مشاهدة النسخة كاملة : سفر السفرجل
الوليد دويكات
05-04-2013, 12:35 AM
سفر السفرجل
الوليد دويكات
05-04-2013, 12:38 AM
سفر السفرجل
( 1)
سُفُنٌ لا تصل ... موانيء بلا مرافيء ... أشرعة بالية ...مجاديفٌ محطمّة ..
يا امرأةً من زهرٍ وعوسج
يا امرأة من نورٍ ومرمر
ها أنتِ أيقظتِ داخلي
بقايا مهنة قديمة
وعدتُ أمارسُ الكتابةَ لك
وأبحث في مدائن الحروف والكلمات
وسأكتبُ لك مجموعتي الجديدة
قد أسميها ( سفيرة الحب ) أو ( مذكرات شاعر أحبّك )
أو ربما عنوانا غير ذلك قد أستطيع العثور عليه فيما بعد ...
المهم ، أن تصدرً هذه الخواطر ، أن أمنحها حضورا آخر لا خريف فيه ..
فهكذا هم العشاق ، يحاولون الإنتقام من المصير الذي يلاحقهم كما يطاردُ الخريف أوراق الشجر
أنقذني حضورك المفاجيء في ليلة عشتها معك حتى بزوغ الفجر ... ونسجَ خيوطه الجميلة
أنقذني من حالة اليأس التي كانت تُحيطُ بي من كل صوب ...
منحني حضورك هذا ..عناوين لأيامي القادمة ، تلك الأيام كانت خالية من أي عنوان ...
وكنتُ قبلكِ أفتشُ عن قصيدة ، وأحاولُ أن ألملمَ حروفها المبعثرة ، أو أقضي الوقت باحثا عن عنوان لها ، كنتُ أشعرُ بحزن وفرح ...
فرح السفر في كلماتٍ لا يملكُ الحقَ في وأدها غيري ، أو منحها الحياة الدائمة في ديوان شعر جديد .
صعوبة التنقيب عن مفردات تائهة في كيانِ شاعر مات عندما طعنته تلك الجميلة ...وسرقت موطنَ بوحه وغادرت ...بعدما نامت في شريانه ، وتجولت في رئتيه ، في قلبه ونبضاته ، في سهره ونومه .... كيف أيقظتِ يا أنتِ كلَّ هذا النائم بي ؟؟
يا امرأة من زهرٍ وعوسج
يا امرأةً من نور ومرمر
الوليد دويكات
10-06-2014, 06:51 PM
سفر السفرجل
( 2 )
لذاكَ المكانْ ...حكاياتٌ لا تشفى منها ذاكرتنا
لذلكَ أكتب ، أرسم ، أمزج الأوان ، ثم أمارس السفر
يقفز للذاكرة فجأة صوتُ ضحكة ، تتنامى عُلوّاً وانسجاما حتى تطرق مسامعي
ترتسمُ دون أدري إبتسامة على شفتي
ويدور في ذاكرتي المُتعبة ، شريطٌ عتيق ...
صوتُ الهاتف ..رسالة منسية في صباحٍ جديد ...أسئلة متنوعة ،
أينَ أنت؟؟ كيف حالك ؟؟ وغيرها من عباراتٍ تَسبقٌ علامة الإستفهام
أسارعُ إلى مطبخي ، أعدُّ فنجانَ قهوة ... أشعلُ لفافةَ تبغ ، أرتّبُ الأوراق المتناثرة فوق
مكتبي ، وكأنني أفْسحُ لك مكاناً هنا ... لنتقاسمَ هذا الحديث
أنظرُ لمسوداتٍ لم تكتمل ، قصائد جديدة تنتظر حروفا قليلة لتتحول
من قصائد لذاكرة ... من كلماتٍ إلى شيء ينبضُ ويعرفُ معنى الحياة
أرشفُ قهوتي مرَّةً على غير العادة ... ربما لأنَّ المرارةَ أصبحت مذاقاً نعرفه
جيدا ... أراقبُ قصائدي الغير مكتملة ، أجدك فيها ، فقبلكِ لم أعترف بقصيدة كتبتها
ومعكِ كتبتُ قصائدي فكنتِ أنتِ ..فمنحتها ذاكرتي
كُنتِ دائما تستغربين ، لماذا أعيشُ وحدي ، وأكتبُ وحدي ، وأسافرُ وحدي
ربما لأنَّ جميعَ الوجوه متشابهة ، وجميع الأحاديث واحدة ..لا شيء يجذبني
أليست الأحاديث تُشبه أصحابها !!
تستيقظُ مثلهم كلَّ صباح ..لكنها تنسى
أن تسرَّحَ شعرها ، أو تلبس ربطةَ عنقٍ تلائم
أناقة الوقت ، تفيقُ كل َّ صباح دونَ أن تستحمَّ
وتغتسل ، فتبدو ملامحها مرهقة .. وتجلسُ
في الطرقاتِ تنالُ منّا ، وتنسجُ الحكاياتِ المُزوّرة عنا ...
هل الآن وجدتِ الإجابةَ على تساؤلكِ لماذا أنا وحدي ودائما وحدي !!
هناكَ من الوجوه لها أحاديث بارعة في الكذب ، تختفي تحتَ عنوان
الصداقة ، الزمالة ، وغير ذلك من العناوين المنسية ...
صدّقيني كل واحدٌ منهم لصٌّ على طريقته ...
لسفر السفرجل ...محطات ...أخرى
الوليد
جرزيم
الوليد دويكات
10-06-2014, 06:52 PM
سفر السفرجل (3)
سيوفٌ مُحطّمة ...عواصمُ تحترق ..نساءٌ بلا جدائل
هذه ملامحُ الغربة الجديدة
بعدَ مُنتصفِ الحنين
كان صوتُكِ يحملُ كلَّ اللغات
فملأ جميعَ ثُقوبِ الذاكرة
وتجاوزَ جميعَ الجراح
أنا الذي أعرفُ كيفَ أروّضُ
هذا الجُموح الهارب بك
ربما لهذا السبب تعلّقتِ بي!!
أنا وحدي أستطيعُ تحديد الحلقاتِ المفقودة من عمرك
وأعرفُ هذا العاشق الذي لم تلتقيه بعد
وتلك الدروب التي تسكُنكِ ولا تسكنينها
وتلك العاصمة التي تعيشُكِ ولا تعيشينها
وتتجولين في شوارعها وأزقتها دون حب
وتسيرين في جوانب ذاكرتها دون إلتفاتة
لأنّكِ مدينة أكبر من حجمها
كانَ صوتُك خافتاً جدا بما يكفي لزرع
أزهار الإحتراق في ذاكرتي
أكنتِ تخافينَ أن تنتبه له تلك الموجة
الراصدة لنبضاتِ قلبك ؟
يومان ...هما المسافة الباقية
للرجوع إلى مسرح البوح
من عاصمةٍ منسية ...إلى سفحٍ أنامُ تحتَ ظلال أشجاره
ستعودين لتجدي ما تجهلينه
وأنسى ما أعرفه
ربما هذه خلاصة الحب بيننا !
آه لو تعلمين ...
كم هي ثقيلة تلك الهواجس
وما أوجعَ الرغبة التي يلاحقها عشرون مستحيلا !
هل يمكنني اليوم ..
أن أعيد صياغة الشوق الدفين
بعدما حاصرتنا الأيام
وتحطّمت جُسور الكلام
وحدكِ من تُحبُّ أن تستمعَ إليْ
وتُقلبينَ حروفي كدفترك القديم
وحدكِ التي تعرفُ مخارج مفرداتي
وعناوين وجعي
لهذا كانَ لابدّ أن أكتب لك هذا الجنون
الوليد
نابلس
22/4/2011
الوليد دويكات
10-06-2014, 06:54 PM
سفر السفرجل ( 4 )
قبل أن أشربَ قهوتي المسائية
وعشراتُ السجائر تحترقُ في صدري
جلستُ أستعرضُ عدد الوجوه التي تلاحقك
فتسعدينَ بها ..
عدد الذين يبعثون لك رسائل الصباح
حاولتُ أن أنشغل ببعض الأمور
كي لا أتخذَ قرارا عاجلا ..
تفرغتُ لكِ فيما بعد
ووضعتُ كلامك أمامي
وتخيلتُ نوع الحروف التي تصلك
شكل حبر الرسائل
في هذه الأثناء ..
كانَ همسٌ داخلي يحاصرني
يُخبرني أنّكِ ستأتينَ في موعدك
وسيمنعني من التركيز في أيّ شيء
حاولتُ أن أقنعني
نسيانَ وجودي على رصيف الكلمات
لأجلك ...
نعم كنتُ كلي أنتظرك
وأتيتِ ...ووجدتني أسألُ نفسي :
ماذا سأقولُ لك لو انفردتُ بك ؟
كيفَ سيبدأني الحديث ؟
كيفَ يمكنني إغراءك بالعودة لي من جديد
وأنا الذي طلبتُ منك أن ترحلي
وأنا الذي كنتُ أقسى عليك من غربة ومنفى
كيفَ أستطيع بعد اليوم أن أخبرك أنني أشتاقُكِ جدا
يا لؤلؤتي النفيسة ...
أنتِ وساعتي الجدارية
تعلمان بحجم إنتظاري لك
بحجم إنشغالي بك
ربما تأخرت كلماتي كثيرا
لأنّكِ مللتِ من هواء مُلوّث
وتفاحة ملغومة ..
أدركتُ اليوم أنني فقدتُك ..
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد دويكات
10-06-2014, 06:55 PM
سفر الســـــفرجل ( 5 )
في المحطة الخامسة ... داهمني الخريف
وتوقفت الرحلة ... وحزمتُ حروفي ،
وحقيبتي ، وغادرت ...
مزقتُ كلَّ أوراقي ، وأخبرتُ الليل إستقالتي
جميلٌ أن أستعيدَ النهار خاليا من تعب السهر
من رحلة اللغة ... من وجع الوقت .. من خيباتي
المتكررة .. من الولوج لمدن الشك والحزن ...
كانَ لا بُدَّ أن أحزم حقيبتي ...وأغادر
أخذتُ هذا القرار في ليلة هادئة ... دون أن أفكر
هل كنتُ الرابح أم الخاسر الوحيد .. لم أستطع أن أعرف ؟
ربما هي رغبة جامحة أن أعيشَ معي وحدي ..في حياة كما رسمتها
دونَ أن أعكر صفو العابرين / العابرات في فضاء حروفي ...ربما أخون
القصيدة ، حين أغادرها دون سابق إنذار ...
ونحن الذين كنّا نكتشفُ أننا نتكاملُ بصورة مذهلة ...
عليَّ أن أعيد ترتيب ذاكرتي من جديد ، بعيدا عن الأوراق والحبر ...
وبحور الخليل بن أحمد ...
عليَّ أن أمارس السهر في أجواء بعيدة عن التأمل ، والبحث والتنقيب عن مفردة ..
هنا كنتُ ... ومن هنا سأقدّم استقالتي ... وأعود لي ..
تاركاً ورودا من روابي الأرض المحتلة للعابرين والعابرات ...
ربما كلما فاح عبيرها في المكان ... أستقبل تحية منكم ، تحملها الريح القادمة من خلف الحدود ...
فترسم بسمة على وجه زوجة شهيد ، وطفل ينتمي لأسير ، ووالدة جريح ...
حزمتُ حقيبتي وسأغادر ... صوبَ مدينة أخرى ...لا شعر فيها أو كلام ...
لا مرايا ، لا وجوه ..لا أصدقاء ... داهمني الخريف ...وتوقفت الرحلة ...
الوليد
نابلس المحتلة
الوليد دويكات
10-06-2014, 06:57 PM
سفر السفرجل ( 6 )
عذبٌ هو مذاق القهوة هذا المساء ..
تركتُ جرائد الصباحِ كما هي ، فحبرها مكرر
وعناوينها مقيتة ، هذه الجرائد تعطينا الخداع والكذب بصورة مختلفة في كل صباح
حتى الصور والعناوين الرئيسة تكادُ تكون واحدة ...
هذا المساء ...
أراك أجمل من أيّ وقت ، أراني أتنقلُ في ملامح وجهك ، وأفتّشُ عن بصماتٍ خرافية
تركها الجنون ، أجدني أتأملُ في شفاهك وحمرتها الرقيقة ..
عذبُ هو مذاق القهوة ..
لم أعد أكترث بالجرائد ..
ما زلت أمامي ... تلبسينَ ذات الثوب الذي يجذبني أكثر ، وتلبسين ذاتَ الوجه الذي ما زلتُ أحفظُ
ملامحه .. وجهُك الذي أعشقه ويجذبني ، وتلك الإبتسامة المرسومة بدقّة ..
كانَ عليَّ أن أعود ، وأجدد حرائق اللهفة لك ، فأنتِ امرأة تجيد العشقَ والحرائق
وتعرفُ كيف تجعلني في لحظة بحث وشوق ..
ربما من الصعب أن نعود للكتابة بعد أن نتخذ قرارا بالعزوف
وهذا يشبه علاقة حب بين عجوز ضحك عليه الزمان وسرق سنين العمر منه
وبين قصيدة في مقتبل العمر ...
ذاك يسكنه الإرتباك والقلق
وتلك عذراء لا تٌشبعها حروف الأبجدية
لذلك ...
سأعتبرُ ما أكتبه الآن لك
هو مجرد تمرين للعودة من جديد لممارسة الجنون والسهر والكتابة
ربما ...بين أول حرف وآخر حرف تغيرت الكثير من الأشياء
مشاعر اولئك الذين يحبوننا ..وينتظرون حروفنا ..
وجوه جديدة ستعانق كلماتنا ، آخرون سيجددون الغمز واللمز ..
ربما أشياء كثيرة قد تغيّرت ...
لكنني أجد للقهوة هذا المساء مذاق عذب
ولم أكترث بما جاء في عناوين الجرائد ...
ويبقى وجهك أمامي
الوليد دويكات
10-06-2014, 06:59 PM
سفر السفرجل ...7
في مساءٍ يختلفُ عن مساء سابق ...أخرجَ كلَّ شيء في جوفه ،
كانت الأرضُ تدور تحت أقدامه ،
وصل لمستشفى وسط المدينة ، وكلُّ شيء داخله يتمزقُ ألما
نام على سرير يقبعُ في زاوية معتمة
في قاعة الطواريء ...قاعة تنتمي لكل شيء إلا للطواريء ...
أشفقَ أحدُ المرافقين لمريض ، وصرخَ ..أين الطبيب !!
حضر الطبيبُ واستغرق وقتا في البحث
عن إجراءات الدخول والتسجيل ...بعدها ...
يُصدرُ الطبيبُ قرارا ...يجب تحويله لمستشفى غرب المدينة ...
وقفَ مجددا ...كلُّ شيء داخله قابل للتمزق ...
وصل لمستشفى غرب المدينة
المكتظ بالناس واللاناس ...وهناك الرتابة القاسية
والملل الغريب والإنتظار القاتل ...
سامح الله من حمله لهذه المستشفيات ،
ماذا كان لو حمله لمستشفى خاص ، هناك
تنوب عنا النقود في جلب الإحترام والعناية التي نبحثُ عنها ...
وصل الطبيب ...وأسئلة كثيرة له وهو يتلوى ألما ...
ثمَّ بدأت الحقنُ تنهال عليه ، هذه في يده ،
وتلك في جنبه ، وهذه لأخذ عينة من الدم للفحص ،
بعد ثلاث ساعات من الموت البطيء
على سرير الشفاء ( الموت ) ، استعرض المكان ،
شكل الوسادة التي استقبلت العديد من الوجوه ،
كل وجه يختلف بأحلامه وآلامه ...لون الطلاء على الجدار
أرضية المكان ، ملامح الممرضة ،
ووجه الطبيب الغائب عن ملامحه إبتسامة ضلّت طريقها ..
كلُّ شيء هنا قابل للموت ... أشياء كثيرة يستعرضها في خياله ،
وكيس الجلوكوز المعلق في يده
اليمنى يكادُ يفرغ ...وآلامُ مستمرة ...
الوليد
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:01 PM
سفر الســــــــــــــــفرجل (8)
سقوطٌ من الطابق العشرين
ورودٌ ذابلة ..
زنبقَةٌ تُحاولُ التمردَ على رتابة المزهرية
أرشفُ ما تبقّى في فنجان قهوتي
نسمةٌ خجولة خلف ستائر النافذة
هواجسُ في مرايا الذاكرة
لا أستطيع أن أرتبَّ ذاكرة الوقت
أدنو قليلا منك / مني
لا صوتَ يرتدُّ لي ..
قلبٌ أصم .. وعيون حالمة
كنتُ قبلَ اليوم أثقُ في اللاشيء
وأفتّشُ عن ما لا أريد
كنتُ ملتزما بدفع فاتورة الماء
حتى لا أترك الأزهارَ ظمأى
كنتُ حريصا على بقاء هاتف منزلي
لأبقى في تواصل مع عامل السوبرماركت
ليحضر لي لفافات التبغ وقليلا من القهوة
شاهدتُ وجهاً قد تَغَمَّسَ في النّدى
راقبته ...وقرأتُ بعضَ ملامحه الرقيقة
وكأنّ هذا الوجه يعرفني تماما
قد نتفق ...في عشقنا الأزلي لرائحة الورود
علينا أن نقاومَ الريح الشمالية
ونُعيدَ للحقل العصافير المهاجرة
فقط ...كي تستمر الشمس في الحضور في موعدها الصباحي
يا أنتِ ...يا مهجة الروح ويا وجع الكلام
رفقا بقلبٍ نابضٍ بين المسافة والغياب
أنا لغةُ اللقاء ...
حديثُ المساء ..
بي ألف أغنية لم يغنيها سواي
كم مرة سأقول لك ... كم أحبك
الوليد
لسفر السفرجل ....محطات
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:02 PM
سفر السفرجل ( 9)
سأمنعُ قلبي من حديثِ المساء
وأمنعُ الفراشةَ من الإقتراب صوبَ
زنبقتي الوحيدة ..
أدري بأنّي أعيشُ بين مُفكرتين متناقضتين
نعم ...
هذه للفرح ...وتلك للشجن
كيفَ أنسى كلَّ شيء ، وكلُّ الدروب كانت تقودني نحوك
شارع المدارس ، رسائل عتيقة ،
نوافذ كانت تخرج منها النساءأمامي جاهزات للعشق ..
لماذا قادني قلبي إليك أنتِ بالذات ؟
وتسمَّرت قدماي ، وتناثرت تلك الدموع التي كنتُ أحتفظ بها
منذ زمن طويل لمواسم الصقيع والخيبة ...
لماذا تخيَّلتُ أنَّكِ الحلم الذي لطالما راودني ؟
وأنّك فتاة طبق الأصل عن تلك التي رسمتها منذ عقودٍ في خيالي
هذا الجدار الصامت الذي يُحاصرني في وحدتي ،
أرحمُ بي منك لو أفرغتُ دمعي أمامه ،
سوفَ يجهشُ بالبكاء ...
ولو اتخذتُ من صمته البارد وسادةً لي
لخرجَ منه ما يكفي لينشر الدفءَ في عروقي
لو ناجيته : يا حبيبي ،
لأجابني حجره المتماسك في الصلابة...
نعم يا حبيبي ..
كلُّ شيء كانَ استثنائيا في ليلةٍ استثنائية ..
راودني شعورٌ أن لا أبرحَ سريري في الصباح
وعدم مغادرته لوقت طويل ،
ربما يعود ذلك لمتاعب البارحة ...
وربما كان عليَّ أن أهيءَ نفسي للسهر ومتاعبَ جديدة ..
وربما لأنني لم أعد أقوى على تحديد وجهتي ،
أين يمكنُ أن أذهب...
لأنك تختبئينَ لي في كل منعطفٍ وزاوية في شوارع ذاكرتي ..
أيقنتُ بعد تفكيرٍ عميق ...
أنَّ السرير هو المكانُ الوحيدُ الذي يمكنُ أن أهربَ إليه ...
أو على أقل تقدير ...
أستطيعُ أن أفكر بك دون وجع ...
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:05 PM
سفر السفرجل 10
في هذه الليلة ... ما كانَ يدورُ في خاطري أن أنفقَ معك
سطوري كلها في ورقةٍ واحدة ...
شعرتُ برغبةٍ لأوقظَ رغبتك الكامنة في معرفتي أكثر ..
فأخفيتُ عنك الكثير من كلماتي ، كي أضمن بحثك عنّي
ورجوعك إليَّ مرّة أخرى ... وعندما إكتشفتُ أنَّك تنتظرين عودتي
شعرتُ أنني نجحتُ في الإختبار الأول معك ...
كنتِ قريبةً منّي أكثر من أي شيء .. وكنتُ صادقاً معك في كل شيء ..
لمحتُ حرصكِ على قلمي وحرفي
ورغبتك في خروج عملي الجديد للنور هذه اللهفة التي تسكنُ حرصك ،
وخوفك على حرفي ، يجعلني أجزم أنّك متفردة
في حضورك في ذاكرتي ، وأنّك حبيبتي التي طالما بحثتُ عنها ...
حبيبتي التي تستوعبُ مزاجي المتقلب ، ومشاغباتي ،
وكثرة الغيوم التي تُغطّي فضائي ...حبيبتي التي جعلتني أقتنعُ أنها
لم تكن يوما ( نجما مُذنّباً) سرعان ما يختفي
من السماء بعد أن يبعثَ الضوء في سماء صيفية ،
ويهربُ دون أن يترك أثرا ... أما أنت فكنت قمرا دائم الحضور ...
ينير السماء ، يبعثُ الأنوار في خبايا النفس المعتمة ..
في هذه الليلة ...جاء صوتك خافتا ، كأنّك لا تتحدثين لأحد غيري ...
علمتُ منك كيف ترقبينَ حرفي وتبحثين عنه في الصحف والمجلات ...
وكيف يترك أثرا مختلفاً في نفسك ...
وكيف تعتبرين أبجديتي ليست كغيرها من الأبجديات
وحين رسمتِ تلك الضحكة التي تأخذني بعيدا ...
وقلت لي : يا حبيبي المدلل ...
كانت ملامحك غير كل الملامح وأنا تائه في تفاصيل ضحكتك الجميلة ...
ما زال هاتفك يُحيّرني لغزه ، فكل الطرق إليك لا تقودني ...
أفتّشُ عنك أشتاق لهمسك ، أشتاقُ لبداية حديثك حين تتحدثين ،
وكيف تتسللُ ضحكتك بين الحروف أحاول أن أستعينَ بها
وأنا أستعيدُ شريط حديثنا ، وأشعر بسعادة وأنا أختصر المسافة والإنتظار
إنتظارك أنت ..ربما أحتاج لليلة حب بعد سنواتٍ من الوحدة ،
والركض في روابي الروح وأنا أعدّ كل التفاصيل لهذا اللقاء ...
كم أحبك ...
الوليد
لسفر السفرجل ...محطات
حميدة العسكري
10-06-2014, 07:07 PM
رفقا بنا ياسيد الشعر من هذا المطر
فان سقوفنا اوراق ورد أو اجنحة فراشة
فأين يلتجئ الهارب من المطر؟
قرأت يوميات رجل نظمت على طريقة شاكلت في (شكلها لا مضمونها )
ما قرأته للكاتب العراقي عبد الستار ناصر
والذي يحمل عنوان اوراق امراة عاشقة وقد جعله بجزأين
الاول بعنوان اوراق رجل عاشق والثاني بعنوان اوراق امراة عاشقة
الكتاب الذي عارضته أنا ونشرت فيه يومياتي بعنوان قرطاس حصري للخلود (اوراق امرأة عاشقة)
لغته فيها مباشرة عذبة لكن استوقفتني هنا عذوبة حرفك
تماما كعهدنا بك
الوليد شموع فرح أوقدها في المكان واغادر على أنامل قدمي
كي لا أقلق انسياب الروح بين ثنايا البوح
تحيتي لك
ومودة
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:09 PM
سفر السفرجل (11)
لو نظرتِ جيدا للشمس لحظة الغروب
وأصغيتِ جيدا ...ستسمعينها وهي تعانقُ التلال
لو تأملتِ وجهكِ في المرآة ...
وانتبهتِ لملامحك ، ستعرفين كيف ينبتُ الحرفُ
في نصوصي ...وتُزهرُ الكلماتُ في سطوري
النّصوصُ لا تتطابق وإن تشابهت ، هناك دائما
مفاتيح خاصة تفتح كل نص ...
كنتُ ...رجلاً تجذبني الوجوه ، ربما لأنَّ وجوهنا تعرفنا ،
وهي وحدها تشبهنا
ووحدها القادرة على إفشاء أسرارنا ...
لهذا كنت دائما تستوقفني الوجوه وتجذبني
وغالبا ما كنتُ أشعر بالحب ينسللُ داخلي من تأثير وجه ،
وكذلك الأمر كنتُ أشعر بعدم الإرتياح لذات السبب ...
لكن ...كنتِ غير الوجوه ، ولم أشعر أنني تعلقتُ بك من النظرة الأولى
أستطيع أن أخبرك ..أنني عشقتُكِ قبل النظرة الأولى .
ألف شيءٍ كانَ فيكِ يجذبني ...أشياء لا أعرفها ،
لكنها تعابيرك كانت تشدُّ انتباهي
وملامحك كانت تستوقفني .
شعرتُ أنَّ امرأة تشبهك كنت أحببتها ذات يوم ..
وربما منذُ بدء التكوين كنتُ
مجبولاً لأحب امرأة تشبهك ..
منذ زمن طويل وأرى وجهك يلاحقني بين كلّ الوجوه ..
أحياناً أجدني على حافّة البكاء
وأنا أنفرد في نفسي في حجرة أحفظها وأعرفُ كلَّ تفاصيلها
دعيني أفاجئكِ هذه الليلة ، وأتسللُ لكِ وحدك ، وأقدّمَ لك السيرة الذاتية
للعشق ، دعيني أدهشُكِ وأنا أرتبُّ الحروف في ثوب قصيدة
وأجعلكِ تشعرين بنبراتِ قلقي وتوهجي ...
دعيني أيتها الأنثى التي تستطيعُ أن تُرتبَ فوضويتي
وتُشير لي برمش عينها ، هنا أخطأت ، هنا أصبتْ
دعيني أدهشكِ هذه الليلة .. أقتحمُ وحدتك ..
وأنتهزُ الشوقَ وأدنو منك أكثر ...
لسفر السفرجل ....محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:10 PM
سفر السفرجل (12)
إلى حكيم النبع ...الأستاذ الكبير / عبد الرسول معلة
( رحمه الله )
فاجعةٌ كبيرة ، تسللت حروفها هنا ، في ليلٍ طويل ،
في مخاض الخيبة والمرارة ...
في ليلةٍ ... كنتُ مسكونا بالرفض وعدم التصديق ،
وبرغبة جامحة في المجابهة والتحريض ..
لن يغيبَ قمرُنا ، سنبقى على موعد المساء حين يعود
التيار الكهربائي
في بلاد الرافدين ، ليتواصل معنا ...
كنتُ أشعرُ بالعنفوان والقوّة ، وينتابني شعور بالمتعة ،
وهو يعانق حروفي ويبثُّ فيها
الروح ، ويُشعرني بأنني أجيد الأبجدية ،
وأنه يرصدُ حرفي ويتتبعُ كلماتي ...
كان دائما على موعد مع كل محطّة من محطاتي هذه ...
ويقول لي في ذيل كل تعقيب يُزيّنُ به نصّي ...
أنتظرُ الحلقة القادمة ...فأردُّ عليه : عبورك فضاء النص
هو شهادة عبور للنص ....
تُرى هل سيمنحُ هذا النصَّ شهادة عبور ويفاجئه بالمرور !؟
لماذا أكتبُ الآن ، وأنا من قال في أول ردّة فعل :
سأغادر النبع ! لن أستوعبَ أنَّ سيده
رحل ...لماذا أكتبُ إذن ؟!
تراني أردتُ أن أكون وفيّا لذاكرة نلتقي فيها ؟
أم هي الرغبة لتعويض حجم الفقد ؟
ربما سطوري اليوم تقفُ على حافة اليأس والجنون ،
ربما أحاولُ أن أخرج من مدينة مُحاصرة بالدموع ،
صوبَ مدينة نام فيها حكيمنا ... واستراح إلى الأبد .
أه عبد الرسول ..كم تغيّرت الدنيا منذ ذلك الوداع ..وذاك اللقاء ..
أنتَ وحدكَ من أنهيتَ قصيدتكَ ...
أنهيتها على لسان بطلها ...
وقلتَ لنا وبشكل مفاجيء ...
ونحنُ نُسافر في حروفها وبيانها وجمالها ...
قلت لنا : ( وداعا أيها الأحباء ...وداعا ) .
لسفر السفرجل ....دموع وأحزان
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:12 PM
سفر السفرجل ( 13)
هي الصدفةُ تُخرجني من النوافذِ من جديد
من حديث المساء ، وقهوة الصباح ، وحقائب الغياب
لأجدني في محطّة أخرى ، ليست للموت ، أو للحب ..
وإنما للألم ..
ونافذة أراقبُ فيها كلَّ شيء لا يعنيني
فأنا هنا لا أملك سوى المراقبة
ومتابعة النوارس ...وتدفق الحروف في أوراق ليست لي
أشعرُ ولأسباب غير واضحة ، أنني أصبحتُ
وحدي مرّة أخرى ..
الأحداثُ تجري مسرعة ..وهواجسي تأخذُ منحنى
مختلفا بين لحظة وأخرى ..
رغم كل ذلك ، أذكر آخر حديث كان بيني وبين حبيبتي
أذكرُ حضورها الأخير وتفاصيل هذا الحديث ..
ومتى كانت الإبتسامة ترتسم على وجهها ..
ومتى كانت الضحكاتُ تعلو ...
وكيف كانت أسئلتها تلاحق أجوبتي المتراكضة ..
وكيف بقي اسمها عالقا في مخيلتي ، وكيف لم أحذر
من حروفه وهي تسكنني ، وأرتبها في ذاكرتي
كما أشتهي ..
شيءٌ ما .. يجعلني أنتظر الصباح لأتابع الوجه الآخر للشمس
ربما رغبة مني في الخروج من العتمة ..والليل الذي يعرفني
وأعرفه منذ زمن طويل ..وفيه وهبني حبّك حروفا جمعتها
في كتاب يتهيأ للخروج ...في ليلة أعددتها للجنون ..
لم يبق سوى صفحات أخرى لا بُدَّ أن ألقي عليها كلمات جديدة
قبل أن أهرب من الليل ...وأنتظر الوجه الفضولي للشمس .
هل أستطيع قبل أن أغادر الليل ، أن أكتب مرة أخرى
لأملأ الأوراق الباقية ...وهل اللحظة الهاربة منا نستطيع
أن نستعيدها مرة أخرى ..
هي الصدفة تُخرجني من النوافذ من جديد ،
ولم تكن الصدفة يوما الطرف الثاني ..
كانت دائما هي الطرف الأول ، أليست هي التي جمعتنا
من مدن بعيدة ..لا جسور بينها ، ولا رصيف للعابرين .. !!
أليست هي التي رتبت كل شيء ..حين كنتُ أنا الشاعر ..
وأنت الزائرة لقصائدي ..فلم أكن أكتبُ لك ، وأنت لم تبحثي عنّي
فما الذي جذب خُطاكِ ذلك اليوم ؟ وما الذي جعلني أتأمل ملامحك
كثيرا .. وأمارسُ التأمل وحب الليل ؟
الوليد
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:14 PM
سفر الســــــــــــــــــفرجل 14
في النهاية ..الكتابة طقوس نمارسها أو تمارسنا
أحيانا نكتبها في مناسبات مُعلنة ، ونبوح ما في
أنفسنا وقلوبنا لمن يعنيهم أمرنا ... وأحيانا تكتبنا
رغبة منها في ممارستنا ، لتخرج من العدم لدائرة
الوجود .. وما أجملها الذاكرة حين تمطرُ حروفا
مزدحمة في الذهن وتُعبرُ عن أمور لم يتوقعها
من يجد المتعة في قرائتنا ...
من نافذة مُشرَعة إلى سماءٍ خريفية ، من مدينة
تُشبهني في تقلباتي وقلقي ..كنتِ أنتِ تدخلينَ إلي .
من ذات النافذة التي التقيتُكِ فيها منذ سنوات الطفولة ..
حين كان المذياع لا يتعب في تقديم الأغاني القديمة
وكان صوتُ الباعة يختلطُ بصوت المآذن ..وخطى
النساء في الشوارع ...
كيف تركتُ طفولتي وخرجتُ من عباءة ذاكرتي
ونسيتُ رصيف انتظارك ... ورحتُ أتجول في عواصم ومدائن لا تشبه
مدينتي ...
كنت الأنثى التي أغرتني بالكتابة ..ولم أستطع يوما التنكر لشاعر يسكنني
كنتُ مندفعا نحوكِ بكل حماقات الرجل ..وكنت تستلذين بعذابي
بكل مكر الأنثى ..شعرتُ أنني حقا أحبكِ أنت ..
هل كان ذنبي أن زارني حبّكِ ولو في ثوب خطيئة ؟
دعيني أغلقُ النافذة !!
ربما لأن الكتابة أصبحت في النهاية شيئا عاديا
تماما كالحب ، واللقاء ، والميلاد ، والموت ، وتجاعيد الوجه ..
والغربة ، والغضب ، والجنون ، والفرح ...
طويلة جدا قائمة الأشياء العادية ...
ولكن كنتِ أنت دائما أمرا خارج عن العادة
وحين أستعرضُ شريط الذاكرة ، أجدُ أن معرفتي بك ..
هو الأمر الذي لم أكن أتوقعه ..أو من الممكن أن يدنو مني ..
وما زلتُ أسألني : أين يمكنُ أن أجدَ لك مكانا ، هل في قائمة الأشياء العادية
التي تحدثُ معنا مثل الإنفلونزا المفاجئة ، أو زيارة جارنا في وقت المساء
دون سابق موعد ...؟؟ أم أضعكِ في مكانٍ تنفردينَ به ؟
كهبة من نجمة شاردة ، أو عطيّة من كوكب لم تلمحه مراصد الفلكيين ؟؟
وتبقى الكتابة إليك لها من الطقوس ما يُحيطها بخصوصية ...لأنك أنتِ
الوليد
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:15 PM
سفر السفرجل ( 15)
ذاتَ عَهد..اتفقنا على كلّ شيء
اتفقنا أن لا يُفرّق بيننا شيء ..
اتفقنا أن نستمرَّ في عشقنا
وجنوننا ..
لكنَّكِ لم تتمعني جيدا عهودنا
وغادرتِ وحدكِ بعيدا ..
ربما سيظلُّ رحيلك خيبةً أفقدتني صوابي
الحبُّ للحبّ لا يُقنعني ، وحكايات الغرام لا تَهزّني
أحبُّ العشقَ الذي يضعني في مواجهة وجودية مع نفسي
لهذا تعلقتُ بك ، وكانت بداية معرفتي بك تُدهشني حقّا
هل ماتَ الحبُّ الذي عرفناه ؟
هل غادرنا كمسافر أخطأ دروب العودة ؟
وعرفَ المنافي والتسكّعَ على أرصفة الغياب ؟
هل نعيشُ جولةً أخرى نمارسُ الخسارةَ فيها
مثل المعارك الفاشلة ...
