رياض محمد سليم حلايقه
12-22-2016, 06:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
جامعة وادي النيل
كلية العلوم الاسلامية والعربية
قسم اللغة العربية
النقد الأدبي القديم
إعداد : د . مرتضى بابكر الفاضلابي
النقد لغة :
النقد لغة : كلمة نقد من المشترك اللفظي الذي يحدد فيه معنى الكلمة بحسب موقعها من الجملة فالنقد يطلق على :
1ـ تمييز الدراهم ومعرفة الذائف منها فقد أنشد سيبويه قوله :
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة نفي الدراهم تنقاد الصياريف
2ـ ونقول نقدت فلان اي ناقشته .
3ـ ونقد الطائر الفخ بمنقاره ، اي نقره .
4ـ ونقد الطائر الحب ، أي التقطه حبة حبه .
5ـ ونقد الرجل الشيء بنظره ، أي اختلس النظر إليه .
6ـ ونقد رأسي باصبعي ، أي ضربته .
7ـ ونقدته الحية ، أي لدغته .
وجاء في حديث أبو الدرداء : " إن نقدت الناس نقدوك ، وإن تركتهم تركوك " .
النقد اصطلاحا :
هو تحليل القطعة الادبية وبيان قيمتها الفنية .
ولم تأخذ هذه الكلمة المعنى الصطلاحي لها غلا في العصر العباسي ، ويشمل التحليل دراسة النص دراسة شاملة تقوم على التفسير والموازنة لياتي الحكم عليها ببيان قيمتها الفنية .
مر النقد في بدايته بعدة مراحل إلى أن وصل إلى التعريف السابق :
المرحلة الاولى : أول ما استعمل فيه كلمة نقد كانت بمعنى تمييز الدراهم لمعرفة جيدها من رديئها ، وتلك مهارت يختص بها الصيارفة .
المرحلة الثانية : ثم انتقلت كلمة نقد إلى نقد اخلاق الناس وعاداتهم وبيان ما يتحلون به من كريم صفات وما يعاب على سلوكياتهم ، ولذلك قالوا : " إن نقدت الناس نقدوك وإن تركتهم تركوك .
المرحلة الثالثة : اتسع مدلول كلمة نقد فشمل الشعر والنثر .
بداية النقد :
ليس هنالك تاريخ محدد لبداية النقد وذلك لان بداية النقد هي بداية الشعر نفسه وبداية الشعر مجهولة ، والنقد والشعر متلازمان .
اولا : النقد في العصر الجاهلي :
اعتمد النقاد في اصدارهم الاحكام النقدي في لالعصر الجاهلي على ما فطروا عليه من قوة حس وشدة ادراك . فكانوا يصدرون احكامهم النقدية على البيت والبيتين أو على القصيدة كاملة او على جملة شعر الشاعر .
من ذلك نقد طرفه بن العبد لخاله المتلمس حينما سمعه ينشد قوله :
وقد تناسى الهم عند احتضاره *** بناج عليـــه الصيعـــــرية مكـــــدم
فقال طرفه ـ وكان حينها صبيا صغيراً ـ : استنوق الجمل وذلك أن الصيعرية سمة
تكون على عنق الناقة لا البعير .
وحينما انشد علقمة قصيدته التي يقول في مطلعها :
هل ما علمت واستودعت مكتوم *** ام حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
قال عنها النقاد : " هذه سمط الدهر " والسمط : هو القلادة التي يتزين بها .
ومن نقدهم على جملة شعر الشاعر قولهم في وصف شعر زهير ابن ابي سلمى : " خير الشعر الحولي المنقح " فقد كانوا يطلقون على شعر زهير اسم الحوليات .
انواع النقد في العصر الجاهلي :
كان هنالك نوعين من انواع النقد في العصر الجاهلي :
1ـ النقد الذاتي : وهو النقد الذي يمارس فيه الشاعر الوانا من المراجعات الفنية على قصيدته قبل أن يتطلع عليها الناس كما كان يفعل الشاعر زهير ابن أبي سلمى والذي سميت قصائده باسم الحوليات حيث انه ما كان يعرض قصيدتع على الناس الا بعد عام كامل .
2ـ النقد الموضوعي : وهو النقد الذي يقوم به الاخرون دون تعصب ولا تحيز .
ونورد هنا مثالين من امثلة النقد الموضوعي الذي كان سائدا في ذلك العصر .
أ ـ حكومة أم جندب .
اختلف امرؤ القيس وعلقمى حوا ايهم اشعر فاحتكوا إلى أم جندب زوجة امرؤ القيس . فقالت لهم :" فليصف كا منكما فرسه فايكم أجاد فهو الاشعر " .
فقال امرؤ القيس :
خليلي عوجا بي على أم جندب *** لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
وقال علقمة :
ذهبتي من الهجران كل مذهب *** ولم يكن حقا كل هذا التجنب
واستمروا في الانشاد إلى أن وصل امرؤ القيس إلأى قوله :
فاللزجر الهوب وللساق درة *** وللسوط منه وقع اهوج منعب
وقال علقمة :
فادركتهـــــم ثانيــا من عنـــــانه *** يمـــر كمـــر الرائــح المتحلــــب
فقالت أم جندب مخاطبة امرؤ القيس : " فرس علقمة اجود من فرسك لانك زجرته وضربته وحركت قدميك " .
فغضب امرؤ القيس وقال لها : " والله ما هو باشعر مني ولكنك له وامق " أي محبه " فطلقها وخلفها عليه علقمة فقيل له علقمة الفحل .
ب ـ حكومة النابغة الذبياني .
اجتمع الاعشى وحسان بن ثابت والخنساء امام النابغة الذبياني الذي كانت تضرب له قبة من الجلد في سوق عكاظ فياتي الشعراء وينشدون امامهم اشعارهم ويصاحب ذلك الانشاد عملية نقدية تبين مواطن القوة ومواطن الضعف ، فاختلف الشعراء الثلاثة في أيهم اشعر فحتكموا إلى النابغة فانشده الاعشى قصيدته التي مطلعها "
ما بكاء الكبير بالاطلال *** وسؤالي وما ترد سؤالي
وانشدته الخنساء قصيدتها في رثاء اخاها صخر والتي مطلعاها :
غـــــزاً بعينيـــــــك ام بالعين عــــــوار *** أم ذرفت مذ خلت من اهاله الدار
فقال لها لولا أنه انشدني قبلك أبا بصير " وهي كنية الاعشى " لقلت أنك أشعر الجن والانس " .
ثم أنشده حسان بن ثابت قصيدته :
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى *** واسيافنا يقطـــــــــرنا من نجـــــدة دم
ولدنـــــا بنــــي العنقـــــاء وابنــــي محــــــــــرق *** فاكــــرم بنا خال واكـــــرم بنا ابنما
ففضل الابغة عليع الاعشى ثم الخنساء ، فغضب حسان وقال له :" والله لأنا أشعر منك ومن ألبيك ومن جدك " .
فقال النابغة : " يا ابن اخي إنك لا تحسن أن تقول :
وإنك كالليل الذي هو مدركي *** وإن خلا أن المنتأى عنك واسع
ثم بين له سبب تفضيله للاعشى والخنساء عليه فقال له : " انت شاعر لولا أنك قد اقللت جفانك واسيفك وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك " .
ثانيا : النقد في صدر الاسلام .
عصر صدر الإسلام هو الفترة الممتدة منذ البعثة النبوية إلى نهاية فترة الخلفاء الراشدين ( على بن أبي طالب) . اتجه النقد في صدر الاسلام إلى المضمون الذي تحمله الابيات الشعرية ومدى مسايرته لما جاء به الاسلام ، واتسم بلدقة والتعليل .
كان من الطبيعي أن يقل اهتمام الناس بالشعر في تلك الفترة بسبب انشغالهم بالدين الجديد (الإسلام ) والقرآن الكريم الذي أُنزل على النبي (ص) فصيحاً متحدياً العرب فيما بغوا فيه وهو الفصاحة والبيان . وننظر إلى النقد في تلك الفترة من خلال شخصيتين : الأولى
اولا : الرسول (ص ) .
ولكن بالرغم من ذلك نجد أن العرب لم ينصرفوا كليةً عن غرض الشعر ، بل ما زال الكثيرين منهم يهتمون بالشعر قديمه ومعاصره ، مستعينين به في دعم المبادئ الجديدة التي جاء بها الإسلام . وعليه كثيراً ما دعا النبي (ص) صحابته من الشعراء كحسان بن ثابت أن يتخذ من الشعر وسيلة دفاع عن الإسلام والمسلمين والنبي (ص) ، وذلك لأن قريش ومن حالفها من العرب المعارضين الإسلام في سنيه الأولى ، كانوا يستخدمون الشعر والشعراء في هجاء النبي (ص) وصحابته والإسلام الأمر الذي جعل النبي يدعو حسان بقوله ( أهجهم ورح القدس معك ).
