صلاح الدين سلطان
04-21-2015, 02:57 PM
( لا اطخه ولا تفلع مخه )
المثل العراقي يقول ( لا اطخه ولا تفلع مخه ) اعني لا تلمسه بحيث لا يشعر ، ولا تضربه بحيث تحطمه تماما. اعني خير الامور اوسطها.
قرأت موضوعاً نشر في منتدى خليجي بعنوان( فضيحة كبرى .. المخرج المصري يوسف شاهين يكره .. ) وقرأت تعليقات القراء ، والتي تغلبت عليها العاطفة ، وابتعدت عن الحقيقة.
هناك من انزله الى الحضيض ، وهناك من رأف به ، ومنهم من قال انه لبناني ، و الاخر قال مصري ، ويوناني ، ومنهم من لعنه ، ومنهم من طعنه ظلما وعدوانا ، وابتعدوا عن جوهر الحقيقة ، نتيجة الانسياق للعواطف لا اكثر. لذا وجدت جو النقد تعلوه العاطفة ، وفيه نوع من التطرف العفوي ، الذي يبعدنا عن الحقيقة ، مما حداني ان اكتب هذا الموضوع ، انصافا بالمخرج العربي الراحل ، يوسف شاهين.
اتذكر في احدى المهرجانات العالمية ، التقيت بالمخرج يوسف شاهين ، وجرى بيني وبينه حديث عام ، يتعلق بالفن السينمائي ، ورجاني أن اشاهد فلمه (( الكسندريا ليه )) والذي سيعرض في اليوم الثاني من لقائنا.
وبناء على موعد بيننا ، تم لقاؤنا في قاعة السينما ، وشاهدنا الفلم سوية. بعد انتهاء الفلم جلسنا في مقهى المهرجان وكان متشوقا ليسمع رأيي في فلمه.
كنت صريحا معه ، وكان معي صريحا. وتوقعت فوز فلمه لأسباب كثيرة منها ، الصراع المبطن بين الكتلتين الرأسمالية ، والاشتراكية. كل منهما يريد أن يكسب اكبر عدد من دول العالم الثالث لجانبه. غير ان شاهين ، كان يخالفني بالرأي ، ويبدو عليه التشاؤم ، ويشك بالفوز ، لعدم حيادية هيئة التحكيم.
قبل ان نفترق طلب مني ان نلتقي مرة اخرى ، فوعدته خيرا.
كنت احد المدعوين في حفلة توزيع الجوائز ، وسررت بفوزه ، كوجه عربي ، متحديا الاعلام الصهيوني ، والعاملين تحت لوائه ، ودون ان اعير اهتماما الى افكاره ، ومعتقداته ، وأموره الخاصة ، لان مصالح الافراد تذوب امام مصالح الامة.
بعد انتهاء الحفل ، رجاني ان اقبل دعوته الى طعام العشاء ، بمناسبة فوزه ، وليتسنى لنا ان نكمل حديثنا السابق ، والذي يتعلق بفن السينما ، و من جهة اخرى ، يود ان يسمع رأيي في انتاجه السينمائي المقبل ، والذي قد خطط له نظريا. وافقت بشرط ان يكون هو ضيفي ، الا انه رفض بشدة ، وأصر على رأيه بحجة فوزه. استجبت لطلبه ، واتفقنا على موعد في احدى المطاعم المعروفة في المدينة ، والتي اختارها هو بنفسه.
ذهبت وحسب الموعد ، فوجدته جالسا لوحده ، وقد حجز مكانا مرموقا ، مع اني لا احب فخفخة الاماكن ، لأنها تخلو من الحياة أحيانا ، وأميل بطبعي الى الاماكن الشعبية الخالية من التصنع ، والمشبعة بواقع الحياة ، لأنها تذكرني بعهدين من حياتي : عهد الرفاهية ، وعهد الفقر ، والحرمان في صباي .
جلسنا نتحدث وقال : ممثلة انكليزية معروفة ، تود ان تسمع حديثنا ، وتشاركنا الحديث ، فهل من مانع ؟ في الحقيقة نسيت اسمها ههههههه فأجبته طبعا لا. اتصل بها هاتفيا ، وبعد وقت قليل وجدناها تحيينا بحرارة.
يوسف شاهين كان كريما وحاتميا جدا في دعوته ، والمائدة كانت تزخر بانواع الاطعمة القريبة الى الذوق العربي ، ولا ابالغ ان قلت ان الطعام الذي على المائدة ، كان يكفي لأكثر من عشرة اشخاص ، أي كان سخيا جدا جدا.
طلبت عصيرا ، ومراعاة لمشاعري شرب عصيرا ، والممثلة الانكليزية كذلك ، مع اني طلبت منهما ان لا يتقيدا بي ، كل يشرب بحريته ما يرغب.
تناولنا طعام العشاء سوية ، وبعدها كان حديثنا حول السينما العربية ، والانكليزية من خلال الافلام التي رايتها في الماضي ، والحاضر. ابدى كل رأيه بكل صراحة.