فأيّ الهزائم يكون وجعها أكثر ؟
ألم نكن قلبين لامرأة واحدة ../ رجل واحد
يشبهك / يشبهني
هل كلُّ شيء كانَ مُعدّاً للألم
هل لا زال في هذه الدنيا مكانُ سيسعُنا معا ؟
ها أنا وأنتِ نتقاسم جراحنا كرغيف
أو كرصاصة مدببة الوجه
حتى تعانق مركز الموت
وهنا لم تخطئنا الرصاصة
صعبٌ جدا حين لا تُخطيء الرصاصة
وصعب جدا حين لا تعرفُ الرصاصة الرحمة
حين يكون هناك قلب أحدنا هدفاً لها
كنتُ أحياناً أبتسمُ وصوتُ موسيقى خافتة يتسربُ من حجرتي
في المساء ..
كأن كنتِ ماثلةً أمامي
ضحكتك الساحرة
حديثكِ المشتهى
كل هذا كان سببا للعودة للكتابة
لك وحدك
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:16 PM
سفر السفرجل (16)
في ثورة عشقي ، كنتُ أبحثُ عنكِ في كلّ شيء
في لحن أغنية حالمة ، أو رقصة عاشقة
كنتُ ألمحكِ في زقزقة عصفور فوق أغصان الصباح
في ثورة عشقي ..كنتُ فارساً أعشق الكلمات
وأعيشُ في حقول الحروف ، وأجيد الرسم فوقَ الغيوم
وكنتُ أرى فيك كلَّ شيء بصورة مختلفة عن كل شيء
لك ابتسامة متميزة تنبعثُ كنسمة صيف ..
ولكِ حديثٌ غير الكلام وغير اللغة التي نُجيدها
في ثورة عشقي ..كم كنتُ أحمقا ، لم أكن أدري كيف
أوقظ ذاك المارد الغارق في تفاصيل النوم بي منذ أعوام ..
وكنتُ في رحلة جنوني بك أحوّلكِ من فتاة إلى وطن ..
وكانَ يجذبُك حديثى كتلميذة في مدرسة ، وتلامس كلماتي
وجدانك ، كعاشقة تتلقى تعاليمها الأولى في مدرسة الحب .
عرفتُ يومها قدرتي المدهشة في ترويضك ، والسيطرة على
جمرك المشتعل ، واتخذتُ بيني وبيني قرارا ، أن أحوّلك إلى
بلاد شاسعة ...شامخة ، وجبال شاهقة ، وبحار عميقة ..
لا يصل لها الأقزام والقراصنة ...
قررتُ أن تكوني حبيبتي ..
وأن أكون مجنونك المفتون بك ...
جميل ذاك الوقت الذي قضيناه معا ، ورائع كانَ حديثنا الذي
أخذ أبعادا أكثر مما رسمناها ...وافترقنا مُتعبينَ من الهزّاتِ النفسية
التي أثقلتنا ...تُسيطرُ علينا انفعالات مشحونة ..قُلنا الكثير ..
وغضبنا ..وتخاصمنا ...وابتعدنا ..وعُدنا ..
وسط دموعنا الحزينة أحيانا ، ووسط صمتنا المرعب أحيانا
ربما كانت دموعك التي أحسستُ بها ورأيتها للمرة الأولى
مصدر سعادة لي !!
كنتُ أكره أولئك الذين لا يعرفون البكاء ...
فهم إما قُساة قلب ، أو منافقون ..
وفي كل الأحوال ..لا يستحقون أن نرفع لهم القُبّعاتِ إحتراما .
كنت الأنثى التي تجتاحني رغبة أن أضحك وأبكي معها ..
ربما سيبقى ذلك أروع ما اكتشفته ذلك اليوم ..
سيطر على مُخيلتي ذاك اللقاء الأول ...
الذي بدأناه دون تخطيط أو ترتيب مُسبَقْ ..
وافترقنا مثل العادة ..
وعيونك تُصافحُ عيوني ..ربما كنا نخافُ أن تتحول تلك القُبلة العابرة
إلى جمرة نار تُشعل البراكين النائمة ...وتحرك ريحها العاتية
أشواقنا الدفينة ...
الوليد
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:19 PM
سفر السفرجل.... (17)
اليوم كانَ جميلا جدا
فحين كانت الذاكرة توشك أن تجهش بالبكاء
وعندما كانت ذراعي تكاد ترتعش كلما اقتربت أكثر
وعندما كنت أمامي ...
ربما كتلك الزائرة الغريبة التي تجهلني
حاولتُ أن أضمَّ كل ما أحببتُ فيك
كم تأملتُكِ ..وكم قرأتُ ملامحك
ربما كانت مُصادفة أن يحدثَ ما حدث ..
كيف أشرحُ لك هذه المرّة ما حدث !!
كيف أبوح لك بشوقي لك الذي يجول بي
دون أدري ..وماذا لو عرفتُ / عرفتِ !
دعيني أجمعُ حصيلة اللقاء ..
مرَّ وقتٌ تحدثتُ فيه أنا أكثر مما تحدّثت
كم كنتُ مجنونا ..ماذا لو بقيتُ صامتاً وأسمعك
وأرصد الحروف وهي تخرج نشوى من شفتيك المرسومتين بدقة
ماذا لو تركتُ لك حرية الحديث والتزمتُ الصمت واكتفيت بالإصغاء والتأمل !!
ربما حين يُصادف الشاعرَ شيءٌ جميلٌ
غاية في الجمال ..تنتابه الرغبة في البكاء
لم أكنْ أرغبُ أن يمر الوقتُ هذا اليوم معك على عجل
كنتُ أريد أن أستبقيك معي ..أكثر وأكثر
كنتُ أرغبُ أن أدفعكِ لفك رموزي وقراءتي أكثر
وأحرّكَ الفضولَ فيك للإقتراب منّي
ربما كان اللونُ الأبيض يُثير فضولي
وهو يختلط بشعرك الأسود
يبتعدُ عنّي ويدنو منّي ويحركُ الزلازل بي
ربما كنت تشعرين !
أو لا تشعرين ..
أو تتظاهرين بأنك لا تشعرين ...
ماذا لو كان لقاؤنا وحدنا
ربما كلُّ شيء سيصبحُ أسهل
لغتي لن تشعر بالخوف
وحروفي لن تتردد في البوح لك
كم أحبك ..
كانت نظرتك الأخيرة قبل أن تغادري
فيها حكاية من الغرق اللذيذ ..
من التعب اللذيذ ..
غادرتِ وغادر معك هذا الأبيض المختلط
بشعرك الأسود ..
غادرتِ إذا بذات الطريقة التي فيها جئت
ضوءاً يقدُّ الطريق إعجابا وانبهاراً
متألقا في غيابه وحضوره ..
تسحبين خلفكِ أكثر من قوس قزح ..وأحلامي المشروعة
ومشاعري المتأججة ...
وسؤالٌ يدور بي ..متى أراك مجددا؟؟
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:20 PM
سفر السفرجل ( 18)
في حقيبتي ، قلمٌ وورق وسفر ..
والمسافة مليئة بأغصان الظل الوسيم ..
خطواتي متسارعة كنبضي
والشوارع تعجُّ بالعابرين الذين لا أعرفهم
لا أحد هنا ينتبه لي ..
أو يلقي عليَّ تحية الصباح / المساء
في هذه المدينة / العاصمة
أستعد جيدا للولوج إلى مدن أخرى وعواصم جديدة
ورحلة أخرى صوب أمنية عتيقة ...
في هذه المدينة / العاصمة
حفنة من ذكريات وأحلام تتوارى كشجرة السرو على جبل مدينتي
أجلس في زاوية معتمة في ليل طويل
أجدد البحث عني / عنك
ربما ألمحك في خبايا خيال مسافر بي
هنا أمارس الرحيل في دروب الصمت
وحدي أنا
لا الشمس التي أعرفها وتعرفني تطل من خلف الستائر في حجرة المكان
لا النجم يشبه نجمة الليل في بلدتي وشوارعها الحنونة
في هذه المدينة / العاصمة
أعيد ترتيب حقيبتي مجددا
ربما نسيت أوراقا وقلما ...
ربما نسيت أن أرتّب أفكاري لعناق مدينة أخرى / وعاصمة جديدة
ماذا سيسألني ضابط الأمن يا ترى في أرض المطار
هل سيعيد عليَّ ذات السؤال عن رقم هويتي وتاريخ ميلادي واسم حبيبتي
هل سيفتش في حقيبتي عن أشياء ممنوعة
أم سينشغل وهو يرمق تلك الشقراء العابرة أمامي
أخشى أن يلمحك في ملامح وجهي
ويدرك أنني من مدينة محاصرة ...
ويعلم أنني خرجت خلسة من الحصار دون إذن الحاكم العسكري ...
نعم ...
كان المشوار طويلا جدا
وكانت الرحلة متعبة جدا
وكانت دموع أمي تتناثر / ولا زالت
وهي تعانقني خائفة أن لا يتجدد العناق
في هذا المساء ...
سأجدد السير صوب المدائن
لا أعرف العنوان
ولا وجه صاحب الفندق ولا نوع الطعام
لا أعرف شيئا عن أي شيء ..
ولا أعرف إن كانت الكتابة في تلك المدينة ممنوعة أم مباح منها بعض الحروف
لا شيء أعرف ...
لا أعرف إن كانت كلماتي ستتعرض للمصادرة والتفتيش
أستطيع الآن أن أشرب قهوة الصباح
وأغتسلُ في ما تبقّى من حروف
وأعيدُ تسريح شعري
وأكتب تفاصيل أكثر وضوحا عن رحلتي الجديدة في كل شيء
الوليد
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:24 PM
سفر السفرجل (19)
سقطنا في إختبارنا الأول
واتفقنا قبل أن نبدأ
على الرحيل ...
وكأنَّ ما بيني وبينك كانَ حُلما عابرا
لستُ أشعرُ بالنّعاس
حتى أنامَ ونلتقي
ذاتَ الجديلةِ نائمة
بينَ الدموع
أشياؤها بقيتْ هنا
فستانها الأزرق
مفتاح منزلها القديم
كلُّ النوافذ مغلقة ، وطريق عودتنا طويل
لنْ أعتذر يوما لسرب الحمام
لن أكتبَ رسالةً جديدة
لن أذهب كما كنتُ كل يوم نحو صندوق البريد
كل شيء تركته في حجرة منسية
وغادرتني
ذاتَ الجديلة ..
كيفَ أنتِ الآن ؟؟ ماذا أقول لمقعدين كانا لنا وقت المساء
ماذا أقول لصورتك ...فستانك الأزرق ..
أأقولُ أنك قد رحلتِ إلى ما لستُ أدري ..
هل أعتذر يا أنتِ لي
كلُّ شيء قد تغيّر ...لا طعمَ للأشياء ..لا رائحة ..لا لون
والليل يوجعني ويوجعني النهار
وحدي ...
أخافُ من اللاشيء
أخاف أن أمضي إلى ما لستُ أعرف
وحدي ...
وتحنقني المسافة
وتعبثُ بي بقايا ذكريات
ماذا لو تركنا الأشياء كما كانت
واقتربنا من شجرة الصفصاف
وكنّا كطائر الدوريّ نجمع حبةَ القمح من بيدر القرية
..
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:25 PM
سفر السفرجل (20)
كانت مجرد فكرة عابرة
أن تكتبَ قصيدة ، أن تنشرها في صحيفة يومية ، أن تقف أمام جمهور
وتلقيها ، أن تصبح وردة تقدمها لحبيبتك مساء الأربعاء ....
كانت مجرد فكرة ...
أن تصبح القصيدة قصائدا...أن تخرج في ديوان شعر ، وتقتنيه طالبات
الجامعة ومراهقات المدرسة الثانوية ...
كانت مجرد فكرة ...أن تزيّنَ مكتبتك ، شهادات تقدير ودروع وأوسمة
تقديراً لحروف تنفثها ليلا مع لفافة تبغك وليلك الطويل ...
هو الشعر ..كان مجرد فكرة عابرة ، فأصبح هواء تتنفسه ، ويرصده الحالمون
لكن ...كيفَ حولتكَ تلك الفكرة العابرة ، لإنسانٍ مجبول بالإحساس ، رقيقا كنسمة ،
تجرحك كلمة وتخدش كبرياءك ، كما تنشر كلمة داخلك رائحة البهجة والسرور ...
ألم يكن كل ذلك مجرد فكرة عابرة !!
ألم تكن الكتابة كلها محض صدفة غريبة
تنامتْ وكبرتْ مع أول قصيدة حالمة لمحتها بين سطور صحيفة يومية
وأخذتَ تقرأها مرات ومرات ..وتُعيد التأمل في اسمك المطبوع
وحرفك المكتوب ...وتعتريك الدهشة حين يلتقيك العابرون ...ويخبرونك ..
أنهم لمحوها ،وكيفَ أصبحتَ ملاذَ الباحثين عن كلماتٍ لمناسبةٍ وشيكة ...
في البدء كانت مجرد فكرة ..وأصبحت الفكرةُ رحلة ...
رحلة مليئة بالسهر والتعب ، تلوكُ ليلَكَ بين الحروف ، وكثيرا ما باغتك الفجرُ
وأنتَ تحت ظلال قصيدة أو قصة أو كلمات ...
وبقايا سجائرك تملأ الوعاء ...وهواء حجرتك ملوث من دخانها المتطاير ...
وحين تقف على شرفة منزلك والفجر يغزل خيوطه الأولى ...يدهشكَ منظرُ عامل النظافة
في الحي الذي تسكنه ، ها هو يبدأ يومه بنشاط ، نام ليل كله ، وركل زوجته ، وشرب قهوته
وها هو يستنشقُ هواءً نقياً ...وأنتَ الأديبُ والشاعر ...احدودبَ ظهرُكْ ، وستنام النهار ..
تعويضا عن سهر الليل ....فتجدها ساعات حامضة ...لا تعوضُ عن ساعة نوم مبكرة في ليل
هاديء ....ماذا لو كانت الفكرة ، أن تكون عامل نظافة ...تعيشُ ليلكَ كما تشاء ، تنامُ مبكرا ،
تفيقُ نشيطاً ، تتنفسُ هواءً نقيا ...لا تخدش كبرياءك كلمة ...ولا تُتعبُك عبارة ...
لسفر السفرجل ....محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:29 PM
سفر السفرجل ( 21 )
حينَ تَعلّقتِ بي ، كانَ ذلكَ رغبةً منكِ لتتعرفي على ما تجهلينه
وحينَ تَعلّقتُ بك ، كانَ ذلك رغبةً منّي في نسيان ما عرفته ..
وكانَ هناك سؤالٌ دائم الحضور : هل كان من الممكن لحبنا أن يستمر ؟
لو تعلمين .. كم هي الذاكرة ثقيلة بالأحداث التي جمعتنا
وما أصعبَ الحنينَ الذي يواجهه أكثر من مستحيل وأكثر من قرار
ولا نجدُ في النهاية سوى أمنيات ثكلى ...
حين أسترجع من الذاكرة ما بقي عالقاً على جدرانها
أشعر بالرغبة داخلي أن أغفر لك كلَّ خطاياك
كنتِ تملأين الفراغات الصغيرة بذاكرتي من خلال كلماتك فقط
وتقفزين عن وجعي بالكذب فقط ، قد يكون هذا أحد أسباب تعلقكِ بي
فوحدي الذي يعرف كيف تفكرين ، ويعرف ما يدور بخاطرك وأنتِ تقفين
أمام مرآتك ، كنتُ حينها عاشقا لك فوقَ العادة
وكنتُ استثنائيا في نهاراتك وليلك ..
كنتُ رجلا يتأملُ الوجوه كثيرا
يقرأ ملامحها جيدا ...ربما لأنها وحدها التي تشبهنا ..
ووحدها التي تفضح ما تخفيه ضمائرنا ...
كنتُ ألمحُ فيك أشياء كثيرة أعرفها ..وهناكَ ما كان يجذبني إلى ملامحك
التي تستوقفني كثيرا ...ربما كنت تسكنين ذاكرتي قبل أن ألتقيك
وربما كنتُ منذ البدء على موعد لأعشق امرأة تحمل ملامحك ..
تأملتك كثيرا ، وكنتُ أرفضُ أن أفكر مرة واحدة بكذبك ، وخداعك ...
وبراعتك على جذبي ...وتعلقي بك ..
نعم ، لم يكن سهلا عليَّ أن أخرجك من داخلي ...
لم أصدّق أنّك في سرعة قياسية قد تغيّرت إلى هذه الدرجة ...
وأنّكِ كبرتِ إلى هذا الحد ..ولم تعودي تلك الطفلة البريئة ..
التي تفتّش في الليل عن صدري كي تغفو عليه ..
والتي لا تعرف أن تبدأ نهارها قبل أن تسمع صوتي أو تقرأ حروفي في رسالة قصيرة ..
كلُّ شيء قد تغيّر فجأة ...مواعيدُ المساء ، اهتمامك بفساتينك ، نوع تسريحة الشعر ،
موسيقى تستهويك لترقصي لي ...أغنية تختارينها لنسمعها معا ...
في لحظة لم نُعدّ لها أنفسنا ...أصبحت طريقك غير طريقي ...
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:31 PM
سفر السفرجل ( 22)
كانَ حبُّكِ يتسللُ لي في كلّ الفصول
مع أشجار البرتقال الثقيلة ، مع خرير ماء الينابيع
مع أشعة الشمس التي تخترق نوافذ منزلي ...
كانَ حبّكِ في مفردات أغنيات العشق ، وترانيم العاشقين
مع فساتين الصيف التي تجذب انتباهنا أكثر ، مع أوتار كمنجات
منسابة كجسدك ...كنت أراك في نقاء قريتي ، ربما أنت القرية
وأنت مواسم الحصاد ...وذاكرة القصيدة ..
مرَّ الوقتُ وأنت ما زلتِ كمياه الجداول ، تتدفقين في مجرى الحنين
تحملين مذاقاً متفردا لا يشبه المياه المنبعثة من الأنابيب ...
كنتُ أرى الطبيعةَ كلّها فيك ..كنتُ أشعرُ أنّكِ جزء من تلك القرية الوادعة
أميرة أنت في الحكايات التي قرأتها صغيرا ...وكنتُ أراني ذلك الملك ..
الذي نسي كل الطرق التي تعطيه الفرصةَ كي يُحافظَ على عرشه ..
هل بحماقة الذين أضاعوا عروشهم أضعتُكِ ؟
هل سأبكيك كثيرا مثلهم ؟
كيف أصبحتُ مثلَ مجنونٍ ، يجلسُ كلَّ مساء ليكتبَ لك رسائل كانت
تشعلها رغبتي وغيرتي وشقوتي بك ..
كنتُ في رسائلي المسائية ، أكتبُ لك كل ما يحدثُ في يومي من تفاصيلٍ دقيقة
وانطباعاتٍ عن قريةٍ تشبهك أنت حدّ الوجع ...
ذات شوق كتبتُ لك : أريدُ أن أعشقكِ على طريقتي ... في كوخٍ كجسدك ...
سقفه من القرميد ..لا أريدك أنثى نمطية ، تنحصرُ كلَّ أحلامها في لون فستانها
وتسريحة شعرها وعلبة مكياجها ...أريدكِ أنْ تتجردي من المألوف ...وأن تتمردي
على ما تعرفه النساء ..لأنك غير كل النساء ...
أريد أن أعيشكِ وأبقى إلى جوارك ...كعاشق قرب جدولٍ تشدو حوله البلابل ..
وأتأملك في دهشة ..وأشمُّ رائحتك ، كرائحة شجر الليمون الأخضر قبل أن تنضج ثماره ...
كثيرة هي الرسائل التي كتبت لك ...هل يمكن لأنثى بحجمك أن تقاوم سحر حرفي وبريق كلماتي ؟
كنتُ أحلمُ أن أحيطكِ بالكلمات ، ربما ذات حنينٍ أستعيدك بها ..فكتبتُ لك رسائل
وجمعتُ فيها حروفا وكلماتٍ لم تُكتبْ ذات يوم لأنثى قبلك ...رسائل خرجت من ذاكرتي دون أن أخطط لها ...
ربما كتبتُ الكثير من القصائد لفتيات عبرنَ ذاكرتي أيام الشباب والمراهقة ...
أعترفُ لكِ أنني لم أكن أتعبُ نفسي وقتها بحثا عن أبجدية وكلمات ...كنتُ أكتبُ فقط من أجل الكتابة ...ومعك حبيبتي ، بدأتُ أفكُّ طلاسم اللغة وأفتّشُ الأبجدية من جديد
وأختارُ من المفردات التي تشبهك ...
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:33 PM
سفر السفرجل (23)
هل أملكُ الجرأة أن أستحضرك هذا المساء
ربما أدركُ أنّني في هذه اللحظة خارج اهتمامك
هي رغبة أن أقتربَ من كلّ شيء فيك ، قبل أن
تغادريني إلى الأبد ..
موجعة جدا كانَتْ معرفتي بك ، فيها الكثير من الدموع
والأشواق ، اللقاء والجفاء ...
ماذا لو كنتِ الآنَ معي !!
في هذه الحجرة الواسعة المليئة بالأحلام ، المكتظة بالحكايات ..
باردةٌ وفارغةٌ هي بدونك ...
في منزلٍ مسكونٌ بأحلامي ، بطفولتي ، ورغباتي التي مرّتْ على عجلْ
ماذا لو كنتِ معي ...
في هذا المساء الماطر ..
حتى أبوحَ لك ببوحٍ لم أعرفه من قبل ، ولدنوتُ منكِ وبقيت إلى جوارك ..
لماذا تنتابني هذه الرغبة ، ويجتاحني شعور الفقد والغياب ، ويملأ المكان
رغبة لك ..
لماذا أريد أن أشاركك رقصة المساء ، وتأملكِ حدّ الألم ..
لماذا أنتِ التي أريد أن أنفرد بها وأختصر نساء الدنيا ..
وأنا الذي لم يشغل بالي نظرات النساء التي ترمقني ..
وتبالغ في البحث عن المفردات الأنيقة حين يدور بيننا حديث عابر ...
كنتُ بارعا في تجاهلهن ...
لستُ أدري إن كان تصرفي عن قناعة أم حماقة !!
هل كان من الصواب أن أمنح قلبي للعابرات ...وأذهب معهن إلى ما هو أبعد
من اهتمامهن بي ، أم كانَ عليَّ أن أبقى في الليل مع شمعة ، أشعلتها ، وسهرتُ
معها كي أكتبَ لك ..كي أحبك على طريقتي ..دعيني أحبك على طريقتي ..
ماذا لو كنت معي الآن ...
أقرأ لك قصيدتي الجديدة ، وأتأملُ ملامحكِ ، وأشاطركِ أحلامي وحديثك المشتهى ..
أزيل عنك خوفك وقلقك وتوترك ..وضيقك من كل شيء ..
كم جميل هو المساء حين تكونين فيه
وكم هو رائع الصباح حين يبدأ بك ...
ربما ستخونني الجرأة في استحضارك هذا المساء
وستفشلُ كلُّ محاولاتي في البقاء جوارك ...
سلاما لروحك ..
لقلبٍ ينام في صدرك ...
لموسيقى كانت تستهويك وتدعوك للرقص ...
لمقعدٍ لا زال يذكر حين جلستِ ووضعتِ ساقاً فوقَ ساق ..
لقميصكِ الأزرق ..
لوجهكِ المليء بالملامح التي لا تشبه غيرك
ليدكِ التي لها لمسةٌ تشعلُ الحروف ..وتغري القصيدة بالغناء ...
سلاماُ لكِ ..
حين اختصرتِ النساء
وملأتِ قلبي شوقا لك ...
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
حميدة العسكري
10-06-2014, 07:45 PM
للحرف حصرا
وسيدة مقام السفرجل مع التحية
http://im78.gulfup.com/5NFoHL.jpg (http://www.gulfup.com/?LMahPN)
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:57 PM
سفر السفرجل (24)
كنا أنا وأنت هنا
بعدما انتصف الحنين
واقتربَ الفجر من البزوغ
كنا نرتب مشاعرنا الدفينة
ونعيد لوردة الحب أريجها
كنت أنا هنا / وأنتِ هناك خاف النافذة
حديثنا الهامس يبعث لغة حب جديدة
لم يعرفها سوى أنا وأنت
كنت تخافين الإقتراب
والشوق يعبث في مشاعرك البريئة
والأمنيات بك كما هي بي
ماذا لو تمردنا على الرتابة
واقتربنا من تفاصيل الحنين
خلف النافذة ....
كنت أحاول أن أخترق الصمت
صمتك العاتي كنار أشعلت الحرائق في الغابات
لكنها المسافة
بيني وبينك
ماذا لو تحررنا قليلا من ظلام النافذة !!
ماذا لو تسللنا في عتمة الشوق
وأزحنا الستائر
واقتربنا من السنابل قليلا
ماذا لو أعلن الغياب طاعته
وقدم استقالته ...والتقينا
كنتُ أسمع ضحكتك الجميلة ، وهي تنساب من خلف الستائر
كنتُ أسافر في نبضاتها المتراكضة كأحلامي الغريبة
كنتُ أرصد وقعها في خافقي
كم أنت جميلة !!
دعيني أهمس لك ...
حين تخافين الصوت
حين تخشين الكلام
أحبك ..
دعيني أبوح لك
بيني وبينك
حين تخافين الحروف
أحبك
دعيني أصرخُ
لعلَّ الصوت يخترقُ صمتَ النافذة
أحبك
الوليد دويكات
10-06-2014, 07:58 PM
سفر السفرجل (25)
كنتِ صامتة ..وكان كل شيء صامتا
كنت أتأملُ ملامحك ، أحاول أن أفك رموز الكلمات قبل أن
تترجمها شفتاك ، أبحث في معجم الأسماء عن أسماء أناديك بها
اسم أنا منحتك إياه ، لم يناديك به رجل من قبلي ...
هو ليس اسمك المألوف ، لكنه يبقى خاصا بك ..أنفردُ أنا عن سواي
في مناداتك به ...لم تتداوله الألسنة ، ولا يشبه الموجود في السجلات
والأوراق الرسمية ...
نعم ..تعلقتُ بك ، وحاولت كل يوم أن أمارس طقوس حبي وأدنو منك
لكنك كنت تبتعدين وتزيدين المسافة بيننا ، أنا الذي تعلقتُ بك دون أن أفكر
يوما في سر هذا التعلق ...فكنتِ البداية لكل شيء ...ونسيتُ بكِ كلَّ شيء
قبلك ...فأصبحت ذاكرتي مكتظة بك ، وأصبحتِ أنثى استثنائية .
غريبٌ هو العشقُ حينَ يتملكنا ، حين يباغتنا من جهة لم نكن نتوقعها ، ننسى
في لحظة كلّ شيء ...يصل إلينا متأخرا ، فيقلب حياتنا رأسا على عقب ... ولا
نعود ننتظر أي شيء سواه ...
كنتُ رجلا لطالما لاحقته وجوه كثيرة ، ربما لأن وجهي الملتصقُ بي هو وحده الذي
يشبهني تماما ، وملامحي هي التي تميزني عن غيري ، لذلك كنت قبلكِ أعرف العشق
وأسافر في براري الحب ..بسبب وجه ..
أما أنتِ ...لم يكن حبي لك بسبب اللقاء الأول ، حين رأيتك أول مرة ...ربما لأني تعلقتُ بك
ما قبل اللقاء الأول ...وقبل أن يجمعنا لقاؤنا الأول .. كان في ملامحك أشياء أعرفها منذ زمن
بعيد ، شيء ما كان يجذبني إلى ملامحك المتفردة ، تلك التي كنت أحبها قديما ...
وكأنّ روحي كانت قد تعلقت بأنثى تشبهك ..أو ربما لأنني كنت رجلا مستعدا منذ بدء التكوين ليحب أنثى تشبهك تماما .. فوجهك كان يلاحقني ، ويحاصرني من بين كل الوجوه التي التقيت
ولم ألتقيها ...
كنتِ صامتة ، وكان كلُّ شيء صامتا ... وحديثٌ كان يدور داخلي أعرفه ...وحديثٌ كان يدور داخلك ، لكنَّ الكلمات لم تترجمها بعد شفتاك ...
الوليد
4/3/2012
الوليد دويكات
10-06-2014, 08:48 PM
سفر السفرجل (26)
يومٌ هاديء ...حملَ لنا تواطئا روحياً ما
كنتُ ألمحُ في عينيك شوقا هادئا ..
كنتُ أرقبُ ملامحك ، وأنت تُصغينَ لي جيدا
كانت البهجة تسري في عروقي ، هذا الفرح
الذي كنا نمارسه بسرية تامّة ...دون قيود
دون خوف من أشباح تعكرُ صفو جنوني بك ..
لكن ...ثمّة شعور كان وأنت على مقعدك تجلسين أمامي
كنت أشعر أنني أجلسُ مع أنثى توشك في لحظة أن تكون حبيبتي
أنثى تؤجج العاطفة في روحي ...أنثى تستطيع في لحظة
أن تمنحَ رجلا ما يلزمه من حنان ..وحب
ربما كنتُ أرغبُ في التمرد على الهدوء الذي يسكنُ في المكان
كنتُ أرغبُ أن أدنو منك أكثر ..أن أترك أصابعي تُعانقُ أصابعك
أن أتجرأ أكثر ، وأطلبُ منك أن تمنحيني رقصة معك ...
حاولتُ أن أهربَ من تفاصيل تستفزُّ رغبتي الجامحة ..
وحين وقفت أمامي ...قبل أن تغادري المكان ...كان قوامك الرشيق
يناسبُ قامتي الفارعة ...كان كلُّ شيء جاهزا لنرسم سعادة نفتشُ عنها ..
مرَّ الوقتُ سريعا على غير عادته ..كانَ لا بدَّ أن تغادري
وكلُّ شيء يرجوكِ أن تبقي قليلا ...ماذا لو بقيتِ قليلا !!
كانَ اللقاءُ يحملُ شوقاً نادر الحدوث ...
ها أنتِ حبيبتي معي ، وها أنا وحدي معك ...ولفافة التبغ تحترقُ مثلي
كنتُ أشعرُ أنني ملكتُ الكون ...وأنك مليكة القلب ..
وكانَ عليَّ أن أبقى معك بعدما غادرت ...وأن أنسى أنكِ أتيت لتذهبي ..
صعبٌ جدا أن أكتشف أنك قد رحلت ...وأن أجدني وحدي مع ساعتي الجدارية
الصامتة ...وأقول في نفسي ربما ستعود ...ستعود
الوليد
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد دويكات
10-06-2014, 08:50 PM
سفر السفرجل ( 27)
أنا هو أنا ...وأنتِ لستِ أنت
كنتُ أرغبُ في الجلوس إليك ، والإقتراب أكثر
من حديثك ، والتأمل أكثر في عينيك ..
لكن ...ظروف كثيرة حالت دون الوصول لهذه الغاية .
ربما باتت لغتي غريبة ، وباتت لغة لا أعرف تفاصيلها
وكأنَّ ذاكرتي أصبحت ليست لي ..
فجأة ..وفي غفلة مني ، كبرت ، وأصبحت ناضجة تماما ..
وأصبحت أنثى تتجول في ذاكرتي ، وتستفزُّ كلَّ شيء بي
وتبعث بي الرغبة لأضم كل ما أحبه فيك ..أقرأك جيدا ..
أسافر بين رموشك ، أتنقل في لون عينيك ، وأغرق في ملامحك ..
كم هو جميل لو بقيت أنت هو أنت ...
لو أستطيع أن أوضحَ لك ، كم كنتُ أشتاقك من حيث لا أعلم ..
وأنني كنت دائما في موعد معك ، ودائم الإنتظار لك ...
هي رغبة تتجدد للحديث معك مجددا ...
عن ريف مدينتك الجميلة ..عن عاداتك في الصباح ...
عن عشقك للشعر والقصيدة ، عن حديثنا الأول ..عن تلك الصدفة ..
عن كلمات لم نقلها بعد ...عن تمازج روحي بروحك ...
ربما أستطيع أن أستعيد لغتي ، وأفك طلاسم غرابتها ، لتصلك أكثر
وضوحا ونقاء ...كان لا بدَّ أن نلتقي ، ونعيد ترتيب الحكاية من جديد ..
قد تكون رغبتي حتى أنعش رغبتك في معرفتي أكثر ، كي أضمن أنك باقية معي
أنا هو أنا ...وأريدك أنتِ كما هو أنت ..
الوليد
لسفرالسفرجل ...محطات
الوليد دويكات
10-06-2014, 08:54 PM
سفر السفرجل (28)
هل من الممكن أن نختزل َ كل ّ المصادفات في حالة واحدة !
وفجأة تتغير قناعاتي ، فيصبح شغلي الشاغل أنت ولا سواك ..
وأن أختزل كل أحلامي في امرأة واحدة ..وأن أرى هذه المرأة فيك أنت !
وجدتني أقف أمام جمالك وأنت تتأملين قصيدة حب قلتها لك ..
فكانت القصيدة الأجمل ، لأنها منك وإليك ...
سأطيعك ..سأتخلص من عصبيتي المفرطة ، وحدة مزاجي وتقلباته ، سأضبط
إيقاع نبضي بصورة تتفق مع رغباتك ...
لم تكن تسكنني رغبة في الحديث لك عن سبب تعلقي بك ..منذ لقائنا الأول
كنت ُ أخشى أن يؤثر توضيحي لذلك على ما أشعر به تجاهك ...فتغيبي مجددا ،
وأنا الذي لطالما حلمت ُ بأنثى مثلك ...تشبهك ...هي أنت .
ولكن ..
هل أستطيع التمرد على رغبات امرأة تحب أن تعرف كل شيء؟
قلت لك :
تلك القصيدة كانت كتفتح وردة في حقول قلبي ...فوجدتني أحاول أن أشرح لأول مرة
قصيدة لي ...
ربكا كنت الوحيد الذي يعتريه الإرتباك ...حين تركت لي ملامحك كلها ...وأخذت أنظر لجسد تناثر أمام عيوني من زوايا مختلفة ...وأخذني التفكير كيف يصبح الجسد في لحظة أنثى فائرة الجمال ...تسكنه روح تأخذني حيث تريد ..
لو قلت لك أنني لأول مرة أرى أنثى كاملة الأنوثة تعرض جمالها بتلقائية ...ودون حرج أمام عيوني ...ربما عندها ...حتى أخفي ارتباكي وشدة تعلقي بها ...وجدتني أهرب لقلمي وأكتبها قصيدة ...قصيدة لم تكن إلا لك ...كم احبك .
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 08:55 PM
سفر السفرجل (29)
هو الشعور بالرغبة أن أعود لقصائدي التي كتبتها لك
حتى ألمح مجددا خُطاك ، حين أشاهدك وأنتِ تتجولين
بين حروفي ، فالقصيدة هي أنتِ ..وفيها تتجدد ذاكرتي الأولى ..
ربما كنتُ أرصدُ تغيركِ المفاجيء ...وأرسمه حروفا في القصيدة ..
وكنتُ ألمحُ أنثى أخرى داخلك ..وأرى مزيجا مذهلا بين براءة
طفلة تسكنك ، وواقعية امرأة تتعايش مع مجريات حياتها ...