وعليه نقول أن النبي (ص) كان يؤيد قول نوع معين من الشعر ، ذاك الشعر الذي يدعو إلى المبادئ التي جاء بها الإسلامأو يبتعد عن الكفر والشر وعبادة الأوثان ، والعصبية وغيرها من موبقات الجاهلية . وكان النبي(ص) في كثير من الأحيان يطلب من أصحابه أن ينشدوه بعض ما يحفظون من شعر وكان يستحسن بعضه ، ويستهجن بعضه اعتماداً على دقة تذوقه ، بل وحدث أن عرض آراءه النقدية المتمثلة في تغيير بعض الصيغ لتتوافق مع مبادئ الإسلام
هذا بجانب أن مسألة تذوق الشعر كواحد من الفنون القولية ما زالت موجودة في نفوس المسلمين ، والدليل على ذلك هو :
1 ـقصة إسلام كعب بن زهير المشهور . التي فيها أنه حدث أن قام كعب بن زهير بإنشاد شعر ( قصيدة) هجا فيها النبي(ص) والإسلام والمسلمين ، ووجدت القصيدة رواجاً بين الكفار حتى وصلت النبي(ص) ، فأثرت معانيها على نفس النبي (ص) لدرجة أنها أثارت غضبه فأهدر دم قائلها( كعب بن زهير) ولما بلغ الخبرُ كعب ، خاف على نفسه وبدأ يستجدي الصحابة في التوسط بينه وبين النبي ليقبل اعتذاره ، ولم يجد منهم أذناً صاغية ، وبعد جهد جهيد استعان بأبي بكر أقرب الناس للنبي(ص) ، فنصحه أبو بكر أن يدخل على النبي ويعتذر له مباشرة . فتلثم ودخل علي النبي(ص) المسجد ، ومن ثم بدأ ينشد قصيدته المشهور التي مطلعها
بانت سعادُ فقلبي اليومَ متبولٌ*** مُتيَّمٌ اثرُها ولم يُفْدَ مقبُـــولُ
واستمر في الإنشاد حتى وصل إلى قوله :
إنَّ الرَسُولَ لنورٍ يُستضَاءُ به*** مُهنَّدٌ مِنْ سيوفِ اللهِ مسلولُ
عندها لم يعفُ عنه النبي (ص) فحسب بل خلع عليه بردته استحساناً لما قال من معاني غاية الروعة وكان لها الأثر الأعمق في نفس النبي
القصة تشير إلى تذوق النبي (ص) للشعر ، وهناك مواقف كثيرة تشير إلى ذلك منها2 ـ سمع النبي(ص) من كعب بن مالك قوله :
مجالدنا عن جذمنا كل فخمةٍ*** مدربةٌ فيها الفــــوانس تلمـــعُ
فقال النبي (ص) نقداً له : لا تقل عن جذمن وقل عن ديننا ، ثم قال له النبي(ص) أيصح أن تقولَ " مجالدنا عن ديننا كل فخمة ؟ قال كعب : نعم . قال له :فهو أحسن . ويفرح كعب بهذه الملاحظة القيمة الصادرة من خير البشر أجمعين ، ويتيه على الشعراء بعد ذلك قائلاً: ما أعان رسول الله أحداً في شعره غيري .
3 ـكما نشير إلى أن النبي(ص) قد نقد قصيدة كعب التي اعتذر فيها له ، والتي مطلعها ( بانت سعاد) إذ قال كعب :
إنَّ الرَسُولَ لنورٍ يُستضَاءُ به*** مُهنَّدٌ مِنْ سيوفِ الهندِ مسلولُ
فعدل النبي قوله إلى:
إنَّ الرَسُولَ لنورٍ يُستضَاءُ به*** مُهنَّدٌ مِنْ سيوفِ اللهِ مسلولُ
4 ـ قال ابن حبيب أنشدت رسول الله (ص) قول سحيم عبد بني الحسحاس قوله:
الحمد لله حمداً لا نقطع له*** فليس إحسانه عنا بمقطوع
علق النبي(ص) على ذلك القول بقوله : أحسن وصدق ، وإن الله ليشكر مثل هذا وإن سدد وقارب ، وإنه لمن أهل الجنة.
5 ـ لم يستحسن النبي(ص) شعر الإسلاميين فقط بعد تعداه إلى شعر الجاهليين الذي يتفع مع بعض المبادئ التي جاء بها الإسلام ، وحين أنشده بعض من صحابته قول سويد بن عامر
لا تأمنن إن أمسيت في حرم*** إن المنايا بجنبي كل إنسانِ
فكل ذي صاحبٍ يوماً يفارقـه*** وكـــل زادٍ وإن أبقيتـــه فــــــــــانِ
قال الرسول(ص) عند سماعه القول السابق : لو أدرك هذا الإسلام لأسلم.
6 ـ استحسانه وإعجابه الشديد بقيم عفة النفس والقناعة وترك الخضوع لشهوات البطن التي صورها عنترة بن شداد في قوله :
ولقد أبيت على الطوى وأظله*** حتى أنال به كريم المأكل
وقد قال ما وصف لي إعرابي قط فأحببت أنأراه إلا عنترة
المواقف السابقة تشير إلى عدة أمور منها أن الشعر ما زال يتملك أحاسيس الناس في صدر الإسلام برغم انصراف الكثيرين عنه وانشغالهم بالدعوة الإسلامية . كما تشير من ناحية أخرى أن النبي بتوجيهه للشعراء وحكمه على بعضهم . وتعديل بعض طرائق تعبيرهم يكون قد خطَّ مبادئ عامة من شأنها أن تنقل الشعر الجاهلي إلى إسلامي يعبر عن روح وقيم الإسلام ، ينبذ العصبية والكفر وعبادة الأوثان .
ثانيا : عمر بن الخطاب.
كان من أكثر الناس حفظاً للشعر ، وقال عنه ابن سلام أنه يكاد لا يُعرض عليه أمراً إلا وأنشد فيه بيتاً من الشعرِ . والقصص التالية تشير إلى ذلك:
1 ـ دار حوار بين عمر بن الخطاب وابن عباس ذات ليلة
- عمر: أنشدني لشاعر الشعراء
- ابن عباس: ومن هو يا أمير المؤمنين؟
- عمر : ابن أبي سلمى
- ابن عباس: وبما صار كذلك ؟
- عمر لأنه لا يتبع حوشي الكلام ، ولا يُعاظل في المنطق ، ولا يوقل إلا ما يعرف ، ولا يمدح الرجل إلا بما يكون فيه أليس هو الذي يقول :
ابتدرت قيس بن عيلان غايةً*** من المجـــــــد يسبق إليها يســـــود
سبقت إليهــــا كــــل طلــــق مبرز*** سبوق إلى الغايات غير مجلد
فأنشده بن عباس من شعر ابن ابي سلمى حتى برق الفجرُ.
ونستخلص من القصةِ أن نقد عمر بن الخطاب قام على الموضوعية التي قامت على تحديد أسباب رئيسة في الكلام تصلح أساساً يُعتمد في الأحكام ، وتعد قاعدة ومعياراً يقوم عليه الشعر ، ففي أسبابه نظرات لمكونات النص الشعري مثل نظرته إلى الألفاظ( إذ وصف ألفاظ زهير بن أبي سلمى بالسماحة والالفة ) ، والأساليب ( وصف أسلوب زهير بالوضوح والجمال والسلاسة والخلو من التقعيد والتراكيب الوعرة) والمعاني ( وصف معاني ابن ابي سلمى بالصدق ، والبعد عن الإفراض والغلو) ،
وهو ما دعا إليه النبي(ص) من قبل.
ففي وصف عمر السابق لشعر زهير أساس انبنى عليه النقد الأدبي حتى عصر الجرجاني.
2 ـ كان عمر بن الخطاب يكثر من ترديد بيت زهير الذي يقول فيه :
فإن الحق مقطعه ثلاث*** يمين أو نفار أو جلاء
ويقول عمر عند ترديد البيت "لو ادركت زهيراً لوليته القضاء لمعرفته "
إذ ورد في البيت اليمين (القسم) ونفار أي المنافرة إلى حاكم يقطع بالبينات ،وجلاء وهو البرهان البيِّن الذي يجلو به الحق
3 ـ حديثه مع بعض ولد هرم بن سنان
- عمر : أنشدني ما قال فيكم زهير
" فلما أنشده بعض من شعر زهير"
- عمر : لقد كان يقوم فيكم فيحسن
- ولد هرم: يا أمير المؤمنين كذلك كنا نعطيه فنجزل
- عمر : ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم
4 ـ وفد إليه جماعة من غطفان ، فأنشدهم مجموعة أبيات أولها :
حلفت ولـــــــــم أترك لنفســـــك ريبةً*** وليس وراء الله للمــــــرء مذهــــــب
لأن كنت قد بلغت عني حياتي*** لمبلغك الواشـــــي أغش وأكــــذب
ولســـــــت بمستبق أخــــاً لا تلمــــــه*** على شعث أي الرجال المهذب
فسألهم من القائل ، فأجابوا النابغة.
ثم أنشد:
أتيت عارياً خلقاً ثيابـــــي*** على خوف تظن بي الظنون
فألفيت الأمانة لم تخنها*** كذلك كــــــان نوح لا يخـــــــــــــون
فسألهم من القائل ؟ قالوا النابغة
ثم أنشدهم:
ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه*** ولا أحاشي من الأقوامِ من أحــدٍ
إلا سليمـــــــــان إذ قـــــال الاله لــــــــه*** قم في البرية فأحددها عن الفند
وخبِّر الجن إني قد اذنت لهـــــم*** يبنون تدمر بالصفاح العمـــــــــــد
فسألهم من القائل ؟ فأجابوا النابغة . عندها قال : هو أشعر شعرائكم ، وفي رواية أخرى هو أشعر العربِ .