في ساعة متأخرة من الليل ، ودعتنا الممثلة الانكليزية ، وبقينا سوية نتحدث بأمور كثيرة ، شعر ، فن ، سياسة ، و حدثني عن اموره الشخصية بنوع من الالم.
الغريب بالأمر ، فوجئنا أن جلستنا استغرقت ساعات دون ان نشعر! أي من من الساعة السابعة مساء ، والى الثالثة والنصف صباحا !!!!
بناء على ما تقدم ، اود أن اقول وبكل صراحة : كانت جلسة غريبة ، وممتعة ، مع ابن الاسكندرية ، يوسف شاهين ، وكشف لي فيها عن خوالج نفسه ، بحيث خرجت بهذه الفكرة عن المخرج المصري النابغ ، دون تحيز او مبالغة :
يوسف شاهين مصري من الاسكندرية ، وأبوه مسيحي كاثوليكي من لبنان ، وأمه من اصول يونانية . ولد في الاسكندرية ، ونشأ فيها ، وليس من رواد الكنيسة الا انه لا يخلو من ايمان بدينه. مثقف ، طموح ، وثائر على كل شيء ، وحتى على نفسه. يشعر دائما ومن خلال حديثي الطويل معه ، ان حقه مغبون ، وانه محارب من كل الجهات.
يختلف مع الشيوعيين ، ومع القوميين ، بل مع كل الاتجاهات الاخرى . وحتى مع نفسه.
ذكي وغير سعيد ، ولا تخلو اعماقه من الام.طموحاته كثيرة ، ومن لا يفهمه جيدا ، يعتقد انه يغالي فيها. وما يؤسف لم تساعده الظروف لتحقيق كل ما يصبو اليه هذا العبقري المتحرر.
شعرت ولمست خلال الجلسة الطويلة ، والتي مرت بسرعة البرق ، أن هناك أمور سياسية ، وعقائدية ، واقتصادية ، تعصره كل يوم دون أن يشعر بها احد. قال لي حرفيا وبألم : انا ألاقي يا صلاح ضغوطا لا يعرف بها غيري. لمست أنه في صراع نفسي ، وقد كتم أّلامه لأقرب الناس اليه. الكثير من الجهات غير راضية عنه لصراحته.
يوسف شاهين مثقف ، ثائر على كل شيء ، وحتى على نفسه. يشعر دائما ومن خلال حديثي الطويل معه ، ان حقه مغبون وانه محارب من كل الجهات.
من يتفهمه سيجد نفسه أمام فنان مبدع ، ومواطن وفي ، يحب وطنه ، وشعبه ، ويفتخر بعروبته.
ابن العراق الجريح : صلاح الدين سلطان
المثل العراقي يقول ( لا اطخه ولا تفلع مخه ) اعني لا تلمسه بحيث لا يشعر ، ولا تضربه بحيث تحطمه تماما. اعني خير الامور اوسطها.
قرأت موضوعاً نشر في منتدى خليجي بعنوان( فضيحة كبرى .. المخرج المصري يوسف شاهين يكره .. ) وقرأت تعليقات القراء ، والتي تغلبت عليها العاطفة ، وابتعدت عن الحقيقة.
هناك من انزله الى الحضيض ، وهناك من رأف به ، ومنهم من قال انه لبناني ، و الاخر قال مصري ، ويوناني ، ومنهم من لعنه ، ومنهم من طعنه ظلما وعدوانا ، وابتعدوا عن جوهر الحقيقة ، نتيجة الانسياق للعواطف لا اكثر. لذا وجدت جو النقد تعلوه العاطفة ، وفيه نوع من التطرف العفوي ، الذي يبعدنا عن الحقيقة ، مما حداني ان اكتب هذا الموضوع ، انصافا بالمخرج العربي الراحل ، يوسف شاهين.
اتذكر في احدى المهرجانات العالمية ، التقيت بالمخرج يوسف شاهين ، وجرى بيني وبينه حديث عام ، يتعلق بالفن السينمائي ، ورجاني أن اشاهد فلمه (( الكسندريا ليه )) والذي سيعرض في اليوم الثاني من لقائنا.
وبناء على موعد بيننا ، تم لقاؤنا في قاعة السينما ، وشاهدنا الفلم سوية. بعد انتهاء الفلم جلسنا في مقهى المهرجان وكان متشوقا ليسمع رأيي في فلمه.
كنت صريحا معه ، وكان معي صريحا. وتوقعت فوز فلمه لأسباب كثيرة منها ، الصراع المبطن بين الكتلتين الرأسمالية ، والاشتراكية. كل منهما يريد أن يكسب اكبر عدد من دول العالم الثالث لجانبه. غير ان شاهين ، كان يخالفني بالرأي ، ويبدو عليه التشاؤم ، ويشك بالفوز ، لعدم حيادية هيئة التحكيم.
قبل ان نفترق طلب مني ان نلتقي مرة اخرى ، فوعدته خيرا.
كنت احد المدعوين في حفلة توزيع الجوائز ، وسررت بفوزه ، كوجه عربي ، متحديا الاعلام الصهيوني ، والعاملين تحت لوائه ، ودون ان اعير اهتماما الى افكاره ، ومعتقداته ، وأموره الخاصة ، لان مصالح الافراد تذوب امام مصالح الامة.