وبين الطفلة والأنثى كنتِ أنت ..لهذا لم أستطع أن أحبّك بأسلوب واحد.
ربما جمعتِ كلَّ ملامح النساء ، ووجدتني محاطا بأكثر من أنثى ...
تلاحقني كل واحدة في حضورك الذي كنتُ أنتظره بشغف العاشق ...
وفي غيابك الذي كان يُحدثُ داخلي ثورة من الغضب ...
هل تعودتُ عليك!! هل أصبحت هواء أتنفسه !!
لم تكوني مجرد أنثى ...كنت حياة متجددة ..أرى فيها مجموعة من النساء
يختلفن في طريقة الضحك والبكاء ، في شكل المكياج وطبيعة الملابس ..
في الخجل والجرأة ...في الحديث والصمت ...
كنتِ أنت جميع النساء ...
وكنتُ ألوذُ بك بيني وبيني ...أتاملُ تفاصيلك الدقيقة ...أرصد أشياءك ..
أحاول كلَّ مرة أن أبوح لك ...أجدني تعلقتُ بك جدا ...
نعم ...ذاكرتي مكتظةٌ بك ...والأحلامُ تتزاحمُ في مخيلتي ...وتفاصيل اللقاء
المشتهى ، تسيطرُ على كل تفكيري ...
ألم أقل لكِ ...أنك أكثر من أنثى ..وأنك جميع النساء ..وأنك الحياة بكل تناقضاتها ..
بتضاريسها ، وسهولها وجبالها وينابيعها ...
هو الشعور بالرغبة للكتابة لك مرةً أخرى ...
ربما ما كتبته لك ، لم يرسم الحكاية كلها ...
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 08:57 PM
سفر السفرجل (30)
كشيء نُحسّهُ أولَّ مرّة ، كهبة من كوكب ، أو جائزة يزفها الحظ لنا في وقت لم نتوقعه
طرقَ الحبُّ قلبك ...وأسئلة تدور : ما الذي جاء بي إليك ! وكيفَ اهتديتُ لك؟
كانت شوارع العمر تعجُّ بالعابرات ، لكنّ جميع وجوههن كانت بلا ملامح ..
ربما وجوه النساء مثل الصحف اليومية ، هناك صحف لا تنتبه لعناوينها ..وهناك صحف
تنسى في خضم همومك اليومية أن تُقلّبَ صفحاتها ...وهناك ما تضعها على طاولتك لتضع
وجبة سريعة عليها ، وما تلبثُ أن تلقي مخلفات طعامك بها ...لكن ، الجرائد تفيق كل صباح
مثلنا ، بيوم جديد ، بملامح متعبة ...
وكان الحب ...زلزالا أخفقت أجهزة الراصد الجوي في توقعه ...وبدأت آثاره تضرب جوانب
الحياة اليومية ...ليلٌ تتسمر الكواكب في السماء ، كثير من لفافات التبغ وفناجين القهوة ...
عقارب ساعات ترصد مواعيد حضورك ، صندوق بريد كثير الحركة ، ووجه ساعي البريد
باتَ من الوجوه المحببة ...
أنت أنثى واضحة الملامح ...أحفظ وجهك جيدا ، طريقة رسمك للإبتسامة ، استدارة الدمعة على خدك ، شكل الحروف التي تخرج من فمك ...مواعيد الريح حين تعبثُ بتسريحة شعرك ...
كنت دائما أسألُ نفسي : أين أضعُ حبّك ؟
هل هو حدثٌ طبيعي الحدوث ، أم مثل نزلة برد عابرة ، أو مرحلة من مراحل الجنون ؟؟
ربما النساء مثل الصحف اليومية ...تتفق جميعها في العناوين الرئيسة ...بحروف مختلفة ..وحبر أسود ...وهناك صحف تعرف كيف تبيعك الخداع بطريقة غريبة في كل صباح ...
أي أنثى أنت !! كيف استطعت أن تحجزي مقعدك في وجداني ..وأتجاوز بك كل العابرات ..
وأبقى أراقب ملامح وجهك ، وحمرة شفاهك ، وشكل ابتسامتك ...
كيف حدث أن وجدت فيك كل ملامح المرأة التي أريد ...
لسفر السفرجل محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:00 PM
سفر السفرجل (31)
غاليتي ....
يتسللُ صوتكِ إلى نفسي ..يقتحمُ كلَّ جوانحي
أنامُ ..أصحو ..أجدني في كلّ حالاتي
أمارسُ الشوقَ لك ...أو يجذبني الحنين
تأخرَّ الحمامُ الزاجل ، وأخطأ ساعي البريد العنوان
فبكت الحروف ، وتمردت الكلمات ..
غاليتي ...
سأعيد طيور الشوق من جديد ، وأتركها تحلقُ فوق حديقتك
وتدنو من نافذتك ، ربما تنوب عني في الحديث ..
فأنا يا رفيقة الروح ، مُحاصرٌ في ذاتي ..في غفلتي وإنتباهتي
في الحضور والغياب ...
ها أنا هذا المساء ..أعددتُ أوراق الرسائل
وتأكدتُ من مداد قلمي ...وهيأتُ المكان جيدا
( صوت عبد الحليم ، لفافة التبغ ، فنجان القهوة ، وحديث الحنين )
وهناك أنت في مسائك الهاديء ... في تنقيبك عن ملامح الذكريات
وتفاصيل اللغة ... وثوبك الأصفر المسافر في دروب الجنون ..
يا امرأة من ريحان ونبض ... من ياسمين وزعتر ..كيف لي أن أخبرك
أنني اليوم أحبك أكثر ...
أنني أرسمك قمراً في سمائي ...وزيتونة في خاصرتي ...
هذا المساء ...
ستعودُ شمعتي من جديد ، تقدُّ العتمة من حولي
وتضيء لك خبايا الروح ... وتُعيد صياغة القصيدة التي
كنت دائما أحدثك عنها ...
لك قلبي ...
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:02 PM
سفر السفرجل ( 32)
دون َ موعد بيننا ، دون ترتيب ..
لم نتفقْ ، لم نتركْ ملاحظاتنا الصباحية ...
كنتُ عصرَ ذاك اليوم الشاق في العمل ...
قد قصدتُ مَطعماً لا يقصدهُ سوى الأثرياء ...
واختارَ لي النادلُ ركنا في زاوية عند مدخل المكان ...وهو ركنٌ
مخصصٌ لمنْ يرتاد المكانَ وحيدا ، أو دون رفقة فتاة ...
ركنٌ هاديء ...وهو بالطبع مطعمٌ جميل ...في مدينة تختلفُ ملامحها عن
ملامح مدينتي ، رغم المسافة التي لا تتجاوز نصف الساعة في السيارة ،
بين المدينتين ...
دخلتُ ..والنادلُ يبادلني ــ كغيري ــ ابتسامة المُرحبْ ..
عشرون دقيقة مرتْ ...وأنا هناك ..أستعرض تفاصيل يوم مرهق ...
فكانَ عليَّ أن أتنقلَ بين ثلاث محافظات في يوم حار ...
وربما كانَ وجود صديق معي ، يخففُ من تعب ذاك اليوم ...حيثُ كانَ
يقودُ السيارة ...
وفجأة ...دخلت للمكان ...وهرعُ النادلُ صوبها مستقبلا مبتسما مرحبا
وبحركة سريعة ، اختار لها مقعدا في أقصى الزاوية المقابلة لي تماما
أعدَّ لها مقعدا يجبني عنها ، لكنها ، اختارت آخر يقابلني تماما ...
وبسرعة ..وضعتْ حقيبة يدها ..واتجهت في الممر صوب حمام النساء ..
غابت خمس دقائق وعادت ...
وحيرةٌ تتملكني ..هل حقا هي ؟ !!
وأقول : كيف يمكن أن تكون هي ؟
هل هي أخرى تشبهها لهذه الدرجة ؟؟
جلست على المقعد ، وأخذت توزع نظرها على المقاعد في المطعم ...
ولمحتُ دهشتها حين وقع نظرها على ذلك الرجل الذي يجلس في أقصى الزاوية
ذاك الرجل ، كان أنا ..
سرعان ما أخرجت جهاز( اللاب توب ) وأخذت تختفي خلفه ، ويدٌ مشغولة بتسريحة
شعرها ..وأنا أعرف متى تفعل ذلك ، حين ترغبُ في إخفاء حيرتها واضطرابها ...
كيفَ اختارت هذا المكان !
كيف اخترتُ أنا هذا المكان !
كيف هي في زاوية بعيدة ..وأنا في أخرى بعيدة ...
وهي تقول في نفسها : لم يتغير أبدا ...رغم السنين الطويلة ...
ها هو وحده في طاولة فارغة ...ومقعد يمتليء به وحده ...
كعادته ، قلم ..أوراق ...يمارس الكتابة ...التأمل ..الوحدة .. ربما يكون يكتبُ لي ..
أو لإمرأة أخرى ...أو مدينة أخرى ، وربما قصيدة جديدة ، قصيدة لن أكون أول من يقرأها ويحظى بها ...وربما لن أصل لها ..
كانت تتظاهر أنها مشغولة في جهاز ( اللاب توب ) ، وكانت الأغنيات التي تملأ المكان ، تتحدثُ عنّا ، تتنقلُ بين محطاتنا ...
كيفَ اهتديتِ إلى هذا المكان !
كيفَ جئتُ أنا إلى هنا !
عشرونَ عاما وهي تهربُ من ظلي ، ومن ملامح خطوتي ...
ما أصغرَ هذه الدنيا !! وكم هوالكونُ برحابته وحجم مساحاته ..يُصبحُ في لحظة حجرةً صغيرة
يصبحُ في لمحة بصر ، أصغر وأضيقُ مما نتخيلْ ...
بيني وبينكِ أمتار قليلة ..ومقاعد متناثرة ..وعابرون لا يعرفوننا ...وذكريات عتيقة ...
ما زلتِ جميلة كما رأيتك أول مرة ...وأنا في لحظة ، تتراجعُ خصلاتُ الشعر البيضاء من لحيتي
وشعري ..ها أنا في لحظة ، أستردًّ من الزمن عمرا عابرا ...
وأنتِ هو أنت ..كما رأيتكِ أول مرة قبل عشرينَ عاما ..ولونُ شعرك يحمل لونه الذي لطالما جذبني ...
أعرفُ بما تفكرين الآن ...أعرف ما ستقولين بعد انصرافي ...فأنا وحدي أحفظك تماما .
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:08 PM
سفر السفرجل (33)
بغــــــــــــــــــــــداد
ولأنها عاصمة ليست ككل العواصم
كانت تُمشطُّ شعرها فجرا
وتستحم كلَّ مساء في نهر دجلة والفرات
كانت تُعلّمُ النخيل معنى الكبرياء
بغداد ليست عاصمة للدمع أو للبكاء
وأنا أقاوم تلك الرغبة المجنونة داخلي
لأكتبَ لها كل شيء ..
رغبةً ..جنونا ..عشقا ..هياما .. غيرةً ..
كانَ لا بدَّ أن أكتبَ لها ، وسأروّض هذا الشعور الغامض بي
وأنا أبوح عن كل ما يجذبني إلى هذه المدينة ..
هذه المدينة أكبر من أن نُطلق اسمها على شارع كبير في عواصمنا
وأن يحمل اسمها العابرون في الطرقات ويرددونه عدة مرات في اليوم ..
ما فائدة أن نفعل ذلك ونكتفي بمراقبتها وهي تبكي ولا نقدّم لها قلوبنا لنمسح دمعها
وكأنَّ العادي جدا أن يموت العراقي ...ويموت الفلسطيني ..ولم يعد بموت الواحد فيهم
يُحرّك الضمائر والقلوب ..صار ذلك مجرد خبر تتناقله الفضائيات ونشرات الأخبار ..
رفيقة الروح ...
أنا لا أتحدث عن السياسة ...ولا أميل للحديث عنها ، بل أتحدث عن حبيبتي بغداد
عن عشقي الممنوع ... عن قصيدتي المحظورة من النشر ...
بغداد أغنية السفرجل فوق شمس متعبة
بغداد أغنية النخيل
بغداد يا عشقي الجميل
بغداد وحدك والمسدّسُ فوق طاولة العويل
ماذا أصابكِ يا ابنة الحَسَبِ الأصيل ؟
بغداد دائما أتأملك في خبايا روحي ، وأبحثُ عنك بين الحد الفاصل بين عشقي وجنوني
لم أكن في هذه اللحظات نبيا ، ولست أسطورة إغريقية ... إنما أنا عاشق وأنت محبوبتي
وأدنو منك كل صباح لأستمع لك وأنتِ ترممين ما تناثر بك من دمار ...
رفيقة الروح ...
أنتِ يا أبجديتي الجميلة ولغتي الحديثة
قلت لك ، هناك من يشغلني كثيرا ...
قلت لك ... هناك من تجذبني لأراقب جدائلها
وأرصد ملامحها ...وأجدني أردّدُ في نفسي :
أسوارُ بابِلَ قاتمة
دجلة يئنُ ودمعةٌ
تسري على خدِّ الفُراتْ
البدرُ ماتْ
والليل آت
بغداد موعدنا الجديد
ومدينةُ الحُزْن الجديد
وحكايةٌ أخرى
تَطولُ فصولُها
أوراقُ توت
أعْسافُ نخْلٍ باسقة
طفلٌ تناثرَ في الممر
وعويلُ ماجدةٍ على جسرِ المُسَيّبِ عالقة
وسماءُ تُمْطر بالقنابلِ والرصاص
شمسٌ تموت
ويُخيفُني شَبَحُ السكوت
رفيقة البوح ...دعيني أخبيء هذه الصفحة في أدراج روحي
دعيني ألملمُ بقايا حزنيَ المنثور على ضفاف قلبي ...
تعالي كي نُعيد حديثنا عن زنبقة في الحقل كانت نائمة
أو أقحوانة في الروابي هائمة
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:12 PM
سفر السفرجل ( 34)
هو شعور ينتابني أن أضحك ، أو ربما هي رغبة في البكاء ..
ربما هو تناقض واضح بين الضحك والبكاء ..
ولستُ أدّعي أنني من يكتشف هذا المنطق الغريب للأشياء ..
ربما كانت المرة الأولى التي أتردد في توقيع اسمي أسفل قصيدة
كتبتها ذات عشق لك ، فكيف لي أن أضع توقيعي أسفلها ، وأنت
الأنثى التي أحببتها دون أن يقترن اسمي باسمها ..ولو مرة واحدة .
هناك من يبحثون عن قصائدي ، ويرصدون كلماتي ..
وهناك من يبحثون عن توقيع لي أسفل قصيدة ..ربما يبحثون عن
اسمي أكثر من بحثهم عن قصائدي ..
وأنت وحدك كنت تبحثين عن قصيدتي دون توقيع ..فكل حرف فيها
هو أنا ..
وبين أنتِ وهؤلاء ..كنتُ أنا ..ذلك المجنون الغريب ، الذي يرفض
أن يكتبك باسم الحب قصيدة ، أشبه بطفل لقيط ، لا نعرف له أبا ولا نسبا ..
أرفض أن أكتبكِ قصيدة ، ينتحلها أي شاعر عابر ، ويدّعيها أي آخر سواي .
كيف أستطيع أن أنقل لك الحقيقة ..أنني تعلقتُ بك جدا ، وصرتُ تابعا لملامحك ..
تابعا لضحكة ترتسم في عيونك ، لطلتك الجميلة ، لجمالك الطاغي ...
صرتُ ومن حيثُ لا أدري فجأة ... تابعا لوجهك ، حروف اسمك ، لذاكرة تسكنين فيها ،
لمدينة تنتمين لها ، لتاريخ ميلادك ..لقد أدمنتُك في كل شيء ..
حالةٌ من الحزن كانت تنتابني ، وأنا جالس في تلك القاعة الواسعة ، أرمقك من بعيد ..
وأنت في ذاك الركن ..تجلسين ، وتضعين ساقا على ساق ...
وحين اختصرنا المسافة ، وأصبحت على بُعد قبلة ...شعرت برغبة في التجول في ملامحك ..
كنت أنثى لا تشبه سواك ..تأملتُك بذهول لم أشعره من قبل ..وشعرتُ أنك شعرت بما يجول بي ..
لكنني كنتُ أحرصُ أن أظهر بمظهر الرجل الوقور ..فصعب جدا أن يتخلى الرجل عن وقاره ..
حاولتُ أن أجد في ملامحك ما يفضح عواطفك ..لكنني لم أفهم أي شيء ..
أنتِ التي تختبئين تحت أجفانك ، وتتضعين أحمر الشفاه بطريقة عجيبة ...
كيف لمثلي أن يقاوم أنوثتك وسحر جمالك ؟؟
كيف أستطيع الصمود أكثر أمام ملامحك ؟؟
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:20 PM
سفر السفرجل (35)
ذاتَ عشق .. قلتِ : لا طعمَ للحياة بعيداً عنك
لا لون للزهر ، لا رائحة للظل ، لا صوتَ للماء
ذاتَ عشق .. قلتِ : قبلكَ كنتُ أبحثُ عن ضحكة
عن نبضات قلبٍ راقصة ، عن رغبةٍ للوقوفِ أمام
مرآتي ...
والتقينا عندما أذنَتْ لنا شجرة الصفصاف ...
فلمحتُ في عينيكِ لغةُ كانت لنا ...تلك اللغة ، كانت نقية
نقاء الجداول ... كانت جميلة ، جمالَ الأقحوانة في الروابي
قلتُ لك : سأسميكِ حبيبتي وعنكِ لن أهاجر ..لن أغادر ..
وبدأتُ معك رحلة العشق الجميل ، ويقودني كُلّي إليك ..
فتفتّحتْ وردُ الجنائن ، وانتظمت السحابةُ في الحضور ..
وعادت الطيور للغناء ..
نسينا وجعَ المسافة ، وقُدوم الشتاء قبل الأوان ..
نسينا كيفَ تتمردُ الفراشةُ على الزهر
وكيف يغادر النّدى نافذة الصباح
نسينا المسافةَ والتقاليد الرتيبة
ثم كان ...
هذا الفراق
كيفَ استطعتِ حبيبتي أن ترحلي
كم مرّةً قد قلتُ لك / لي
قد نختلف / قد نتّفق
لكننا لن نفترق
كيف افترقنا !!!
كيفَ باتَ الليلُ عندك ؟ كيف يبدأكِ الصباح ؟
من يقاسمُك فنجان قهوتك عند الظهيرة ...
من يختار لكِ لونَ فستانك ... وشكلَ تسريحة الشعر ...
ذاتَ فراق ..
تركتِ لي رسالتك الأخيرة
وبها قرأتُ حديثا ليس لك
قلتِ : سأتركك تلهثُ خلف أسماء الصبايا
وتكتبُ ما تشاء من مكاتيب الغرام
ورأيتِ أنّي كنتُ مثل عصفور يلملمُ كل يوم أغنية
وكتبتِ لي .. كلاماً ليسَ لكِ
لكنني قرأته في رسالتك الأخيرة ...
ذات القلم ..وذات الحروف ...
قرأتُ إعتذاركِ عن رحلة عشقٍ واهمة
ثمَّ أسدلت الستارة
وهنا أنا ...الليلُ لي ، لي وحدي ، وصورتك الجميلة
لم تغادر ، بقيت معي ، بقيت على العهد الجميل
وهنا أنا ..الليلُ لي ، وقصائدي ومدادُ أشواقي ..
وحدي أعيش تحتَ ظلّ غمامة
الليلُ لي والذكريات ..
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:23 PM
سفر السفرجل ..(36)
أعود معك لدهشتي من جديد
إلى كلّ شيء جذبني لك في المرّة الأولى
كان هناك أكثر من صدفة ..أكثرُ من موعد ..أكثرُ من رغبة
كنتِ أنتِ ..
قمرٌ أخر يرسل ضياءه عند كل كلمة أقولها لك
تستمعين جيدا
فإذا بكلماتي كواكب تدور في فلكك
وكأنها ملتصقة بك ..
أعلمُ أنّكِ كنتِ قد أخفيتِ داخلكِ حُزنا عميقا
وأعددتِ نفسكِ جيدا للعتاب ...وللبكاء ..
لكنني كنتُ شاعرُكِ المجنون
الذي يعرفكِ جيدا ..
ويعرفُ كيفَ يدنو من ذاكرتك
ويوقظ فيها أشواق مشتعلة
كنتُ أعي تماما
أنَّ إبتسامة منك كفيلة أن تذيب جبالا من جليد الحزن
فقررتُ أن أحاصرك داخلك في دائرة مغلقة
كي تتنقلي في دائرة إشتعالي إلى الأبد
كيف يمكنني أن أوضّحَ لك حجم إشتياقي لك
كيف أخبرك أنني دائم الإنتظار لك
ثلثُ ساعة من الحديث أو أكثر
ربما كنتُ أحمقا بما يكفي لأتحدث أنا أكثر منك
ربما شعرتُ بالقهر فيما بعد
لأنني حين كنتُ ممسكا بزمام الكلمات
كانت ثمّة رغبةٍ تسكنني
لأستبقيك بالكلمات
ماذا لو منحتُكِ فرصة الحديث !!
ماذا لو استمعتُ أكثر لصوتك المرتعش
وتنهيدتكِ المسافرة إلى أعماقي
لكنني ...
أعترف لك أنَّ الحديث معكِ يُحرّكُ كلَّ شهيتي
للكلام ....
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:25 PM
سفر السفرجل (37)
كانتْ رسالة أكثر من رائعة ، رسالة قرأتها أكثر من مرة ، رغم
قلّة حروفها ، تأملتها ، وأعترف أنني عُدتُ لها مرات كثيرة ..
كانتْ أنثى فائرة الجمال ، تترك لملامحها حرية التعبير، لتنوبَ عن
لسانها في الكلام .
وجاء صوتها عصر ذاك اليوم ، ليؤكد الموعد ، وبقي صوتها عالقا في
الذاكرة بعد أن أنهتْ المكالمة ..قليلة هي الأصوات التي نحتفظ بنبراتها داخلنا
وكثيرة هي الأصوات التي يزعجنا سماعها ..
صوتٌ رشيق وقور ، تتهادى كلماته في الأذن لتستقر في القلب ، صوت سيدة
يبقى ما بقيت الذاكرة ، تستطيع أن تميّز ذبذباته جيدا ، وتكتشف مواطن جماله
علوا وانخفاضا ..انتهت المكالمة وتأكدَّ الموعد ..وأيّ موعد كان !!
كانت القائقُ والساعاتُ تمرُّ مسرعة ، وشعرتُ أنني ذاهب لإمتحان ، لم يكن يخطر
ببالي عيون الكثيرين التي ترصدُ ظهوري الأول ، بقدر ما كان يشغلني لقاءها وحديثها ، وكيف يمكنُ أن أكون تلميذا نجيبا يحفظ درسه جيدا ويجتاز امتحانه ...
ذهبتُ ...ولمحتها للوهلة الأولى ...تجلسُ واثقة على مقعد بدى لي وكأنه عرش ..
وأنها مليكة مُتوجة ...كانت قدماي قادرةً على حَملي، وكان بين ضلوعي قلب لا يرتعش ...ربما لأحافظ على وقاري ورزانتي ...
توجهتُ لها ، صافحتها ..وكانت ملامحها تحمل عبارات المرحب بي ...
أنثى تستوقفها العيون، وعيوننا في لحظة تفضحنا ، فوجدتني في لحظة قادرا
أن أعبرَ عن حب بسبب نظرة ...
لكنني لم أكن غبيا لأعبر لك عن حبي من النظرة الأولى ، ربما لأنني على يقين أنني أحببتك ما قبل لقائنا الأول وما قبل النظرة الأولى .
كل ما فيك كانت أشياء أعرفها ، أشياء كانت تشدّني إلى تفاصيل محببة إليّ ..
وملامح تجذبني ، وكأنني كنت قد هيأتُ نفسي لأحب أنثى تشبهك تماما ، أو أنني كنت منذ البدء مستعدا لأحب أنثى كأنت .
جلستُ بعيدا عنك ، وتفصل بيننا أمتار قليلة ..تركتك تُعدّينَ نفسك وتتهيأين للقائي
على طريقتك ...وكانت ملامحك تلاحقني ، وثوبك الأسود أصبح في لحظة لوني المفضل ، وباعث دهشتي وجذبي ...لونٌ طغى في لحظة على كل الألوان ...
كنتِ أنيقة حد الدهشة ...تختارين تسريحة شعرك بدقة ، تضعين ساقا على ساق ..
قليلة الحركة ، قليلة الكلام ...ألم أقل لك أنَّ ملامحك كانت تنوب عن لسانك في الحديث ... كانت الساعاتُ قبل أن آتي لموعدي / موعدنا سريعة ، وعندما وصلت ،
كانت الدقائق ثقيلة ...ربما هي رغبة ملحّة داخلي أن أصبح في لحظات عالمك الوحيد ، وشاعرك الوحيد ، وعاشقك الوحيد ...نعم ، سأكون لك ولو لجزء من الزمن
وتكونين لي ...سأحبك على طريقتي ، وأترك عيوني تعانق عيونك ...
وحان موعد إقترابي منك ...واقترابك مني ..واقترابنا من بعضنا ...نظرت لي بشيء
من الدهشة ، وقبل أن يحين دورك في الكلام ، تسمرّتُ أمامك وأنا أسافر في ملامحك ...وكانت عيناكِ في نظرة خاطفة لي ....تقولُ أشياء كثيرة ...
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:28 PM
سفر السفرجل (38)
ربما هي رسالتك الأخيرة
ربما دبَّ المللُ في عروقك
وأزعجكِ ساعي البريد حين
إعتاد أن يقرعَ جرسَ منزلك
صباحا ..ليحمل لك رسالتي الجديدة ..
لكن ..دائما ما كنتُ أعتقد
أنَّ الأنثى حينَ يعشقها شاعر ..
تُحبُّ أن يُخلّدها في قصائده ..
يكتبُ عنها وحدها ..
فوجئتُ بتصريحك أنَّ رسالتك
ربما تكون الأخيرة ..شعرتُ بنكسة ..
هل هذه الحروف هربت منك ؟
هل هي كلماتُ مُزوّرة ؟
أم كنت قد توصلت لهذه الرغبة لحظة ضجر .؟؟
لا عليك ...
ما زلتُ أراك صورة حيّة لمدينتي
لوطنٍ ما زلتُ أحتفظ بملامحه
رغم علمي ويقيني أنَّ غيري وضعَ اسمه وتوقيعه في ذيل إنتصاراتي
ما أكثر التواقيع الجاهزة
التي يتمُ وضعها بعناية في مثل هذه الأشياء
فهناك باستمرار من يُحققُ الإنتصار
وهناك من يحمل تاجه ..
وهناك من يلقي بإمضائه أسفله ...
ماذا عليَّ أن أفعل ؟
هل أقترب من أطراف فستانك
وأجذبه وأبدأ البكاء ؟
هل أخبرك أنني أدمنتك حد التطرف
وأنني لا أتخيل الدنيا وأنت بعيدة ؟
كيف أصفُ لك جمال صوتك المنساب عبر أوردتي
وتقلباتك الأنثوية في لحظة بين الصمت والضحك
مما يجعلُكِ قريبة مني جدا
أنتِ حدائق لا تحترق
وفيها تمارس الزنابق رحلة الشوق
ويعانقٌ العُشْبُ رائحة الشمس
هكذا أنت ...
تأتين لي مع العطور واللحن الشجي
مع أثواب الفرح ...مع قصائد فرانسوا بودلير التي أحب
ومع أشجان جبران خليل جبران التي تستوقفك ...
وأجدني كمجنونٍ يحتضنُ قلمه كلَّ مساء ليكتبَ لك
حروفا كانت ترى الحياةَ من تعلقي بك ووجدي بك وشوقي إليك
يا امرأة لا تشبه سواك
يا أغنيتي الجميلة
وقيثارتي ...
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:33 PM
سفر السفرجل (39)
كلُّ هذه الأشواق التي رسمناها
على صدقها ، وعمقها ، وعفويتها
تبقى شاهدا علينا ...
وأنا وأنت في هذه الزجاجة الباردة من البعد والمسافة
يرهقني حرفك جدا ...
فهو ممتع ومُتعبْ ..
أعترفُ لكِ أنني تعلّقتُ بكِ جدا ..
وبدأتُ على يقين أن قدرتي على الصمود تتلاشى
فما كنتُ مهيأ لسلاح مشاعرك ..
ويذهلني أنَّ حروفي تلامس وجدانك
وتشمّينَ رائحة تبغي بين الحروف
أكادُ أشعر أنّك تلمحينَ أشيائي المبعثرة بين الكلمات
وأنا ..أجدني أنقّبُ بين الكلمات
أفتّشُ عنك بين فاصلةٍ ونقطة
ربما أراكِ تغتسلينَ في قبلةٍ منّي
أو ربما أرى حروفَ اسمك تزهو بين السطور
يا امرأة مثلي تنام في قارورةٍ باردة من البعدِ والمسافة
من الشوق والوجد ..
كلما أتذكرُ أنّكِ هناك
في بلاد لا أعرف تضاريسها
ولا شتاءها ولا صيفها ولا حجم الرصيف
في الشارع المؤدي لمنزلك ...
وأنّكِ تقطنينَ خلف الريح ..
يُرهقني ضعفي وعجزي ...
كانَ عليكِ أن لا تقرأينني ..
ولكن ..كانَ لزاماً عليَّ أن أقرأك ..
لأننا لا نملكُ طريقةً أخرى للولوج
من نوافذ مغلقة ..من مسافة غاضبة
ومدنٌ لاتمنحننا تأشيرة عشق
ربما حروفنا ستعيشُ عند حدود الحقيقة
لن تحرقها الرتابة ولن يحرقها الحلم
لأنَّ حروفها تكتبنا وتُعبّرُ عنّا ...
ستبقينَ الطفلة التي عرفتها
تبكينَ لأبسط الأشياء
وتضحكين ..
وتفرحين بي / وأفرحُ بك
وتستمر أسئلتك تلاحقُ ذاكرتي المتعبة
وتحاولين أن تقتربي منها أكثر
وأبقى أتساءل : ما سرُّ كل هذه الرغبة للمعرفة ؟
لماذا تحاولين أن تشاطري ذاكرتي في كل شيء
هل ذاكرتي هي هدف لك ؟؟
مُرهقٌ هذا اليوم جدا ..
لكنّك أمامي ..بكل تفاصيل ملامحك
عيناك ، حاجباك ، شفتاك ، وكل ملامحك التي
لها أثرٌ يسري في بدني
كضربة مباغتة في عظام الساق
أفتقدكِ يا بحر ..وروابي ..ونجوم ..وسماء
دعيني أخبرك ..
أنني لم أعرف في هذه الدنيا أحدا مثلك
لم يقترب أحد من قلبي كما أنت
بدأتُ معك تفاصيلي ورحلتي
ومعك سأنتهي ..
احبك ..
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:34 PM
سفر السفرجل ( 40 )
نفس ٌ محاصرة ...
شواطيء بلا رمال ..
قارب بلا مجاديف ...
حرائق في أرض ليست لي ...
هكذا كانت طريقة هروبك مني ، حين كنت ُ أرسمك ِ على طريقتي ، ربما كنت ِ تخافين الغوص في رحلتنا في سفينة العشق ، وخفت التورط َ أكثر أمام جنوني وعاصفة حنيني ...حاولت ِ مقاومة الرغبة داخلك ، تلك الرغبة التي لم أستطع كبح جماحها داخلي ، ربما لأنك أنثى فائرة الجمال ،
تملكين كل مقومات السحر ، فاتنة حد الدهشة .
وجدتني في لحظة لا أريد النوم تحت عباءة الوقار ، وأبقى في نظرك ذاك الرجل الوقور المحتشم
الذي ينتقي مفرداته وضحكاته بعناية ، ويعرف كيف يقول لك كلمة : شكرا ، عندما تقدمين له فنجان القهوة ، وينتظر شكل ابتسامتك وهي ترتسم على شفتيك ويسمع منك كلمة ليست نمطية ردا على شكره ...
أردت ُ أن أكون متمردا على الرتابة ، وأكسر كل الحواجز التي تحول بيني وبين العاشق داخلي ،
هذا العاشق الذي وجدت ِ فيه ملامح الرجل الذي لطالما رسمتيه في خيالك ، هذا الرجل الذي كنت تجدين نفسك متعلقة به حد الجنون عندما يضحك لك فتبرز على خديه غمازتان ...
فتتحرك داخلك أنوثة نائمة منذ زمن طويل ، أنوثة خضعت للمكوث خلف شمس الحياة ، ولحق بها التغييب والإهمال ، لم يكن ْ لك أي ذنب في ذلك ...فقد كنت مجرد دمية جميلة يرغب في اقتنائها من رآك وأنت تعبرين الطريق ، ولكن ..ها أنت ِ هذه المرة أمام خيار مختلف ، ها أنت أمام رجل ، يحمل تلك الملامح ، والصفات والجنون والأناقة ...يحمل كل التناقضات التي تحبينها ...يعجبك حديثه وكيف ينتقي لغته ومفرداته ، وتغريك طفولته الفوضوية ، ويجذبك جنونه ...
رحت ُ أتأملك ِ مرة أخرى ...رافضا أن أعترف بأي فواصل زمنية ، أو تجارب ماضية ...
أو أية خربشات وضعها الزمن لا دور لك فيها ...
رحت ُ أتأملك كما يحلو لي ...وجدتني أحبك جدا ...كم أحبك
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:35 PM
سفر السفرجل (41)
كان الكلام ُ نعمة ً في تلك الليلة ِ بالذات ، تماما كالأشجار والزهور ..
فالشوق في ليلة كهذه لا يأتي بالتقسيط ، بل تراه كمياه متدفقة من شلالات ٍ
تجرفك إلى مناطق تجهلها من الأودية والمنحدرات .
وكنا معا ، نلهث ُ خلف َ مفرداتنا ، نرسم تعلقنا ببعضنا البعض ، ونشم رائحة
العشق ِ التي تفوح في كل حرف وكلمة ...
ها أنت ِ تحررت ِ من ذاكرتك المتعبة ، وخرجت من عباءة الخوف والقلق ..
واستطعت ِ أن تكوني أنت ..تقتربين أكثر من روحك ، تنطلقين في براري
رغبتك دون قيد ، تغادرين دوائر خوفك ، وتنطلقين كغزالة ..
اليوم وأنا أستعرضُ تلك الليلة ، أجدها لغزارتها ودهشتها ، كأنها أطول مما
كانت ْ ، رغم أنها بلغة الوقت مرّت كبرهة ...كوميض برق في ليلة ماطرة ..
أي ّ صدفة تلك َ التي حملتني إليك ، أو حملتك لي ، أو حملتنا لبعضنا ، ربما
أنت تلك الأنثى التي رأيت ُ خيالها وأنا أقوم بالتنقيب في ذاكرتي ، فوجدتني
أبحثُ عنك قبل لقائنا بزمن طويل ، طريقتك في التفكير ، تفردك في رسم ضحكة
تثير جنوني ، ملامح وجهك ، جمالك الفائر ، وطريقة نطقك للحروف والمفردات ،
براعتك في الإصغاء لي ، ما أجمل الأنثى حين تملك براعة الإصغاء !!
