنا تتحدث عن هذه المآسي فربما منظمة تنتبه وتترك سعيها تجاه الرفق بالحيوان لكي توجه عنايتها للرفق بالبشر الذين سيصبحون قريبا كهِرقل الذي عاش في غابة وتعلم لغة الحيوانات ولا يعرف من الدنيا سوى ما يحيط به من مخلوقات، هكذا نحن سائرون ويبدو هكذا سيكون مصيرنا لو استمرت الحالة وكبارنا والذين يسبقونا بالعمر يتحدثون عن الشر لو دام دمّر، وشر يومنا يبدو عليه أنه سيدوم ولا أستطيع القول سوى الله يستر. وإلى اللقاء.
صديقك الذي يأمل أن تتغير أحواله لينتقل من تحت الأنقاض إلى فوقها
عبد الله النوفلي
بغـــــــــــــــــــداد – العـــــــــــــــــــــراق
*****
الرسالة الخامسة من فوق الانقاض
صـــــــباح ســـــــــعيد الزبيــــــــدي

قال يول ت س اليوت :" لقد تلوثنا بقذارة لانعرف كيف نغسلها قذارة متحدة بالهواء ".
صديقي الوفي ..
بهذه الكلمات الرائعة أبدأ رسالتي الخامسة .. لقد ذكرت لي أمور كثيرة يمر بها شعبنا العراقي المظلوم وعن حرمانه من أبسط الحقوق الإنسانية .. وأيضا ذكرت لي حول مسائل الحب والرحمة والعلاقات بين الكائنات الحية وعلاقة الإنسان مع أخيه الإنسان والواقع الحالي الذي تمرون به وخاصة من ناحية توفير ابسط مستلزمات الحياة اليومية المعاصرة ومن بينها الكهرباء.
من المعلوم يا صديقي أن للهيمنة الأمريكية والطبيعة العدوانية والشرسة لها ليست مجرد طور جديد في علاقة الأمريكيين بالشعوب الأخرى فالتعطش المحموم للسلب والنهب والرغبة بالتوسع والسيطرة على مصادر الثروة الجديدة وتشييد أكبر الإمبراطوريات في التاريخ هي صفات وراثية مكتسبة من أسلافهم .
ولابد من العودة إلى شتاء عام 1990 لنتأكد مما قاله جيمس بيكر عندما أبلغ الأسير الحالي طارق عزيز " إن الولايات المتحدة ستعمل على إرجاع العراق إلى العصر الحجري ".. وهكذا تحقق هذا الرهان المخيف وكما قلت لي برسالتك إننا ماضون بسرعة نحو العصر الحجري.
فالظلام هو عدم وجود النور. . ومماثل لذلك أن الشر هو عدم وجود الخير. . لأن الظلام لا تمييز فيه بين الطيب والخبيث ولا بين الحسن والقبيح.. وهكذا استطاعت قوى الاحتلال بكل أصنافها وأقصد هنا قوات الاحتلال الأمريكية وحلفائها وقوى الشر والظلام الإرهابية التي وفدت إلى العراق من بلدان عربية وإسلامية عديدة إلى إغراق العراق بظلام أسود .
وهكذا أصبح الشر هو المنطلق الرئيسي لكل الآثام الاجتماعية والشخصية التي ترتكب فوق تراب العراق الطاهرة. فالعلة الأساسية للأمراض الأخلاقية في المجتمع العراقي في الوقت الحاضر هو الشر.. والشر يا صديقي جاء إلينا مع دعاة الديمقراطية وبناء العراق الجديد ومع القوى الدينية المتطرفة والتي تتبنى نهجاً تكفيرياً وعنفيا يتعارض مع المبادئ والقيم الدينية والأعراف الإنسانية .

