صلاح الدين سلطان
10-07-2014, 01:07 PM
اختي الكبرى
على بساط ذكرياتي ، وددت أن انقش ما يجول في خاطري عن ماض تلاشى ولم يبق منه سوى الذكريات. عن ماض اندثر ولسوف لا ولن يعود ، وعن عهد ما زال يظلل جزء مهما من حياتي ، مع علمي أن قطار الحياة لا يرجع ثانية الى المحطة التي قد تركها وراءه. نعم لا يرجع الابذكريات أحلامه ، حلوها ومرها.
ما زلت اتذكر تلك الايام التي كنا نلعب فيها ونحن اطفال في بستاننا الجميل ، بل ما زالت اغاريد الطيور ممزوجة بخريرالمياه ترن في مسمعي ، بل وما زلت اشم أريج الازهار بألوانها الجميلة وكأنها تعيش معي يا اختي العزيزة.
كنت اصغر منك بستة سنوات ، الا اني كنت اراك عملاقة في الايمان ، والعلم والمعرفة.
كنت انتظر رجوعك ، بفارغ الصبر من المدرسة ، لتعلميني الاناشيد الوطنية ، لانشدها أمام والدي فخورا ، لكي يثني علي بالمديح ، لان كلماته ، كانت وساما أتحلى به في كل مكان.
كنت انافسك في كل شئ ، لاني الولد الكبير المدلل ،الا أني كنت اجد نفسي عاجزا امام ايمانك ، وعلمك ، لانك كنت المعلمة الحقيقية لي. كنت اسير بهدى رشدك ، انت التي كنت تعتزين بكتاب الله الكريم. اذ كنت اجلس بجانبك خاشعا ، لأسمع تجويدك يا اختي الوفية.
كنت تعلميني حفظ القرآن ، وكنت بكل شغف اتقبل دروسك ، وفعلا نجحت في مسعاك ، حيث حفظت اكثر من نصف جزء عمَ . وكم كنت اشعر باعتزاز امام والديَ عندما اقرأ لهما ما كنت قد تعلمته منك ، اذ كنت اريهم والفضل يعود لك باني لست اقل منك شأنا.
اتذكر يوما ، كنا نلعب كعادتنا في البستان ، وبراءة الطفولة مشرقة في سماء نقاوتنا . كنا نلعب مع الاشجار ، مع الورود ، مع المطر ، مع الشمس ، مع كل شئ في الطبيعة. كنت اخفي نفسي بين اوراق الاشجار ، وانت تفتشين عني ، وعندما تجديني ، يتعالى الصياح المصحوب ببراءة طفولتنا ، وكم من مرة ، كانت الوالدة تاتي مسرعة ، ظانة ان شيئا قد حدث لنا ، وكنا نقابلها بالضحك ، اذ يزداد سرورنا برؤيتها يا اختي.
اتذكر يوما ماطرا ، وكنا كعادتنا نلعب في البستان ، و نالتني كفك بقسوة لسبب لا اذكره ، وكنت انظر اليك باكيا ، وقد اندمجت دموعي بقطرات المطر ، وكانت تسيل على خدي ممزوجة بنوع من الحب والحنان ، ومن خلالها كنت انظر اليك بعاطفة الاخوة ، كعقاب على عملك ، وكنت تنظريني بألم محفوف بنوع من الندم ، فوجدتك تأتين الي نادمة باكية ، وتقبليني معتذرة ، فأزداد بكاء لألمي عليك ، وكان بكاؤك يزداد عطفا عليَ ، فامتزجت دموعي بدموعك ، كما امتزج لهيب حناني بنقاوةعطفك ، وبعد قليل صرنا نضحك وكأن شيئا لم يكن .
ما زلت يا اختي اتذكر ذلك اليوم ، عندما تسللت طفلة فقيرة الى بستاننا خلسة ، وقد جمعت ما امكنها من التفاح ، والخوخ ، والتين ، والرمان. فهجمت عليها كالوحش ، فهربت خائفة ، تاركة وراءها ، كل ما كانت قد جمعته ، و ما كانت تحلم به المسكينة.