وتوحي لعاشقها ، بكل مفردات الإعجاب وهو يتكلم ، ما أجملها حين لا تشعر بالملل
وهي تتغزل فيه ، ولا تخجل في ترديد الكلمات التي يحبها ... وتمنحة مساحة واسعة
من تعلقها به ...كنت ِ أنت كذلك ، جميلة حد الدهشة ..
أطل ّ صباح ٌ أخر ...
وجاء نهار جديد ٌ بمشاغله وضجيجه ، أراه يباغتني ويسرق مني غصبا ، ليلة تمنيت ُ
لو نسي النهار البزوغ ، وتأخر ضوؤه كثيرا ، تمنيت ُ لو توقف َ الزمن ، وأجدني على
غير عادتي ، أتمرد على الوجه الفضولي للشمس ، وأحب أن يبقى الليل بعتمته ،
حتى أكتبك كما أريد ، ربما لأن حكايتنا رقيقة كالثلج أ أخاف من حرارة الشمس أن تذيبها
أو أننا كشريط فوتوغرافي مصور ، نخاف على الضوء أن يحرقه ...
فأنت ِ أنثى نبتت ْ في سراديبي السرية ، وفاتنة امتلكتها بحب سري ..أريد أن أغلق كل الأبواب
والنوافذ ، وأعتزل كل من حولي ، وأكتب عنك بعد أن أتخلص من كل الضجيج ...فلا أرى سواك
ولا أسمع غير صوتك ، رغم كل ذلك ، ما زلت ُ أتأمل تفاصيل ليلة نذرناها للجنون ...
وها أنا أترجمها بلغة مهذبة تليق بقدسية عشقي لك ، ونقاء حبك لي ، أكتبها بلغة رشيقة تتفق مع رغبتك في حبك للأشياء المهذبة ، ولطالما كنت ُ رجلا يحب الفوضى لينعم بالنظام ...ها أنا
أتمرد ُ على طبيعتي وسجيتي ، وأستعيد وقاري ، وأرتب ُ مشاعري وأنا أكتبك ، لأنني في النهاية
لا شيء يعنيني إلا أنت ... كم أحبك !
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:37 PM
سفر السفرجل (42)
مواعيد ٌ تائهة ...لقاءات ٌ لم تكتمل ْ ..حديث ٌ مشتهى
حين يصبح الإنتظار حلما ، ونبقى نرسم ملامح لقاء يجدد تفاصيل ذاكرة ..
وتكتظ في أعماقي فراغات مزدحمة بقصاصات ِ حنين ٍ زائف ..
ربما كان حديثنا الأخير يحمل التصريح في وداع سري ّ ...ربما كانت وحدها
التي أجد متسعا للحديث معها في كل شيء وعن أي شيء ، حتى الأغنيات التي نسيها
الزمن كنا نتقاسمها ، ونطرب سويا لسماعها ...
ما زلت ُ أذكر ملامحها التي أحببتها بقدر ما أحبتني ، كان لها طريقة خاصة في الحب ،
جعلتني أشعر أنها أنثى معجونة في الحب ، له تعيش ، وبه تعيد ترتيب ما تناثر من غبار يومها ...كانت تهرب من ماضيها كما هروبي من خدوش طفولتي ..
كنت ُ أشعر أنني عالمها الوحيد ، تسعد رجولتي وشرقيتي حين تتحرك فيها الغيرة ..الغيرة من كل أنثى تفكر في الإقتراب مني ...تجذبني أكثر تلك الحمرة الخفيفة على وجنتيها ..
أسترجع بشيء من الغرابة والدهشة ، ذاك المنعطف الذي طرأ فجأة ، وأخذها بعيدا عني ...
فأصبحت غريبة جدا ، وتسبق اسمي مفردة أستاذ ـ بعدما كانت تناديني بكل مفردات الحب ...
عجيب ٌ هو عالم النساء ..
كنت أحسبها لا تحتمل الحياة بمعزل ٍ عني ..
أو ربما استطاعت بذكاء الأنثى أن تقنعني ..بأنني دليلها الوحيد ..وفارسها الوحيد ..وعاشقها الأخير ...
فجأة ..لم تعد ترصد قصائدي ، وهي التي كانت تنتظر حروفي ، وتتابع القصيدة قبل أن تتشكل ..
رغم كل شيء ...كان ولا يزال ثمّة إحساس ٍ ينتابني ، أنني سأراك مرة أخرى ..وسيتجدد جنوننا أكثر مما كان ...وأن هناك الكثير الكثير لم نقله بعد ، وربما أننا لم نقل شيئا بعد ..
كل ما في الأمر أننا بعثنا الأمل بحديث نتوقعه ، وحب نبحث عنه .. كنا بدهاء وذكاء ، أو بسذاجة وبساطة ، نمارس ُ الحكاية نفسها مع بعضنا البعض ... لذلك لم أتعجب أن تختاري وداعي بهذه السرعة وبهذه الطريقة الغريبة الموجعة ..
هل سنلتقي مجددا !!
هل سنتمرد على الواقع والرتابة !؟
هل سنستعيد تلك النافذة ونزيل الغموض والضباب عنها ..
ونعيد ترتيب مواعيد المساء كما كنا ، ومواعيد الظهيرة والصباح ...ويعود اليوم جميعه ملكا لنا كما كنا .. هل سنعيد صياغة رسائلنا ، ونعيد ترتيب حروفنا ومشاعرنا ...
أم ستبقى النافذة مغلقة ..وتنام خلفها ابتسامتك التي كانت تأخذني بعيدا ..
هل ستبقين كنجم هارب ...
الوليد
لسفر السفرجل محطات ...
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:40 PM
سفر السفرجل (43)
عندما ضاقت بيَ الدنيا
عندما خذلني الذين أحبهم
وحين لم أجد جدارا أعلّق عليه معطفي
كنتِ حبيبتي قربي
ألقيتِ كلَّ أحزاني في بئر النسيان
فعرفت أن امرأة مثلك
تُديرُ عجلة الحضارة بنظرةٍ منها
عرفتُ أن امرأةً مثلك
تستطيع أن تذيبَ ثلوج الحزن
وتعيد مروج القلب خضراء
كلون قصيدتي ..
هل تذكرين ..
حين تقاسمنا مظلةً لنا تحت المطر
وكانت أصابعنا في عناق مثير
كنتِ شعلةَ دفء
سرنا في طريق الشوق وحدنا
رغم ضجيج مَن حولنا
لم أرَ يومها في الوجود غيرك
وكان همسك المنبعث بين قطرات المطر
لغة عشق تشبه وشوشة عصفور
كانت مظلتنا وطننا ، بيتنا
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:42 PM
سفر السفرجل (44)
شاغلتي ...
دعيني أفكرُ بك ، أحلقُ في فضائك ، أرتب المفردات في حدائق قلبك
دعيني أقولكِ في مواويل الشروق ...وأهازيج المساء ...
دعيني أرتل باسمك في خلوتي ، في صمتي ، في لحظة سفر ...
مزّقتُ كلَّ شيء قبل لقائنا
وبدأتُ أرتبُّ الأمور والأشياء هكذا
في البدء أنت ..وفي الختام
وقبلك يا جميلة الحس
على الدنيا السلام
شاغلتي ...
لا تسأليني عن تفاصيلٍ عتيقة
عن عيونِ صبيّة ، أو جديلة عاشقة
لا تسأليني عن أي شيء ..
لا تخافي من مساءٍ غامقٍ ..
لا تخافي إن تأخرّ موسم البرتقال
أو غادرَ الصيفُ المدينة
أو تآمر البستان يوما على تواجد الزهرة
لأنّك معي ...وأنا معك
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:43 PM
سفر السفرجل (45)
كان َ شعور ٌ يسكنني برغبة ٍ في الجلوس معك ِ ، في الإستماع لحديثكِ المشتهى ،
وتأمل ملامحك ِ الخرافية ، ورصد ضحكتك ِ المتفردة ، نعم ..تملكين ضحكة ً غير
نمطية ، ربما عندها أتمكن من اكتشاف ما تناثر َ من ذاكرتي .
كيف َ أستطيع ُ أن أفسر َ لك ِ أنني أعرف َ الكثير َ عنك ِ ، رغم أنني الرجل َ الذي
تلتقينه أول مرة ، وأن ّ حديثك ِ معه ، كمن يتحدث بلغة ِ غربية ٍ مع الغرباء ..
لأول مرة ِ أشعر ُ أن ّ الكلمات ثقيلة على لساني ، وحاولت ُ كبح َ جماح رغبة ٍ بي لإحتضانك .
هل أستطيع ُ أن أقترب َ من كل شيء أحببته فيك ِ ؟
ربما هي الصدفة ُ التي جمعتنا ، ومصادفتك أجمل ما عرفت ُ في رحلة العمر ..
حاولت ُ أن أوضح َ لك ِ أن ّ شوقي لك ِ أكثر من حجم توقعك ، حاولت ُ أن أخبرك ِ أنني رجل استثنائي مر ّ في عمرك ، رغم كثرة العابرين ..حاولت ُ أن أخبرك أنني انتظرتك ِ كثيرا ...
وأنني منذ بدء التكوين وأنا واقف ٌ على رصيف الإنتظار ، أرقب ُ حضورك الطاغي ..
وكان َ لا بد ّ أن نلتقي ...
كان َ يوما ً مذهلا بتفاصيله ، خالدا بما حمل من ذكرى ، كيف لا وأنت ِ معي ..
كانت ْ سعادتي كبيرة ، حين وجدت ُ اهتمامك ِ بقلمي ، وإعجابك بما أكتب ..وأرسم ..
مذهل ٌ شغفك ِ بفني وقلمي ..كنت ُ على استعداد أن أستغرق َ معك وقتا ً طويلا في الحديث عن قصيدة أو تفاصيل لوحة رسمتها ، كل شيء ٍ معك كان َ قابلا للنقاش والحوار ...
لم يكن ْ يشغلني شكل الحوار وموضوعه ، بقدر ما كان َ يذهلني الحديث معك ..
لم يكن الوقت كافيا للحديث ِ معك ِ عن كل تفاصيل حياتك / حياتي ..
فعقارب ُ الساعات ِ كانت مسرعة متراكضة ، وكان يرعبني مجرد التفكير أنك بعد قليل ٍ ستغادرين ، وأنا الذي كنت ُ أحلم بهذا اللقاء ..
اخترت ُ بحنكة ٍ مواضيع معينة ، واستطعت ُ بذكاء أن أخذك ِ للحديث في مواضيع دون غيرها ،
حتى لا نتوه في صمت ٍ مفاجيء يفسد ُ حلاوة اللقاء ...
كنت ُ أخاف ُ أن أستنفذ كل أوراق حديثنا في لقاء ٍ واحد ، ولم أكن ْ أرغب ُ في حصر ورقتي الوحيدة في لقاء عاجل ...
لذلك كان لا بد ّ أن نتفق َ قبل مغادرتك ...للحديث بقية .
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:46 PM
سفر السفرجل (46)
من خلف المسافة ...
من خلف أودية الكلام وسهول المفردات
من رحيق المعاني ...وتّفتّحِ الفكرة...
جئتُ إليك يا التي تتجول في الوريد
جئتُ إليك حاملاً بعض النشيد ..
رفيقة الروح ...
قبل الحضارة ، وقبل ميلاد النجوم ...وقبل أن يعرف النحل طريق الشهد
وقبل أن تُعانق الفراشةُ الوردة ...كنتُ أبحثُ عنك
كنت أعلم أنك هناك ، في مكان ما ، تحت ظلال شجرة الشوق تنتظرين عودة الفارس ...
وكنت ألمحك في ثوبك الأزرق ، تجوبين أهدابي ، وتتوسدين وجنتي ...
كم أحبك ..
كم أحبك يالتي كانت تقول : إذا ضاقت بك الدنيا ، قلبي لك واحة ...
إذا خانتك زهرة ...سأفرش لك العروق بالأشواق ...
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:47 PM
سفر السفرجل (47)
في أجندة مليئة بالمواعيد الهامة أو الغير هامة ، كنت أميّز ُ موعدي معك ِ ، ربما قبل أن ألتقيك ِ لم أجد من المواعيد ِ ما يستحق التمييز والإهتمام ، كانت جميع أيامي رتيبة ، لا أحمل ُ فيها ذاكرة ً تستحق ُ الذكر ، كان َ يهمني أن أملأ أجندتي كي لا تبقى الصفحات ُ بيضاء ..
وعند نهاية كل عام ، كنت أحتفظ ُ بأجندة العام المنصرم ْ ، لم يكن في أي منها ما يستحق ُ الدهشة َ والإنتباه . لكن أجندة هذا العام تختلف ، أميز الورقة التي تحمل ُ موعدا ً معك ، وأضع تحتها خطين ، وكأنني أريد ُ أن أصنع من الخطين جدارا يحيط بك من كل شيء ، ويحبسني معك
حتى تبقين داخل جداري للأبد .
كنت ُ أسجل ُ كل ذلك عن حدس ٍ مسبق ْ ، ربما أن تاريخ لقائك سيكون منعطفا هاما لذاكرة مكتظة بك ِ ، وربما كنت ُ أشعر ُ أن لحظة لقائك هي بمثابة ميلاد ٍ جديد ٍ لي .
كنت ُ أبدأ في الإستعداد للقاء قبل حلوله بساعات ، أجدني مضطربا كتلميذ مجتهد حان موعد إمتحانه ، يراجع كل النصوص حتى لا يداهمه سؤال ٌ لا تحضره الإجابة عليه .
رغبة جامحة في الجلوس معك ، في تأملك ، في الإستماع لحديثك العذب ، في طريقة ملامحك التي ترتسم بلغة ٍ جذابة ، هي رغبة للولوج ِ إلى ذاكرتك ، حتى أتعرف َ على كل تفاصيلك .
في لقائنا الأول ، كنت أحمقا لدرجة أنني تحدثت ُ أكثر منك ، وأنا الذي أتوق للإنصات لك فقط .
كيف أستطيع أن أفسر لك أنني مشتاق لك أكثر من تصوري ، وأن حنيني إليك ِ أكبر من أي شيء ...كانت حماقة ندمت ُ عليها فيما بعد ، كيف أنفرد ُ أن في الحديث وأنت تنفردين في الإستماع والإنصات ، نعم كنت ِ مستمعة ً رائعة ، ربما كانت رغبة مني أن أستبقيك معي في الكلمات ، وفاتني أن أمنحك ِ مجالا أكثر للحديث ..
أريد ُ منك في لقائنا التالي ، أن تتحدثي وحدك ، وتتركيني أتأمل ابتسامتك ِ ولون عينيك ..
ما أروع أن تتفتح الأزهار ُ هكذا في طلتك ، وما أجمل أن يتجلى وطني في حضورك ، وما أجمل أن تكوني أنت ِ ...هي أنت .
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:49 PM
سفر السفرجل (48)
هي الكلمات لها صدى
هي الحروف لها مدى
هي اللغة ...
تسافر بنا في فضاء الشوق والحنين
دعيني أعبر بين الخمائل والضباب
وأحلّقُ فوق السحاب
دعيني أقول ما أريد
وأنام قليلا تحت أغصان النّشيد
حتى أكونكِ في الحضور وفي الغياب
حتى أراك هنا ...بين سطر وسطر
فأنا أتيتُكِ ذاتَ شوقٍ على تعب
وأنا أعلنتُ تمردي وعصياني على تلك المسافة ...
دعيني أقولُ ما أريد
من يمنع العصفور من الغناء
من يحجبُ الشمسَ الجميلة
هي الكلمات لها صهيل
ولها بكاء ...
كيف أبدأك النشيد !!
وأرى العيون تُحاصرني تماما
وأنا / أنت على دروب الشوق
لنا لقاء
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 09:58 PM
سفر السفرجل (49)
دون َ موعد بيننا ، دون ترتيب ..
لم نتفقْ ، لم نتركْ ملاحظاتنا الصباحية ...
كنتُ عصرَ ذاك اليوم الشاق في العمل ...
قد قصدتُ مَطعماً لا يقصدهُ سوى الأثرياء ...
واختارَ لي النادلُ ركنا في زاوية عند مدخل المكان ...وهو ركنٌ
مخصصٌ لمنْ يرتاد المكانَ وحيدا ، أو دون رفقة فتاة ...
ركنٌ هاديء ...وهو بالطبع مطعمٌ جميل ...في مدينة تختلفُ ملامحها عن
ملامح مدينتي ، رغم المسافة التي لا تتجاوز نصف الساعة في السيارة ،
بين المدينتين ...
دخلتُ ..والنادلُ يبادلني ــ كغيري ــ ابتسامة المُرحبْ ..
عشرون دقيقة مرتْ ...وأنا هناك ..أستعرض تفاصيل يوم مرهق ...
فكانَ عليَّ أن أتنقلَ بين ثلاث محافظات في يوم حار ...
وربما كانَ وجود صديق معي ، يخففُ من تعب ذاك اليوم ...حيثُ كانَ
يقودُ السيارة ...
وفجأة ...دخلت للمكان ...وهرعُ النادلُ صوبها مستقبلا مبتسما مرحبا
وبحركة سريعة ، اختار لها مقعدا في أقصى الزاوية المقابلة لي تماما
أعدَّ لها مقعدا يجبني عنها ، لكنها ، اختارت آخر يقابلني تماما ...
وبسرعة ..وضعتْ حقيبة يدها ..واتجهت في الممر صوب حمام النساء ..
غابت خمس دقائق وعادت ...
وحيرةٌ تتملكني ..هل حقا هي ؟ !!
وأقول : كيف يمكن أن تكون هي ؟
هل هي أخرى تشبهها لهذه الدرجة ؟؟
جلست على المقعد ، وأخذت توزع نظرها على المقاعد في المطعم ...
ولمحتُ دهشتها حين وقع نظرها على ذلك الرجل الذي يجلس في أقصى الزاوية
ذاك الرجل ، كان أنا ..
سرعان ما أخرجت جهاز( اللاب توب ) وأخذت تختفي خلفه ، ويدٌ مشغولة بتسريحة
شعرها ..وأنا أعرف متى تفعل ذلك ، حين ترغبُ في إخفاء حيرتها واضطرابها ...
كيفَ اختارت هذا المكان !
كيف اخترتُ أنا هذا المكان !
كيف هي في زاوية بعيدة ..وأنا في أخرى بعيدة ...
وهي تقول في نفسها : لم يتغير أبدا ...رغم السنين الطويلة ...
ها هو وحده في طاولة فارغة ...ومقعد يمتليء به وحده ...
كعادته ، قلم ..أوراق ...يمارس الكتابة ...التأمل ..الوحدة .. ربما يكون يكتبُ لي ..
أو لإمرأة أخرى ...أو مدينة أخرى ، وربما قصيدة جديدة ، قصيدة لن أكون أول من يقرأها ويحظى بها ...وربما لن أصل لها ..
كانت تتظاهر أنها مشغولة في جهاز ( اللاب توب ) ، وكانت الأغنيات التي تملأ المكان ، تتحدثُ عنّا ، تتنقلُ بين محطاتنا ...
كيفَ اهتديتِ إلى هذا المكان !
كيفَ جئتُ أنا إلى هنا !
عشرونَ عاما وهي تهربُ من ظلي ، ومن ملامح خطوتي ...
ما أصغرَ هذه الدنيا !! وكم هوالكونُ برحابته وحجم مساحاته ..يُصبحُ في لحظة حجرةً صغيرة
يصبحُ في لمحة بصر ، أصغر وأضيقُ مما نتخيلْ ...
بيني وبينكِ أمتار قليلة ..ومقاعد متناثرة ..وعابرون لا يعرفوننا ...وذكريات عتيقة ...
ما زلتِ جميلة كما رأيتك أول مرة ...وأنا في لحظة ، تتراجعُ خصلاتُ الشعر البيضاء من لحيتي
وشعري ..ها أنا في لحظة ، أستردًّ من الزمن عمرا عابرا ...
وأنتِ هو أنت ..كما رأيتكِ أول مرة قبل عشرينَ عاما ..ولونُ شعرك يحمل لونه الذي لطالما جذبني ...
أعرفُ بما تفكرين الآن ...أعرف ما ستقولين بعد انصرافي ...فأنا وحدي أحفظك تماما .
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 10:00 PM
سفر السفرجل (50)
كان َ وجهك ِ الجميل يرصدني من بين ِ كل ِ الوجوه ، وثوبك ِ الأزرق المسافر في نظراتي
يصبح ُ في لحظة ٍ خالدة ، لوني المفضل . كان َ في وجهك ِ ثمة َ شيئ ٍ أعرفه ، به من الملامح
التي أعرفها مُسبقا ً قبل أن ألتقيك ِ ، كأنني قد تعلقت ُ من قبل بأنثى تشبهك ، أو ربما كانت كل ّ مشاعري مستعدة منذ زمان طويل جدا أن أحب أنثى تشبهك .
ربما لأن الوجه هو أول ما يستوقف ُ رغبتي ، ولأن الوجوه هي وحدها من تنقل حقيقتنا كاملة
وتُفشي أسرارنا وتبوح بما يجول في خاطرنا ، لكل هذا كانت ملامح الوجه قادرة أن تجعلني أحب أو أبتعد .
لذلك ..لم أكن غبيا لأبوح لك ِ أنني تعلقت ُ بك ِ من النظرة الأولى ، لأنني أحببتُكِ قبل النظرة الأولى بزمن ٍ طويل .
كان سحر ُ ملامحك ، طريقتك ِ الإستثنائية في التعامل ِ مع ما أحب وما لا أحب ، قدرتك ِ على استيعاب جنوني ، معرفتك ِ برغباتي وسرعتك الفائقة في تحقيقها لي قبل أن أطلب ودون أن أطلب ، كنت ِ تعرفين َ متى تبتسمين ومتى تصمتين ومتى تتحدثين ، كنت ِ رائعة في تعبيرك عن
الدهشة وأنت ِ تتفاعلين مع قصة أو حكاية ٍ أرويها لك ِ ، وتُبدين َ لها الأهمية حتى لو كانت عديمة القيمة ، كنت ِ تحبين َ ما أحب وتمقتين ما أكره ..ألم أقل ْ لك ِ إنك أنثى لا تشبه سواك ..
أنثى كنت ُ أبحث ُ عنها قبل أن يعرف قلبي حقيقة النبض ، وقبل أن أستطيع فك رموز الحب ، وقبل أن ْ أعي ما قيمة أن يشعر المرء ُ بالحب ..
في ذلك اليوم ..تعلقت ُ باللون ِ الأزرق ، رغم أنه لم يكن يوما اللون الذي يدهشني ، كان َ لونا ً
عاديا ً ، ولا أنكر ُ أنني انجذبت ُ إليه دون َ تخطيط أو تفكير .
وللون ِ سحره حين َ يعلق ُ في الذاكرة ، ويرتبط ُ بشخص ٍ يعتلي عرش َ القلب ، يصبح ُ اللون
فجأة يحمل ُ قوة جذب ٍ مغناطيسية عندما نلمحه في أي وقت ٍ عابر ، ويكون كفيلا ً أن يستعيد َ
شريطا ً للحظة عشقنا له ...
ورحت ُ أتساءل ُ : هل يمكن ُ أن نحب ّ لونا ً لم يكن ْ يحرك ُ أي ّ شيء ٍ فينا ، فقط لمجرد ِ أننا
نحب ُ من ْ ترتديه ... ؟
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 10:09 PM
سفر السفرجل (51)
كانت تقفُ في مكانٍ يعجُّ بالعابرين ...وعندما اقتربتُ منها
استدارت ، ونظرتْ صوبي ..وكأنها لم تعد ترى سواي ..
كما أنا لم أعد أر سواها ..
بادرتها بتحية الصباح ...كانت الكلمات نائمة في عيونها ..
قدمت لي قطعة حلوى ...وكانت عيوننا تحمل حوارا يختلف
تماما عن ذاك الحوار المندفع من أفواهنا ...
عندما تصبحُ قطعة الحلوى هي أغلى شيء تحصلُ عليه
عندما تصبحُ قطة الحلوى أنثى ، تدعوها لتشاطرك رقصة
مجنونة ، فتلبي لك الدعوة ...حين تصبحُ أنثى ، تبوحُ لك
بكل شيء ...تترككَ تتأملها بصمت ...
كنتِ هذا الصباح على غير العادة ، كنتِ أنثى ناضجة فائرة الجمال
كانَ لا بدَّ لي أن أغادرك / وكان لا بدَّ لك أن تغادرينني...
لكنْ ..بقيت قطعة الحلوى معي / أنتِ ..
وتركتُ لك ذاكرة أقاسمك فيها شوقك الدفين للقاء مؤجل ..
هذا اللقاء ..في لحظة عفوية ، وضعنا خارج حدود الزمان والمكان ..
خرجنا فيه ىعن المألوف ، تمردنا على العادات والتقاليد ...في قاعة
شاسعة مكتظة بالعابرين ، حولي / حولك الكثير ..لكن ، أجزم أنني لم أشاهد
سواكِ / وربما أنتِ كذلك ، كما قالت عيناكِ لي في حوارنا الهاديء الرزين
لم تشاهدي سواي ...ربما أصبحنا نسخة واحدة في لوحتين ، لوحة لرجل هو أنا
ولوحة لأنثى هي أنت ...وبين أنا وأنت ، كانت قطعة الحلوى ...
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 10:14 PM
سفر السفرجل (52)
وحدثت الفرصة التي كنا نبحث عنها
والتقينا ...
وصفحات كثيرة لم تسكنها الحروف إلا بك
وأيام كلها تشبه بعضها ، استفذتها وأنا على
رصيف أشواقي لك أنتظر ..
وحلم بين رجل عاشق / أنا
وأنثى فائرة الجمال / أنت
كل شيء حولي يشهد أنني عشقتك وتعلقتُ بك حتى الهلاك
كنت كلما حاولتُ أن أدنو منك ، ألف شيء يصدني
طريقة كلامك البارد ، وردك المختصر ...
وكان ألف سؤال داخلي ، كيف أستطيع أن أمسك بداية الكلام
وأبوح لك !!
كنت أراك بركانا هائجا حرق كل شيء حولي
ربما كان دربا من الجنون أن أحارب كلَّ من أحبّوك قبلي
وأن أصبح في لحظة صدق عاشقك الوحيد وفارسك الوحيد
وأقوم بتشييد كوخا قرب سفحك ، وألقي بذاكرتي المكتظة بك
عند فوّهة بركانك ...وأبقى وحدي بين النيران المشتعلة ..
أرصدك ، وأكتبك ...
أعترف لك أنّ جمالك فيه طاقة مغناطيسية هائلة
استطاعت جذبي ...
ربما هي حماقتي حين تعاملتُ معك منذ البداية مثل رجل أنيق
يستقبل ضيفه بأناقة ورتابة ...فيحرص أن يقدم لضيفه فنجان قهوة
وينتقي جميع عبارات الأدب ليقول له حين يسمع كلمة شكرا ...
عفوا ..أو أية مفردة تحمل الرتابة والإحترام ..
كان عليَّ أن أقول لك ..أنك حبيبتي الحلم ..تلك الحبيبة التي زارتني منذ
زمن طويل حين بدأت ملامحي تتشكل ...حين عرفت معنى العشق ..
ألم يكن جنونا أن أظهر أمامك في منظر الرجل الأنيق ...يلبس عباءة الخجل
والوقار ...ويخاف من المبادرة ، ويبقة محترقا في نيران حنينه لك ..
التقينا إذن ..
وبدأت صفحاتي الفارغة البيضاء ، تتسابق فوق سطورها حروف حبي لك ..
دعيني أحبك كما أشاء ..
دعيني أدنو منك كما أشاء ..
كفانا ما مرّ من زمن طويل ...
كنت فيه بركانا ثائرا ..وكنت وحدي أسكن في الحرائق ..
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 10:32 PM
سفر السفرجل (53)
أعترفُ لكِ أنني أحبكِ حدَّ الجنون
وأنّكِ متفردة في قلبي
وأنّك جميلة الجميلات
وأنّكِ وحدك من فتنتِ روحي
وسلبتِ كلَّ مشاعري
دعيني أقول لك
بعيداً عن غريب اللغة
وخفايا الأبجديات
وتفاصيل البلاغة والبيان
أحبك ...
دعيني أقول لك
ما أشاء وكيف أشاء
وأجددُ لك شوقي
ربما تسعفني لغتي
وتنقذني كلماتي الهاربة
من أعماقي صوب ذاكرتك
ربما أعيد ترتيب معزوفة عشق
لا تنتهي ..
وترانيم لحنٍ يُطربنا
غاليتي ...
دعيني أعيد صياغة الشوق ببساطة
دون تعقيد...
بعيدا عن تجاعيد غريبة
وتفاصيل عتيقة
بعيدا عن المساحيق الكاذبة
لك نبضي ...
يا التي تحفظني في حضوري وغيبتي
وتهمس لي كلَّ مساء
بلغةٍ لا يعرفها سواي
أنتِ قيثارةٌ وناي
أنت لحنٌ قد تّعمَّدَ في صباي
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 10:38 PM
سفر السفرجل (54)
لمحتك ذاهبةً إلى حقول الزنابق
وسمعتُ صوتك المنساب كقطعة موسيقية
يناديني ..ويجذبني للحضور ... كل شيء فيك كان يجذبني
حتى اسمك ..كان يستفزني ، ويقفزُ إلى قلبي ، قبل أن تتهادى حروفه في أذني
اسمكِ الذي لا نعرفُ قراءته ... وإنّما نتلذذُ في الإستماع إليه ، فكأنَّ عازفه يُقدمه لنا
من خلال أوتار كمنجة لمستمع واحدٍ هو أنا ..
كيف أستطيع أن أسمعَ اسمكِ وأمرُّ عليه بحياد ، وهو الطرف المدهشُ من قصة
بدأتها الصدفة ، ونسج خيوطها قدرٌ أراد أن نتوحد معا ..في روح واحدة
ربيع عمري ...
ما بعد لقائنا الأول ...وقبل لقائنا الثاني ، كنتُ أحرصُ أن أذهبَ إلى المكان الذي
كان شاهدا علينا ...كنت أحرص أن أجلس في نفس الزاوية وذات المقعد ...
وكنتُ ألمحُ في عيون النادل ، نظرةَ إشفاق نحوي ..كأنه يقول : في كل يوم تأتي إلى هنا
ويخذلك الموعد ...وما كان النادل يعلم أنني أرك هنا ... أحسك ..أعيشكِ في كل لحظة .
أيقنتُ يومها أن لكل عاصمة ليلها الذي تستحق .. ليل يشبه تفاصيلها وحدها ، ويفضح سكونها
وصمتها ..كل المدن تتشابه أنها تفضح للعابرينَ أسرارها ... ولو لم تُعبّرُ صراحة عن ذلك .
كم تُشبه المدينة المرأة ، وكم تشبه المدن النساء ، وهناك من يجعلننا نتوق للصباح ونستعجله ..
لكنك كنتِ أنثى استثنائية .. ربما كنتِ مساءاتٍ مُتعددة لصباح واحد ..وكنتِ امرأة تعبتُ في البحثِ والتنقيبِ عنها ... وحينَ اكتشفتكِ شعرتُ بالخوف الشديد ، لأنني رأيتُ فيكِ ملامحي ..
كيف أصبحتِ مرآتي التي تفضحُ نواياي المكنونة ، لماذا أراني عاريا تماما ، متجردا من الأقنعة التي ألقت بها تصاريف الريح الشمالية علي ...
هل حقا تزحفين في ذاكرتي في مساء طويل ... وتسيرين ببطء داخلي ، دون أن تحدّدي إتجاها لرحلتك ؟؟
كم أنتِ مذهلة ، حين اختصرتِ جميع النساء ... وجعلتِ هذا النائم بي يكبر في بضعة أشهر ، بضعة أسابيع ، بضعة أيام ، بضعة ساعات ...
قبل لقائنا الأول ، لك أكن أشعرُ بثقل السنين وهي تمضي مسرعة ، كان جمالك صباي ، وكانت قصيدتي نبع طاقتي المتدفقة ، وكانت بغدادُ مدينة صبية ، تختال في ثوبها الجميل ...
وكنتُ أشعرُ بالخجل إن لم أنتقي ملابسي بأناقة في حضرتك ...وأحرصُ على إختيار عطرك المفضل ، ربما لأنك حبيبتي إمرأة خرافية ... جئتِ إلى عالمي ، ورضيتِ بالإستقرار في قلبي المحاصر بالجنون ...كم أحبك .
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 10:55 PM
سفر السفرجل (55)
كما الندى
كما الغيوم العابرة
كرحلة فراشة بين زهرة وزهرة
كان لقاؤنا ...
كنسمة صيف ...
كقطعة حلوى في يد طفل صغير ...
كقبلة مسافر ...
كان لقاؤنا ...
من خلف نافذة الأمل
لي تنظرين
وأنا أتيتُ على تعب
كل النوافذ مغلقة ...
لا تبحثي عبر الحروف ..خلف السطور .. ليسَ لي أثرٌ هناك
كل الرسائل ...
كلُّ الصور ..
مزقتُها ..
ما أطول النهار !!
وما أقسى الليل !!
يوم قررتِ الغياب
لا صوتَ لك يقتحم مسامعي
لا أنتِ هنا ...ولا هنا سواي
تعبت خُطاي ...
كيفَ التقينا ذات عشق ..كيف صنعنا الوعود أن نبقى على طول المدى
كيف اتفقنا أن لا يفرق بيننا هجرٌ ورحيل وسفر ...
مر وقت ...
أبوابُ قلبكِ موصدة
وكذا النوافذ ...
ورسائلي عادت إليَّ ...
وأنا أفتشُ في الدروب ...بين الحروف ...ربما ألمحُ طيفك ...
يجذبني الحنين لحديث الليل الطويل
لتلك الضحكة المسافرة فوق الملامح
للغة لك ...وأبجدية لك / لي ...
لمفردات عشق فوق رفوف القلب نائمة ...
لا أنتِ هنا ..ولا هنا سواي
في هذا المساء ..
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:04 PM
سفر السفرجل (56)
هل من الممكن أن نختزل َ كل ّ المصادفات في حالة واحدة !
وفجأة تتغير قناعاتي ، فيصبح شغلي الشاغل أنت ولا سواك ..
وأن أختزل كل أحلامي في امرأة واحدة ..وأن أرى هذه المرأة فيك أنت !
وجدتني أقف أمام جمالك وأنت تتأملين قصيدة حب قلتها لك ..
فكانت القصيدة الأجمل ، لأنها منك وإليك ...
سأطيعك ..سأتخلص من عصبيتي المفرطة ، وحدة مزاجي وتقلباته ، سأضبط
إيقاع نبضي بصورة تتفق مع رغباتك ...
لم تكن تسكنني رغبة في الحديث لك عن سبب تعلقي بك ..منذ لقائنا الأول
كنت ُ أخشى أن يؤثر توضيحي لذلك على ما أشعر به تجاهك ...فتغيبي مجددا ،
وأنا الذي لطالما حلمت ُ بأنثى مثلك ...تشبهك ...هي أنت .
ولكن ..
هل أستطيع التمرد على رغبات امرأة تحب أن تعرف كل شيء؟
قلت لك :
تلك القصيدة كانت كتفتح وردة في حقول قلبي ...فوجدتني أحاول أن أشرح لأول مرة
قصيدة لي ...