5 ـ يروي ابن سلام أن الخليفة عمر بن الخطاب كان يثيب الشعراء على شعرهم الذي يُعجب به وأنه حين أنشده الشاعر سحيم بن عبد بني الحسحاس شعره الذي يقول فيه:
عميرة ودّع إن تجهزت غازيا*** كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
قال له عمر: " لو قلت شعرك كله مثل هذا لأعطيتك عليه ." وفي رواية أخرى قيل أن عمر قال " لو أنك قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك"
6 ـ وأيضاً كما كان النبي كان عمر يستهجن المبالغة في الشعر كان كذلك عمر ، لأن المبالغة تخرج بالشعر عن حد الاعتدال
من ذلك قول عمر بن الخطاب : " أنشدوني إلى أشعر شعرائكم ، قالوا من هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : زهير أبن أبي سلمى لأنه لا يعاظل في الكلام ولا يتبع حوشيه ولا يمدح أحدا إلا بما فيه " .
7 ـ كذلك بلغ عمر بن الخطاب قول واليه على ( ميسان ـ بلده في العراق ـ ) النعمان بن عدي
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها *** بميسان يسقي من زجــاج وحنتم
لعــــل أميـــــــــــر المــــــؤمنين يســؤوه *** تنادمنا فـــــي الجـــــوسق المتهـــــدم
قال عمر : وايم الله إنه ليسؤوني . وقد عزلتك .
فقال النعمان : والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قط ، وماذاك الشعر إلا شيْ طفح على لساني .
قال عمر : أظن ذلك ، ولكن والله لا تعمل لي عملا أبدا .
ــ ومن أمثلة النقد في صدر الإسلام أن أبو بكر الصديق سمع قول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** وكل نعيم لا محالة زائل
فقال له : أبو بكر كذبت إلا نعيم أهل الجنة فإنه لا يزول" .
ثالثا : النقد في العصر الأموي .
نما النقد في العصر الاموي في بيئاته الثلاث :
1ـ الحجاز 2ـ العراق 3ـ الشام
وقد تلون الشعر والنقد لكل بيئة من هذه البيئات بلون الحياة والظروف الاجتماعية والسياسية التي أحاطت بكل بيئة من تلك البيئات ، فالادب إنعكاس للواقع .
اولا : النقد في بئة الحجاز .
إزدات اهمية منطقة الحجاز ومكانته في صدر الاسلام وخلال الحكم الأموي اضعاف ما كانت عليه في السابق فقد اصبح الحجاز خزانة للاموال التي جمعها الامراء وقادت الجيوش الاسلامية وقد لجأ إليها بسبب ما كانت عليه الاثرياء من اعيان العرب ، وقد نجم عن هذا الاستقرار والترف ظهور الجواري غير العربيات اللائي جئنا من مختلف النواحي فظهر الغناء وفشت مظاهر الفساد .
وقد كان الحجاز من ناحية أخرى مركز ديني يدرس فيه القرآن ويشرح فيه الحديث من قبل أهل العلم بالدين والفقه فصار العديد من الرجال المسلمين يفدون إليه من مختلف الامصار الاسلامية
عناصر النقد الادبي
يدرس النقد الادبي الشعر من خلال اربعة عناصر هي :
1ـ المعنى 2ـ العاطفة ( وهما يدخلان تحت إطار المضمون ) 3ـ الخيال 4ـ الاسلوب ( وهما ينطويان تحت اطار الشكل ) .
وسوف نتناول كل عنصر منها لنبيين المقائيس النقدية الخاصه به .
اولا : مقياس نقد المعنى :
نقصد بالمعنى : الفكرة التي تعبر عنها القصيدة ، ففي القصيدة الواحدة فكرة رئيسة تنتظم الابيات جميعها بالاضافة إلى افكار جزئية صغيرة .
ومن ابرز مقاييس نقد المعنى ما يأتي :
1ـ مقياس الصحة والخطأ : والمقصود بذلك أن يلتزم الشاعر باالحقيقة سواء كانت تاريخية أم لغوية أم عملية لأن خطأ الشاعر في حقيقة من الحقائق يفسد شعره ويجعله غير مقبول من الناس .
مثال ذلك عيب على زهير ابن ابي سلمى في وصف آثار الحرب وشؤمها على الناس حيث خالف الحقيقة التاريخية المعاروفة في بيئته
فتنتج لكم غلمان أشام كلهم *** كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
لانه اورد أحمر عاد والصحيح أحمر ثمود الذين اقدموا على عقر الناقة .
2ـ مقياس الجدة والابتكار : والمقصود بالجدة والابتكار أن يقدم الشاعر معنى من المعاني فيقدمه بأسلوب جديدا أو كالجديد وليس المقصود أن يقدم الشاعر معاني جديدة لم يسبق اليها فهذا امر صعب المنال في كثير من الاحيان .
مثال ذلك قول أبو تمام :
هو البحر من أي النواحي أتيته *** فلجته المعروف والجود ساحله
تعــود بسـط الكف حتــى لو أنه *** ثناها لقبض لم تجبـه أناملـــــه
فإن تشبيه الرجل بالبحر في الكرم والعطاء ليس بجديد ولكن شاعرا مبدعا كأبي تمام أخذ هذا المعنى فقدمه لنا تقديما فيه الكثير من الطرافة والجدة .
3ـ مقياس العمق والسطحية : والمعنى العميق هو ذلك المعنى الذي نجده يذهب بك بعيدا في دلالة معنوية عالية مؤثرة وتنثال على نفسك معان وخواطر كثيرة يثيرها ويستدعيها إلى ذهنك .
مثال ذلك قول زهير ابن أبي سلمى :
فإن الحق مقطعه ثلاث *** يمين أو نافار او جلاء
فالحق يثبت بواحدة من ثلاث يمين أو محاكمة أو حجة ، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يتعجب من هذا البيت ويقول لو أدركتن زهيرا لوليته القضاء .
أما السطحية فنعني يها المهعاني السهلة التي يعرفها الكثير من الناس . مثال ذلك قول الشاعر :
الليـل ليـل والنهـار نهـار *** والارض فيها الماء والاشجار
ثانيا : مقاييس نقد العاطفه :
نقصد بالعاطفة الحالة الوجدانية التي تدفع الانسان للميل إلى الشيء والانصراف عنه وما يتبع ذلك من حب أو كره وسرور أو غضب وتقاس العاطفه من عدة مقاييس :
1ـ مقاييس الصدق أو الكذب : إذا كان الدافع الذي دفع الشاعر إلى القول حقيقيا غير زائف كانت العاطفة صادقة ، وإن كانت العاطفة صادقة وإن كان الدافع غير حقيقي كانت العاطفة كاذبة .
يذكر في ذلك أن الحجاج بن يوسف توفي له ولد فطلب من أحد الشعراء أن يرثيه وقال له : " قل في ابني ما قلت في ابنك حين مات " . فقال الشاعر : " اصلح الله الامير إنني لا أجد لابنك ما اجد لابني " .
فهذا الشاعر لو قال أبياتا في ابن الحجاج لكانت العاطفة عنده كاذبه .
ومن امثلة صدق العاطفه رثاء ابي الحسن التهامي لابنه في قصيدته المشهوره التي يقول فيها :
حكــم المنية في البرية جـــــــار *** ما هــــــــــذه الدنيــــــا بدار قــــــرار
إلى أن يقول :
يا كوكبا ما كان أقصر عمره *** وكـذا تكون كواكب الأســحار
أبكيـــــه ثم أقـــــــــــول معتذرا لـــــه *** وقفـت حين تركـــــــــــت الأم دار
2ـ مقياس القوة والضعف : إذا أثرت القصيدة في نفس قرائها وهزت وجدانه كانت عاطفتها قوية وإذا لم تترك أثر في نفسه كانت عاطفتها ضعيفة .
وترتبط قوة العاطفة ووضوح تأثيرها في طبائع الناس وامزجتهم فمنهم من يتأثر بالرثاء ومنهم من يتأثر باالغزل ومنهم من يتاثر بالمدح أو الفخر ... وهكذا .
ثالثا : مقياس نقد الخيال :
ونقصد بالخيال الملكة الفنية التي تصنع الصور الادبية وهو عنصر أصيل في الأدب كله وفي الشعر بوجه خاص ، ويتجه النقد الأدبي إلى دراسة الخيال من خلال جوانب متتعدده منها :
1ـ صحة الخيال : إن المقياس في صحة الخيال مرده الذوق العربي وبخاصة إذا كان الحكم صادرا من ناقد متمكن أو قارىء مرهف الشعور والاحساس .
2ـ نوع الخيال : ويشمل
أ ـ الصور الخيالية البسيطة : وهي التي تمثل مشهدا محددا بموقف من المواقف أو معنى من المعاني التي يريد الشاعر تصويرها . مثال ذلك قول المتنبي :
تمل الحصون الشم طول نزالنا فتلقي إلينا أهلها وتزول
حيث صور المتنبي كيفية سقوط حصون الاعداء في أيدي المسلمين حصن بعد حصن بخيال يحيل الجمال مخلوق حي يرجو ويخاف ويصاب بالملل فلا يقدر على الصبر والمقاومة .