جئت الي غاضبة ، موبخة اياي على عملي المشين قائلة : اين ايمانك يا قاسي ، وما اكتفيت بهذا ، و انما ذهبت وأخبرتي الوالد ، فوبخني على عملي ، ولا انسى قوله لنا: ان هذا الرزق من الله ، وعلينا ان لا نبخل ونحرم الاخرين من طيبات ما اعطانا الله ، وأدركت يا اختي انك كنت على حق ، وان تصرفي حقا كان لا يخلو من قسوة ، وبخل ، و انانية. وعلى اثرها ، ذهبت بصحبتك الى بيت الطفلة ، نحمل طبقا كبيرا من اجود الفواكه ، وقدمناه هدية لها مع اعتذارنا ، وكم فرحت زينب بقولك عندما قلت لها: من حقك يا اختي زينب ان تدخلي والوالدة البستان ، فأهلا بكما في أي وقت ، لأنه ملك الله لنا جميعا ، ومنذ ذلك اليوم ، اصبحت زينب اختنا ، وأمها بمرتبة امنا ، وكنت دوما الوم نفسي خجلا على ما بدى مني ، من تصرف لا انساني ، وصارلي درسا لا انساه ، وكل هذا كان بفضل الوالدين ، وفضلك يا اختي المؤمنة .
كم من مرات كنت البس عباءة المحاماة مقلدهم ، وكنت اتكلم بصوت عال ، كنت تضحكين قائلة : تعلم حفظ القرآن قبل المحاماة ، وتعاليم الدين قبل العلوم الدنيوية ، لكي تصبح عضوا نافعا في بناء المجتمع. كنت اسمع منك تلك الكلمات وأتباهى بها ، الا اني ما كنت افهم معناها العميق. كنت تقرئين وتفهمين ، غير اني كنت اردد قولك كببغاء ، لذا كان البون شاسعا بيني وبينك يا اختي الوفية .
سنة الله اقتضت ان تنفصلين عنا ، وتذهبين الى عش الحياة الزوجية ، وتركت فراغا كبيرا في البيت ، الا ان روحك بقيت معنا يا ام محمد.
دار الزمن دورته ، وبعد وفاة والدي رحمة الله عليه بسنتين ، وبأمر من الوالدة ، غادرنا موطن ذكرياتنا ومرتع طفولتنا وأحلامنا. غادرنا عش طفولتنا ، مودعين البيت الكبير وحديقته ، غادرنا الرخاء الى عالم الفاقة ، الى مسقط رأس والدتي ، لنسكن بيتا بسيطا والذي يقع في افقر احياء المدينة ، والعائد لجدتي ، ولنسكن معها ، انا و اخي الصغير والوالدة ، لنعيش فقراء في بيت اكلت منه السنون ، وكان يبدو لنا كئيبا ، ورضينا بكفاف العيش ، اسوة بغيرنا من المعذبين في الارض. كتمنا سرنا عن اقربائنا ، بل كتمنا سرنا حتى عنك لفترة من الزمن يا اختي العزيزة.
في هذا البيت تذكرت زينب الفقيرة ، وشعرت اكثر بوحشية قسوتي ، وما زال ضميري يؤنبني ، بل وما زلت اتذكر تصرفي اللا انساني مع زينب.
كم كان يدفعني الشوق الى رؤية الوالدة العزيزة ، ورؤيتك انت يا اختي ، الا اني علمت ان صاروخا قد سقط على البيت وانهى احلامي.
فقدت ولديك ، وفقدتك انا ، واندثرت سعادة الطفولة ، وتحولت اغاريدالطيور ، الى جنازير الدبابات ، والعربات المدرعة. وخرير المياه ، الى عويل الامهات ، وصراخ الاطفال المرعوبة. وأريج الازهار ، الى رائحة جثث الشهداء من شيوخ ونساء وأطفال.
كل شيء قد تغير ، الا ان صورتك مازالت ماثلة امامي ، وحبك مازال يضلل حياتي ، رحمة الله عليك يا ام محمد وكمال وفخري.