ربكا كنت الوحيد الذي يعتريه الإرتباك ...حين تركت لي ملامحك كلها ...وأخذت أنظر لجسد تناثر أمام عيوني من زوايا مختلفة ...وأخذني التفكير كيف يصبح الجسد في لحظة أنثى فائرة الجمال ...تسكنه روح تأخذني حيث تريد ..
لو قلت لك أنني لأول مرة أرى أنثى كاملة الأنوثة تعرض جمالها بتلقائية ...ودون حرج أمام عيوني ...ربما عندها ...حتى أخفي ارتباكي وشدة تعلقي بها ...وجدتني أهرب لقلمي وأكتبها قصيدة ...قصيدة لم تكن إلا لك ...كم احبك .
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:08 PM
سفر السفرجل (57)
حين التقيتك ..تأملت ُ تلك الليلة ، حديثنا الأول
راهنت ُ نفسي أنك أنت ..أنت التي لطالما رسمتها في ذاكرتي المتعبة
ربما نجحت ُ في سرقة لحظات لأتحدث إليك ، ربما وجدتني أشعر براحة
لطالما نشدتها ..ها أنت بكل جمالك ، بكل حضورك ، بكل نقائك ..لي
وها أنا رغم اشتياقي لها ..لا أرغب في الحديث معها مجددا ..
ربما لحاجتي لكتابة قصيدة ، قصيدة خالية من رقابة وملاحظات ..
قصيدة لا تخضع لمواصفات الرغبات ، ولا يعترضها أية ملاحظات ..
قصيدة تشبهها هي ...
وفعلا شرعت ُ في ترتيب طقوسي للكتابة ..لفافة التبغ ، فنجان قهوتي ،
وذاكرة مكتظة بك ...ولكني ارتبكت ُ حين قررت الكتابة لك ..شعرت ُ أنني
مجرد كاتب مبتديء ..
كنت أدرك كل شيء ..أشعر برصد المتابعين قصائدي ، ومن يحرصون على شراء
الجريدة صباح الأربعاء ، ليقفوا أمام ما أكتب كل أسبوع / ما أنشر ... .
كل هذا كان يدعوني للإبتسام حد السذاجة ..لماذا لا أستمر في الكتابة لها ..وأستمر
في النشر ، ولماذا لا أتعامل مع الواقع بمنطقية أكثر ؟!
أليس من أبسط الحقوق أن أعود إلى هذه القصيدة بالذات ، تلك التي سأكتبها لك ..
أن أنثر بين حروفها قليلا من خطى الحالمين ..وأذكر مشاهد الزهر والفراش ..
وتدفق الينابيع ...
ألم يكن من الضروري أن تتضمن قصيدتي بعض ملامح طفولتي ، وأذكر فيها
ما مرّ من ذاكرتي الأولى ...حين لم أستطع التعبير عنها يوم كنت كاتبا مبتدئا ..
وشاعرا هاويا لا غير ؟؟
لا أدري لماذا لم أعد أشعر بتلك الرغبة التي كانت بي للحديث معك ...
وانتظار مواعيدك بدقة ..هل قصيدتي لك أخذت مكانك ؟
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:11 PM
سفر السفرجل (58)
منذ بدء التكوين وأنا أفتش عنك !!
أبحث في المدائن والعواصم التي ألفت وجودي
أين أنت ؟؟
تعبت خطاي وأنا أفتش عنك !!
وعشرات الأسئلة تدور في خلدي ..
إلى متى ستبقين حلما أحاول تجسيده في خيالي ؟؟
إلى متى سأبقى أرسم لك صورة الصباح وصورة الليل ؟؟
إلى متى سأبقى أتخيل صوتك المنساب في عروقي ...
ليلكتي الجميلة : كلما رأيت عاشقين ...أتخيلني العاشق وأنت الحبيبة ..
فأشرع في إعداد اللغة التي تليق بحضورك في وجداني ...
أشتاقك طيفا يرسو هنا ويتبخر هناك ، وفي غفلتي أحلم بأنني ألقاك ...
ربيع قلبي : آن الأوان لألقاك ...حتى أضع حدّاً لهواجسي ...
هيا اظهري واخرجي من دوائر الغموض والتنكر حتى أملأ بك الدنيا
شعراً وشدوا، هيا اظهري ...فالقلب ما عاد يحتمل ...تعبت من البحث عنك ...
هيا اظهري ...فأنا رجل يحمل بين جوانحه قلبا مليئاً بالمشاعر والعواطف ...
حبيبتي الغالية :
هل نلتقي ...وتهدأ ظنوني ..وترتاح جوانحي ...أين أنت الآن ؟؟ أينك يا فتاة من لازورد
وأقحوان ...يا زمردتي الجميلة ....
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:18 PM
سفر السفرجل ( 59)
مرتبكة ، قلقة ، ضحكاتك متسارعة ، عَرَق ٌ يعلو محياك وخدودك
هكذا كنت في لقائنا الأول / الثاني / العشرين ...
أنيقة الملامح ، مذهلة في الحضور ، جذبني لك كل شيء ...
لم أرغب في التنقيب في ذاكرتك ولا البحث في ذكرياتك ..ولم أطلب منك
أن تبوحي لي بشيء ...وتمنيت ُ أن تبوحي بكل شيء .. ربما لأنك أنثى استثنائية
وربما لأنني لم أشعر أن ّ هناك ما يستوجب إعترافك ...
كنت ُ أريدك كما أنت ِ ..أريدك تلك الطفلة الخالية من خربشات الزمن ، وأن تتخلصي
بكل ما علق بذاكرتك من تفاصيل تزعجك ، كنتُ أشعر في كلامك أنك وجدت بي فارسا
لحلمك المتناثر عبر محطات الزمن ، وكنت أحاول َ أن أؤكد َ لك ، أنني أعتذر عن كل حماقاتي
وتجاربي وهزائمي ..
أصبحنا في لحظة مذهلة ، نسخة واحدة ، نسخة من بعضنا البعض ، وضعت ملامحها المصادفة ، ثم تدخلت الأقدار في نسج تفاصيلها ، وكنت أشعر بلذة غريبة وأنا أعيش معك هذا الواقع الجديد
هذا الواقع الذي لطالما حلمت ُ به وبحثت ُ عنه ...
أطول لحظات أعيشها ، تلك التي تمر وأنا أمارس انتظاري لك ، ووجدتني أسرق كل لحظة لأتحدث معك فيها ، ولو لزمن قليل ..المهم أن أحدثك ..وتضعي حدا لإشتياقي المتزايد لك ..وكنت أشعر عندما تحضرين ، برغبة في إخفاء خيبتي ، وقلقي ، وكثرة تساؤلاتي عن أسباب غيابك ...كل ذلك كنت أتغاضى عنه ، في اللحظة التي تحضرين ...
هذا أنا ، رجل عاشق ..عشقك بجنون الشاعر ، بتطرف الشاعر ، وخياله ، تعلقت ُ بك جدا ...
أصبحت ُ في لحظة لا أعرف طعما للحياة وأنت بعيدة ...
لا زالت كلماتك في ذاكرتي حين قلت لي : كنت أتمنى أن أكون حبيبة لشاعر ...
سأستوعب رحلاته في عيون النساء ، وأستوعب كلمات الحب التي يسمعها كل يوم ...
لأن الشعراء هم الأكثر جنونا ، وجنونهم مباغت مرعب ، وطقوس حياتهم غريبة ...
تعجبني تقلبات مزاجهم ، ورهافة مشاعرهم ...
تعلقت ُ بك جدا ..وأصبحت في لحظة كل شيء ..كل شيء ..
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:27 PM
سفر السفرجل ( 60)
كان يرى فيها الصديقة والحبيبة والإبنة والأم ..كان يرى فيها ملامح كل النساء ..ولكن يا ترى أي إمرأة أوقعتْ به ؟
تأخذه إلى عالم الدهشة في حضورها ، يزيد تأمل ملامحها ويروق له أكثر كل مكان يجمعه بها ، يرى في كل جزء منها امرأة كانت تطارده ، وكأنه كان يعشق كل النساء في أنثى واحدة ..أنثى واحدة فقط ، هي بهمسها ..صمتها ..نظراتها ..قوامها ..ملامحها ..حديثها وصمتها ..كانت كل النساء بأعمارهن المختلفة ، بلون بشرتهن ، باختلاف عطرهن وشكل ثيابهن ، ولون حقائبهن ..نساء من زمن بعيد جدا قبل أن تبصر عيناه النور ...حتى هذه اللحظة التي هو معها فيها ..باختصار كن ّ جميعهن نساء يتجمعن ّ فيها هي ..هي لا غيرها ..
يطلب من النادل فاتورة الحساب ،ويغادرا هذا المكان الذي سيتحول بعد لحظات لكهف من كهوف الوجد والرحيل ...سينام المكان في ذاكرته كما تنام الكثير من المدن والعواصم داخله ..
وقف بأناقة قبلها ، أخذ مقعدها للخلف بعدما وقفت ، ومسك بيدها ، وعادت تصوب نظرها لمكان موطيء قدمها ، هكذا هن ّ الفاتنات ، لا ينتبهن لعيون الراصدين ، لا يكترثن بهم ... لا يلتفتن لقلوب تتكسر وأفئدة تتحطم ...سارت معه وكأنه عالمها الوحيد ، وكأنه الرجل الأخير في هذا الزمن ...كم كان يحلو لها أن تردد له عبارة : أنت سيد الرجال ...
كان يستمع لوقع أقدامها وهي تنزل درجات الطابق الثاني كقطعة ٍ موسيقية ٍ منتظمة ،وعطرها يتغلغل ُ معطفه الشتوي الأسود الطويل ...
وقفت في الشارع لحظة ، ونظرت للمكان ، وتنهيدة عميقة تخرج ...كانت التنهيدة لغة ، وحكاية ...كانت تحمل تفاصيل ساعة كاملة مرّت كومضة ...تنهيدة تقول : ماذا لو بقينا أكثر ...وفي داخله قطيع ٌ من الأمنيات أن تبقى ولا تغادره ...أكان َ لا بد ّ أن تغادريني عندما يحين الوقت ؟
تعالي نعلن التمرد َ على كل شيء ونبقى معا ..أشياء كثيرة كانت تجول في نفسه / نفسها ...لم يكن يريد التفكير في ساعة الغياب ، وهكذا كانت هي ..ها هما يعيشان كل لحظة ...يحلقان كطائرين في فضاء جميل ...يمسك بيدها وتمسك به بجاذبية ..كأنه يخاف أن تغيب أو ربما حتى يصدق أنها معه .. يسيران بخطوات متوازنه ، كموكب مليك ومليكة ...في مدينة لا يعرف فيها إلا هي ولا تعرف فيها إلا هو ..هي مدينته الحلم وهو مدينتها الأجمل ...أي أنثى كانت !!
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:28 PM
سفر السفرجل (61)
شريط الحياة غني بالتفاصيل عند كل شخص ، ومنهم من يستعرض ماضيه ويقف على أبواب طفولته ويروي حكاياته معتقدا أنه كان فارسا ، في الوقت الذي لم يكن أي ّ شيء ، بل كثير منّا لم يكن راض ٍ عن مرحلة من مراحل حياته ، وحين تصبح ذكرى يحن ّ لها ويصفها بالزمن الجميل ...ربما لأننا أمّة تحب الحزن جدا ، وتغرق في الشجن كثيرا ، حتى أنك تجد الأغاني الحزينة أكثر رواجا للنفوس وأقرب للقلوب ، بل عندما يضحك ُ شخص كثيرا ..تجده يتمنى أن يكون ضحكه خيرا ويخاف من ذلك ويتشاءم ...
لذلك لم يرغب بأي حال من الأحوال أن يسألها عن ماض ٍ مر ّ في حياتها ، ربما لقناعته ووعيه أن الماضي هو ماضي ، لن يغير َ فيه أي شيء ...كان همّه أنها بكل أنوثتها معه وله ، فمهما كان ماضيها جميلا أو حزينا ، هو مشهد ٌ لا دور بطولة له ، فلماذا يدنو من تفاصيله ويقرأه ...
كانت تملك من الذكاء والفطنة ما يزيده تعلقا بها ، لا تنبش صفحات ٍ مرّت في حياتها قبل لقائه ، لا تذكر ُ أي مشهد من مشاهد حياتها لم يكن له دوْر ٌ فيه ..تريد أن تبدأ فصول عمرها من هذه اللحظة ..من لحظة انتظارها ولقائها والجلوس معها ...ها هي تقترب من تفكيره وذائقته ، وتُعلن ُ حبها للأشياء التي يحبها ونفورها من تلك التي لا يحبها ، وهنا تتجسد الأنثى بكامل روعتها حين تصبح جدارا يمتص ّ كل رغبات الرجل ...تؤكد ُ أنها نصفه الآخر ، بل نصفه الأجمل ،ربما يقينا منها أنه كان منذ بدء التكوين يبحث عن أنثى بحجم جنونه ..وللمرأة صورة تنقص ُ من أنوثها حين يتحول دورها لحكيمة تدرك صغائر الأمور تعرف كل شيء وتود أن تشعرك َ أنها صاحب تجربة عميقة تمتاز بنظر ثاقب وبصيرة ٍ نافذة ...ما إن تجلس معها نصف ساعة تشعر أنك تلميذ في محاضرة ...أليست الأنوثة نسمة رقيقة تبعث البهجة والفرح في نفس الرجل ، تذيب حزنه ببسمة منها ، تضيء له شمعة بتفهمها ما يدور في خلده ، تقرأه من بريق عينيه ...تتجنب ُ ذكر أخطائه وعثراته ايمانا منها أن المرأة حين تردد أخطاء الرجل فإنها تبدأ في دق مسمار في نعش الحب ...رائعة هي حد الدهشة ...أي أنثى كانت !!
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:29 PM
سفر السفرجل ( 62)
في النهاية ..في حياة المرء محطات ٌمنها ما يبقى عالق في ذاكرته، ومنها ما يغادرها ولا يذكر تفاصيلها ، تماما كما هي علاقات الناس ببعضهم ، فمنهم من تلتقيه مرّة واحدة ولكن تبقى تذكره وتتوق إليه ، ومنهم من تراه فتبدأ تتذكر أين التقيته وما اسمه ...
لكنها كانت محطة فاصلة في حياته ، أصبح لقاؤها تاريخا ، يؤرخ الأشياء قبلها وبعدها ، كان في عينيها الكثير من الحديث الذي لم تبح به ..ربما لحاجتها أن تسمعه وتصغي له ، وهل هناك أجمل من أنثى بجمالها تكون على الضفة الأخرى لنهر الكلام ، أنثى في صمتها كلام ، وفي ملامحها كلام ..
أحضر النادل ُ وجبتين مختلفتين لهما ، كان يرصد حركاتها ، طريقة تعاملها مع الأشياء ، أعجبه كثيرا حين التقطت منديلا من علبة على الطاولة وأخذت تمسح السكين والشوكة كل في منديل مستقل ..هل هو حرصها على الترتيب والنظافة ؟
أم هو نظام حياة تعيشه ؟ بدأ يتناول وجبته بشراهة ، كأن هناك معركة بينه وبين الجوع ، كان سريعا في مضغ الطعام وبلعه ، ونظر لها فزادت دهشته ..حيث كانت تتناول طعامها بهدوء غريب ، تمضع الطعام جيدا وتبلعه بهدوء ...تتناول طعامها كعصفورة ...أحبّت تلقائيته وعفويته وبساطته في طريقة طعامه ،وأعجبه جدا أناقتها في طعامها وشرابها ، هي أنثى تختلف في كل شيء ، تعرف متى تتحدث ومتى تصمت ومتى تبتسم ومتى تضحك ومتى تبدأ الحديث ومتى تصمت وكيف تندهش ُ لحديثه ...كيف تأكل وتشرب ...كل هذه الأشياء كانت تجتمع في مشهد واحد لا يتكرر مرتين ...
طبيعتها دون تصنّع أو تكلف ، تماما كالمساحيق التي تضعها على وجهها ...تضعها لتضيف لمسة الجمال لا كما تفعل الكثيرات ، حين يغرقن في المكياج بصورة مُنفرة دون دراية في توزيع الألوان وتنسيقها على الملامح ...أي أنثى كانت !!
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:30 PM
سفر السفرجل ( 63)
كانت هادئة تماما، وامرأة صامتة تستطيع أن تغيرَ وجه الحضارة ..تستطيع بلغة تنحدرُ من عيونها أن تعيد ترتيب الأشياء من جديد ، أن تقدم الإغراء لقمر السماء أن يبقى أكثر ، وللنجوم أن تمارس َ الرقص ...اكتشف أنها صورة طبق الأصل عن مدينة تسكنه ، وملامح وطن لا يغادره ...رغم أنّ الآخرين كانوا قد سرقوه في ظلام حالك ، لا فرق بينهم وبين من يسرق قصائده ويضع إمضاءه أسفل مشاعره..فالقصيدة في النهاية أنثى والأنثى قصيدة ...وكثير أولئك الذين يسرقون انتصاراتنا ، وينسبونها لأنفسهم ، لذلك لم تجذبني يوما باقة ورد جاهزة لم أقم أنا بتنسيقها واختيار أزهارها وورودها ، لأنني كنت دائما أرفض أن أحمل باقة اعتنى بجمعها وتنسيقها سواي ويقتصر دوري على حملها وتقديمها حتى لا أكون لصا ًلجهد من قام بها .
كانت رغبة أن يدنو أكثر من ثوبها ، يتحسسه كطفل صغير ويجهش بالبكاء ، هل يستمر في الحديث معها طوال اليوم ..هل يمتد حديثه معها لساعات وساعات حتى تتأكد َ أنه لا يستطيع العيش بعيدا عنها ولا يجد للحياة طعما بدونها ،وأنها باتت تسري في عروقه كما الدم في شريانه،كيف يفسر لها أن ما فات من زمن قبل لقائها يكفي ..يكفي بما حمل من وجع ٍ وشوق ٍ وحنين وكلمات ...
هل تعلم كم تعلق َ بصوتها المنساب لوجدانه عبر هاتفها ، وكيف بات من ضروريات صباحه اليومي ونهاره ومسائه ، وأنه التصق بصوتها بل بات َ جزءً من تفاصيل يومه ، تتغلغل ُ ضحكتها في جوانحه ، يتوق لإطلالتها المسائية ..لأنوثتها الطاغية ، لطفولتها وطريقة حديثها وإصغائها ...لأنثى تشبه مدينة ً أحبها ووطنا تشكلت ملامحه في حواسه ، لأنثى أصبحت ذاكرة ..بل أصبحت كل شيء .
اتحاد ٌ بينها وبينه ...حالة من التوحد بين روحه وروحه ...حالة التصاق غير قابلة للإنفصام ...وخوف يداهمه بشكل مفاجيء أن تدنو لحظة الغياب فيزداد تأملها بذهول ...
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:33 PM
سفر السفرجل ( 64)
الإصغاء ُ لغة لا يُجيدها أي شخص ، والإصغاء ُ يختلف ُ عن الإنـصات ْ ، فالإصغاء ُ هو استماع ٌ مع تفاعل في الملامح ، وحواجب العيون وعدد رمشات العيون ، وحالة انتباه ٍ تجعل المصغي ينجذب بكل حواسّه للمتحدث ، بينما في حالة الإستماع قد يكون هناك ثمّة شرود ، وغفلة تأخذ المستمع بين فترة وأخرى ...كانت أنثى تُجيد ُ الإصغاء ، تتفاعل مع كل كلمة يقولها ، تعطيه الإنتباه المطلق لحديثه ...هل كنت ِ تستمتعين بالكلمات ، وتراقبين وقع َ خروجها ، وتنتابك حالة سعادة باندهاشه الدائم بك ، وانبهاره بحضورك الطاغي ، في إيجاد أبجدية تليق بك ...كل الإحتمالات واردة ..
كل ّ شيء ٍ فيك كان يجذبه ، حتى اسمك وحروفه المتلاصقة ، وربما كان له تأثير خاص يستفزه بطريقة مختلفة ، اسمك ِ كان يعرف كيف يقفز لذاكرته وقلبه قبل أن تقع العين على رسم حروفه ..اسمك ِ الذي يختلف عن بقية الأسماء ، لا يُقرأ قراءة ، ولكن يتسلل لخبايا الروح كقطعة موسيقية نلمس سحرها في نفوسنا ..كأنه معزوفة تردده ألة موسيقية واحدة كما الكمنجة أو العود أو الناي ، لمستمع ٍ واحد فقط ..لرجل تعلق َ بك حد الدهشة ..
كيف َ كان بالإمكان التعامل معه بحياد ٍ عن بقية الأشياء ، وهو المشهد الجميل لقصة مدهشة رسمت فصول مشاهدها صدفة جميلة ...
ها أنت بكل أنوثتك تجلسين على مقعد قريبة منه جدا ..لينسج اللقاء قصة ً لا نعرف تفاصيل فصولها القادمة ، لكنها دون أدنى شك تبقى القصة الأجمل في رحلة العمر ...
ربما من الصعب أن يعود يمارس الكتابة ، ويرسم بالحروف والكلمات ما كانت الأحداث ترسمه وترويه !! وهل تنوب اللغة بكل ما أوتيت من معان وبلاغة وعمق في رسم واقع كانا يعيشاه معا ، في مدينة ٍ لا يختلف النهار ُ فيها عن الليل في سحره ...في مدينة ٍ تمارس الشوق ليلا ً وتمنح الشعر َ جواز عبور ...وما أجمل َالشعر حين يكون تصويرا لأنثى هي كل شيء ..هي الدنيا بجمالها وروعتها.
وهناك من يسجل الأشياء الجميلة بالتقاط صور يلجأ لها كلما هاج به الحنين والشوق ، لكنه كان يحب ُ أن يسجل حضورك في الكتابة ...لهذا كان كل ما يكتبه لك هو استعداد للكتابة ، لأنك أنثى أكبر من القصيدة والكتابة .
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:37 PM
سفر السفرجل ( 65)
كان للتأمل ِ مساحة ، ها هو يتأملها بحرية ، يتنقل بنظره لعينيها ، لطريقتها في الجلوس ، لملامحها المتفردة ، حضر النادل ُ يحمل زجاجة ماء ، وهي المرة الثانية التي يحضر فيها في وقت لم يتجاوز الدقيقة ، همست ْ تطلب زجاجة ماء ٍ باردة ، استغرب من طلبها في جو بارد ، وزادت دهشته حين علم َ أنها تشرب الماء باردا ً دون الإكتراث ببرودة الجو ...وهكذا يرى العلماء ، علينا أن نشرب الماء باردا في الأجواء الباردة حتى تتعادل حرارة جسمنا من الداخل معه في الخارج ...وسرعان ما جاء النادل بزجاجة ماء باردة ..كان يشعر أن النادل يبدي اهتماما أكثر بالحضور لطاولته ، والنادل في النهاية انسان ، له مشاعر ، يعجبه رؤية الجميلات ..فكيف إن كانت تلك الحاضرة بكامل أنوثتها وجمالها الفائر فاتنة ...
وربما كان هو شعور أن هذه الجميلة بكل ما تملك من حُسن ٍ وجمال ، هو وحده حبيبها وعالمها ، وهي التي لا ترى رجلا سواه ...زاد هذا الشعور برجولته المستفزة في المطار ...
عبثية غريبة من عبثيات الحياة ، فمصادفة ٌ جميلة يرسم الحظ فصولها ويجمعه بها رغم صعوبة الظروف وقسوة الوقت ، إلا أنه الآن بكامل أشواقه لا يفصل بينه وبينها سوى همسة ...
لم يكن يتوقع أن هذا اللقاء سيجلب له سعادة ً منسية ، وفرحا غائبا منذ عقود ...لقاء فيه تتكلم وتبتسم وتضحك وتصمت وتصغي ...هي في كل حالاتها ، كان لقاءً كافيا ليصالحه مع نفسه ، كانت في ذاك اليوم المرأة التي أيقظت أحلامه وهواجسه ..وملائكته وشياطينه في نفس الوقت ...
زمن طويل مضى في مشوار العمر وهو يحاول ُ أن يُروضَ جسده وروحه على الحرمان منها ، على بعدها الجغرافي ...وكم حاول أن يستعيد جوانحه ومشاعره التي كانت تتلقى الأوامر َ منها وحدها ...
ها هي تخترق كل مكنوناته ، وتصبح شاغلته الأبدية ، لا يستطيع التمرد َ على حضورها في دمه ، ولا يقوى أن يقود إنقلابا للإطاحة بها عن عرش قلبه ...وها هو يجد نفسه يعيش على توقيتها وحدها ، يتوحد ُ فيها في كل شيء ، وكل شيء يؤدي إليها ...إليها ...ولا يرى في الوجود سواها .
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:39 PM
سفر السفرجل ( 66)
كثير من الأشياء الصامتة حولنا ، الجدار ..المقاعد ..لكنها في تلك اللحظة كانت تخرج ُ من دائرة صمتها الأبدي، تماما كما هو الحال مع الصور التي نُعلقها على الجدران في منازلنا حتى تخرج الجدران من صمتها ...
وكان َ صوت ٌ داخلي يلاحقه وهو يتأملها ، هل من المعقول أنها هي ..بكل حضورها الطاغي وجمالها الفائر تجلس على مقعد ٍ أمامه ، لا يفصل بينهما سوى مسافة تكاد ُ تنحسر ُ...ها هو بإمكانه أن يدنو منها أكثر ، أن يسمع صوتها ويشاهد الكلمات وهي تتحرر ُمن ثغرها المرسوم بعناية ، وحمرة الشفاه التي تعلوه دون إفراط ، كانت بكامل أناقتها وأنوثتها ، صوت ٌ أخر َ كان يلاحقه ، ويجذبه للتركيز في ملامحها أكثر ، ها هي واضحة كالمرايا ، لا شيء يحول دون قراءة كل شيء ينتمي لها ، تسريحة شعرها المميزة ، طريقتها المبتكرة في رسم الإبتسامة ، انتقاء الكلمات ...
كان يتأملها ، وتشعر هي أنّ كل هذا الحنين لها ، لها وحدها ...يتذوق حضورها كمن يتذوق قهوة الصباح على مهل ، ليروي ذاكرة ظمأى ...بدأ يحدثها عن معاناة انتظاره لها وهو يرصد الطائرات القادمات وكيف الدقائق كانت ثقيلة لا تتحرك ، ورغم يقينه بأنها قادمة كان ثمة شعور ينتابه فيبعث الرعب داخله ، ماذا لو لم تأت ِ . والآن وقد التقيا ...بات الإنتظار جميلا ، بل هو على استعداد أن ينتظرها عمرا ً كاملا ...
التقيا ..هو اللقاء الحلم ..لقاء ٌ كان تحوم في فضائه سحابة الغياب التي لم تتشكل بعد، لكنها بالكاد قادمة ، لكنه كان غارقا ً في روعة اللقاء خائفا من تذكر اللحظة التي سيسدل الستار وتغادره ...لا يريدها أن تغادره ، ولا تريده أن يغادرها ...ولكن البدايات دائما يعقبها نهايات ٌ...فاللقاء ُ كما العمر ، فكلما احتفينا بذكرى ميلادنا يكون العمر آخذا ً بالنقصان ...
تبتسم ُ وفي الإبتسامة مسحة شجن ، ربما لشعورها أنه يقينها المحتمل، وفارس قلبها الذي من أجله اختصرت المسافات وتمردت على رتابة الواقع ...كانت سعيدة تبتسم وتتطور الإبتسامة لضحكات ٍ وكأنها تضحك لأول مرة منذ سنوات ...سنوات حملت ْ من القسوة والعذاب ، ولكنها الآن معه وله ...ولا شيء يحول بينها وبينه ..فلتدع ْ روما إذن بنهر التبر تذوب وتغرق ...بل فليقم نيرون من سباته ويحرق ُ روما من جديد ...فلم تعد روما تعنيها ولا تشغل ذاكرتها ، لأن في حضوره مزيج من الفرح والشاعرية معا ، تلقائية وبساطة في كل شيء ....
وأمنيات ٌ تجول في نفسها ...ليتنا التقينا قبل ما أحدث َ الزمن من خربشات ، ليتنا هنا معا لنرسم البدايات كلها كما نريد ونشتهي ، فأنت الرجل الحلم في اللقاء الحلم في المدينة الحلم ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:41 PM
سفر السفرجل ( 67)
في مطعم ٍ أنيق ، في شارع ٍ رشيق ٍ يقبعُ في الجزء الشرقي من مدينة وادعة ، كانت محطة ٌ للقاء ...ما أجمل َ أن ْ تجد َ مطعما شرقيا ً في بلد ٍ غريب ، تجد من يدرك لغتك ويقدم لك طعامك َ الذي ألفته ، كان تدخل ُ المكان َ سيدة ٌ أنيقة ، أنيقة بكل شيء ، خطواتها المتزنة ، ونظراتها الوقورة ، ما أجمل الأنثى حين لا يشغل بالها سوى أين تضع ُ قدمها ، فلا تعير الراصدين َ لجمالها وقوة حضورها انتباها ..
وكان يسر معها كأنه رجل ٌ مُسخّر ٌ لحمايتها ، ها هو يحيطها بنظراته ، يمسك بيدها ،يرسم لها طريق المسير ، تهمس بأذنه : دعنا نجلس في الطابق العلوي ...بلا تردد يوافقها، ربما لأن ّ النسور َ ترغب العيش في القمم، وربما لأن الطابق الأرضي يعج ّ بالكثير ممن يرتادون المطعم ، وتعكر حركتهم أجواء الصفاء والهدوء التي يوفرها الطابق العلوي ...صعدت درجات الطابق العلوي بخطوات ٍتنبعث كقطعة موسيقية لا نشاز ِ في لحنها ، وصمت ٌيخيّمُ باستثناء صوت أقدامهما ...يختلط ُ بصوت النادل مرحبا بهما ...
بأدب ٍ جم ْ ، وأناقة ٍ متفردة ، تسأله عن المكان الذي يريد أن يجلسا فيه ، والأنوثة تزيدُ توهجا ً عندما تحمل ُ في طيّاتها شعورا أنك موجود ٌ هنا ، وأنك الرجل الذي يُدير دفّة الأمور ، لست َ مجرد حارس شخصي ، يقتصر دوره على حماية المشهد وملأ الفراغات ...الأنثى المتميزة هي التي تُشعرك َ أنك َ السيد في صغائر الأمور ...والقضية لا تنحصر في كونك السيد وصاحب القرار ، إنما هي صورة بها تكتمل ُ أنوثة المرأة ، حين تشعرك َ أنّكَ كل شيء ، وأنها مهما بلغت من رقي ورفعة في المجتمع ، ومهما كانت متعلمة ومثقفة ، وفوق كل ذلك جميلة فاتنة ...إلا أنها تشعرك َ بحاجتها إليك ، وأنك ملاذها وحصنها الحصين ، وأنها ضعيفة جدا وأنت قوي يحمي أنوثتها ...هي أمور ٌ فطرية تجهلها الكثير من النساء ..هي محطات في حياتنا لا يلتفتن َ لها ربما بحماقة أو بسذاجة ...وغالبا لا فرق بين الحماقة والسذاجة ...
قال لها : أحب دائما الجلوس قرب جدار ..ما رأيك بذلك الركن، انفرجت أساريرها فرحة ً باختياره ، سعيدة بالمكان ...أحسّ أنه اكتشف أمرا يفوق اكتشاف الجاذبية ...واكتشف ركنا ومقعدين من الأهمية بمكان ٍ تفوق اكتشاف قارّة جديدة ...رغم أنّ الأمر َ كله لا يعدو كونه اختيار مقعدين في ركن من أركان هذا المكان الذي سيجمعهما لتناول طعام الغذاء لا أكثر...
وقفت بهدوء مليكة ، واقترب من مقعد وجرّه للخلف ، وطلب منها التفضل بالجلوس، وكان يبحثُ عن مفردة تليق ُ بكلمة شكرا ..نعم كلمة شكر ٍ نطقتها بعذوبة ..كلمة جاءت بلغة هامسة ، فردّ عليها بأكثر من كلمة ..كلمات ٍ كثيرة متراكضة ....كان َ يشعر أن هذا اليوم سيضع حوله دائرة ، ليبقى تاريخا لا يُنسى ، ربما كان يشعرُ برغبته أن يغلق عليها تلك الدائرة ، حتى يحيط َ بها ويحاصرها في دائرته إلى الأبد ..أو ربما إلى ما بعد الأبد ...
كان يتصرف بوعي ٍ وفهم ٍ للأشياء ، لأنّ هذا التاريخ سيكون منعطفا ً للذاكرة ...هو ميلاد ٌ أخر على يديها ، ووحده كان يدرك ُ أنّ الولادة كما الوصول ُ إليها لم يكن ْ أمرا ً سهلا ...
جلست ْ ...وسار نحو مقعده ، جذبه للخلف وجلس مقابلا ً لها بزاوية ٍ منفرجة ،وأخذ يتأملها وهي ترسم ابتسامة ًتحمل ملامح لقاء لا يتكرر .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:42 PM
سفر السفرجل (68)
فتح َ لها باب السيارة ِ الخلفي بأناقة رجل شرقي ، وجلستْ على المقعد الخلفي ، وكأن َ الجمال كله قد انحصر في ركن ٍ صغير أصبح فيما بعد مملكة ً من نوع آخر ...أغلق الباب وذهب من الجهة الأخرى بعدما اطمأن مع السائق على وضع حقيبتها ..جلس َ جوارها في المقعد الخلفي ، في مقعد أصبح في لحظات لا يتسع ُ سوى لهما ...
الحديث ُ هنا يختلف ُ تماما ، الكلمات تخرج ُ كأنها للمرة الأولى تعانق النور ، كلمات ٌ تخرج ُ من معاقل العقل والجنون ، وسراديب اللهفة لهذه اللحظة ، وللحديث مراسيم الرغبة السرية التي تأتي غالبا شوقا في ذلك الوقت الخارج عن الزمن ...
كان َ يجتاحها بنظراته ، يرسم برجولته حدود أنوثتها ، بيد ٍ واحدة كان يحتضنها ، يتأمل أنثى كعاشق ٍ يحدقُ في ملامح وطن ...
كان يلمح ُ الجراحَ التي تركها الزمن ، ويقرأ تفاصيل أولئك الذين أحبوها خطأ ، وغرسوا أوجاعهم في خاصرة أيامها ...كانوا قراصنة ولصوصا خطفوك ِ من زمن لم يكن له أبدا ...لكنه الآن ..يدرك أنك ِ له ، ولا أحد سيجرؤ أن يقترب َ منك ويأخذك ِ منه ...
فأنت رغبته الخفية ، وجنونه الخفي ، ومحاولاته الخفية في الإنقلاب على كل شيء ...على الأعراف والتقاليد والمنطق ...
السيارة ُ تسير ...والسائق ُ يختلس النظرات عبر مرآته بين اللحظة والأخرى ...وهي لا ترى في الكون سواه ، تلتصق به ، ويلتصق بها ، وأصابعهما في عناق كما أرواحهما .