ب ـ الصور المركبة : وهي مجموعة مشاهد متعدده تضمها صورة واحدة كهذا المشهد الذي صوره فيه أبو تمام فتح عمورية بعد حصار المسلمين الشديد لها حيث يقول :
لقـــــــــد تركــــــت أمـير المـؤمنين بهـــــــــا *** للنار يوما ذليل الصخر والخشـــــب
غادرت فيهم بهيم الليل وهو ضحى *** يشـل وسطهـــــــا صبح من لهــــــــــــــــــب
حتى كــــــــان جلابيب الدجــــــى رغبت *** عن لونها أو كان الشمس لـــم تغـب
ضــــــوء من النار والظلمـــاء عاكـــفـــــة *** وظلمة من دخان في ضحى شحب
حيث يجتمع في هذا المشهد الضوء والظلمة والنار والدخان والشمس واللهب يبدو بعضها بوضوح تام وتتداخل بعضها مع بعض في صورة مثيرة مروعة ويركز الشاعر على منظر الحرائق المدمرة وهو مشهد يتجاوز حدود زمان الحادثة ومكانها فلا يبدو على أنه أمر مضى وانقضى وإنما يحسب القارىء أنه امام ذلك المشهد يراه رأي العين .
رابعا : مقياس نقد الاسلوب :
يمثل الاسلوب البناء اللغوي للشعر من حيث اختيار المفردات وصياغة التراكيب وموسيقا الشعر .
1ـ نقد المفردات : وتراعي الامور التالية في مفردات الشعر
أ ـ سلامة الكلمة من الغرابة .
ب ـ إيجاد الكلمة .
ج ـ دقة استعمال الكلمة .
2ـ نقد التراكيب : ويراعى في التركيب ما يلي :
أ ـ جزالة الاسلوب فكل ما كان الاسلوب قويا غير مستكره ولا ركيك كان جزلا ، ويعرفه النقاد بأنه الاسلوب الذي تسمعه وتعرفه ولكنهم لا يستعملونه في احاديثهم ويجب أن يكون قوي الكلمات قصير الجمل يغلب الايجاز فيه على الاطناب وان يتصف بالفخامة التي تجعله في مستوى عال من القول .
ومن نماذج الشعر الجزل قول الاسدي :
أحـب الفتــــــــــى الفـواحـــــــش صـــــــــدره *** كأنــه به عن كــــــــــل فاحشـــــــة وقــــــــرا
يعلم دواعي الصدر لا باسـطا أدى *** ولا مانعـــــــــا خيرا ولا ناطقا هجـــــــــرا
ترى النفس ما يكفيك من سد خلــــه *** وأن ازداد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
ب ـ الاسلوب السهل : وهو ما ارتفعت الفاظه عن الفاظ العامة وخلا من الفاظ الغريب الذي يحتاج إلى بيان وتةفسي
3ـ نقد موسيقى الشعر : وتتألف موسيقا الشعر من امور ثلاثة هي :
أ ـ الوزن الشعري .
ب ـ القافية .
ج ـ الموسيقا الداخلية .
فالوزن الشعري : يراد به البحر الشعري الذي صيغت عليه القصيدة .
والقافية : هي الركن الثاني من أركان النظم الشعري وكانت تسمى القصائد بحروف قافيتها وايقاعها وحروفها يمثل مستوى ابداعيا يجعله الناقد مجالا من مجالات الحكم على الشعر .
أما الموسيقا الداخلية : فهي نغم خاص تمتاز به القصيدة بسبب نجاح الشاعر في اختيار المفردات وترتيبها وفق نسق خاص وما يتبع ذلك من حركات الاعراب والمد والامالة والتفخيم وفنون البديع الللفظي المتعدده .
ومن امثلة الموسيقا الداخلية ما نراه في بيت الخنساء في وصف اخيها صخر :
حمال الويه هباط أودية *** شهاد أندية للجيش جرار
في هذا البيت نلاحظ التوافق بين الصيغ التعبيرية التي تقوم على صيغ المبالغة " حمال ، هباط ، شهاد ، جرار " كما تبدو في التزام وزن واحد بعد كل من صيغ المبالغة السابقة " الوية ، اودية ، اندية " .
قضايا نقدية
قامت الدولة العباسية بما صحبها من ثقافات متنوعة ، وازدهار للعلوم والآداب ، ونشاط دؤوب في ميدان الترجمة ، واتساع حركة التدوين والتأليف كل ذلك افسح المجال لظهزر شعراء مجددين خرجوا على مألوف الشعر العربي صياغة ومضمونا ووزنا عروضيا ، ومذهبا فنيا فبشار رأس المجددين من مخضرمي الدولتين ، ومسلم بن الوليد يدين بمذهب البديع ، وأبو تمام يغوص بحثا عن المعاني ويخالف طرائق العرب في استعاراته ومجازاته ، وابو العتاهية يرى نفسه أكبر من العروض ، أما أبو نواس فله في خمرياته مذهبه الفني الرافض للوقوف على الاطلال والالتزام بالمنهج التقليدي للقصيدة العربية ولا سيما قصيدة المديح ..."
كان لوجود هؤلاء وغيرهم سببا في قيام خصومات أدبية ونقدية حولهم وحول مذاهبهم ونزعاتهم التجديدية في الشعر ولو أنهم لم يحملوا الوية التجديد لبقي النقد على هدوئه وسكينته ، ولما تعمق النقاد في فهم الشعر العربي وتذوقه ، وفي ادراك عناصر الجمال ، ومعرفة خصائص الشعراء ، ولما كان هناك تحليل دقيق للصياغة والمعاني والشعور ، أو كلام على ملاءمة المعاني للحياة الجديدة وحاجات العصر .
لقد كانت محاولات التجديد الشعري ومذاهب الخروج على ما ألفه الأدباء والشعراء والنقاد من سيرورة الشعر العربي ، خيرا على هذا الشعر ، بما دار حوله من مناقشات ومناظرات وخصومات نقدية كشفت عن جوانب مهمة وخصائص خافية وومذاهب فنية قامت صروحها بفضل تلك الخصومات والآراء المتباعدة حينا والمتقاربة حينا آخر ن فضلا عن الكتب النقدية التي بدأت تكثر وتبرز في القرنين الثالث والرابع الهجريين ، وتتناول قضايا نقدية مهمة لم يكن الآدباء والشعراء والنقاد يعيرونها أهمية قبل ذلك ، كالافاضة في الحديث عن اللفظ والمعنى ، وعن السرقات الآدبية ، وشعر الطبع والصنعة ، والنحو واللغة ، وعمود الشعر .....الخ "
إذن فالفضل الكبير في ذلك يعود إلى اولئك الشعراء المجددين ، أو المتمردين على التقاليد الموروثة للشعر العربي ، لأنهم أفادوا الحركة النقدية .
أولا : قضية عمود الشعر العربي .
من أهم القضايا النقدية التي شغلت أذهان الطبقة المثقفة في العصر العباسي في القرن الثالث الهجري قضية عمود الشعر العربي .
وعمود الشعر هو طريقة العرب التقليدية المتوارثة في نظم الشعر من حيث الشكل والمضمون ، والخيال ، والوزن ، والقافية .
وهذا المصطلح يشبه ما يسمى الأن في النقد الأدبي الحديث بنظرية الشعر ’، فمن سار على هذه السنن وراعى تلك التقاليد قيا أنه التزم عمود الشعر واتبع طريقة العرب، ومن حاد عن تلك التقاليد ، وعدل عن تلك السنن قيل أنه خرج على عمود الشعر وخالف طريقة العرب .
وقد ارتبط عمود الشعر بقضية الخصومة بين القدماء والمحدثين والتي نشبت في العصر العباسي حول أبي تمام والمتنبي بشكل خاص وتناولها من وحي هذه الخصومة ثلاثة نقاد هم : ( الآمدي ، والجرجاني ، والمرزوقي ) .
وكان لكل منهم تصور للشعر عكس من خلال حديثه عن هذا المصطلح رأيه بوضوح .
وعلى الأرجح أن هذا المصطلح " عمود الشعر " أول ما ظهر ظهر عند الآمدي إذ أن الكثير من النقاد ينسبون إليه فضل الإسهام في تأسيس هذا المصطلح .
فضل الآمدي البحتري على أبي تمام وذلك لأنه أكثر التزام بأساليب القدماء في الشعر يقول : " إنه أعرابي الشعر مطبوع ، وعلى مذهب الأوائل ، ما فرق عمود الشعر المعروف " .
ونقد أبي تمام لأنه شديد التكلف ولا يشبه شعره شعر الأوائل ولا على طريقتهم .
فيرى الآمدي من خلال حديثه عن شعر البحتري أنه يجب على الشاعر أن يستخدم الالفاظ السهلة المألوفة ،؟ وألا تكون ألفاظه حوشيه غريبة وأن يتجه الشاعر إلى الشعر القريب الذي يخاطب القلب من أسهل الطرق .
فالآمدي هنا ينفر من كل مل يمكن أن يفسد بساطة الشعر ويبعده عن عفويته أو يعقده ويجعله غامدا فالآمدي ينفر من الفلسفة والأفكار الدقيقة إذا دخلت في نسيج الشعر لأنه تجعل الشعر بحاجة إلى استنباط وادامة النظر والتفكير الأمر الذي يتنافى مع عمود الشعر عند العرب .
ويرى الآمدي أن الاستعارة واحده من أسباب خروج أبو تمام عن عمود الشعر ويرى أن الاستعارة عنده قد اتسمت بالبعد ، من مثل قوله :
لو أن الخلاخل صورت لها *** وشاحا جالت عليه الخلاخل
فقال الآمدي هذا الذي وصفه ما نطقت به العرب وهو أقبح ما وصفت به النساء .