بعد انتهاء الحفل ، رجاني ان اقبل دعوته الى طعام العشاء ، بمناسبة فوزه ، وليتسنى لنا ان نكمل حديثنا السابق ، والذي يتعلق بفن السينما ، و من جهة اخرى ، يود ان يسمع رأيي في انتاجه السينمائي المقبل ، والذي قد خطط له نظريا. وافقت بشرط ان يكون هو ضيفي ، الا انه رفض بشدة ، وأصر على رأيه بحجة فوزه. استجبت لطلبه ، واتفقنا على موعد في احدى المطاعم المعروفة في المدينة ، والتي اختارها هو بنفسه.
ذهبت وحسب الموعد ، فوجدته جالسا لوحده ، وقد حجز مكانا مرموقا ، مع اني لا احب فخفخة الاماكن ، لأنها تخلو من الحياة أحيانا ، وأميل بطبعي الى الاماكن الشعبية الخالية من التصنع ، والمشبعة بواقع الحياة ، لأنها تذكرني بعهدين من حياتي : عهد الرفاهية ، وعهد الفقر ، والحرمان في صباي .
جلسنا نتحدث وقال : ممثلة انكليزية معروفة ، تود ان تسمع حديثنا ، وتشاركنا الحديث ، فهل من مانع ؟ في الحقيقة نسيت اسمها ههههههه فأجبته طبعا لا. اتصل بها هاتفيا ، وبعد وقت قليل وجدناها تحيينا بحرارة.
يوسف شاهين كان كريما وحاتميا جدا في دعوته ، والمائدة كانت تزخر بانواع الاطعمة القريبة الى الذوق العربي ، ولا ابالغ ان قلت ان الطعام الذي على المائدة ، كان يكفي لأكثر من عشرة اشخاص ، أي كان سخيا جدا جدا.
طلبت عصيرا ، ومراعاة لمشاعري شرب عصيرا ، والممثلة الانكليزية كذلك ، مع اني طلبت منهما ان لا يتقيدا بي ، كل يشرب بحريته ما يرغب.
تناولنا طعام العشاء سوية ، وبعدها كان حديثنا حول السينما العربية ، والانكليزية من خلال الافلام التي رايتها في الماضي ، والحاضر. ابدى كل رأيه بكل صراحة.
في ساعة متأخرة من الليل ، ودعتنا الممثلة الانكليزية ، وبقينا سوية نتحدث بأمور كثيرة ، شعر ، فن ، سياسة ، و حدثني عن اموره الشخصية بنوع من الالم.
الغريب بالأمر ، فوجئنا أن جلستنا استغرقت ساعات دون ان نشعر! أي من من الساعة السابعة مساء ، والى الثالثة والنصف صباحا !!!!
بناء على ما تقدم ، اود أن اقول وبكل صراحة : كانت جلسة غريبة ، وممتعة ، مع ابن الاسكندرية ، يوسف شاهين ، وكشف لي فيها عن خوالج نفسه ، بحيث خرجت بهذه الفكرة عن المخرج المصري النابغ ، دون تحيز او مبالغة :
يوسف شاهين مصري من الاسكندرية ، وأبوه مسيحي كاثوليكي من لبنان ، وأمه من اصول يونانية . ولد في الاسكندرية ، ونشأ فيها ، وليس من رواد الكنيسة الا انه لا يخلو من ايمان بدينه. مثقف ، طموح ، وثائر على كل شيء ، وحتى على نفسه. يشعر دائما ومن خلال حديثي الطويل معه ، ان حقه مغبون ، وانه محارب من كل الجهات.
يختلف مع الشيوعيين ، ومع القوميين ، بل مع كل الاتجاهات الاخرى . وحتى مع نفسه.
ذكي وغير سعيد ، ولا تخلو اعماقه من الام.طموحاته كثيرة ، ومن لا يفهمه جيدا ، يعتقد انه يغالي فيها. وما يؤسف لم تساعده الظروف لتحقيق كل ما يصبو اليه هذا العبقري المتحرر.
شعرت ولمست خلال الجلسة الطويلة ، والتي مرت بسرعة البرق ، أن هناك أمور سياسية ، وعقائدية ، واقتصادية ، تعصره كل يوم دون أن يشعر بها احد. قال لي حرفيا وبألم : انا ألاقي يا صلاح ضغوطا لا يعرف بها غيري. لمست أنه في صراع نفسي ، وقد كتم أّلامه لأقرب الناس اليه. الكثير من الجهات غير راضية عنه لصراحته.
يوسف شاهين مثقف ، ثائر على كل شيء ، وحتى على نفسه. يشعر دائما ومن خلال حديثي الطويل معه ، ان حقه مغبون وانه محارب من كل الجهات.
من يتفهمه سيجد نفسه أمام فنان مبدع ، ومواطن وفي ، يحب وطنه ، وشعبه ، ويفتخر بعروبته.
ابن العراق الجريح : صلاح الدين سلطان