تشعر ُ أن ّ عمرها بدأ الآن ، ها هي طفلة صغيرة ، تزهو بضفائر شعرها ، وتركض في مريول المدرسة ، تعيد ترتيب الزمن من جديد ، تُسقط مشوار الوجع من ذاكرتها ، تريد أن تبكي وتخشى أن يؤثر دمعها على حلاوة اللحظة وجمال الوقت ...تعود ابتسامتها عريضة ً على وجهها ، ابتسامة الغير مصدق أنها انتصرت على المسافة والجغرافيا ..
ما أجمل الطفولة حين تطغى على جانب الأنوثة ، وتترك لسجيتها وطبيعتها الأشياء كما تريد بعفوية وتلقائية ، بعيدا عن الرتابة والنظام الذي يكون في أوقات مقيتا ...
نعم ...أحيانا نعشق الفوضى حتى ننعم َ بالنظام ، وما أروع الطفولة حين تكون عنوانا للبراءة في كل شيء ، في التصرف والحديث ...
كانت تتأمله وهو يتكلم ، كيف يتكلم ، كيف تتحرك شفتاه في رسم المفردات ، كيف تتغير ملامح وجهه مع كل عبارة ، وكانت وحدها تشعر بقيمة اللحظة ولا تريد للوقت أن ينتهي ...
أليست اللحظات الجميلة كما الحلم ..سرعان ما تنقضي ...
خَطر َ في بالها أن تمسك زمام الحديث ، وتقول كل شيء يجول في ذاكرتها ، لكنها في ذات الوقت كانت تريد أن تسمع كل شيء ولا تُفوت ُ فرصة الإنتباه لملامح الكلمات ...
سارت السيارة ..والسائق يختلس النظرات ...ويتابع حديثا لا يفهمه ويعرف ما يحوي من مضمون ..ذاك السائق الذي ضحك عليه الزمن ُ وسرق َ سنين العمر منه ، ها هو في لحظة ٍ يعود شابا ً حالما ً ، يتأمل مشهدا في المقعد الخلفي لا يتكرر مرتين ْ ، يريد من الطريق أن تبقى ...ويبقى العاشقان ...
ولكن ...كان لا بد للرحلة أن تتوقف َ قرب مطعم ٍ في الجانب الشرقي للمدينة ...
الوليد
الوليد دويكات
10-06-2014, 11:46 PM
سفر السفرجل (69)
هناك في في حياة كل شخص تاريخ له أهمية في ذاكرته ، يحمل دلالات خاصة ...لكن يبقى تاريخ لقائك منعطفا ً له قيمة وجدانية وذاتية تغوص في ذاكرة مزدحمة بك ...تاريخ فيه تم اكتشاف ملامحك ِ دون حواجز ...والإقتراب منك أكثر ..
كنت ِ أنثى مختلفة في كل شيء ، أنيقة في رسم ابتسامتك ، في انتقاء مفرداتك ، في توقيت كلامك واختيار الوقت المناسب للإنصات ..نعم فالإنصات وحُسن الإستماع هو هبة ٌ لا يعرفها سوى القليل ..القليل فقط من الناس وأنت من هذا القليل ...
انتظرها بشوق كما لم ينتظر أحدا من قبل ، ها هي بكل أنوثتها الطاغية وجمالها الفائر ، في لحظة أصبحت معه ...أصبحت ْ وطنا لبوحه وشوقه وجنونه ، كانا يسيران كأن الغمام يحملهما ، يريد أن يحدثها بكل شيء ...ويريد أن يصمت ويتأملها ، تريد أن تبوح له بما يجول في نفسها ولا تريد أن تُفوّت َ فرصة الإصغاء لحديثه الذي تعشقه ...
كم هو جميل أن تشعر الأنثى بقيمتها ، بحضورها ، وتشعرُ أنها هي الدنيا لرجل يحبها حد الدهشة ...لا مجرد محطة عابرة ، أو غمامة صيف ٍ عن قريب ٍ تنقشع ، كانت تملك من الذكاء والفطنة في تعاملها ، تُشعره بقيمة ما يقول ،ليس كما يحلو للكثير من النساء حين تتحول فجأة لضابط تحقيق أو شرطي مرور ، بل منهن من تجد المتعة في رسم ملامح الضيق على وجهها ، ولا يخلو حديثها عن مباديء وأسس لا تحبها في حياتها ، ويكثر في أسلوبها كلمات هذا خطأ وذاك صواب ، تشعرك َ أنها عميقة التجربة في غمار الحياة وأنك مجرد طفل صغير عليه أن يعي الدرس جيدا ويفهم كل أفكارها ...
نعم ..كثير من النساء يحملن اسم الأنثى ولا علاقة للأنوثة بما يحملن ..أليست الأنوثة نسمة رقيقة يجذبنا عطر حضورها كعبق ٍ ربيعي ٍ نتنفسه ، نحن ّ إليه ، نفتقده إن غاب َ عنا ...؟ أليست الأنوثة رغبة لإكمال ذاكرتنا وتعبئة قلوبنا بشوق وحب لها ...
كانت تعلم جيدا بذكاء الأنثى وفطنة الجميلة ما يرغب وما يحب وما لا يرغب ويكره ، تقدم له الهمسة بنظرة حالمة نقية نقاء جدول عذب ، صوتها فيه من الدفء ما يكفي ، وابتسامتها حاضرة في كل لحظة تقع عيناه على وجهها الملائكي ...
لكل هذا كان لقاؤها منعطفا ً هاما في ذاكرته ، ومشهدا لا يتكرر في العمر كثيرا ...بل أصبح يؤرخ لحياته ما قبل لقائها وبعد لقائها ...فقبل لقائها كانت الأشياء عبثية ، لا رائحة للوقت ولا طعم للكلمات ، وأصبح بعد لقائها كل شيء كزهرة في لحظة التفتح ، كأشعة الشمس عند بزوغ فجر جديد ...ونسمة صيف في نهار صيف لافح ...
كان لا بدّ أن يمضي إليها على عَجَل ، بخطوات ٍ متسارعة كما هي نبضات القلب تتسارعُ في الخفقان ، وكانت بكل ما وهبها الله سبحانه من جمال وحضور مهيأة تماما ...للقائه هو ...وكأن
اللقاء حلم والحلم ُ لقاء ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 10:03 PM
سفر السفرجل (70)
لا أريد لهذا الحديث أن ينتهي
مفردات ُ حديثك ِ مختلفة عن كل المفردات ِ التي أسمعها
حملها لي مساء ٌ لا يشبه كل المساءات ، نبرات ُ صوتك ،
طريقتك في الكلام ، تفردك ِ في الإصغاء ، ربما هي المرة
الأولى التي أرغب فيها أن أكتب َ في العتمة ، ربما للضوء
وجه ٌ محرج ٌ وفضولي ...
فحديثنا شريط ٌ مُصوّر ، كان َ علي ّ أن أبعده عن الضوء ِ كي
لا يحترق ْ ...فأنت ِ أنثى كبرت ْ في خباياي السريّة ...
جميل ٌأن أكتب َ لك ِ وعنك ِ ، بعدما أغلق ُ كل النوافذ والأبواب ،
وأسدل ُ الستائر َ ...
انتظري قليلا ...فالكتابة ُ لك ِ وعنك ِ لها طقوس ، لها ملامح غير
كل الملامح ، لها حروف تنتمي لأبجدية خاصة ، ولغة أقرب ُ ما
تكون للصوفية ...وأنت ِ من يجذبه الشعر ُ الصوفي ..وأنت ِ من تملكين
طبيعة لا تشبه أحدا ...ربما لأن السماء بها قمر واحد وشمس ٌ واحدة ...
كنت ِ أنت لا تشبهين سواك ...
قلت ُ لك بعد ساعات ثلاث طواها حديثنا ، قد أطلت ُ عليك ِ ونسيت ُ نفسي
ولم أنتبه لعقارب الساعة ...وكان ردّك مدهشا ً جدا ...قلت : مرّ الحديث ُ
كأنه ثانية في عمر الزمن ...كنت ُ أحاول ُ أن أخبرك ِ أنني لا أريد لهذا الحديث
أن ينتهي ...
الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 10:22 PM
سفر السفرجل (71)
هي اللغة ، حين أكتب لك ِ ، تزهو في فضاء السطور ، فاللغة على موعد ٍ معك حين َ ينتصف ُ الحنين ، حين َ يأخذنا الشوق ُ إلى حيث ُ يريد ، وعندما كنت ِ في حجرتك الجميلة ، تُقلبين حروفي وسطور َ كلماتي ، كنت ُ ألمح ابتسامتك ِ الجميلة ربما هي ابتسامة امرأة ٍ تشعر ُ بتفردّها ، تشعر ُ بقيمة أن تكون َ ملهمة ً لقلم شاعر يرسم ُ القصيدة َ لأجلك ، يفتش بين أزهار اللغة ِ عن أبجدية ٍ تليق ُ بسمو حضورك ، ليصنع من الحروف ِ باقة ويرفعها لمقامك ...
هي اللغة ...أطوّعها رهن َ إشارة نبضات ِ قلبي ،في الوقت الذي تستعصي على الكثير ، لغة ٌ تغار كل النساء ِ عندما تكون لك ..لك وحدك .
أه ٍ يا غاليتي ..دعيني أحلم بتوقف ِ الزمن حين َ ألتقيك ، ربما عندها أشعر أنني لك وأنك ِ لي ، وأدرك ُ امتلاكي لك للأبد ْ .
ما أجمل َ الحروف َ وهي تدور ُ كفراشة ٍ في حقول حبك ، تدنو بكبرياء ٍ للزهرة ، تتنقل ُ بين عبيرها ...أو كنحلة ِ وقت َ الصباح ، تبدأ رحلتها صوب الجنائن ، تقترب ُ من رحيق الورد فتحمله لتصوغ منه عسلا ً شهيّا ...هكذا هي الحروف وهي تستعد ّ لصياغة المفردة ، لتشكل الجملة وتنام فوق السطور معلنة ً عشقا ً لا ينتهي ...
ها هو طيفك ِ يتجول ُ في حجرتي ، يفتح ُ النافذة ، يتأمل ُ مشاهد حضورك ِ جواري ، فيستفزني للكتابة لك ِ مجددا ، الكتابة لك ..فمجرد الكتابة لك يبعث ُ شهوة ً للحروف ، ويجعلني أعيد صياغة لغتي من جديد ، أدنو من ذاكرة مكتظة ٍ بك ، فتتولد ُ الأفكار ُ في ذهنٍ مشغول بك ...كيف لا وأنت شاغلتي الجميلة .
الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 10:28 PM
سفر السفرجل ( 72)
نوافذ ٌ بلا ستائر ...حدائق ٌ بلا ورود ، أغصان ُ شجر ٍ يابسة ...هكذا كان َ المشهد ُ في غيابك وأنا أرتدي عباءة انتظارك ...كأن ّ حضورك في خاطري كزلزال ٍ فشل َ الفلكيون في تنبؤ موعد حدوثه ، ولم تستطع أجهزة الزلازل رصده ...هكذا أنت ِ دون سابق إشارة أو ترتيب اقتحمت كوامن نفسي ...
حضورك ِ المدهش هذا تركني حيران َ أين َ أستطيع وضعه ، هل في مكان الأشياء العابرة التي تكتظ ُ بالصور ؟ أم في زوايا الجنون ؟
لا شك ّ أنك أنثى استثنائية في كل شيء ، في هدوئك الغريب وثورتك المذهلة ، في صمتك الرهيب وبوحك المتفجر كبركان ...
كثيرة تلك الحروف التي غمستها بحبر أقلامي ، وتناثرت على سطور دفاتري ، كثيرة تلك القصائد التي تنتمي لي وتحمل اسمي في شهادة ميلادها ، لأنني كنت الأب الشرعي لها ، وخرجت ْ من رحم أفكار تزاحمت في خاطري عبر مشوار حياة مليء بالأحداث والمحطات ، لكن ربما الكتابة لك وعنك مختلفة تماما ..فأجدني كلما كتبت ُ لك ِ أو عنك أكون ُ على موعد ٍ معك بين الحروف ، وهناك أحجز ُ مقعدين لنا ...وكم حاولت أن أستبقيك ِ في كلماتي ، حتى أقرأك ِ كما أشاء ..دون خوف ٍ من عيون تراقب خطونا وترصد نبضنا .
أعلم أنه من الصعب جدا أن يكون الحب على الورق ، وأن ألتقيك ِ على الورق ، وأن أبوح لك بكل ما يساورني على الورق ...لأنك في النهاية لست مجرد امرأة ورقية ...أنت أنثى من كوكب ٍ آخر ...تنقلين روحي إلى فضاء النشوى ...
ها أنا أكتب ُ لك هذا المساء ...وعلى غير العادة أشعر ُ بالإرتباك ، ربما لأنك بكامل حضورك المدهش ماثلة ً أمامي ...كيف استطعت ِ العودة مجددا بعد غيابك السرمدي ..بعدما أيقنت ُ أن جراح الشوق بدأت تلتئم ، وانا الذي كنت ُ بارعا في الإبتعاد عن كل الطرق التي من الممكن أن تقودني لك ...لكنك الآن ..هذا المساء ..أراك حاضرة بصورة خُرافية .
الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 10:29 PM
سفر السفرجل ( 73)
كان َ لا بد ّ أن أستعيدك من جديد ، رغم يقيني أنك أنثى مُكابرة عنيدة ، لكنني
كنت ُ أدرك ُ أنك ِ تجلسين على مقعد القيم والمباديء ، وتتأقلمين مع كل المتغيرات
التي قد تحيط بك ...
دائما كنت ُ أسأل ُ نفسي كيف هي حياتي قبلك وكيف أصبحت معك ، لا أدري إن ْ كان ينتابك َ هذا التساؤل ..ربما لا تروق ُ لك مبرراتي ، وربما كنت َ تحتفظين بأشياء كثيرة داخلك ، إلا أنني كنت ُ دائما أبحث ُ عن النقاط التي نلتقي عندها ، أكثر من اهتمامي بتلك التي نختلف ُ حولها ، إيمانا بي بعدم مصادرة رأي الآخر وطريقة نظره للأشياء ، أو ربما لأنني عشت ُ بين الحروف المتناثرة في الكتب ، وكانت القراءة وما زالت هي واحتي التي أجد ُ فيها كل ّ شيء ، بعيدا عن رتابة الحياة اليومية ...والتي فيها لا يمكننا أن نتصالح َ مع كل الذين نلتقيهم ، وكثير منهم يعبرون َ حياتنا دون أن يتركوا أثرا ولا يعلقون في ذاكرتنا المزدحمة ...
كان َ لا بد ّ أن أستعيدك ، حتى أبدع َ في حبّك أكثر ، وأتركك تنحدرين بداخلي ، في كل ممراتي السرية ، في تفاصيلي الدقيقة ، وتتجولين وحدك في أماكن لم تقترب منها أنثى قبلك .
أصبحت ِ في لحظة ٍ قيمة ً غير قابلة للتجزئة ، وأنك ِ وحدك من تملكين مفاتيح الفرح والدموع ، تنشرين بحضورك المشتهى عبق الشوق والرغبة ، ويجذبني حبك إلى أبعد مساحة في الوعي ، فالحب ّ في النهاية قدر ، التقيناه صدفة في مشوار الحياة ، وأخذ يركض بنا إلى حيث يريد ...ومن شهقة لأخرى ، وكنا دون أن ندري ننجذب له ونستسلم دون أدنى مقاومة ..
الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 10:32 PM
سفر السفرجل ( 74)
كثيرا ما كانت تستوقفني الكتابة ، ولطالما كنت ُ أجد رغبة ً تجذبني نحو القلم والحروف ، فالكتابة ُ في النهاية عالم جميل واسع ، نستطيع أن نكون َ فيها كما نشاء ، إلا أنني أحيانا أتوقف عن هذه الرحلة في دروب الأبجدية ...
وعندما علمت ُ أنك ِ ترقبين َ كلماتي ، وتنظرين بزوغ حروفي وهي تخرج في ثوب ِ قصيدة أو خاطرة ، شعرت ُ بقيمة ما أكتب ...وأدركت ُ أن ّ الكتابة هي الجسر الآمن الذي يستطيع أن ينقل مشاعرنا دون رقابة أو رصد .
أي جنون ٍ هذا ، أن أستطيع جذبك ِ إلى هنا ، أن أفتح لك كل النوافذ ِ للولوج إلى عالمي ، وأن أجعلك ِ في لحظة ٍ جزءً من هذا المشهد . في لحظة ، أصبحت ُ على موعد ٍ دائم معك ، يشدّني حضورك ، ملامح صوتك ، طريقتك في كل شيء..هل لأنك استثنائية في كل شيء ؟
أم لأنني تعلقت ُ بك حد الدهشة ؟ ربما لا أبحث ُ عن الإجابة ، لأننا ندرك معنى كل شيء ، ونعرف حجم وجعنا من زمن ٍ فقدناه ونسعى لتعويض ما فاتنا ، في كل لحظة تتجدد اللهفة للقاء لا ينتهي ، نريد أن تتوقف عقارب الساعات ، كانت ثمّة رغبة تسكنني أن أردد لك ألف أحبك أخرى ..
والكتابة ُ في النهاية طقوس ، نأخذ منها ما نريد وتأخذ منا ما تريد ، لكنها تبقى الوسيلة للتعبير عما يجيش في صدورنا ، فيها أراك ِ في الوقت الذي أريد أن أراك ، وعندما تقرأين حروفي أدنو منك بهدوء وترسمين ملامحي على طريقتك ...لهذا كان لا بدّ أن أعود مجددا وأكتب لك ...
الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 10:42 PM
سفر السفرجل ( 75)
في النهاية ..في حياة المرء محطات ٌمنها ما يبقى عالقاً في ذاكرته، ومنها ما يغادرها ولا يذكر تفاصيلها ، تماما كما هي علاقات الناس ببعضهم ، فمنهم من تلتقيه مرّة واحدة ولكن تبقى تذكره وتتوق إليه ، ومنهم من تراه فتبدأ تتذكر أين التقيته وما اسمه ...
لكنها كانت محطة فاصلة في حياته ، أصبح لقاؤها تاريخا ، يؤرخ الأشياء قبلها وبعدها ، كان في عينيها الكثير من الحديث الذي لم تبح به ..ربما لحاجتها أن تسمعه وتصغي له ، وهل هناك أجمل من أنثى بجمالها تكون على الضفة الأخرى لنهر الكلام ، أنثى في صمتها كلام ، وفي ملامحها كلام ..
أحضر النادل ُ وجبتين مختلفتين لهما ، كان يرصد حركاتها ، طريقة تعاملها مع الأشياء ، أعجبه كثيرا حين التقطت منديلا من علبة على الطاولة وأخذت تمسح السكين والشوكة كل في منديل مستقل ..هل هو حرصها على الترتيب والنظافة ؟
أم هو نظام حياة تعيشه ؟ بدأ يتناول وجبته بشراهة ، كأن هناك معركة بينه وبين الجوع ، كان سريعا في مضغ الطعام وبلعه ، ونظر لها فزادت دهشته ..حيث كانت تتناول طعامها بهدوء غريب ، تمضع الطعام جيدا وتبلعه بهدوء ...تتناول طعامها كعصفورة ...أحبّت تلقائيته وعفويته وبساطته في طريقة طعامه ،وأعجبه جدا أناقتها في طعامها وشرابها ، هي أنثى تختلف في كل شيء ، تعرف متى تتحدث ومتى تصمت ومتى تبتسم ومتى تضحك ومتى تبدأ الحديث ومتى تصمت وكيف تندهش ُ لحديثه ...كيف تأكل وتشرب ...كل هذه الأشياء كانت تجتمع في مشهد واحد لا يتكرر مرتين ...
طبيعتها دون تصنّع أو تكلف ، تماما كالمساحيق التي تضعها على وجهها ...تضعها لتضيف لمسة الجمال لا كما تفعل الكثيرات ، حين يغرقن في المكياج بصورة مُنفرة دون دراية في توزيع الألوان وتنسيقها على الملامح ...أي أنثى كانت !!
الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 10:44 PM
سفر السفرجل ( 76)
كانت هادئة تماما، وامرأة صامتة تستطيع أن تغيرَ وجه الحضارة ..تستطيع بلغة تنحدرُ من عيونها أن تعيد ترتيب الأشياء من جديد ، أن تقدم الإغراء لقمر السماء أن يبقى أكثر ، وللنجوم أن تمارس َ الرقص ...اكتشف أنها صورة طبق الأصل عن مدينة تسكنه ، وملامح وطن لا يغادره ...رغم أنّ الآخرين كانوا قد سرقوه في ظلام حالك ، لا فرق بينهم وبين من يسرق قصائده ويضع إمضاءه أسفل مشاعره..فالقصيدة في النهاية أنثى والأنثى قصيدة ...وكثير أولئك الذين يسرقون انتصاراتنا ، وينسبونها لأنفسهم ، لذلك لم تجذبني يوما باقة ورد جاهزة لم أقم أنا بتنسيقها واختيار أزهارها وورودها ، لأنني كنت دائما أرفض أن أحمل باقة اعتنى بجمعها وتنسيقها سواي ويقتصر دوري على حملها وتقديمها حتى لا أكون لصا ًلجهد من قام بها .
كانت رغبة أن يدنو أكثر من ثوبها ، يتحسسه كطفل صغير ويجهش بالبكاء ، هل يستمر في الحديث معها طوال اليوم ..هل يمتد حديثه معها لساعات وساعات حتى تتأكد َ أنه لا يستطيع العيش بعيدا عنها ولا يجد للحياة طعما بدونها ،وأنها باتت تسري في عروقه كما الدم في شريانه،كيف يفسر لها أن ما فات من زمن قبل لقائها يكفي ..يكفي بما حمل من وجع ٍ وشوق ٍ وحنين وكلمات ...
هل تعلم كم تعلق َ بصوتها المنساب لوجدانه عبر هاتفها ، وكيف بات من ضروريات صباحه اليومي ونهاره ومسائه ، وأنه التصق بصوتها بل بات َ جزءً من تفاصيل يومه ، تتغلغل ُ ضحكتها في جوانحه ، يتوق لإطلالتها المسائية ..لأنوثتها الطاغية ، لطفولتها وطريقة حديثها وإصغائها ...لأنثى تشبه مدينة ً أحبها ووطنا تشكلت ملامحه في حواسه ، لأنثى أصبحت ذاكرة ..بل أصبحت كل شيء .
اتحاد ٌ بينها وبينه ...حالة من التوحد بين روحه وروحه ...حالة التصاق غير قابلة للإنفصام ...وخوف يداهمه بشكل مفاجيء أن تدنو لحظة الغياب فيزداد تأملها بذهول ...
الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 10:45 PM
سفر السفرجل ( 77)
الإصغاء ُ لغة لا يُجيدها أي شخص ، والإصغاء ُ يختلف ُ عن الإنـصات ْ ، فالإصغاء ُ هو استماع ٌ مع تفاعل في الملامح ، وحواجب العيون وعدد رمشات العيون ، وحالة انتباه ٍ تجعل المصغي ينجذب بكل حواسّه للمتحدث ، بينما في حالة الإستماع قد يكون هناك ثمّة شرود ، وغفلة تأخذ المستمع بين فترة وأخرى ...كانت أنثى تُجيد ُ الإصغاء ، تتفاعل مع كل كلمة يقولها ، تعطيه الإنتباه المطلق لحديثه ...هل كنت ِ تستمتعين بالكلمات ، وتراقبين وقع َ خروجها ، وتنتابك حالة سعادة باندهاشه الدائم بك ، وانبهاره بحضورك الطاغي ، في إيجاد أبجدية تليق بك ...كل الإحتمالات واردة ..
كل ّ شيء ٍ فيك كان يجذبه ، حتى اسمك وحروفه المتلاصقة ، وربما كان له تأثير خاص يستفزه بطريقة مختلفة ، اسمك ِ كان يعرف كيف يقفز لذاكرته وقلبه قبل أن تقع العين على رسم حروفه ..اسمك ِ الذي يختلف عن بقية الأسماء ، لا يُقرأ قراءة ، ولكن يتسلل لخبايا الروح كقطعة موسيقية نلمس سحرها في نفوسنا ..كأنه معزوفة تردده ألة موسيقية واحدة كما الكمنجة أو العود أو الناي ، لمستمع ٍ واحد فقط ..لرجل تعلق َ بك حد الدهشة ..
كيف َ كان بالإمكان التعامل معه بحياد ٍ عن بقية الأشياء ، وهو المشهد الجميل لقصة مدهشة رسمت فصول مشاهدها صدفة جميلة ...
ها أنت بكل أنوثتك تجلسين على مقعد قريبة منه جدا ..لينسج اللقاء قصة ً لا نعرف تفاصيل فصولها القادمة ، لكنها دون أدنى شك تبقى القصة الأجمل في رحلة العمر ...
ربما من الصعب أن يعود يمارس الكتابة ، ويرسم بالحروف والكلمات ما كانت الأحداث ترسمه وترويه !! وهل تنوب اللغة بكل ما أوتيت من معان وبلاغة وعمق في رسم واقع كانا يعيشاه معا ، في مدينة ٍ لا يختلف النهار ُ فيها عن الليل في سحره ...في مدينة ٍ تمارس الشوق ليلا ً وتمنح الشعر َ جواز عبور ...وما أجمل َالشعر حين يكون تصويرا لأنثى هي كل شيء ..هي الدنيا بجمالها وروعتها.
وهناك من يسجل الأشياء الجميلة بالتقاط صور يلجأ لها كلما هاج به الحنين والشوق ، لكنه كان يحب ُ أن يسجل حضورك في الكتابة ...لهذا كان كل ما يكتبه لك هو استعداد للكتابة ، لأنك أنثى أكبر من القصيدة والكتابة .
الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 10:51 PM
سفر السفرجل ( 78)
كان للتأمل ِ مساحة ، ها هو يتأملها بحرية ، يتنقل بنظره لعينيها ، لطريقتها في الجلوس ، لملامحها المتفردة ، حضر النادل ُ يحمل زجاجة ماء ، وهي المرة الثانية التي يحضر فيها في وقت لم يتجاوز الدقيقة ، همست ْ تطلب زجاجة ماء ٍ باردة ، استغرب من طلبها في جو بارد ، وزادت دهشته حين علم َ أنها تشرب الماء باردا ً دون الإكتراث ببرودة الجو ...وهكذا يرى العلماء ، علينا أن نشرب الماء باردا في الأجواء الباردة حتى تتعادل حرارة جسمنا من الداخل معه في الخارج ...وسرعان ما جاء النادل بزجاجة ماء باردة ..كان يشعر أن النادل يبدي اهتماما أكثر بالحضور لطاولته ، والنادل في النهاية انسان ، له مشاعر ، يعجبه رؤية الجميلات ..فكيف إن كانت تلك الحاضرة بكامل أنوثتها وجمالها الفائر فاتنة ...
وربما كان هو شعور أن هذه الجميلة بكل ما تملك من حُسن ٍ وجمال ، هو وحده حبيبها وعالمها ، وهي التي لا ترى رجلا سواه ...زاد هذا الشعور برجولته المستفزة في المطار ...
عبثية غريبة من عبثيات الحياة ، فمصادفة ٌ جميلة يرسم الحظ فصولها ويجمعه بها رغم صعوبة الظروف وقسوة الوقت ، إلا أنه الآن بكامل أشواقه لا يفصل بينه وبينها سوى همسة ...
لم يكن يتوقع أن هذا اللقاء سيجلب له سعادة ً منسية ، وفرحا غائبا منذ عقود ...لقاء فيه تتكلم وتبتسم وتضحك وتصمت وتصغي ...هي في كل حالاتها ، كان لقاءً كافيا ليصالحه مع نفسه ، كانت في ذاك اليوم المرأة التي أيقظت أحلامه وهواجسه ..وملائكته وشياطينه في نفس الوقت ...
زمن طويل مضى في مشوار العمر وهو يحاول ُ أن يُروضَ جسده وروحه على الحرمان منها ، على بعدها الجغرافي ...وكم حاول أن يستعيد جوانحه ومشاعره التي كانت تتلقى الأوامر َ منها وحدها ...
ها هي تخترق كل مكنوناته ، وتصبح شاغلته الأبدية ، لا يستطيع التمرد َ على حضورها في دمه ، ولا يقوى أن يقود إنقلابا للإطاحة بها عن عرش قلبه ...وها هو يجد نفسه يعيش على توقيتها وحدها ، يتوحد ُ فيها في كل شيء ، وكل شيء يؤدي إليها ...إليها ...ولا يرى في الوجود سواها .
الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 10:54 PM
سفر السفرجل ( 79)
الحب ُ هو تعبير عن حالة ما بين رجل وامرأة ، والعشق ُ صورة من صور الحب ، كثيرة هي المفردات التي ترسم ملامح المشاعر...لكن ما بينه وبينها كان أكبر َ وأعمق ، تخطى حالة الحب والعشق ، شيء ما تسرّبَ في العروق وتأصل َ في خفايا النفس ، فها هو يراها في كل الإتجاهات ، يسمع همسها في وحدته ، في غربته داخل نفسه ــ كم هو صعب أن يكون المرء ُ غريبا داخل نفسه ــ ، وها هي تراه في المرايا ، تشاطره الحديث َ في خلوتها ، تبتسم ُ ومن ْ حولها يتأملون أسباب ابتسامتها فيعجزون عن تفسير ما يجول داخلها ..هل هذا هو الحب ؟
تجاوز الشعور الذي يعتريهما الرغبة والحاجة ، هو شيء ما غريب احتل ّ كل شيء داخلهما .
ربما يهتم المرء ُ بشخص أو بشيء في حياته ، لكن ّ اهتمامه لا يسيطر على تفاصيل يومه ، لا ينتقل لليله أو نهاره ، له مساحة من الوقت والزمن ذاك الإهتمام ، لكن أن يكون الآخر حاضرا ً في كل لحظة ..وفي وكل وقت ، فذلك يعني أن هناك شيء عميق ..شيء لا يندرج تحت عنوان مفردة أو تعبير ...
والشوق ُ ربما هو نتيجة طبيعية لرقي مشاعر تسمو لمرحلة الحب ، تشعر بحاجتك لمن تشتاق ، رغبة في الدنو والإقتراب ، في تبادل الحديث وغير الحديث ..لكن أن يساورك هذا الشعور وأنت قريب جدا من الآخر ..فحتما ً أن هناك ما هو أعمق من الشوق ..
إذا المشاعر تختلف في مسمياتها ، ومن الظلم أن نحصرها في مفردة أو تعبير ، لأن المفردة قد لا تفي في تصوير الحالة ورسم ملامحها بشكل يليق بحجم الشعور بها ...ودلالة ذلك أننا كثيرا ما نلجأ للصمت لعجزنا عن التعبير عما يدور في نفوسنا ونشعر به ونحسه ..وربما تفيض الدموع دون قدرة على حبسها ومنع تدفقها ..فالدمع في النهاية تعبير عن مشاعر كما هي الإبتسامة ، ونبقى عاجزين عن التحكم في ظهورها أو منعها ...
الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 10:55 PM
سفر السفرجل ( 80)
كانت هي الأنثى الوحيدة التي استطاعت ْ أن تُقاسمه كل ّ شيء ، أن تكون معه في كل وقت ومكان ، تفيق ُ من نومها مبكراً كي تقاسمه بدايات ِ النهار ، تشاطره تنقلاته الكثيرة بين المدن ، تغفو بين كلماته ، تعيد ترتيب َ الشموع بذكاء ٍ ، تحرص أن تتسلل بهدوء ٍ لتفكيره ، تقترب ُ من كل شيء يحب ، وتنفر من كل شيء قد يسبب ُ له الضيق والضجر ...تُشعره أنها موجودة في هذه الدنيا من أجله ...لذلك ليس عجيبا أن يصنع َ لها تمثالا ً في ذاكرته ، يعيش ُ معه طوال الوقت ، قد تجد ُ ذلك أمرا ً غريبا أن يعيش َ رجل ٌ بكل تفاصيله مع تمثال لامرأة ..وربما كانت ترى في ذلك ضربا ً من الجنون ...
اقتحمت ْ بكل حضورها المدهش كل ذاكرته ، وأصبحت مصدر الأحاسيس والإنفعالات التي تسكنه ، كم كانت تشبهه وكم كان يشبهها ، ربما لأن ّ كل واحد منهما كان يفتش عن الآخر قبل بدء التكوين ، وشعور بالجوع والظمأ يعتريهما ، جوع للحديث وظمأ لحياة ٍ مليئة بهما ، زمن طويل من الظمأ والبحث والإنتظار ..من السهر والقلق ، من الحيرة والرغبة ، من التناقضات والإرتباك ..زمن بكل تفاصيله وحيثياته ..لكنه الآن ، استطاع أن يخطف َ من الزمن المهاجر لحظة ً كنت ِ فيها بكل جمالك المشتهى ، بكل حضورك الطاغي وأنوثتك الملتهبة كشجرة تفاح ٍ تفتحت ْ قبل أوانها ..كنت ِ له وحده ..وحده .
كان َ قريبا من أهدابك ِ مسافة الإحتراق والتوحد فيك ، نظرة ٌ منك أحيت ْ فيه مشاعر كانت تحتضر وأيقظت ْ آمالا ً كادت ْ تموت ...ولا شيء يدركه سوى أنك ِ له ..ولا يريد سواك ...كيف بنظرة ِ إستطعت ِ أن توقظي هذا المارد النائم َ داخله ..ليصبح للهواء لون ٌ ورائحة وعبق ..
وكنت ِ تستردين َ ما سلبك منه الزمن ، طفولتك البريئة ، ووجهك الحقيقي وملامحك الطبيعية ، ها أنت ِ وجدت ِ نفسك ِ والتقيت ِ بك من جديد ، واستطعت أن تتجاوزي جميع َ الخيبات التي مرّت في فصول حياتك ...ها هي ابتسامتك نقية ، وحروفك تخرج من فمك أشهى من حبة توت ناضجة ...
كان يدرك أنه ينتقل معك من حالة الحب إلى حالة الإدمان ، من الرغبة الجامحة إلى التعلق ، وبات من المستحيل أن يتخيل حياة ً بعيدة عنك .
الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 11:00 PM
سفر السفرجل ( 81)
كثيرة ٌ هي أنواع الحديث، ويخطيء من يعتقد أن الألسن وحدها تستطيع الحديث ،هناك من تنوب عيونها عن لسانها ، وهناك من تنوب ملامح وجهها ، أو رشاقة قوامها ..أو رقّة إصغائها ،فللحديث طرق وأساليب ...
كانت أنثى تجمعُ كل أساليب الحوار والحديث بطرقه المختلفة ، وكان يجد المتعة في إدارة الحوار معها ..أي حوار ..حتى لو تعلق بكلمات أغنية وطريقة ألحانها وفن أداء مطربها ، ربما يجد البعض في موضوع حوار كهذا أمراً تافها ...لكن سرَ تألقها وجذبها أنها كانت تولي لأي موضوع أهمية خاصة ..حتى أنه كان يشعر بقيمة حديثه وموضوعه ...