ابن العراق الجريح : صلاح الدين سلطان
على بساط ذكرياتي ، وددت أن انقش ما يجول في خاطري عن ماض تلاشى ولم يبق منه سوى الذكريات. عن ماض اندثر ولسوف لا ولن يعود ، وعن عهد ما زال يظلل جزء مهما من حياتي ، مع علمي أن قطار الحياة لا يرجع ثانية الى المحطة التي قد تركها وراءه. نعم لا يرجع الابذكريات أحلامه ، حلوها ومرها.
ما زلت اتذكر تلك الايام التي كنا نلعب فيها ونحن اطفال في بستاننا الجميل ، بل ما زالت اغاريد الطيور ممزوجة بخريرالمياه ترن في مسمعي ، بل وما زلت اشم أريج الازهار بألوانها الجميلة وكأنها تعيش معي يا اختي العزيزة.
كنت اصغر منك بستة سنوات ، الا اني كنت اراك عملاقة في الايمان ، والعلم والمعرفة.
كنت انتظر رجوعك ، بفارغ الصبر من المدرسة ، لتعلميني الاناشيد الوطنية ، لانشدها أمام والدي فخورا ، لكي يثني علي بالمديح ، لان كلماته ، كانت وساما أتحلى به في كل مكان.
كنت انافسك في كل شئ ، لاني الولد الكبير المدلل ،الا أني كنت اجد نفسي عاجزا امام ايمانك ، وعلمك ، لانك كنت المعلمة الحقيقية لي. كنت اسير بهدى رشدك ، انت التي كنت تعتزين بكتاب الله الكريم. اذ كنت اجلس بجانبك خاشعا ، لأسمع تجويدك يا اختي الوفية.
كنت تعلميني حفظ القرآن ، وكنت بكل شغف اتقبل دروسك ، وفعلا نجحت في مسعاك ، حيث حفظت اكثر من نصف جزء عمَ . وكم كنت اشعر باعتزاز امام والديَ عندما اقرأ لهما ما كنت قد تعلمته منك ، اذ كنت اريهم والفضل يعود لك باني لست اقل منك شأنا.
اتذكر يوما ، كنا نلعب كعادتنا في البستان ، وبراءة الطفولة مشرقة في سماء نقاوتنا . كنا نلعب مع الاشجار ، مع الورود ، مع المطر ، مع الشمس ، مع كل شئ في الطبيعة. كنت اخفي نفسي بين اوراق الاشجار ، وانت تفتشين عني ، وعندما تجديني ، يتعالى الصياح المصحوب ببراءة طفولتنا ، وكم من مرة ، كانت الوالدة تاتي مسرعة ، ظانة ان شيئا قد حدث لنا ، وكنا نقابلها بالضحك ، اذ يزداد سرورنا برؤيتها يا اختي.
اتذكر يوما ماطرا ، وكنا كعادتنا نلعب في البستان ، و نالتني كفك بقسوة لسبب لا اذكره ، وكنت انظر اليك باكيا ، وقد اندمجت دموعي بقطرات المطر ، وكانت تسيل على خدي ممزوجة بنوع من الحب والحنان ، ومن خلالها كنت انظر اليك بعاطفة الاخوة ، كعقاب على عملك ، وكنت تنظريني بألم محفوف بنوع من الندم ، فوجدتك تأتين الي نادمة باكية ، وتقبليني معتذرة ، فأزداد بكاء لألمي عليك ، وكان بكاؤك يزداد عطفا عليَ ، فامتزجت دموعي بدموعك ، كما امتزج لهيب حناني بنقاوةعطفك ، وبعد قليل صرنا نضحك وكأن شيئا لم يكن .
ما زلت يا اختي اتذكر ذلك اليوم ، عندما تسللت طفلة فقيرة الى بستاننا خلسة ، وقد جمعت ما امكنها من التفاح ، والخوخ ، والتين ، والرمان. فهجمت عليها كالوحش ، فهربت خائفة ، تاركة وراءها ، كل ما كانت قد جمعته ، و ما كانت تحلم به المسكينة.