لقد كان العراق محكوما من قبل قوى وثنية اتخذت من عبادة الشخصية وتقديس الفرد طريقا في بناء المجتمع العراقي حيث كان لها طقوسها وأدواتها وأسلوبها وكَهَنتها ولكنها في النهاية أصبحت عقبة أمام تطوير النظام ومسيرة الحرية والديمقراطية وكانت علامة من علائم النقص في الرشد الاجتماعي وأدت إلى الانحراف عن طريق الخير والسعي نحو السعادة الكاملة.
وبعد سقوط الحكم دخل العراق مرحلة جديدة هي مرحلة الشر وجذوره التي غرستها القوى الوثنية الجديدة فهؤلاء الكهنة الذين أحاطوا أنفسهم بهالة القداسة والمعصومية ولا نعرف هل هم رجال دين أم سياسة والذين يحشدون بهائمهم يوميا لتمارس علنا طقوس عبادة الشخصية .
لقد ذكر الله تعالى : (إن النفس لأمارة بالسوء ) يوسف : 53، ونتيجة لذلك تبقى مشكلة الشر من أهم المشاكل التي تواجه مجتمعنا العراقي في العهد الوثني الجديد .
لأن مشكلة الشر هي أساس المشكلة الأخلاقية. . فالشر هو نقيض الخير في كل الأبعاد التي يمكن تصورها وهو أعظم درجة من درجات الفساد الأخلاقي التي يمكن تصورها عند العقل البشري..
فوجود الإنسان في هذه الحياة يرتكز تماما على العقل وأن العقل هو المحرك الأساس لانطلاق تصرفاته .. وأن الإنسان عندما ميز النور عرف الظلام و لما استطاع إدراك الصباح استطاع أن يعارضه بالليل وبالمساء.
فالتطور هو في الأساس سر بقاء وثبات وديمومة الأفراد والمجتمعات والقيم ذات التحسين العقلي المؤصلة لذلك التطور والتقدم فيما يتعلق بتيسير وتسيير حياة المكونات المجتمعية اليومية, ويساهم ذلك في تخفيف وطأة عبء وثقل الحياة العصرية المعقدة.
فقد يستطيع الإنسان تنمية عناصر الخير والجمال والحب عبر استثمار حصة التقوى الموجودة في نفسه.
فإذا أحب الإنسان الفجور وعمل به أصبح فاجراً فاسداً، وإذا أحب الخير وعمل به أصبح تقياً خيرا.
إن طريق الخلاص، من أجل تحقيق إنسانية الإنسان هو الصبر، والتواضع، واللطف، والشفقة والرحمة وغيرها من الصفات الحميدة.
ولنعمل معا يا صديقي وكل الشرفاء في داخل الوطن وخارجه من أجل اجتثاث جذور الشر من تراب عراقنا المقدس وستكون كتاباتنا كالعاصفة التي في النهاية ستقلع أوتاد خيام الغزاة وعصابات القتل والفتن الطائفية وقوى الإرهاب والظلم والظلام.. وسنبقى حاملين وإلى الأبد مصابيح الفرح الآتي لكنس الظلام والقهر والظلم عن دروب وطننا الجريح ..
أخوكم
صـــــــباح ســـــــــعيد الزبيــــــــدي
بلغراد – صربيا
sabah@sezampro.rs
sabah@sezampro.rs
**********[/QUOTE]

قرأت وتألمت ولحبي لهذه الأحاسيس الوطنية قررت تخليصها من كل خطأ نحوي أو إملائي وليس لي من قول إلا أن يحميك ربي ويحرسك من كل شر يلم بك وليت هذه المشاعر تغزو جميع قلوب العراقيين حتى نتخلص من هذا العذاب الذي يربض على صدر العراق.

أقرأ لك لأول مرة ولكنك استطعت أن تتغلغل إلى روحي بحسك الوطني بعد أن ماتت قيم الوطنية عند الكثير

اعذرني لتطفلي على النص فقد كان محبة به هذا التطفل

تحياتي ومودتي

صباح الزبيدي
02-01-2010, 01:45 AM
كم انت رائع فى حضورك وحضور قلمك الراقي بحبره يا أستاذ علي سعدون ..
وما أجمل روحك حين ترقص كنوارس على أمواج كلماتي ..
محبتي الدائمة لك يا أبن مدينتي العمارة الحبيبة.
ودمت للطيب والمحبة دوما.

سعدون جبار البيضاني
02-03-2010, 11:46 AM
الشاعر والاعلامي المبدع صباح االزبيدي
احييك على اسلوبك الرائع في الطرح لأيما موضوع لانك تكتب بصدق كبير
حياك الله على هذا الحب المفرط والولاءللعراق
ولمدينة العمارة يالذات .. هذه الربوة كانت ملعبا لشبابينا وكانت مرتعا
انت كما عهدك قبل اربعين سنة قبل ان يفرقنا
الزمن .....لك مني محبة وشوق ..شوق غير عادي ..انه عمر،زمن ..غربة

عواطف عبداللطيف
02-05-2010, 06:23 AM
الأستاذ صباح الزبيدي
هو الظلام الذي طغى على كل شئ
نحتاج الى خيط نور
من أجل الأستمرار
فالعراقي يفتقد الى ابسط موقات العيش كأنسان لشحة الخدمات

دمت بخير
تحياتي

صباح الزبيدي
02-05-2010, 11:58 PM
الشاعر والاعلامي المبدع صباح االزبيدي
احييك على اسلوبك الرائع في الطرح لأيما موضوع لانك تكتب بصدق كبير
حياك الله على هذا الحب المفرط والولاءللعراق
ولمدينة العمارة يالذات .. هذه الربوة كانت ملعبا لشبابينا وكانت مرتعا
انت كما عهدك قبل اربعين سنة قبل ان يفرقنا
الزمن .....لك مني محبة وشوق ..شوق غير عادي ..انه عمر،زمن ..غربة

القاص الرائع والاديب المتألق صديق العمر
الاستاذ سعدون البيضاني
قديما قالوا المستحيلات ثلاثة :
الغول والعنقاء والخل الوفي
والغول اسطورة .. والعنقاء خرافة .. ولكن الخل الوفي موجود وهاهو انت ياصديقي الوفي
وصدق الشاعر حين قال :
وليس يعرف لي فضلي ولا أدبي * إلا امرؤ كان ذا فضل وذا أدب
و الشاعر القروي جعل الصداقة فوق كل شئ حين قال:
لاشيء في الدنيا أحب لناظري
من منظر الخلان والاصحاب
وألذ موسيقى تسر مسامعي
صوت البشير بعودة الأحباب
تحياتي وتقديري لك ولكل الاعضاء في نبع العواطف
وبالاخص اختي الفاضلة ورفيقة دربي في غربتي الطويلة
الانسانة الرائعة والعراقية الاصيلة الفاضلة عواطف عبد اللطيف.