كأس أخرى من الشاي ..وقليل من السكر تحركه بيدها الجميلة ، تدير الملعقة بحركة ٍ وجد فيها سحرا ً وجمالا ..فالشاي ُ هو الشاي ..لكن هذه المرة يشعر أن ما يشربه يختلف تماما ، هكذا هي الأشياء تختلف في زمانها ومكانها ، كما تختلف شربة الماء عند أذان المغرب في شهر رمضان عن أي وقت آخر ...حيث يكون للماء في ذلك الوقت رائحة وطعم ولون وعذوبة خاصة ...
كأس أخرى من الشاي ..في ليل مدينة تشي بكل أسرار حبهما ، وحيرة تسكنه ماذا بإمكانه أن يفعلَ في هذا الرجل العنيد المتمرد الذي يسكنه ، الذي يأبى مساومته على حريته ، وبذلك الرجل الذي يحمل وجها آخر داخله ، تثقله هموم الدنيا ..كيف له أن يتأقلم َ مع ما يريد وما لا يريد ..هل يتخلص من أحدهما كي يبقى الآخر ، أم يحملهما داخله في رحلة غامضة طريقها ...
هل يمكن لرجلين يحمل كل منهما فكرا ورسالة تختلف مع الآخر أن يلتقيا ؟ هل من الممكن أن يلتقيا دون تصادم ...
كان عليه أن يعترف لها ، أن هذا اللقاء الذي حمل كل جرأة وحلم ...كل شوق وحب ...كان مدهشا بتفاصيله وأحداثه ...لقاء بلا أقنعه ، يخلو من خربشات الزمن ومساحيقه ، لقاء بلا غطاء فيه الحقيقة واضحة وضوح ملامحها جميلة جمال خصلات شعرها وأهداب عيونها ...
لكل هذا كان الحديث فيه الحماسة والشاعرية ...فيه الواقعية والتلقائية ...كان يحمل كل مقومات الجذب والإنتباه ...ربما لأنه كان مع أنثى استثنائية .
الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 11:02 PM
سفر السفرجل ( 82)
هي رغبة تداعب نفسه أن يبقى جالسا إلى جوارك ، كمن يجلس على شاطيء البحر يرصد الأمواج وهي تبدأ رحلتها من بعيد وتقترب ...يتأملك ِ دون حواجز
يسبح كنجمة في فضاء واسع ، وهو يرصد أهدابك وضحكات عيونك ..يستنشق عطرك كعاشق لأرضه ، تجذبه رائحة العشب في صباح نقي ، يستمع لصوتك وهو يخرج بعذوبة كجدول ينساب بين حدائق البرتقال والليمون ...تجذبه طريقتك في نطق الحروف ، هي رغبة أن يفرض َ عليك ِ حصارا في كل شيء ، أن يطوقك ِ بكلماته وحروفه ، أن يستعيدك بمشاعره ، أن يقترب منك أكثر تحت ذريعة القصيدة ،يبني لك ِ بيتا ً يشيده على الطريقة الأندلسية ، فيه القباب والأقواس والزخرفات ...معك ِ فقط كانت اللغة تستهويه وهو ينقب ُ عن المفردات ويرسمك بأصابعه دون ألوان ...
أي جنون هذا الذي يسكنه ، وأي حب هذا الذي يدفعه ليفكر بك طوال الوقت ويفتش عنك في كل شيء ، في لوحة ٍ يرسمها أو قصيدة يكتبها أو رسالة يرتب حروفها ...وكيف تتسللين له من خلال أغنية يسافر مع كلماتها وألحانها ..ها أنت ِ تحتلين كل ذاكرته وتتربعين َ على كل تفاصيله اليومية ..
يجلس ُ جوارك ، لا يريد من الزمن أن يمضي ..يريد من عقارب الساعة أن تتوقف ، وكثيرة هي المواقف التي نرجو فيها عقارب الزمن أن تتوقف ، نتمنى من الزمن أن لا يمضي ..لا نريد أن نشعر أن الوقت يتآمر مع الغياب علينا ، نريده في مرات ٍ كثيرة أن ينصفنا حتى نشعر بقيمة الأشياء ...
يجلس جوارك ، وفي جلوسك أناقة ورشاقة وحضور ، وحديث يشاركهما الجلوس ، يأخذهما لمساحات ٍ جميلة ، ويرسم صورة تتجاوز لقاء عاشق بحبيبته ، وللحديث رونق وجمال حين تكون أطرافه تملك الوعي والفهم لتفاصيل الحديث ...للحديث جاذبية حين يكون المتحدث لبقا والمستمع يجد فن ّ الإصغاء ..فما قيمة الحديث إن لم يقابله إصغاء يليق بقيمة الكلام ..
كانت أنثى تحمل سحرا ً متفردا في الحضور ، وتملك كل وسائل الجذب التي تشد ّ انتباهه بطريقة مغناطيسية ...أي أنثى أنت !
الوليد
الوليد دويكات
10-07-2014, 11:04 PM
سفر السفرجل ( 83)
كثيرة هي الأغاني التي نستمع لها فتجعلنا نحلق في فضاء أنفسنا ، نشعر أن مَن ْ يغنيها يتحدث ُ عنا ، يعيش تجاربنا وواقعنا ، حتى ألحانها وموسيقاها تتناغم مع هوى ً خفي ٍ في نفوسنا ، وما أجمل الأغاني حين تسمعها رفقة من تحب ..يكون بالتأكيد لها طعم آخر ...فكيف مع أنثى هي الدنيا بأسرها ...
الأغنية هي الأغنية التي يسمعها منذ عهد قديم وزمن تولى في طيات الماضي ، لكنها بكلماتها وألحانها وكأنها وليدة اللحظة ، تشكل بينه وبين حواسه وجوانحه إتحادا ً غريبا في البناء والتشكيل ، أليس الإتحاد بين الأشياء وليد لحظة ٍ لم يكن كلاهما يخططان لها ...
ففيروز هي فيروز التي غنّت ْ روائعها قبل عقود من الزمان ، وعندليب الغناء هو من تعلّق به منذ نعومة أظفارها ، ولكن ...هذه المرة كانت فيروز وكان عبد الحليم يصالحانه على نفسه ، يبوحان عنه بكل أسراره وهو يستمع ويتأمل وجهها الملائكي ..أنثى من كوكب آخر ...ويدندن معها : ( يا ريت ما سهرت وخبيتك ..أنا حبيتك ..حبيتك ) ...وكان ينصت ُ بهدوء كبير لصوت حبيبته يختلط بصوت فيروز وهي تردد معها ( بشتاق لك ما بقدر شوفك ولا ......) ...
مخطيء ُ من لا يعرف أن الشاعر َ هو إنسان ..يعيش على رصيف الحقيقة ..دون أن يحترفها ، لأنه يحترف الحلم والبوح في روابيه البديعة ، وما أجمل َ البوح في عالمك أيتها الجميلة الفاتنة ، كان يكتفي أن يكتب َ لك دون أن يُنبّشَ في ذاكرتك ..يدرك أنها لا تبوح له بكل شيء ، ربما لأنها تحترف المراوغة ..وربما أنه لا يوجد هناك ما هو جدير بالإعتراف ..وبين هواجسه كانت ثمّة حقيقة تسكنه ..أنه يحبها حد الدهشة ..
كان المكان ُ يرسم مشهدا سيبقى عالقا ما دام هناك قلب ينبض ..شموع ٌ موزعة في زوايا حجرة ...نورها يعلن الحرية من كل قيد ، من رتابة واقع تمردا عليه ...رغم برودة الجو الماطر ..إلا أن حرارة الشوق كانت تضفي للمكان دفئا ً رائعا ..هو دفء الحب يذيب برودة الجو وصقيعه ...
في لحظة صدق أصبحا نسخة ً واحدة ..استطاعا في لحظة لقاء بينهما أن يمارسا الحلم والحزن والفرح والدمع والضحكات في توقيت واحد ...أصبحا في لحظة أغنية خالدة ألحانها عذبة وكلماتها عميقة ....أي أنثى أنت ؟ !
الوليد
الوليد دويكات
10-08-2014, 09:23 PM
سفر السفرجل (84)
في الشرق ..كل ّ شيء ٍ فوضوي ْ ، المواعيد ليست ْ دقيقة ، لا قيمة للوقت ..وعلى النقيض تماما
في الغرب ، كل شيء ٍ يسير وفق َ منظومة ٍ دقيقة ، الساعة ُ ساعة والدقيقة دقيقة ، كم للوقت قيمة
وبين الشرق والغرب ، كنت ُ أنا وكنت ِ أنت ِ ..وكانت سحابة ٌ من الضيق تظلل ُ الحلم َ الدفين َ النائم َ في الحنايا ، وفي لحظة ٍ أجدني أمام جدار تحطمت ْ عليه كل أحلامي ، شيء ٌ ما يقاوم ُ رغبتي في التشبث بالحلم ...لم يكن ْ مقياس ٌ للوقت ِ سوى صدق مشاعرنا ، وكان الوقت ُ لا يعرف الركض إلا عندما تزداد دقات ُ قلوبنا أملا ً في اللقاء ...لذلك لم أجد ْ تعليقا ً على كلام ٍ جارح ٍ لم أعهده منك من قبل وإن كنت ُ أجد ُ لك كل الأعذار ...فأنت ضمن منظومة دقيقة تعيشين ، وأنا ضمن منظومة خرجت عن النظام والرتابة ...كان هناك الكثير الذي أريد أن أقوله لك / وكان أيضا ً لديك الكثير لتقولي ...لكننا في النهاية لم نقل ْ أي شيء ...كم أغرينا بعضنا في حلم ٍ مؤجل ، كم زادت لهفتنا للقاء ٍ محتمل ْ ، تناسينا كل شيء حولنا ، وفي ظل ّ حديث ٍ لم أفهم ما حوى من عبارات وكلام كانت تخرج ُ ضحكة منك تحمل في ملامحها كيداً ً نسائيا ً ...وكان خلف ابتسامتك أشياء لم أفهم ما تعنيه على وجه التحديد .. ربما لأنني كنت ُ أشعر ُ بضيق ٍ عميق
ولطالما تساءلت ُ بيني وبيني : هل نحتاج ُ لهزة ٍ أرضية ٍ كي نلتقي ...!!هل يجب أن يثور َ بركان ُ ويأذن بفتح الأبواب المغلقة !!
يا امرأة ً تخفي العواصف َ خلف صمتها ، كيف حملت ِ كل هذه الريح وأشعلت ِ نيرانا لا تخمد ْ
كيف َ لم أقرأ بساطتك الجميلة وهدوءك النائم خلف الريح ..؟
زمن ٌ طويل ٌ جدا وصفحات دفاتري البيضاء لم تمتليء إلا بك أنت ، أعوام كثيرة أهدرتها وأنا على رصيف انتظارك ..
أنا الرجل الذي جاء إليك من أرض تعج ّ بالقتلى والجراح ، تكثر ُ فيها الأحلام ُ الممنوعة ، كان علي ّ أن أخبرك منذ البدء ..أن رجلا مثلي من أرض ٍ كأرضي ، ليس مسموح له أن يزرع الياسمين في فناء المنزل ، لا يحق له أن يسرف َ في النظر للنجوم ومراقبة القمر في مساء صيف حالم ...كان الوقت ُ يركض ُ بنا من موعد لآخر ، والعشق ُ يزيد من لهفتنا من حلم ٍ إلى آخر ...وكنت ُ أترك َ كل مشاعري بين يديك دون جدال ونقاش ..كيف لا وحبك هذا هو مصيري الذي لا مفر لي منه ، هل من قوة تُغير المصير ؟
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-08-2014, 09:37 PM
سفر السفرجل (85)
في سيارة الأجرة ...كانت الفرصة مهيأة ً تماما لتأملك ْ ، كنت ِ أنثى فائرة الجمال ، يشع ّ ُ البياض ُ من وجهك ْ ، وينتشر ُ على ذراعيك ِ ، كان َ مكياجك ِ الغير مفرط في توزيعه يضفي لملامحك جمالا ً أخر ، كان َ ناعما ً هادئا ً يكاد ُ لا يظهر ، ومن عيوب نسائنا الشرقيات ِ أنهن ّ يفرطن في المكياج ِ بشكل غير متناسق ، فتكون حمرة الشفاه غامقة تجعل الشفاه َ بارزة ً كشاب ٍ حلق شاربيه أول مرة ، وترى الإفراط في أخضر الجفون ، مما يجعل العينين َ غائرتين ...ربما لهذا السبب ، نصبو لجمال الغربيات ، لأنهن طبيعيات ...
لكن ّ شرقيتي هذه ، كانت امرأة ً تختلف ، فاتنة تجمع جمال الغرب بروح الشرق ، وما أجمل جمال الشرق حين تعلوه لمسة ٌ غربية ...كنت ُ قريبا منك ِ مسافة أستطيع قراءة جمالك بوضوح .
كيف لا ويفصلني عنك ِ مسافة ُ قُبلة ...ها هو عطرك ِ الغريب يصنع ُ غمامة ً في السيارة ..غمامة تمطر ُ حبا وشوقا وجمالا ...والعطر ُ لغة لا تعرفه سوى أنثى أنيقة ، تعرف ُ كيف َ تنشره على مناطق َ معينة ، فقليل ٌ منه على معصميها وخلف َ أذنيها وعلى جزء من صدرها ، يجعله يقوم في دوره اللافت في جذب ِ الرجل ..أي رجل ...حتى أنا .
سارت السيارة وغادرت ساحة المطار ، والطريق طويلة بما يكفي لتزيد حرارة الشوق ، وتهيء النفس َ للقاء ٍ أبدي ٍ خالد ٍ ...لقاء سيبقى محفورا ً في الذاكرة ..
وما هي سوى لحظات حتى بدأت ُ أجمع ُ قواي َ في نسج حديث ٍ معها ، ربما رغبة ً مني في تحطيم حاجز الصمت والرهبة ، وربما شوقا ً لسماع صوتها ، وكيف تنطق ُ الحروف والكلمات .
بادرت ُ بسؤالها سؤالا تقليديا ً لم أكن أكترث ُ كثيرا في الإجابة ، ولكنها الرغبة لسماع صوتها ..
كيف كانت رحلتك ؟
قالت : كانت رائعة هادئة .
ــ متى غادرت ِ منزلك ؟
ــ منذ ثلاث ساعات .
كانت نسمات ُ الهواء تتسرب ُ من النافذة فتداعب ُ خصلات ِ شعرها ، وتحرك عطرها النائم َ فينتشر في المكان ... ما أجمل َ أن يصبح َ المشوار رحلة ، تحمل في طياتها الكثير من المواقف والمحطات التي تترك أثرا ، رحلة كفيلة أن تزيل غبار َ ماض ٍ بوجعه وحرمانه وآلامه ، وما أجمل أن تلتقي بأنثى تصبح في لحظة ٍ كل ّ البشر ، تصبح الأم والرفيقة والصديقة والحبيبة ...
وأن يصبح َ الفندق ُ وطنا ً ، وحجرته منزلا حالما ً ...
كانت السيارة تسير ...وشعور ٌ غريب ٌ يسكننا ، هي تشعر أنها في حلم ٍ تتمنى أن لا تفيق منه ..وأنا أشعر أنني وجدت ُ ضالتي ...وكل شيء بيننا كان رائعا غريبا جديدا لم نشعره من قبل .
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-08-2014, 09:40 PM
سفر السفرجل (86)
توجهنا صوب سيارة الأجرة التي تقف أمام قاعة القادمين ، إلا أنّ السائق أخبرنا أنه ينتظر قادمين غيرنا ، وفشلنا في السيارة الثانية والثالثة ، وكان َ لا بد ّ أن يبتسم َ الحظ ّ لنا ، وها هي المحاولة الرابعة تنجح ، ويخبرنا السائق أنه على استعداد لتوصيلنا إلى الفندق المنشود .
نظرت ُ لها فوجدتها تنظر لي ، كانتْ نظراتي لها تحمل ملامح النصر في الحصول على سيارة ٍ تقلنا حيث نريد ، وكانت ْ تحمل في وجهها علامات الفرح ، لا لشيء إنما لأنها امرأة تختلف في كل شيء ، تشعرك َ بقيمة ما تصنع حتى ولو كان في نظر الآخرين َ أمرا ً تافها ً لا قيمة له ..تشعركَ دائما يقيمة ما تقوم به ...كانت جميلة جدا ، تحمل من الملامح ما ينوب عن لسانها في الكلام ، وهناك نساء ٌ حباهن الله سبحانه بجمال ٍ ينوب عن اللسان ، فكان في عيونها ووجهها وقوامها ما يكفي من لغة ، لغة ٌ أعمق من تعبير الكلمات ، ولغة لا يفقهها سوى القليل ..القليل ..الذين عرفوا قيمة الروح ، قيمة امرأة تختلف في كل شيء ...ربما كنت واحدا من أولئك ..بل بالكاد أنا واحد ٌ منهم .
ها هي لحظات ٌ ونركب في السيارة ، لحظات ٌ وتتحول السيارة لزورق ٍ في نهر ٍ حالم ، نعبر ُ من خلاله صوب َ مكان سيصبح ُ في لحظة ٍ وطنا ً للحب ، للعشق ، للتأمل ...قام السائق ُ بنقل الحقائب ِ من العربة إلى صندوق سيارته ، بينما كنت ُ أفتح ُ لها باب السيارة الخلفي ، لتجلس خلف السائق تماما ، وعندما جلست على المقعد الخلفي ،تحول المقعد ُ عرشا ً ، وتحولت هي لأميرة ، أغلقت ُ الباب َ بهدوء راسما ً ابتسامة ً على وجهي ، وردت ْ بأكثر من ابتسامة ...
وتوجهت ُ للباب الخلفي الآخر ...وجلست ُ بقربها ..ربما كان َ مقعدا كهذا يكفي لأبدأ رحلة ً هي الأجمل في مشوار العمر ، نظرت ُ لها مجددا ...وكنت ُ أحاول ُ أن أجد َ من الكلمات ِ والعبارات ما يليق في بدء حوار وحديث ٍ مشتهى ...لكنني أعترف ُ أنني أخفقت ُ في البدء ..فقد كنت ُ في حالة تأمل ٍ لملامحها ..ها هي جميعها جانبي ..ها أنا في هذه اللحظات في بُرج ِ سعدي ..
تحركت ِ السيارة ُ أخيرا ...وبدأ القلب ُ يدق ّ دقات ٍ غريبة ..دقات ٍ لم أعرفها من قبل ...
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-08-2014, 09:43 PM
سفر السفرجل (86)
خرجنا من قاعة المطار ، وكنت لا أزال متشبثا بيدك ، كعاشق ٍ يخاف أن يفقد حبيبته بعد أن التقى بها ، كانت ثمة ُ رغبة ٍ تسكنني أن لا أترك يدك للأبد ، ربما من فرط فرحي بك ، ربما لأنني تعلقت ُ بك ِ جدا ، أو من الممكن لأنني مجنون ٌ حقا ..
وكنت ِ كذلك َ تشعرين باهتمامي بك ، هذا الإهتمام الذي ترجمته في البدء من ركضي صوبك عندما رأيتك للمرة الأولى بعد أن هبطت طائرتك في أرض المطار وبرزت لي من بين كل القادمين ...وذاك العناق الذي أيقظ داخلنا أشياء كثيرة ...هل كنت ِ في عناقك ِ لي تستدرجينني لأبوح لك بكل شيء ...؟
كنت ألمح أثر َ كلماتي على وجهك وارتباكك ، توقعت ُ منك ِ أن تتحدثي ، ولكن كانت كلماتك مقتضبة جدا ...كان فرحك أكبر من حديثك ..وكنت أتساءل بيني وبيني : هل الفرح ُ يربط ألسنتنا ويجعلها غير قادرة على الكلام ! ؟
وعندما خرج سؤال ٌ منك : منذ متى وأنت هنا تنظر ُ وصولي ؟ قلت ُ لك أنني منذ بدء التكوين أبحث عنك وأنتظرك ...لم أكن أعلم ُ أن جوابي سيكون سببا في صمتك ..
وأعترف ُ لك أنني كنت حريصا أن نستقل سيارة الأجرة لتذهب بنا إلى مكان أستطيع فيه أن أكونك وحدي وتكونينني وحدك ...أريد أن أهرب من كل الذين حولنا ..من كل شيء ..عندها لم يكن من حقي أن أحلم بأكثر َ من هذا ..نعم ..أن نكون وحدنا ...
كانت مشاعر جارفة تعبرني أول مرة ، بسعادة غريبة جدا ، وأحزان ٍ متطرفة .. سعادة اللقاء بك وحزن الغياب الذي سيطل برأسه بعد عدة أيام ..لكن الحب كان يكفيني ويرضي رغبتي المشتعلة لك ...خرجنا من قاعة المطار ...وبعد قليل سنركب سيارة أجرة ...ونبدأ الرحلة ..رحلة كم حلمنا بها ورسمنا فصولها وتفاصيلها قبل لقائنا ، بعد قليل سنكون كما نريد .
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-08-2014, 09:46 PM
سفر السفرجل (87)
مساء الأحد ..ارتديت ُ بدلتي الأجمل ، واخترتُ ربطة عنق مناسبة ، ووضعتُ عطريَ المفضل ، وكنت قد قررت ُأن أجلس في مكان قريب أتناول فيه فنجان قهوة ، وأخذت أرصد وجوه العابرين ...
كنت ُ أنظر ُ لساعتي باستمرار ، وأرقب ُ اللوحة الكبيرة التي تحمل مواعيد وصول الطائرات ..
شعور ٌ غريب شعرتُ به عندما أيقنتُ أن طائرتها قد نزلت أرض المطار ، وحجزتُ لنفسي مكانا بين جمهور الواقفين المستقبلين ....وكلما برزت امرأة أو فتاة ، تتسارع نبضات قلبي ...هل هي بينهم ، هل ستكون التالية ؟ هل ستبرز الآن ؟
كانت الأفكار تختلط داخلي كيف أستقبلها ، هل أنتظر حتى تصل إلي ؟ هل أبقى جالسا في مقعد ٍ بعيد ؟ لم يكن عقلي قد استقر على قرار كيف أتصرف عندما ألمحها ..
وما هي إلا لحظات ، وإذا بها تظهر من مسافة بعيدة ، تقود عربة عليها حقيبتان ...ووجدتني أركض بلهفة ، وأتجاوز الناس ، وعندما لمحتني أركض ُ صوبها ، تركت عربة الحقائب ..وأخذت تسير صوبي بخطى مسرعة ...عانقتها ورفعتها بين أحضاني، وكانت ساقاها ترتفع عن الأرض وأنا ألف بها وأقبلها بطريقة هستيرية ...
وعندما توقفتُ عن عناقها ..قلت لها : ما أسعدني بك ! كانت كل ملامحها مبتسمة سعيدة ..
التقينا إذن ...
قالت لي : كيف حالك واعتذرت لأن العبارة خرجت متأخرة ..
رددت ُ عليها : لا تعتذري ...فقد مر ّ وقت طويل جدا من رحلة العمر وأنا أبحث عنك ..
مسكتُ بيدها ..وأخذ تُ أدفع عربة حقائبها بيدي الأخرى ...كنت لا أصدق أن يدها بيدي ...وكانت لا تصدق أنها الآن معي ...شعر كل واحد منا أن ذاكرته قد ارتوت ، فقد كان كل الحنين كله لها / لي .
كنا نسير وابتسامة عريضة تغطي وجوهنا ، وكنت ُ أتحدث ببعض كلام ٍ لم أفهمه ، كان َ يخرجُ بطريقة ٍ عشوائية ..وكانت تشعر ببعض الإرتباك والخجل والفرح ...
خرجنا من قاعة المطار ...ننشد ُ سيارة أجرة تقلنا إلى فندق ينتظرنا ...
لسفر السفرجل ...محطات
الوليد
الوليد دويكات
10-10-2014, 10:06 PM
سفر السفرجل ( 88)
للعيون ِ لغة ٌ يقرأ تفسيرها كل ّ شخص ٍ على طريقته ، ويفك ّ رموزها حسب قدرته على تفسير ما تحمل ُ من المعاني الساكنة فيها ...وهناك َ حب ّ تكون شرارة اشتعاله وتمكّنه من النفوس نظرة ُعين ...
ومن هنا كانت البداية ، وللبداية تفاصيل كثيرة ، أتوقف ُ كثيرا ً في لحظات تأمل ٍ أستعيد ُ شريطها ، وأحيانا أجدني غارقا في تفاصيلها ، ربما لأن ّ البداية هي دائما ما نحن ّ لها ...
وكم نفكر ّ في الكلمة الأولى التي تقودنا للبوح بما يجيش ُ في نفوسنا ، الكلمة الأولى ..وما تقودنا لراحة ٍ ننشدها بعدها ، وكأننا نزيل بها أثقالا تُتعب ُ كاهلنا ...
فالعيون ُ في النهاية دهشة وذهول ، تُعبّر ُ ما يحول بين الشفاه من كلام وأسئلة : كيف حدث َ كل ّ هذا ؟
كثير من الأسئلة ما فكرت ُ يوما بطرحها على نفسي ، كنت ُ أبتعد ُ كثيرا عن الإقتراب منها ، وأواصل الأرق داخلي ..وكانت الأشياء داخلي لا تعرف الصمت ، في حالة يقظة ٍ دائمة ، ولطالما كنت ُ أجد ملاذا في الكتابة ..الكتابة عن أي شيء ..حتى أترك َ نفسي في حالة انشغال ، لا أنتبه لتفاصيل عابرة في يومي المكتظ بالأشياء ، بوجوه ٍ مُعتادة ، وأحاديث تكاد تكون مكررة ...
كان لا بد ّ أن أقترب َ منك أكثر ، وأحاول أن أكسر جليد الصمت الذي يسكن كل حروفنا ، هي كلمة واحدة وتنير دروب الحوار المشتهى ، وتفتح النوافذ َ لحديث ٍ لطالما تخيلته ، أو تمنيته ..أليس الخيال ُ في النهاية أمنيات أو الأمنيات محض خيال ٍ عابر ، نرسم فيه الأشياء كما نريد ونشتهي ..
كان لا بد ّ أن أبحث َ عن شكل الكلمة الأولى ، وأكون بارعا ً في معرفة صداها ووقعها عندك ، فالكلمة كالرصاصة ، لا نملك استعادتها حين تخرج ُ من جوفنا ..
فكيف إن كان مصدر تشكيلها قلوبنا !! وكان َ علي ّ أن أدرك أن كلمة هي أهم كلمة ، تفوق ُ في حروفها سطورا كثيرة حملت كلمات متراكضة كحلم مسافر ..
كلمة يرتعش ُ له وجدان وتتراقص معها جوانح ، وتوقظ ُ اللغة َ من جديد ، وتعيد ترتيب َ الأشياء أكثر ...تختصر أبجدية العيون ، وصمت الشفاه .
الوليد
الوليد دويكات
10-10-2014, 10:19 PM
سفر السفرجل (89)
لطالما حاولت ِ إقناعي أنّك ِ لست ِ تلك الطفلة التي تغريني جدائلها ،
في الحقيقة لم أصدّق كل محاولاتك ، وكان هروبك لا يقترب من قناعاتي ...
فكيف لك ِ أن تُفسّري سر ّ تعلقك ِ بي ، وانشغالك بأخباري ، وتتبعك خطواتي
ورصدك ِ لي في كل وقت ...وما سبب مطاردتي دائما بأسئلتك ؟ !
هل هي رغبة منك في مقاسمتي ذاكرتي ؟
ربما ستغادرين ذات قرار حروفي وتقررين عدم الكتابة إلي من جديد ...
لكنّك على يقين أنني لن أغادرك ، فأنا أعلم أنني أسري في أوردتك ..
وأعلم ُ حجم حضوري في دمك ...
سؤال ٌ يحيّرك كما يحيّرني تماما ، كيف أصبحنا في لحظة ٍ نسخة ً واحدة ..
ذاكرتنا واحدة ، اهتمامنا بكل شيء واحد ..ذات الأسباب التي تبعث الفرح في نفوسنا
كتلك التي ترسم الدمعة في عيوننا ...
ربما كنا نسخة لمشهد ٍ متعدد الألوان ، متقلّب الأحداث ، كان للصدفة الأثر الكبير في صياغتها
في باديء الأمر ثم تولى القدر صياغتها بعد ذلك ...
كان يدهشني وأنا أمارس تحولي من رجل يعيش في حرية طاغية ، رجل يعيش في أطوار تمرده
على الرتابة والموروث ، إلى عاشق ٍ عالق ٍ في تفاصيلك ..
فجأة ...أصبحت ُ أمارس هواية جمع َ أيامي وساعاتي وأوقاتي معك ...
حتى قصائدي المتناثرة قبلك ، ها أنا أعتني بكل واحدة كتبتها لك ، ما كنت ُ أشعر ُ قبلك ِ أنني في لحظة
قد أكون قصيدة ..أراني فيها كما أراك ِ تماما ..
ربما لأنّك ِ لم تكوني مجرد لوحة ...كنت ِ رحلة لأحداث غنية بالحنين والرغبة ، مليئة بالتفاصيل والشوق ..
لذلك أميّزك ِ دائما عن كل الأخريات ...
كم كان يجذبني تناقضك ، فوقارك يشعرني بأنك سيدة الأشياء ، رزانة المرأة الشرقية التي تثق بنفسها أمام
كل المتغيرات ، التي تحمل عقلا راجحا ، ونظرة صائبة ...والطفلة التي بداخلك ، التي تثير كل ّ غرائزي ،
بنظرتها الحالمة ، وحركة ملامح وجهها ، وضحكتها المليئة بالجنون ...
الوليد
الوليد دويكات
10-10-2014, 10:47 PM
سفر السفرجل (90)
على غير العادة ، كانت رحلة هذه الطائرة مختلفة ، فقد جلس في مقعده بالقرب من نافذة محاذيا لجناحها ، وهو يملأ ثقوب َ ذاكرته بتقاصيل لقاء ٍ لم يبرح ْ بعد دائرة خياله
وجحافل ٌ من الأسئلة تغزو خياله ، كيف سيلتقيها في مدينة ٍ لا يعرف فيها أبسط التفاصيل ، ما هي ملامح اللقاء الأول ، والحديث الأول والإبتسامة الأولى والكلمة الأولى ، وحده كان يُرتب تفاصيل اللقاء المشتهى .
لم ينتبه لملامح المسافرين ، ولم ينشغل بحديث مع تلك التي اتخذت من مقعد ٍ جواره ،كان يريد أن يخلو بنفسه ، يرسم ُ كل ّ شيء سيخرج من دوائر الخيال والحلم لواقع يعيشه بأدق تفاصيله ....
تعلّق َ بها لينسى كل ما يعرفه ، وتعلّقت ْ به لتكتشف ما تجهله ولا تعرفه ...أيّ حب ٍ هذا الذي اقتحم قلبه الهائم َ وقلبها الحالم ...!!
هل تشعر ُ بالرغبة التي يسكنها أكثر من مستحيل ، والشوق الذي يُحاصره أكثر من الشوق ..ها هو قادم ٌ إليك ، ليكون عالمك ِ الممكن ، يحمل ُ ما تمّت ْ مصادرته من أحلام داخل نفسه المرهقة ، يحمل ُ حنانا يختفي خلف صرامته ووقاره ...
الطائرة تُحلق ُ في فضاء ٍ مختلف ، لم يجذبه منظر الأرض من الجو ، وهو الذي لطالما كان َ يجد ُ مُتعة ً في مراقبة الدنيا من الأعلى ، شكل البحر ، تضاريس الجبال والشوارع والبنايات التي تظهر كنقاط منتشره ...كان يُفكر ُ في أنثى هناك فيها ما لايعرفه ، يشدّه ُ ملامحها المتفردة ، وطريقتها في رسم البسمة على عيونها ، ثغرها ، خدودها ...كان يشعر ُ أنه منذ البدء كان مستعدا ً ليحب ّ أنثى تشبهها تماما ، أنثى تحمل كل تفاصيلها ورقتها وعذوبتها ، أنثى تستحق ُ أن يجتاز المرء كل هذه المسافات ليكونها في لحظة ...لوجه ظل ّ يطارده بين كل الوجوه ...
هي رحلة تختلف عن كل رحلاتها صوب عاصمة ستصبح بعد قليل المدينة الأحب لقلبه ، المدينة التي ستحمل نسيج حكاية ٍ لا تنتهي ، وتحمل ُ تفاصيل لا تتكرر ..مدينة ٌ هي
له ولها ، لا يربطه بتلك المدينة سوى أنثى بحجم حبيبته ..
كان يرفض أن يزاحم شريطا يرسمه أي شيء آخر ، يريد أن يتأملها وحدها ، دون أن يخدش َ خياله أي حضور لأي شيء ٍ عابر ، لا يريد أن يعترف بأي شيء ..أو يفكر بأي شيء ، فقط كان ما يشغله عقارب الساعة الباردة في فضاء تزدحم فيه الغيوم ووجوه مسافرين لا يعرف عنهم أي شيء ولم تجذبه ملامحهم ...
ربما التأمل ُ نعمة لمن ْ يعرف كيف يسافر في الخيال ، وكيف ينسج من اللاشيء كل شيء ...ربما التأمل هو انتصار على الحواجز وكسر للرتابة والإقتراب أكثر من الحلم دون معوقات ...
هل يا ترى وصلت ِ إلى المدينة الحلم ؟
الوليد
الوليد دويكات
10-10-2014, 11:04 PM
سفر السفرجل ( 91)
كثيرة هي مواعيد السفر التي تسكن ُ ذاكرتي ، وكل واحد ٍ منها كان َ يحمل رغبة ً تختلف ُ عن الأخرى وغاية ً لا تتطابق ُ مع سابقتها ، هذه المرة الأمر مختلف جدا،
ها أنا وأثناء ترتيب حقيبتي ، ترتعش ُ يدي ، أتوقف ُ للحظات ٍ أرسم شريط َ تفاصيل أكاد ُ أحفظها وأعرفُ خفاياها ،ورغم َ ما تحمله الطريق ُ من رتابة وضيق ، وملل ٍ تنفر ُ منه النفس ، إلا أنني على غير العادة أجدني أنتظر لحظة الإنطلاق .
أتخيل ُ شكل َ قصيدتي الجديدة ، وما يحمله حضورك الواضح فيها ، فهذه المرة ستكون حروفها أكثر تعبيرا عن كل القصائد التي سبقتها ، ستكون ترجمة ً واضحة لتفاصيل أعيشها ، سيكون للكلمات رائحة عطرك ، وجمال أنفاسك ،في هذه المرة أراني قريبا جدا مني ،هذه المرة على غير العادة لا تقلقني طريق السفر ولا ضجيج المعابر والحدود ،ولا ساعات الإنتظار في المطار ...ما أفكر ُ به تماما وما يشغلني
هو أنت ..هناك على الضفة الأخرى من الشوق ،كيف ستكون ملامح اللقاء ؟ كيف ستخرج ُ الكلمات من شكل الرسم إلى صورة المشهد البصري ، كيف أستطيع تأمل َ حضورك المدهش ، كيف تنطقين الكلمات وترسمين الإبتسامة ؟ .
كثيرة هي العناوين التي تستوقفني ، أحاول شوقا ً أن أفك ّ كل الرموز ، أريد هذه المرة أن أقرأك ِ بالأبيض والأسود ، دون ألوان ٍ وأقنعة ...أريد أن أراك بوضوح وغرابة ، أراك في دائرة الرموز المبهمة ، كما تكونين في لغة ٍ واضحة ..