جئت الي غاضبة ، موبخة اياي على عملي المشين قائلة : اين ايمانك يا قاسي ، وما اكتفيت بهذا ، و انما ذهبت وأخبرتي الوالد ، فوبخني على عملي ، ولا انسى قوله لنا: ان هذا الرزق من الله ، وعلينا ان لا نبخل ونحرم الاخرين من طيبات ما اعطانا الله ، وأدركت يا اختي انك كنت على حق ، وان تصرفي حقا كان لا يخلو من قسوة ، وبخل ، و انانية. وعلى اثرها ، ذهبت بصحبتك الى بيت الطفلة ، نحمل طبقا كبيرا من اجود الفواكه ، وقدمناه هدية لها مع اعتذارنا ، وكم فرحت زينب بقولك عندما قلت لها: من حقك يا اختي زينب ان تدخلي والوالدة البستان ، فأهلا بكما في أي وقت ، لأنه ملك الله لنا جميعا ، ومنذ ذلك اليوم ، اصبحت زينب اختنا ، وأمها بمرتبة امنا ، وكنت دوما الوم نفسي خجلا على ما بدى مني ، من تصرف لا انساني ، وصارلي درسا لا انساه ، وكل هذا كان بفضل الوالدين ، وفضلك يا اختي المؤمنة .
كم من مرات كنت البس عباءة المحاماة مقلدهم ، وكنت اتكلم بصوت عال ، كنت تضحكين قائلة : تعلم حفظ القرآن قبل المحاماة ، وتعاليم الدين قبل العلوم الدنيوية ، لكي تصبح عضوا نافعا في بناء المجتمع. كنت اسمع منك تلك الكلمات وأتباهى بها ، الا اني ما كنت افهم معناها العميق. كنت تقرئين وتفهمين ، غير اني كنت اردد قولك كببغاء ، لذا كان البون شاسعا بيني وبينك يا اختي الوفية .
سنة الله اقتضت ان تنفصلين عنا ، وتذهبين الى عش الحياة الزوجية ، وتركت فراغا كبيرا في البيت ، الا ان روحك بقيت معنا يا ام محمد.
دار الزمن دورته ، وبعد وفاة والدي رحمة الله عليه بسنتين ، وبأمر من الوالدة ، غادرنا موطن ذكرياتنا ومرتع طفولتنا وأحلامنا. غادرنا عش طفولتنا ، مودعين البيت الكبير وحديقته ، غادرنا الرخاء الى عالم الفاقة ، الى مسقط رأس والدتي ، لنسكن بيتا بسيطا والذي يقع في افقر احياء المدينة ، والعائد لجدتي ، ولنسكن معها ، انا و اخي الصغير والوالدة ، لنعيش فقراء في بيت اكلت منه السنون ، وكان يبدو لنا كئيبا ، ورضينا بكفاف العيش ، اسوة بغيرنا من المعذبين في الارض. كتمنا سرنا عن اقربائنا ، بل كتمنا سرنا حتى عنك لفترة من الزمن يا اختي العزيزة.
في هذا البيت تذكرت زينب الفقيرة ، وشعرت اكثر بوحشية قسوتي ، وما زال ضميري يؤنبني ، بل وما زلت اتذكر تصرفي اللا انساني مع زينب.
كم كان يدفعني الشوق الى رؤية الوالدة العزيزة ، ورؤيتك انت يا اختي ، الا اني علمت ان صاروخا قد سقط على البيت وانهى احلامي.
فقدت ولديك ، وفقدتك انا ، واندثرت سعادة الطفولة ، وتحولت اغاريدالطيور ، الى جنازير الدبابات ، والعربات المدرعة. وخرير المياه ، الى عويل الامهات ، وصراخ الاطفال المرعوبة. وأريج الازهار ، الى رائحة جثث الشهداء من شيوخ ونساء وأطفال.
كل شيء قد تغير ، الا ان صورتك مازالت ماثلة امامي ، وحبك مازال يضلل حياتي ، رحمة الله عليك يا ام محمد وكمال وفخري.
ابن العراق الجريح : صلاح الدين سلطان