أما القاضي الجرجاني فقد اجمل هذه القضية في قوله : " وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجود والحسن بشرف المعنى وجزالة اللفظ واستقامته ، وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب ، وشبه فقارب ، ولمن كثرت سوائر امتثاله وشوارد أبياته " .
أما المرزوقي فقد وضع الصورة النهائية الكاملة لعمود الشعر بعد أن أفاد من من تقدمه ، واكتملت جوانب هذه القضية عنده في سبعة شروط هي :
1ـ شرف المعنى . 2ـ جزالة اللفظ واستقامته 3ـ الإصابة في الوصف .
4ـ المقاربة في التشبيه . 5ـ التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن . 6 ـ مناسبة المستعار من المستعار منه 7 ـ مجانسة اللفظ للمعنى .
ومن الواضح أن من هذه الأمور ما يعود للفظ وهو " الجزالة والملائمة للمعنى المطلوب " .
ومنها ما يعود إلى المعنى وهو " الرفعة والشرف والصحة والصواب " .
ومنها ما يعود إلى الأسلوب وهو " المتانة والانسجام ، والألفاظ المتميزة والقافية المواتية للمعنى " .
ومنها ما يعود إلى الخيال وهو " قرب التشبيه ومناسبة المستعار منه للمستعار إليه " .ثم ذكر معيار كل واحد من هذه الأمور السبعة ، وهي لا تخرج عن الطبع والرواية ، والذكاء والدربة .
ثانيا : الموازنة والسرقات .
لقد كان الإيمان بفكرة استنفاذ القدماء للمعاني من أهم عناصر الخصومة الحقيقية بين القدماء والمحدثين وكان موقف المحافظين من قضية اللفظ والمعنى اساس مشكلة السرقات في النقد العربي .
والجاحظ أول من عرض لهذه المشكلة ومهد لكل من أتى من النقاد فقد استخدم لفظ " الأخذ " في البيان والتبيين و " السرقة " في الحيوان .
واستخدم ابن سلام " السرقه والاجتلاب والإعارة " ، واستخدم ابن قتيبه " السرقة والسلخ ، والأخذ ، والنسخ ، والإتباع " .
وتشير كتب الطبقات إلى بعض التعليلات السطحية لهذه المشكله حيث تعرضت لروايات عن الشعراء المترجم لهم ترميهم بالأخذ .
وفطن ابن المعتز في بديعه إلى السرقه قد يكون في لون بديعي .
ووضع ابن طباطبا قواعد السرقه الحسنه ، فيقرر أن الشاعر إذا تناول المعاني التي قد سبق إليها فأبرزها في احسن من الكسوة التي كانت عليها لم يعب بل وجب له فضل لطلفه وإحسانه فيها . وابن طباطبا أول من جعل الأخذ من النثر من السرقات الحسنه بخلاف من سبقه .
أما أبو هلال العسكري فآمن بتوارد الخواطر ومع هذا قال بوجود الأخذ وقسمه إلى " حسن وقبيح " .
ورأى من قواعد الأخذ الحسن أن يكسو المتأخر معنى المتقد الفاظا من عنده ، وأن يأخذ معنى من النثر فينظمه ، أو أن ينقل المعنى من غرض إلى آخر ، أو يخفيه .
ورأى أن من قواعد الأخذ القبيح أخذ المعنى بلفظه كله أو أكثره ، أو أخذ البيت بإخفائه ، أو المختصر بإطالته .
وقد اتبع ابن رشيق خطوات العسكري مفرقا بين الاختراع للمعنى والابداع للفظ مستخدما مصطلحات أغلبها عند المتقدمين .
أما ابن الأثير فاعتمد منهجه في دراسات السرقات على التقسيمات الكثيرة حيث قسمها إلى :
1ـ نسخ 2 ـ سلخ 3 ـ مسخ 4 ـ أخذ المعنى مع الزيادة عليه 5 ـ عكس المعنى إلى ضده .
ثم فرع هذه الأقسام إلى شعب مختلفة ، ولم يهتم بتحقيق وجود السارق أو عدم وجوده .
وأما الآمدي فآمن بالسرقة الممدوحة والأخذ الحسن ، فلم يرى سرقة في الاتفاق في المعاني المشتركة ، أو التقاليد الشعرية ، أو الأقوال السائدة وكذا في الأعراض المختلفة ، ورأى السرقة فقط في البديع المخترع الذي يختص به الشاعر .
بينما القاضي الجرجاني آمن باستنفاذ الأولين للمعاني والسرقة الممدوحة للمحدثين ، ولم يرى سرقة في المعنى الخاص الذي شاع حتى أصبح في حكم العام المشترك ، ورأى أن السرقة تكون في المعاني الخاصة المبتدعة ولم تستفض بتداولها سواء اتفقت أغراضها أو لا .
ورأى عبد القاهر أن ألعبره بالكساء كما رأى العسكري ، ونوع المعاني إلى عقلية وتخيليه ، ورأى أن المعنى العقلي هو العام المشترك وليد التجربة اليومية ، ولا يكون فيهه سرق ، والمعنى التخييلي هو الخاص الذي يولده الشعراء دون تلاق ، وهذا يكون فيه سرق ، كما رأى سرقا في المشترك الذي يلحق بالخاص إذ دخل إليه من باب الكتاية والتعريض والرمز والتلويح .
ثالثا : الطبع والصنعة .
شغلت قضية الطبع والصنعة النقاد قديما وحديثا ، وقد قسم بعضهم الشعر على قسمين :
1ـ شعر مطبوع يعتمد على الموهبة الفطرية وقد عرفه ابن الأثير بقوله : " الطبع هو الاستعداد الفطري أو العبقرية أو الموهبة التي يهبه الله من يشاء من عباده ، وتأتي من فيض إلهي من غير تعلم سابق ولهذا اختص بها بعض الناظمين والناثرين دون غيرهم " .
وقال الآمدي : " إن الشعر المطبوع هو الذي يأتى صاحبه استعداد للشعر ونظمه نظما طبيعيا لا تكلف فيه ولا صنعة ولا تعقيد متى اراد صاحبه ذلك ويظهر شعر الطبع بوضوح في قصة الاصمع مع الاعرابي فيروى أن الاصمعي شاهد اعربيا يأكل الطعام والسمن يسيل على لحيته فقال له الاصمعي :
كانك افلت في ارض هش *** اتاها وابـــــل من بعـــــــــــد رش
فقال له الاعربي :
كأنك بعرة في افك كبـــــش *** مدلات وذاك الكبش يمشي
فغضب الاصمعي من تشبيه الاعرابي له بالبعرة فقال له الاصمعي: " أتقول الشعر؟
فقال الاعرابي كيف لا اقول الشعر وانا أمه وابوه .
قال الاصمعي ففكرت في اصعب قافية فوجدتها قافية الواو الساكنة المفتوح ما قبلها فقالت له ائتني ببيت آخره واو ساكنه مفتوح ما قبلها ن فأنشد الأعرابي قوله :
قوم بنجد عهدتهم *** سقاهم الله من النو
فقال الاصمعي " نو " ماذا ؟
فقال الاعرابي :
نو تلألأ في دجى ليلة *** مظلمة كالحة لــــــو
فقال الاصمعي " لو " ماذا ؟ يريد أن يعجزه
فقال الاعربي :
لو سار فيها فارس لانثنى *** على بساط الارض منطو
قال الاصمعي " منطو " ماذا ؟
قال الاعرابي :
منطو الكشح هضم الحشى *** كالباز قد إنقض من الجو
قال الاصمعي " جو " ماذا ؟
قال الاعرابي :
جو السماء والريح تعلو به *** قد شم ريح الارض فعلو
قال الاصمعي " فعلو " ماذا ؟
قال الاعرابي :
فعلو لما عيل منه صبرهم *** فصاروا نحو القوم ينعــــو
قال الاصمعي : " ينعو " ماذا ؟
قال الاعرابي :
ينعو رجالا للثنى شرعتهم *** كفيت ما لاقو ولاقــــــــــو
قال الاصمعي : ": لاقو " ماذا ؟
قال الاعرابي :
إن كنت لا تفهم ما أقول *** فأنت عندي رجل بــو
قال الاصمعي : ما " البو " ؟
قال الاعرابي :
البو سلخ قد كسى جلده *** بالـــــف قرنان تزيد أو
قال الاصمعي : " أو " ماذا ؟
قال الاعرابي :
أو أضربه باسطوانة على رأسه *** تقول فـــــي ضربتها قــــــــو
قال الاصمعي : فخشيت أن أقول له " قو " ماذا فيضربني بسطوانة في رأسه .
كل ذلك والاعرابي كان يجيب على الطبع مباشرة ودون عنى تفكير أو تكلف وصنعه
2 ـ شعر مصنوع وهذا النوع من الشعر لا يأتي عفو الخاطر إنما يحتاج إلى بذل الجهد واعمال العقل واستحضار مكثف للنجربة والثقافة المعرفية للشاعر ، فالشاعر المتكلف هو الذي التوت به الصنعة ، والشعراء المتكلفون هم الذين لا يجرون مع تيار الطبع كأبي تمام الذي جره تكلفه والصنعة إلى الغموض حيث أسرف في الطبق والتجنيس والاستعارات وتوشيح شعره حتى صار كثيرا ما يأتي به في معاني لا يعرف ولا يعلم غرضه ولذلك قال له أبو العميثل ـ كما اسلفت ـ لما تقول ما لا يفهم ؟
والختلف النقاد في وجود الطبع هل هو أمر فطري أم شيء مكتسب . فنفى بن خلدون في " مقدمته " وجود الطبع فهو ـ في رأيه ـ أمر مكتسب ، والوسيلة الاساسية لنظم الشعر في رأيه هي فقط حفظ أكبر قدر من الآثار الشعرية .