ربما أنت تساورك ِ الكثير من الأفكار ، ترتبين َ لغة ً لحوارنا ، تنتقين طريقة ً للإجابة على كل أسئلتي ، في الوقت الذي تستعدين للإجابة على أي سؤال يحمله لقاؤنا الحلم ...تختلف الإنفعالات والأحاسيس التي تعتري كل ّ واحد ٍ منا ...
وكأننا ما زلنا صغارا نتوجه لقاعة امتحان مدرسي ، تربكنا فكرة الإمتحان ،ربما تلك كانت واحدة من أسباب نفورنا من المدارس ، تُشعرنا ــ نحن المتفوقين ــ أن المدرسة قَيْد ٌ ، نمضي وقتنا بين الكتب ِ التي لا نختارها بشكل قسري ، ومطلوب من ذاكرتنا أن تحمل القدرة على الحفظ ...لنسكب ثمار َ تعبنا وجهدنا وسهرنا على سطور كراسة الإجابة ...
ها أنا أستعد لمغادرة مدينتي ، وتجذبني هناك عاصمة أخرى ، عاصمة تستعد ُ بملامحها الجميلة ، أن تعانق َ رغبتي الجامحة .
ربما سأستعيد شهيتي في التأمل ، وأحلق ُ كعصفور في فضاء البوح ، فتكون القصيدة بحجم حضورك .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ الوليد
الوليد دويكات
10-11-2014, 12:44 AM
سفر السفرجل ( 92)
هو الليل ُ غريب ٌ في تفاصيله ، في خباياه ، في أحلامه ، في طوله وقصره ، كان َ دائما ً الشريك الأول .
كنت ُ فيه أنا الشاعر ، وكنت ِ أنت ِ العابرة بكل حضورك الطاغي ، لم تكوني مجرد أنثى تعشق ُ الكلمات وتهيم بالشعر ، ولم أكن ْ رجلا ً يشعر ُ بالضعف ِ أمام جمالك ، بل كان هناك ثمّة شيء ٍ أتى بك ِ وجعل نظري يتوقف ُ زمنا ً في محراب ِ ملامحك ..
ربما لأن ّ ملامح الوجوه هي التي تأخذنا إلى حيث لا ندري ، تستوقفنا ، والوجه يستطيع ُ أن يترك َ أثره النافذ َ في القلب ...
في ملامح وجهك كان فيه من الجاذبية والأسرار التي لم أنجح في فك رموزها ، فيه من الملامح التي تعلقت ُ بها ، ملامحك ِ لا تنتمي إلا لك ِ ، لا تشبهين سواك ...
هو الليل ُ الذي حملك ِ في تلك الليلة ، ليبقى ملتصقا بي من بين كل الوجوه ، يثير دائما دهشتي ورغبتي الكامنة ، لأعرف سر ابتسامتك ، وما هو خلف صمتك ، وما تحمله عيونك من سر ّ عميق ...وما تحمله من لون ٍ يُؤثث ُ الدهشة َ في وجداني ..
هل تبدأ شرارة الحب من ملامح وجه !
وكيف لوجوه كثيرة في طريق العمر المزدحم بالوجوه لم تترك ذات الأثر الذي حمله وجهك ! وكيف وجدتني في لحظة مُنحازا ً لملامحك دون سابق تخطيط ٍ ورغبة ٍ مني ...وجوه ٌ كثيرة تداهمنا بشكل ٍ مفاجيء ٍ كل يوم ، ولكنها تسقط في الغياب ، ولا نتذكر تفاصيلها ..
كنت ِ مختلفة ً في كل شيء ، وكأنني كنت على استعداد ٍ قبل أن ألتقيك لأتعلق َ بك حد الدهشة ، ليبقى وجهك ِ حاضرا ً بكل ملامحه في ذاكرة مكتظة بك ..
كل تفاصيل حضورك المدهش أحفظها عن ظهر قلب ، وكأن العمر َ كله يتوقف في لحظة ، وتحمل الذاكرة تفاصيلها دون أن تعكر َ خربشات الزمن تلك التفاصيل ..
تلك الإبتسامة التي كانت أول ما قدّمه وجهك في حضورك الأول ، أحفظ ُ شكلها وزمنها وما حملته من لغة بلا حروف أو كلمات ...
فالإبتسامة أيضا وسيلة للتعبير كما الصمت والكلام ..وربما فيها من الصدق والكذب الكثير ، فيها من التناقضات ، فتارة ً تنبع من القلب وتارة ً تكون صفراء ...تخرج من خلف ِ قناع .
هو الليل ُ الذي أتى بك وقاد َ خُطاك ِ صوبي ، ما زال َ يحملك كل مساء ..
الوليد
الوليد دويكات
10-14-2014, 08:22 PM
سفر السفرجل (93)
طريقتُك ِ في انتقاء ملابسك ، اهتمامك ِ بأدق ِ التفاصيل، أسلوبك في الحديث ، تعرفين متى عليك ِ رسم َ الإبتسامة ، ومتى تصبح البسمة ضحكة ، وكيف تتفاعل ملامح وجهك مع البسمة والضحكة ، كل ذلك كان َ بدقة متناهية ...
كنت ُ أدرك ُ أنك استثنائية ٌ في كل شيء ، وربما هذا الذي جعلني أتساءل ُ كثيرا ..كيف لي أن أقاوم كل ّ هذا الحضور عندما أقف أمام ورقة ٍ بيضاء وأحمل ُ قلما ً
وأستحضر ُ كل ّ طاقاتي لأهزم بياض َ الورق ِ ، وأنسج ُ قصيدة ً تليق بك ...
فالكتابة لأنثى تحتاج ُ أبجدية ً خاصة وكلمات ٍ غير مُستهلكة ، ومفردات لم تعتادها الشفاه ، لغة بعيدة عن النمطية ، فكيف إن كانت أنثى بحجمك ..!!
الكتابة لك ِ وعنك ِ ، تشعرني برغبة من التخلص ِ من لون ِ الصمت ، من الحروف الداكنة ، وتبعث الرغبة َ داخلي لأجمع كل الأشياء التي تفرغينها داخلي ، كأنك تقتلين َكل ما يجول بي بالكلمات ، وها أنا كلما كتبت ُ لك ِ وعنك ِ امتلأت ُ بك ِ أكثر ..
وأجدني قادرا ً على إعادة الحياة للأماكن المنسية ، فتزيد تعلقي بما أكتبه كلما زيّنت ُ به أوراقي ..والكتابة ُ لك تتجاوز ُ فكرة الكتابة من أجل الكتابة ، فأنت ِ تسكنين حجرتي وقلمي وأوراقي ووقتي ، تحتلين َ كل شيء ..تُحيلين الليل َ لعالم ٍ جميل ، واستطعت ُ مؤخرا ً أن أكتشف َ أن الليل َ وحده الذي كان يهزمني ، لأنني كلما استحضرتك ِ وأوراقي وقصائدي كنت ُ أخلو بنفسي ..وكنت ُ أتجرد ُ من كل شيء ، وأهرب من ضجيج العالم وتفاصيل اليوم المرهقة ، وأخلو بك ِ ...
كنت ُ أجيد ُ اقتحامك ِ والولوج لكوامنك ، والإقتراب أكثر َ من طبيعتك المتفردة وحضورك المدهش في الذاكرة ..وأراني أجلس على مقعد ٍ بين العقل واللاعقل ..وأقترب ُ أكثر من ذلك الحد الفاصل بين الممكن واللاممكن ..
كنت قادرا ً على كتابتك ِ دون حدود ، أستطيع أن أترجمع َ بالكلمات ما تعجز الظروف عن اتاحته لي / لك ..فكانت الكتابة لك مساحة ضوء تلغي العتمة بيننا ..وترسم ُ الصورة بوضوح ٍ دون رتوش ..
يا امرأة ً مختلفة في كل شيء ...يا امرأة تشبه وطنا ً بتضاريسه وأحلامه ووجعه ..
امنحيني دوْر َ البطولة مرة أخرى في روايتك المحببة إلى قلبي ..دعيني أعلن التمرد َ على الحدود والحواجز ، وأرسم ُ الرجولة والأنوثة بمقاييس غير نمطية ..
كل شخص ٍ أحبّك ِ ..سرق َ قلبك ِ ..اقترب من أهدابك ، لم تُقطع يده ، ولم ينل عقابا ..كان َ لهم كل شيء ..ولم يكن ْ لي غيرك أنت ..ولا أريد سواك .
الوليد
الوليد دويكات
10-16-2014, 01:54 AM
سفر السفرجل (94)
لليل ِ عادات ٌ كما المواسم ..كما الفصول ..كما جدائلك ِ ..بعضها يأتي في وقت ٍ متأخر ٍ كما كلماتي التي كتبتها لك ِ ..كما حروفي التي تعانقت يوما معك ..
ما أجمل َ أن تعرف َ أنثى تحترم ُ موهبتك ، تحرص ُ على اهتماماتك ، وتقاوم ُ جروحك ، تقرأ ما يدور في كوامنك ، تقترب أكثر من فكرك ، من نظرتك للأشياء ..
لذلك كان دائما ً ثمّة شيء ٍ يركض ُ داخلي ، يتجه ُ نحوك ِ ، يبحث ُ عن كل الطرق المؤدية إليك ِ ...لذلك كانت الكتابة لك لها متعة ٌ خاصة ...
وفيها وجدت ُ جوانب َ مشرقة كثيرة ، وتذوقت ُ حلاوة الإحساس بالحرية ، والتمرد على قيود ٍ كثيرة ..عشت ُ مع شخصيات ٍ صنعتها من الخيال تارة ً ...وأحيانا التقطها من الطرقات في مشوار الحياة ، ولم يكن يعنيني أن أبحث َ عن وجوه ٍ تشبهني ، فهذا يجعلني أكثر َ قدرة ً على اكتشاف نفسي ..وربما كان يشغل من يقرأني لمن أكتب أو عن من أكتب ، وهذا الأمر لم يكن يُشكل منعطفا هاما في الكتابة ...فيكفي أن أشعر بيني وبيني أنني أعيش في عالم جميل له طقوسه وتفاصيله ، أعيشه بحرية دون رتابة ونظام ترسمه القوانين والعادات ...فنجاح كتاباتك أن يشعر َ من يقرأك أنك تكتب عنه أو له ...أن يتقمص الشخوص التي ترسمها ، أن يقترب َ من كلماتك دون تخطيط مُسبق
والكتابة ُ تستيقظ ُ كأنثى جميلة ، بروعة حقيقتها المتجردة من كل أقنعة ، بلا مساحيق ..تغسل ُ وجهها بالماء والصابون ، وتسرّح شعرها ، وملامح الليل ظاهرة على وجهها ..واضحة كالمرايا ، في عيونها حكاية ٌ جديدة ، نظرات ٌ غامضة ، وسائل مختلفة للإغراء الذي يملأ نفوسنا بالدهشة ..ويعيد ترتيب الشوق في وجداننا ...تساعدنا في التعبير عن الأشياء ، تمنحنا القدرة على التنفس ..وأن نقف َ بوضوح أمام أنفسنا ..
ربما كنت ِ وحدك من يملك القدرة على القراءة دون أن أنحدر َ معك ِ إلى سراديب غامضة داخلي ، وأن تقتربي من مساحات عميقة لم يقترب منها أحد ٌ قبلك ..دون أن يرشدك أحد أو يمسك بيدك وأنت تنحدرين في دواخلي ..
عندها نسيت ُ أن أعانقك ِ نيابة ً عني ، وأن أتأملك ِ أكثر نيابة ً عني ، نسيت ُ أن ألتقط َ لي صورة معك تبقى بجواري تُزيّن جدار الذاكرة ..أن أطلب َ منك نسيان ما مر ّ من زمن ٍ قبل لقائنا ، وأستبقيك معي إلى الأبد ...أو إلى ما بعد الأبد .
الوليد
الوليد دويكات
10-31-2014, 03:16 AM
سفر السفرجل (95)
الليل ُ بكل ّ ما فيه من صمت ٍ يحيط ُ بي ، كنت ُ أحاول ُ أن أشاهد َ أي ّ شيء غير نفسي ، كنت ُ أشفق ُ علي ّ وأنا أحرق ُ لفافات ِ التبغ ، وأستغرق ساعات ٍ كثيرة بين
المفردات والحروف ، كنت ِ حاضرة ً بكل أنوثتك ، تلهمين َ قلمي ، وتنسجين لي ملامح الرحلة في كل مساء ، حاضرة رغم الغياب ، ورغم الصمت ِ المحيط بي ، ربما الصمت ُ أحيانا يكون رغبة ً نبحث ُ عنها لنهرب من ضجيج العالم ، ربما نبحث ُ عنه كالنسيان ، حتى نقاوم ما تحمله الذاكرة من عواصف تقودنا إلى منحدرات ، نحاول ُ التصدي لها لكنننا نصطدم بصخور الشوق ، وتتكسّر كل المحاولات عند زلّة ذكرى .
ها أنت َ تركض لاهثا ً خلف َ ماض ٍ لم تستطع ْ التخلص َ منه ، تسترجع ُ ملامح ابتسامة ٍ غير واضحة ، أليست الإبتسامات كعلامات الترقيم ، هناك من يعرف كيف يضعها في مكانها بين الكلمات وأثناء الحديث ، يعرف ُ كيف يستخدمها بديلا عن التعبير بالكلام .
هو القدر ُ الذي جعل هذه العلاقة الوطيدة بيني وبين الليل ، فأصبح ملجأي الوحيد ، ويفتح لي نافذة ً أراقب ُ الأشياء من بعيد ، يُخرجني من الصمت ِ إلى البوح ، ومن السريّة إلى النور ...
هو الليل الذي وجدتني دائم الإنتظار له ، وأخاف من بزوغ فجر ٍ جديد يبدد ُ ما يمنحه لي من فرصة ٍ لأكون وحدي ، بعيدا عن ضجيج النهار ، ربما هي رغبة للكتابة لك ِ في الظلام ، لأن ّ حكايتنا أشبه بشريط ٍ مُصور أخاف عليه الإحتراق إن باغته ضوء الشمس ...لأنك أنثى تعيش في سراديبي التي يعرف تفاصيلها سواي ...وكم هي سعادتي وأنا أستعرض هذه الأوراق المتناثرة أمامي والتي تحمل ما كتبته لك وعنك ، وبقي أن أختار شكلا ً لغلاف يحملها كتاب ٌ إليك ...
أحاول ُ أن يكون َ الكتاب ُ أنيقا ً ، يليق بأناقتك ، بنظرتك للأشياء ، فأعلم ُ كم تُحبين َ الأشياء الأنيقة وتعشقين النظام ، وتحرصين على الدقّة في كل شيء ...
لا عليك ...قليل ٌ من الصفحات ، وستنتهي الرحلة ، وستكون ذاكرتي أمامك ..قليل من الصفحات لا بد ّ منها ، لأرسم َ بالكلمات ما يليق بكبريائك ، ويبقى ترتيب مقدمة لهذه الحكاية ، فحكايتي معك لها بدايات ٌ كثيرة ، فأي ّ بادية ستكون شرارة البدء !!
رغم أن النهايات يرسمها القدر .
الوليد
الوليد دويكات
11-07-2014, 11:38 PM
سفر السفرجل (96)
ربما يراودك ِ شعور ٌ بما تحمله المسافة من وجع ، رغم قربك ِ الشديد من نفسي ،
وحضورك ِ الطاغي في وجداني ، ها أنا قريب ٌ منك ِ قرب أصابعك ِ من ملمسها ،
كما الجنون عالق ٌ في جفونك ، كما الهاجس الساكن في روحك ..هكذا كنت ِ تشعرين
وربما لأنني رجل ٌ مسكون ٌ بالفوضى ، لكنني أعرف كل الطرق في ترتيب نفسي وتفكيري ونظرتي للأشياء ، أستطيع من خلال جلوسي أمام نافذتي الزجاجية الكبيرة ، أن أتأمل َ كثيرا هذا الفضاء وأنا أجلس ُ على حافّة المطر ، هو المطر الذي يقودني لمشاعر مختلفة حد التطرف ، هو المطر يغريني أكثر بالكتابة ، كما التأمل في ملامحك ..كم تشبهين المطر ، وليتك ِ في هذا المشهد الخرافي كنت ِ معي ، وتواطأت ِ معي في نسج فكرة تائهة في هذا الفضاء ..عندها فقط سأتخلى عن التأمل في سماء يجذبني سحرها وجمالها ، وأكتفي بالسفر في عينيك ..عيناك ِ اللتان تحملان ذبولا ً فاتنا ً ، أشعر ُ أمامهما بضعفي وارتباكي ، فيهما الكثير من العمق الذي لم أصل له ، ومن السكون المدهش ، وكيف اجتمع هذا العمق وهذا السكون في آن ٍ واحد !! كيف لمحت ُ
فيهما براءة ٌ تلقائية ، ما أجمل إطالة النظر إليهما ..
ما أجمل الحديث معك لساعات ٍ دون أن نلتفت َ لعقارب الساعة ، كنت ُ أجدك ِ أنثى تحبين طريقتي في قراءة ما أحفظ من القصائد لشعراء عباقرة ، ويجذبني أكثر طريقتك المدهشة في الإنصات ِ والإستماع دون أن تُظهري مللا وضيقا ..
هذا المساء وأنا أجلس على حافّة المطر خلف نافذتي الزجاجية الكبيرة التي تحميني منه وتجعلني أكثر اقترابا ، حدّقت ُ كثيرا في السماء ، وكنت ِتجلسين جواري رغم المسافة الشاسعة ، لم أحاول أن أقترب َ من عينيك ِ ، ربما لأن العتمة َ كانت تحيط بي ، وأنا الذي أعشق الضوء حتى أرى زرقة َ عينيك التي تشبه زرقة السماء وهي صافية ..
هناك َ علاقة ٌ عشقية بين أي شاعر وقصيدته ، يراها كما لا يراها من يقرأها ، يعرف ُ خباياها وأسرارها التي لم يبح ْ بها ، وهناك َ ثَمّةَ اتفاق سري ّ بينه وبين القصيدة ، لا يحطمه سوى دخول قصيدة أخرى لخياله ، عندما يجذبه اللون الأبيض ليملأه بحبر ِ فكره وخياله ...وهو شعور بالإنتصار له نكهة خاصة عندما ينتصر على السطور الخالية بجيش ٍ من الكلمات في بناء القصيدة ...
وليس بالضرورة أن يكتب الشاعر ُ كل ّ ما يرى ، وإنما يكتب فيما رآه يوما ، وبقي عالقا ً في ذاكرته ، ويسعى لترجمته خوفا ً أن لا يراه مرّة أخرى ...
لهذا كان للمكان أهمية ً في تسجيله ليبقى خالدا ً خوفا من غبار الأيام أن تعلوه ، وتزيل آثاره ..كان لا بد ّ أن أجمع تفاصيل أصبحت في خانة الذكرى ، ربما رغبة في استرجاعها قبل الفقد ، وربما هو الحنين للعودة إليها ولو من باب الكلمات والكتابة .
الوليد
الوليد دويكات
11-08-2014, 12:13 AM
سفر السفرجل (97)
سؤال ٌ لطالما كان َ حاضرا ً ، متى بدأ جنوني بك ؟ متى بدأ تعلقي بك ؟ أفتش ُ أحيانا عن ذلك التاريخ ، وأحاول استعادة شريط البدايات في الذاكرة ، ترى هل كان في أول لحظة ٍ رأيتك ِ فيها ؟ أم في تلك اللحظة التي تحدثنا فيها؟ أم في تلك اللحظة التي انفردت ُ بها مع نفسي وقررت ُ الكتابة إليك ؟
أم عندما ضحكت ِ وكانت ملامح وجهك تحمل براءة ً متفردة ؟ أم عندما بكيت ِ وكانت دموعك صادقة ً في تعبيرها عن ضيقك من مسافة ٍ تمزق ُ حلمنا ؟
لا أدري أي أنثى فيك التي كانت قادرة على استدراجي لهذا الجنون ..لا أدري كيف لإمرأة كأنت ِ استطاعت أن تجمع َ جميع النساء ..في كل مرّة كنت ألتقي امرأة مختلفة ، فأجدني محاصرا ً بقبيلة من النساء ، كل واحدة تأخذني إلى عالمها ، تستدرجني على طريقتها ، فإذا بي دون أدنى مقاومة ٍ مني ، أقع ُ في حبها ، تصبح شاغلتي ، ألم أقل لك ِ أنّك أنت كل النساء ..لذلك لم يكن أمامي سوى أن أعلن جنوني بك بوسائل مختلفة ، لم يكن من السهل جدا أن أحبك بأسلوب واحد ..فكل امرأة فيك تحتاج طريقة لترويض أنوثتها والإقتراب من قلبها وعقلها ...
كنت ِ في الحقيقة أكبر من مجرد امرأة ، تُسرّح شعرها ، وتختار ملابسها بأنقة ، وتلوّن أظافرها بما يتناسق مع ألون زيّها ، كنت مدينة بصخبها وهدوئها ، بأحلامها ووجعها ، برغباتها وحرمانها ، بفرحها وحصارها ، بضحكاتها ودموعها ...
كنت مدينة مكتظة بنساء يختلفن في أحلامهن ، وجرأتهن وخجلهن ، في وقارهنّ وتمردهن ّ ، نساء ٌ من زمن قبل أن يعرف مثلي ما معنى الأنثى وحتى تاريخ لقائي بك ...نساء ٌ يجتمعن في صورة أنثى واحدة ..هي أنت .
ربما أدركت ُ ذلك بعد فوات الأوان ، بعد أن عدت ُ إلى حجرتي التي كانت كما قبل معرفتي بك ، حجرة صامتة ، أجلس في ركن هاديء خلف طاولتي ، وأوراق متناثرة تحمل نصوصا ً كتبتها لك ، وذاكرة مكتظة بك ..
في كل ليلة أسترجع شريطا مذهلا في تفاصيله ، أراقب تحولك التدريجي من أنثى طرقت أبواب وحدتي إلى مدينة مكتظة بنساء ٍ متناقضات ٍ يجتمعن فيك وحدك .
أعود لنصوصي التي كتبتها لك ، أفك ّ رموزها ، تلك الرموز التي لم يعرف أسرارها سوى أنا وأنت ، كيف أستطيع أن أكتب اسمك بطريقتي السريّة ، وكيف تقرأين ما خلف السطور ، وتعرفين دلالة المفردات ...
عرفت الكثير بعد فوات الأوان ، ولم يعد في جعبتي سوى ذاكرة لا تحمل سوى حضورك الطاغي ....هل كنت العاشق المنتصر الذي استطاع أن يسكنك ، ويملأ قلبك وتبقين على رصيف الإنتظار ترقبين عودته ، أم كنت العاشق المهزوم ، الذي أحرق َ المدينة وجلس على حافة الجبل يشاهد كل شيء يحترق ...
الوليد
الوليد دويكات
11-10-2014, 12:16 AM
سفر السفرجل (98)
أيّتها الجميلة التي غابت ْ في غفلة ٍ منّي ، فجأة أصبحت ْ لا تعرفني ، ربما أخفقت ُ في إقناعك للعودة عن قرارك لأسباب ٍ كثيرة ، فطريقتك ِ في الحديث ِ الأخير كانت كما يكون الحديث ُ بين الأصدقاء القدامى ، يحافظون على رتابة مفرداتهم ، ويختارون أوقات ابتساماتهم ، ويكثرون من هز ّ رؤوسهم في استعادة ذاكرة كانت تحمل تفاصيل بينهم ...فجأة أصبحت ُ غريبا ً عنك ، وكم حاولت ُ أن لا أنفق َ كل ّ حديثي معك في لقائنا الأخير ، لأنني كنت ُ على يقين أننا سنلتقي مجددا ً ..
كانت رغبة بداخلي أن أوقظ َ فضولك ِ للإقتراب مني أكثر ، حرصا ً مني على ضمان عودتك ِ مرّة أخرى ..كان يخيفني فكرة هروبك واختفائك في شوارع مدينة لا أعرف شوارعها وأزقتها ..ومعلوماتي عن عناوينك هزيلة ، لكنني أملك ما يكفي من طرق ووسائل للعثور عليك .
كانت الأيام ُ بعد غيابك طويلة ، متشابهة ، وكان الإنتظار محطة بارزة في لياليها ..
وشريط الذكريات يوجع ُ ذاكرتي المكتظة بك .
كثير من الأسئلة بت ّ أتجنّب ُ أن أسألها لنفسي كما كنت ، أحاول أن أملأ وقتي بأشياء تُبعدني عن الحوار بيني وبيني ، حتى أقاوم َ ذلك الأرق الذي يحتلني ..شيء ما في داخلي دائم الحركة ، لا يعرف الهدوء والنوم ، شيء ٌ يُواصل التنقيب في حقول المفردات وكأنه يلهث ُ راكضا ً ليقودني للحديث عنك ...رغم رغبتي أن أعيش كما يعيش أي رجل ٍ عادي ـ بعيدا ً عن دوائر القلق والأرق ...رجل ٌ ينتمي لقصائده ، يرسم العالم في حروفه ، ويعيد ترتيب الحضارة في كلماته ، ها أنا أتجول بين الكلمات وأعرض تفاصيل جنوني على الجدران ليشاهدها العابرون ..وأكاد أجزم أنك هناك تنظرين لهذا الجنون وترصدين ملامحه خلف الجدار ..
القصيدة أنثى تشبهك تماما ، تحبُ الإهتمام بها ، تحب ّ أن ندللها ونمسح عنها غبار إهمالنا ، تحب أن تثير داخلنا ألف رغبة ، أن نضعها فوق صفحة بيضاء نقية خالية من خربشات الزمن ، ونقدم لها فنجان القهوة يصاحبها ابتسامة وادعة ، القصيدة في النهاية أنثى تكره أن تجد التجاهل َ من الآخر ...
أكاد ُ أن أراك ِ وأنت تهزين برأسك ، وأكاد أسمع صوتك المنساب خلف دمعة في عيونك وأنت تستغربين كيف أستطيع أن أتحدث َ عما يجول في خاطرك ، وتتساءلين في داخلك : من أين يأتيك َ هذا الإلهام وكيف تستطيع أن تأتي بهذه الأفكار ؟ لماذا عجزت َ أن تعاملني يوما كقصيدة لك ؟
كان هناك الكثير من الكلام لم نتطرق له ، لم نقترب َ منه ، كنا نكتفي بالصمت الذي يصاحبه صوت أغنية لطالما أحببناها ، هل كانت الأغنية بكلماتها وألحانها وصوت مغنيها تملك ُ القدرة على التعبير عن تفاصيلنا الحبيسة داخلنا ؟ أم أننا التقينا في زمن ليس لنا ؟ هل كان قدري أن أعيش َ في مدينة ٍ لا تُقدر ُ موهبتي وأنتمي لبلاد لا تحمل جراحي ؟ هل كان قدرك ِ أن تتعلقي برجل بينك وبينه حواجز عميقة ؟
أيتها الجميلة التي غابت في غفلة مني ...ستبقين وطنا ً يحمل الأحلام .
الوليد
الوليد دويكات
11-12-2014, 12:39 AM
سفر السفرجل (99)
في الليل كانت هزيمتي ، ربما لأنك ِ كنت ِ تتسللين َ لي ، فتكسرين َ وحدتي ، وتملأين خلوتي ، وربما لأن ّ القصيدة بكامل حضورها ، تُحرك ُ تلك َ الرغبة الكامنة في النفس للكتابة ، تلك الرغبة التي تولد ُ في لحظة صفاء ونقاء ..
في الليل ِ تجذبني الرغبة لأكتبك من جديد ، لاصنع من الكلمات ِ جسرا ً أمر ّ من خلاله لأصل َ إليك ِ دون أن ألتفت َ حولي ، دون أن أفكر َ لحظة َ بما يجوز وما لا يجوز ..ربما الكتابة نعمة ، فيها يستطيع من يعرف وسائلها وأساليبها أن يعيش في عالم ٍ كما يريد ، ويكون ما يريد ...
في الليل ِ أنت ِ تكونين لي وحدي ، من يستطيع أن يسرق َ طيفَك ِ مني ؟ من يستطيع أن ْ يأخذك ؟ من يتجرأ أن يقترب َ من عطرك ؟ أو يُخرجه من جوانحي وحواسي؟
أنت ِ رفيقتي السريّة في كل محاولاتي للتمرد على الرتابة ، والتخلص ِ من كل ما يعكر ُ صفوي ، أنت ِ شريكة الليل والذاكرة ، التي تقودني لعالم بديع لم تقترب منه أقدام العابرين يوما ً .
في كل ليلة ، تحضرين بكامل أنوثتك ، بكامل رقتك وعفويتك وتلقائيتك ، يعلن ُ حُرّاسك ِ الولاء لي ، يتخلون عن رغبتهم في حمايتك ، تُحيلين أوراقي البيضاء لمدن
وتجعلين حبري الأسود بلابل تغرد على أغصان السطور ، ويتحول صوتك ِ الذي أدمنت ُ سماعه لموسيقى تبعث الرقص َ في كلي المنتشي بك ، يشعرني بالدفء في ليل الشتاء الطويل ، وبجمال النسمة في ليل الصيف ، يُدثرني برقة الكلمات الرقيقة التي تنبعث ُ بعذوبة كجدول ٍ رقراق ، أشعر به كشمعة ٍ عندما أتخلص من الأضواء فيضفي للمكان سحرا ً من نوع آخر .
هو الليل يهزمني ، لأنك ِ وحدك التي تستطيع أن تحرك الصمت في أرجائه ، أيتها الممكنة المستحيلة ، تجعلني دائم الإنتظار له ، رغم عجزي عن مقاومة حضورك المنتظم ، تقتحمين خلوتي دون استشارتي ، وقبل أن يحين موعد مغادرتك ، تسجلين مشهدا ً جديدا في شريط الذاكرة ..
أكان َ يمكن ُ أن يحدث َ كل ّ هذا من نظرة ؟! ظننتها في البدء عابرة ، ثم اكتشفت أنها رحلة لا نهاية لها ، هل كل هذا هو عنوان ضعفي الذي لا أخجل منه ؟ هل أشعر بالهزيمة من نظرة ، علي ّ أن أندم بسببها ؟ وهي التي عرفت ُ بها روعة الليل وجمال الحياة ..نظرة تعادل عمر ...
فكّرت ُ أن أكتب َ رواية ً عنك ، أطبع منها نسخة ً واحدة ً لي ، لأقرأك ِ وحدي وأنظر لك من خلال حروفي وكلماتي دون أن يقترب منها الفضوليون ، ربما أستطيع أن أكتشف كل ّ أسرارك ، وأفك ّ رموزك ، فهذه وسيلتي الوحيدة للولوج إلى داخلك والإطلاع عليك من داخلك ..
راودتني فكرة أن أوزّع تلك الرواية ، وأطبع منها نُسخا ً كثيرة ، وأعرضها على العابرين على كلماتي ، يقرأونها دون التعرف عليك ...وحدك ِ تعرفين تفاصيلها ..
هي رغبتي أن تبقين سرّي الغامض ، وحكايتي السريّة ، وملهمة قلمي ورفيقة الليل الطويل ، تحضرين بغتة دون موعد ، تطلين من نافذة الشوق وتحركين صمت المكان ..
الوليد
الوليد دويكات
12-19-2014, 08:25 PM
سفر السفرجل (100)
شكرا ً لأنّكِ منحتيني دورَ البطولة في هذه الحكاية ، هل يا تُرى ستمنحيني بطولة أخرى في حكاية تختلف في تفاصيلها وأحداثها ؟
ربّما استطعنا في حكايتنا هذه تغيير مواصفات الحب والخروج على دروبه النمطية ،
وحين تستعرضين َ شريط الذاكرة ، ستكتشفين أنّ هناك َ من حاول الإقتراب َ منك ِ، ارتكب من الأخطاء معك ، ارتدى ما شاء من الأقنعة ، ترك َ اسمه تحت سطور جراحك ، ومنهم من عبثَ في جدائلك ، كما لم ينتبه لرقة مشاعرك ، كل هؤلاء الذين اقترفوك في طريق رغباتهم لم ينالوا العقاب ، كلهم حاولوا أن تكوني مجرد شيء ٍ من أشيائهم ، في الوقت الذي كنت ِ فيه كل شيء لي .
شكرا ً لأنك ِ كنت ِ لي بكامل حضورك وبهائك ، بكامل فرحك وحزنك ، بجمالك وأناقتك ، واستطعت ُ معك ِ أن أخرجك من دوائر وجعك وضعفك ..ها أنا بكل قواي وحضوري أعلن التشبث َ بك ، وها هي أهدابك وجفونك تُعلن الطاعة ، ويستسلم ُ الوقت ُ لنا .
تعلمين َ كم بحثت ُ عنك ، وكم بحثت ِ عنّي ، كنت أراك ِ في صوتك المرتعش ، ونبضات قلبك المتسارعة ، هل كان الحب بيننا أن يتجاهل كل منا الآخر حتى يرى آثار الشوق التي يتركها هذا التجاهل ؟ هل استطعنا الإنتصار على رغباتنا حين أغلقنا كل النوافذ التي كانت تحمل ملامحنا لنا ، وتظاهرنا بالنسيان وعدم الإكتراث ؟ أم هو الغياب الذي لا يحمل ملامح العودة ؟
هي حكاية امتدت وستبقى ما بقي الهواء يتسلل إلى الرئة ليمنح الجسد القدرة على التنفس ، ستبقى ما بقيت الفصول تتعاقب ُ بانتظام تحمل لنا الأمنيات ...
هذه الحكاية بما حملت من ذكريات وفرح ، من انتظار وجفاء ، من همس ٍ في مساءات ٍ حالمة ، من ترقب ٍ لمفردات ٍ لطالما كانت تبعث ُ الفرح في قلبك ..
ها هي الحكاية اكتملت ، وستعيدين قراءة حروفها وتلمحين حضورك بين سطورها وستشعرين بكل حرف ٍ يعانق ُ ذاكرتك ، يقترب ُ من قلبك ، يرسمك أنثى مشتهاه ..
ألم أقل لك أنك لا تشبهين إلا أنت ، وأنّك متفردة في كل شيء ، وأنك وحدك القادرة على رسم البسمة على شفاهي كما تملكين القدرة على ايقاظ مشاعري ...
شكرا لأنك تلهمين قلمي وتستفزين حروفي النائمة ، فتركض في روابي قلبك ..ألم تقولي لي : ( تبرد ُ قهوتك إن غفلت َ عنها ، فما بالك بمن يحبك ! ) ..ها هي كلماتي تعلن لك أنني لم أغفل عنك ...لن أغفل عنك ...
وقبل أن يجف الحبر ، وتنام الكلمات ، ويغفو القمر الذي كان يرصد نبضات قلوبنا المتسارعة ، علي ّ أن أطفيء القنديل ، وأضع كلماتي هذه على وسادة ً قرب
أهدابك ...قريبة من أنفاسك ،
دثري كلماتي حتى لا ينال البرد منها ...فكل كلمة تشي بما يجول بي لك وحدك ، امنحيها الدفء ...والحلم .
الوليد
vBulletin® v3.8.9 Beta 3, Copyright ©2000-2025, TranZ by Almuhajir