وقد سئل رؤبة بن العجاج عن أفحل الشعراء فقال : " هو الراوية " .
يربد أنه إذا أكثر الراوي من روي الشعر استفحل .
وكان جرير إذا أراد أن يقول شعرا صنعه ليلا شعل سراجه ويعتزل ، وربما علا السطح وحده فاضطجع رغبة في الخلو بنفسه .
وقيل لكثير كيف تصنع إذا عسر عليك الشعر ؟ قال : " أطوف في الرباع المحيلة ، والراض المعشبة ، فيسهل علي أرصنه .
وقال أبو تمام في وصيته للبحتري : " يا أبا عبادة ، تخير الأوقات وانت قليل الهموم ، وأعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الانسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر ، فإن أردت النسيب فاجعل اللفظ رقيقا ، والمعنى رشيقا وأكثر فيه من بيان الصبابه ، وتوجع الكآبة ولوعة الفراق ، وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فاشهر مناقبه ، واظهر مناسبه ، وإياك أن تشين شعرك بالالفاظ الزريه ، وكن كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الاجسام وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك ، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب ، واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعه إلى حسن نظمه " .
وجملة هذه الوصايا تؤكد على التفات الشعراء لصناعة .
وخلاصة القول أن الطبع والصنعة يكمل بعضهم البعض ولا بد من اجتماعهم معا لدى الشاعر المجيد
رابعا : المبالغة والاعتدال
المبالغة أحد فنون البديع التي دار صراع كبير حولها بين مؤيد ومعارض ومتحفظ وذلك لما ارتبطت به من افراط وغلو وفكرة الصدق والكذب ، وهي قضية اخلاقيه ينظر إليها كل ناقد من خلال منظوره الخاص ورؤيته النقدية ، وما اختلف النقاد قديما ولا حديثا حول هذه القضية إلا بعد ظهور الإفراط والغلو في الشعر .
وقد اختلف النقاد والبلاغيون في المبالغة على ثلاثة آراء :
1 ـ الرأي الأول يرى أن أجود الشعر اكذبه ، وخير الكلام ما بولغ فيه ويحتجون في ذلك ما جرى بين النابغة وبين حسان في استدراك النابغة عليه " انظر حكومة النابغة الذبياني في النقد في العصر الجاهلي ص " حيث عاب النابغة على حسان ترك المبالغة في قوله :
لنا الجفنات الغر يلمعنا بالضحى *** واسيافنا يقطــــرنا من نجـــدة دم
فقال له اقللت جفانك واسيافك ، فلو قلت الجفان ولو قلت سيوفنا لكان أكثر مبالغة ولو قلت : يبرقن بالدجى لكان ابلغ في المديح لأن الضيف أكثر طروقا بالليل ، ولو أنك قلت كذلك " وسيوفنا يسلنا من نجدة دما " لكان اكثر مبالغة .
2 ـ الرأي الثاني يرى أن المبالغه من عيوب الكلام ، ولا يرون من محاسنها إلا ما خرج مخرج الصدق وجاء على منهج الحق ويزعمون أن المبالغه من ضعف المتكلم
3 ـ الرأي الثالث يرى التوسط بين المذهبين فقبلوا المبالغه إذا كان طابعها الاعتدال وهذا المذهب استند إلى قبول المعتدل من المبالغه على ما ورد منها في القرآن الكريم كقوله تعالى : " حتى يلج الجمل في ثم الخياط " وهو معيار السلامه وميزان الاعتداال "
جامعة وادي النيل
كلية العلوم الاسلامية والعربية
قسم اللغة العربية
النقد الأدبي القديم
إعداد : د . مرتضى بابكر الفاضلابي
النقد لغة :
النقد لغة : كلمة نقد من المشترك اللفظي الذي يحدد فيه معنى الكلمة بحسب موقعها من الجملة فالنقد يطلق على :
1ـ تمييز الدراهم ومعرفة الذائف منها فقد أنشد سيبويه قوله :
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة نفي الدراهم تنقاد الصياريف
2ـ ونقول نقدت فلان اي ناقشته .
3ـ ونقد الطائر الفخ بمنقاره ، اي نقره .
4ـ ونقد الطائر الحب ، أي التقطه حبة حبه .
5ـ ونقد الرجل الشيء بنظره ، أي اختلس النظر إليه .
6ـ ونقد رأسي باصبعي ، أي ضربته .
7ـ ونقدته الحية ، أي لدغته .
وجاء في حديث أبو الدرداء : " إن نقدت الناس نقدوك ، وإن تركتهم تركوك " .
النقد اصطلاحا :
هو تحليل القطعة الادبية وبيان قيمتها الفنية .
ولم تأخذ هذه الكلمة المعنى الصطلاحي لها غلا في العصر العباسي ، ويشمل التحليل دراسة النص دراسة شاملة تقوم على التفسير والموازنة لياتي الحكم عليها ببيان قيمتها الفنية .
مر النقد في بدايته بعدة مراحل إلى أن وصل إلى التعريف السابق :
المرحلة الاولى : أول ما استعمل فيه كلمة نقد كانت بمعنى تمييز الدراهم لمعرفة جيدها من رديئها ، وتلك مهارت يختص بها الصيارفة .
المرحلة الثانية : ثم انتقلت كلمة نقد إلى نقد اخلاق الناس وعاداتهم وبيان ما يتحلون به من كريم صفات وما يعاب على سلوكياتهم ، ولذلك قالوا : " إن نقدت الناس نقدوك وإن تركتهم تركوك .
المرحلة الثالثة : اتسع مدلول كلمة نقد فشمل الشعر والنثر .
بداية النقد :
ليس هنالك تاريخ محدد لبداية النقد وذلك لان بداية النقد هي بداية الشعر نفسه وبداية الشعر مجهولة ، والنقد والشعر متلازمان .
اولا : النقد في العصر الجاهلي :
اعتمد النقاد في اصدارهم الاحكام النقدي في لالعصر الجاهلي على ما فطروا عليه من قوة حس وشدة ادراك . فكانوا يصدرون احكامهم النقدية على البيت والبيتين أو على القصيدة كاملة او على جملة شعر الشاعر .
من ذلك نقد طرفه بن العبد لخاله المتلمس حينما سمعه ينشد قوله :
وقد تناسى الهم عند احتضاره *** بناج عليـــه الصيعـــــرية مكـــــدم
فقال طرفه ـ وكان حينها صبيا صغيراً ـ : استنوق الجمل وذلك أن الصيعرية سمة
تكون على عنق الناقة لا البعير .
وحينما انشد علقمة قصيدته التي يقول في مطلعها :
هل ما علمت واستودعت مكتوم *** ام حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
قال عنها النقاد : " هذه سمط الدهر " والسمط : هو القلادة التي يتزين بها .
ومن نقدهم على جملة شعر الشاعر قولهم في وصف شعر زهير ابن ابي سلمى : " خير الشعر الحولي المنقح " فقد كانوا يطلقون على شعر زهير اسم الحوليات .
انواع النقد في العصر الجاهلي :
كان هنالك نوعين من انواع النقد في العصر الجاهلي :
1ـ النقد الذاتي : وهو النقد الذي يمارس فيه الشاعر الوانا من المراجعات الفنية على قصيدته قبل أن يتطلع عليها الناس كما كان يفعل الشاعر زهير ابن أبي سلمى والذي سميت قصائده باسم الحوليات حيث انه ما كان يعرض قصيدتع على الناس الا بعد عام كامل .
2ـ النقد الموضوعي : وهو النقد الذي يقوم به الاخرون دون تعصب ولا تحيز .
ونورد هنا مثالين من امثلة النقد الموضوعي الذي كان سائدا في ذلك العصر .
أ ـ حكومة أم جندب .
اختلف امرؤ القيس وعلقمى حوا ايهم اشعر فاحتكوا إلى أم جندب زوجة امرؤ القيس . فقالت لهم :" فليصف كا منكما فرسه فايكم أجاد فهو الاشعر " .
فقال امرؤ القيس :
خليلي عوجا بي على أم جندب *** لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
وقال علقمة :
ذهبتي من الهجران كل مذهب *** ولم يكن حقا كل هذا التجنب
واستمروا في الانشاد إلى أن وصل امرؤ القيس إلأى قوله :
فاللزجر الهوب وللساق درة *** وللسوط منه وقع اهوج منعب
وقال علقمة :
فادركتهـــــم ثانيــا من عنـــــانه *** يمـــر كمـــر الرائــح المتحلــــب
فقالت أم جندب مخاطبة امرؤ القيس : " فرس علقمة اجود من فرسك لانك زجرته وضربته وحركت قدميك " .
فغضب امرؤ القيس وقال لها : " والله ما هو باشعر مني ولكنك له وامق " أي محبه " فطلقها وخلفها عليه علقمة فقيل له علقمة الفحل .
ب ـ حكومة النابغة الذبياني .
اجتمع الاعشى وحسان بن ثابت والخنساء امام النابغة الذبياني الذي كانت تضرب له قبة من الجلد في سوق عكاظ فياتي الشعراء وينشدون امامهم اشعارهم ويصاحب ذلك الانشاد عملية نقدية تبين مواطن القوة ومواطن الضعف ، فاختلف الشعراء الثلاثة في أيهم اشعر فحتكموا إلى النابغة فانشده الاعشى قصيدته التي مطلعها "
ما بكاء الكبير بالاطلال *** وسؤالي وما ترد سؤالي
وانشدته الخنساء قصيدتها في رثاء اخاها صخر والتي مطلعاها :
غـــــزاً بعينيـــــــك ام بالعين عــــــوار *** أم ذرفت مذ خلت من اهاله الدار
فقال لها لولا أنه انشدني قبلك أبا بصير " وهي كنية الاعشى " لقلت أنك أشعر الجن والانس " .
ثم أنشده حسان بن ثابت قصيدته :
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى *** واسيافنا يقطـــــــــرنا من نجـــــدة دم
ولدنـــــا بنــــي العنقـــــاء وابنــــي محــــــــــرق *** فاكــــرم بنا خال واكـــــرم بنا ابنما
ففضل الابغة عليع الاعشى ثم الخنساء ، فغضب حسان وقال له :" والله لأنا أشعر منك ومن ألبيك ومن جدك " .
فقال النابغة : " يا ابن اخي إنك لا تحسن أن تقول :
وإنك كالليل الذي هو مدركي *** وإن خلا أن المنتأى عنك واسع
ثم بين له سبب تفضيله للاعشى والخنساء عليه فقال له : " انت شاعر لولا أنك قد اقللت جفانك واسيفك وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك " .
ثانيا : النقد في صدر الاسلام .
عصر صدر الإسلام هو الفترة الممتدة منذ البعثة النبوية إلى نهاية فترة الخلفاء الراشدين ( على بن أبي طالب) . اتجه النقد في صدر الاسلام إلى المضمون الذي تحمله الابيات الشعرية ومدى مسايرته لما جاء به الاسلام ، واتسم بلدقة والتعليل .
كان من الطبيعي أن يقل اهتمام الناس بالشعر في تلك الفترة بسبب انشغالهم بالدين الجديد (الإسلام ) والقرآن الكريم الذي أُنزل على النبي (ص) فصيحاً متحدياً العرب فيما بغوا فيه وهو الفصاحة والبيان . وننظر إلى النقد في تلك الفترة من خلال شخصيتين : الأولى
اولا : الرسول (ص ) .
ولكن بالرغم من ذلك نجد أن العرب لم ينصرفوا كليةً عن غرض الشعر ، بل ما زال الكثيرين منهم يهتمون بالشعر قديمه ومعاصره ، مستعينين به في دعم المبادئ الجديدة التي جاء بها الإسلام . وعليه كثيراً ما دعا النبي (ص) صحابته من الشعراء كحسان بن ثابت أن يتخذ من الشعر وسيلة دفاع عن الإسلام والمسلمين والنبي (ص) ، وذلك لأن قريش ومن حالفها من العرب المعارضين الإسلام في سنيه الأولى ، كانوا يستخدمون الشعر والشعراء في هجاء النبي (ص) وصحابته والإسلام الأمر الذي جعل النبي يدعو حسان بقوله ( أهجهم ورح القدس معك ).
وعليه نقول أن النبي (ص) كان يؤيد قول نوع معين من الشعر ، ذاك الشعر الذي يدعو إلى المبادئ التي جاء بها الإسلامأو يبتعد عن الكفر والشر وعبادة الأوثان ، والعصبية وغيرها من موبقات الجاهلية . وكان النبي(ص) في كثير من الأحيان يطلب من أصحابه أن ينشدوه بعض ما يحفظون من شعر وكان يستحسن بعضه ، ويستهجن بعضه اعتماداً على دقة تذوقه ، بل وحدث أن عرض آراءه النقدية المتمثلة في تغيير بعض الصيغ لتتوافق مع مبادئ الإسلام
هذا بجانب أن مسألة تذوق الشعر كواحد من الفنون القولية ما زالت موجودة في نفوس المسلمين ، والدليل على ذلك هو :
1 ـقصة إسلام كعب بن زهير المشهور . التي فيها أنه حدث أن قام كعب بن زهير بإنشاد شعر ( قصيدة) هجا فيها النبي(ص) والإسلام والمسلمين ، ووجدت القصيدة رواجاً بين الكفار حتى وصلت النبي(ص) ، فأثرت معانيها على نفس النبي (ص) لدرجة أنها أثارت غضبه فأهدر دم قائلها( كعب بن زهير) ولما بلغ الخبرُ كعب ، خاف على نفسه وبدأ يستجدي الصحابة في التوسط بينه وبين النبي ليقبل اعتذاره ، ولم يجد منهم أذناً صاغية ، وبعد جهد جهيد استعان بأبي بكر أقرب الناس للنبي(ص) ، فنصحه أبو بكر أن يدخل على النبي ويعتذر له مباشرة . فتلثم ودخل علي النبي(ص) المسجد ، ومن ثم بدأ ينشد قصيدته المشهور التي مطلعها
بانت سعادُ فقلبي اليومَ متبولٌ*** مُتيَّمٌ اثرُها ولم يُفْدَ مقبُـــولُ
واستمر في الإنشاد حتى وصل إلى قوله :
إنَّ الرَسُولَ لنورٍ يُستضَاءُ به*** مُهنَّدٌ مِنْ سيوفِ اللهِ مسلولُ
عندها لم يعفُ عنه النبي (ص) فحسب بل خلع عليه بردته استحساناً لما قال من معاني غاية الروعة وكان لها الأثر الأعمق في نفس النبي
القصة تشير إلى تذوق النبي (ص) للشعر ، وهناك مواقف كثيرة تشير إلى ذلك منها2 ـ سمع النبي(ص) من كعب بن مالك قوله :
مجالدنا عن جذمنا كل فخمةٍ*** مدربةٌ فيها الفــــوانس تلمـــعُ
فقال النبي (ص) نقداً له : لا تقل عن جذمن وقل عن ديننا ، ثم قال له النبي(ص) أيصح أن تقولَ " مجالدنا عن ديننا كل فخمة ؟ قال كعب : نعم . قال له :فهو أحسن . ويفرح كعب بهذه الملاحظة القيمة الصادرة من خير البشر أجمعين ، ويتيه على الشعراء بعد ذلك قائلاً: ما أعان رسول الله أحداً في شعره غيري .
3 ـكما نشير إلى أن النبي(ص) قد نقد قصيدة كعب التي اعتذر فيها له ، والتي مطلعها ( بانت سعاد) إذ قال كعب :
إنَّ الرَسُولَ لنورٍ يُستضَاءُ به*** مُهنَّدٌ مِنْ سيوفِ الهندِ مسلولُ
فعدل النبي قوله إلى:
إنَّ الرَسُولَ لنورٍ يُستضَاءُ به*** مُهنَّدٌ مِنْ سيوفِ اللهِ مسلولُ
4 ـ قال ابن حبيب أنشدت رسول الله (ص) قول سحيم عبد بني الحسحاس قوله:
الحمد لله حمداً لا نقطع له*** فليس إحسانه عنا بمقطوع
علق النبي(ص) على ذلك القول بقوله : أحسن وصدق ، وإن الله ليشكر مثل هذا وإن سدد وقارب ، وإنه لمن أهل الجنة.
5 ـ لم يستحسن النبي(ص) شعر الإسلاميين فقط بعد تعداه إلى شعر الجاهليين الذي يتفع مع بعض المبادئ التي جاء بها الإسلام ، وحين أنشده بعض من صحابته قول سويد بن عامر
لا تأمنن إن أمسيت في حرم*** إن المنايا بجنبي كل إنسانِ
فكل ذي صاحبٍ يوماً يفارقـه*** وكـــل زادٍ وإن أبقيتـــه فــــــــــانِ
قال الرسول(ص) عند سماعه القول السابق : لو أدرك هذا الإسلام لأسلم.
6 ـ استحسانه وإعجابه الشديد بقيم عفة النفس والقناعة وترك الخضوع لشهوات البطن التي صورها عنترة بن شداد في قوله :
ولقد أبيت على الطوى وأظله*** حتى أنال به كريم المأكل
وقد قال ما وصف لي إعرابي قط فأحببت أنأراه إلا عنترة
المواقف السابقة تشير إلى عدة أمور منها أن الشعر ما زال يتملك أحاسيس الناس في صدر الإسلام برغم انصراف الكثيرين عنه وانشغالهم بالدعوة الإسلامية . كما تشير من ناحية أخرى أن النبي بتوجيهه للشعراء وحكمه على بعضهم . وتعديل بعض طرائق تعبيرهم يكون قد خطَّ مبادئ عامة من شأنها أن تنقل الشعر الجاهلي إلى إسلامي يعبر عن روح وقيم الإسلام ، ينبذ العصبية والكفر وعبادة الأوثان .
ثانيا : عمر بن الخطاب.
كان من أكثر الناس حفظاً للشعر ، وقال عنه ابن سلام أنه يكاد لا يُعرض عليه أمراً إلا وأنشد فيه بيتاً من الشعرِ . والقصص التالية تشير إلى ذلك:
1 ـ دار حوار بين عمر بن الخطاب وابن عباس ذات ليلة
- عمر: أنشدني لشاعر الشعراء
- ابن عباس: ومن هو يا أمير المؤمنين؟
- عمر : ابن أبي سلمى
- ابن عباس: وبما صار كذلك ؟
- عمر لأنه لا يتبع حوشي الكلام ، ولا يُعاظل في المنطق ، ولا يوقل إلا ما يعرف ، ولا يمدح الرجل إلا بما يكون فيه أليس هو الذي يقول :
ابتدرت قيس بن عيلان غايةً*** من المجـــــــد يسبق إليها يســـــود
سبقت إليهــــا كــــل طلــــق مبرز*** سبوق إلى الغايات غير مجلد
فأنشده بن عباس من شعر ابن ابي سلمى حتى برق الفجرُ.
ونستخلص من القصةِ أن نقد عمر بن الخطاب قام على الموضوعية التي قامت على تحديد أسباب رئيسة في الكلام تصلح أساساً يُعتمد في الأحكام ، وتعد قاعدة ومعياراً يقوم عليه الشعر ، ففي أسبابه نظرات لمكونات النص الشعري مثل نظرته إلى الألفاظ( إذ وصف ألفاظ زهير بن أبي سلمى بالسماحة والالفة ) ، والأساليب ( وصف أسلوب زهير بالوضوح والجمال والسلاسة والخلو من التقعيد والتراكيب الوعرة) والمعاني ( وصف معاني ابن ابي سلمى بالصدق ، والبعد عن الإفراض والغلو) ،
وهو ما دعا إليه النبي(ص) من قبل.
ففي وصف عمر السابق لشعر زهير أساس انبنى عليه النقد الأدبي حتى عصر الجرجاني.
2 ـ كان عمر بن الخطاب يكثر من ترديد بيت زهير الذي يقول فيه :
فإن الحق مقطعه ثلاث*** يمين أو نفار أو جلاء
ويقول عمر عند ترديد البيت "لو ادركت زهيراً لوليته القضاء لمعرفته "
إذ ورد في البيت اليمين (القسم) ونفار أي المنافرة إلى حاكم يقطع بالبينات ،وجلاء وهو البرهان البيِّن الذي يجلو به الحق
3 ـ حديثه مع بعض ولد هرم بن سنان
- عمر : أنشدني ما قال فيكم زهير
" فلما أنشده بعض من شعر زهير"
- عمر : لقد كان يقوم فيكم فيحسن
- ولد هرم: يا أمير المؤمنين كذلك كنا نعطيه فنجزل
- عمر : ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم
4 ـ وفد إليه جماعة من غطفان ، فأنشدهم مجموعة أبيات أولها :
حلفت ولـــــــــم أترك لنفســـــك ريبةً*** وليس وراء الله للمــــــرء مذهــــــب
لأن كنت قد بلغت عني حياتي*** لمبلغك الواشـــــي أغش وأكــــذب
ولســـــــت بمستبق أخــــاً لا تلمــــــه*** على شعث أي الرجال المهذب
فسألهم من القائل ، فأجابوا النابغة.
ثم أنشد:
أتيت عارياً خلقاً ثيابـــــي*** على خوف تظن بي الظنون
فألفيت الأمانة لم تخنها*** كذلك كــــــان نوح لا يخـــــــــــــون
فسألهم من القائل ؟ قالوا النابغة
ثم أنشدهم:
ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه*** ولا أحاشي من الأقوامِ من أحــدٍ
إلا سليمـــــــــان إذ قـــــال الاله لــــــــه*** قم في البرية فأحددها عن الفند
وخبِّر الجن إني قد اذنت لهـــــم*** يبنون تدمر بالصفاح العمـــــــــــد
فسألهم من القائل ؟ فأجابوا النابغة . عندها قال : هو أشعر شعرائكم ، وفي رواية أخرى هو أشعر العربِ .
5 ـ يروي ابن سلام أن الخليفة عمر بن الخطاب كان يثيب الشعراء على شعرهم الذي يُعجب به وأنه حين أنشده الشاعر سحيم بن عبد بني الحسحاس شعره الذي يقول فيه:
عميرة ودّع إن تجهزت غازيا*** كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
قال له عمر: " لو قلت شعرك كله مثل هذا لأعطيتك عليه ." وفي رواية أخرى قيل أن عمر قال " لو أنك قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك"
6 ـ وأيضاً كما كان النبي كان عمر يستهجن المبالغة في الشعر كان كذلك عمر ، لأن المبالغة تخرج بالشعر عن حد الاعتدال
من ذلك قول عمر بن الخطاب : " أنشدوني إلى أشعر شعرائكم ، قالوا من هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : زهير أبن أبي سلمى لأنه لا يعاظل في الكلام ولا يتبع حوشيه ولا يمدح أحدا إلا بما فيه " .
7 ـ كذلك بلغ عمر بن الخطاب قول واليه على ( ميسان ـ بلده في العراق ـ ) النعمان بن عدي
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها *** بميسان يسقي من زجــاج وحنتم
لعــــل أميـــــــــــر المــــــؤمنين يســؤوه *** تنادمنا فـــــي الجـــــوسق المتهـــــدم
قال عمر : وايم الله إنه ليسؤوني . وقد عزلتك .
فقال النعمان : والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قط ، وماذاك الشعر إلا شيْ طفح على لساني .
قال عمر : أظن ذلك ، ولكن والله لا تعمل لي عملا أبدا .
ــ ومن أمثلة النقد في صدر الإسلام أن أبو بكر الصديق سمع قول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** وكل نعيم لا محالة زائل
فقال له : أبو بكر كذبت إلا نعيم أهل الجنة فإنه لا يزول" .
ثالثا : النقد في العصر الأموي .
نما النقد في العصر الاموي في بيئاته الثلاث :
1ـ الحجاز 2ـ العراق 3ـ الشام
وقد تلون الشعر والنقد لكل بيئة من هذه البيئات بلون الحياة والظروف الاجتماعية والسياسية التي أحاطت بكل بيئة من تلك البيئات ، فالادب إنعكاس للواقع .
اولا : النقد في بئة الحجاز .
إزدات اهمية منطقة الحجاز ومكانته في صدر الاسلام وخلال الحكم الأموي اضعاف ما كانت عليه في السابق فقد اصبح الحجاز خزانة للاموال التي جمعها الامراء وقادت الجيوش الاسلامية وقد لجأ إليها بسبب ما كانت عليه الاثرياء من اعيان العرب ، وقد نجم عن هذا الاستقرار والترف ظهور الجواري غير العربيات اللائي جئنا من مختلف النواحي فظهر الغناء وفشت مظاهر الفساد .
وقد كان الحجاز من ناحية أخرى مركز ديني يدرس فيه القرآن ويشرح فيه الحديث من قبل أهل العلم بالدين والفقه فصار العديد من الرجال المسلمين يفدون إليه من مختلف الامصار الاسلامية
عناصر النقد الادبي
يدرس النقد الادبي الشعر من خلال اربعة عناصر هي :
1ـ المعنى 2ـ العاطفة ( وهما يدخلان تحت إطار المضمون ) 3ـ الخيال 4ـ الاسلوب ( وهما ينطويان تحت اطار الشكل ) .
وسوف نتناول كل عنصر منها لنبيين المقائيس النقدية الخاصه به .
اولا : مقياس نقد المعنى :
نقصد بالمعنى : الفكرة التي تعبر عنها القصيدة ، ففي القصيدة الواحدة فكرة رئيسة تنتظم الابيات جميعها بالاضافة إلى افكار جزئية صغيرة .
ومن ابرز مقاييس نقد المعنى ما يأتي :
1ـ مقياس الصحة والخطأ : والمقصود بذلك أن يلتزم الشاعر باالحقيقة سواء كانت تاريخية أم لغوية أم عملية لأن خطأ الشاعر في حقيقة من الحقائق يفسد شعره ويجعله غير مقبول من الناس .
مثال ذلك عيب على زهير ابن ابي سلمى في وصف آثار الحرب وشؤمها على الناس حيث خالف الحقيقة التاريخية المعاروفة في بيئته
فتنتج لكم غلمان أشام كلهم *** كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
لانه اورد أحمر عاد والصحيح أحمر ثمود الذين اقدموا على عقر الناقة .
2ـ مقياس الجدة والابتكار : والمقصود بالجدة والابتكار أن يقدم الشاعر معنى من المعاني فيقدمه بأسلوب جديدا أو كالجديد وليس المقصود أن يقدم الشاعر معاني جديدة لم يسبق اليها فهذا امر صعب المنال في كثير من الاحيان .
مثال ذلك قول أبو تمام :
هو البحر من أي النواحي أتيته *** فلجته المعروف والجود ساحله
تعــود بسـط الكف حتــى لو أنه *** ثناها لقبض لم تجبـه أناملـــــه
فإن تشبيه الرجل بالبحر في الكرم والعطاء ليس بجديد ولكن شاعرا مبدعا كأبي تمام أخذ هذا المعنى فقدمه لنا تقديما فيه الكثير من الطرافة والجدة .
3ـ مقياس العمق والسطحية : والمعنى العميق هو ذلك المعنى الذي نجده يذهب بك بعيدا في دلالة معنوية عالية مؤثرة وتنثال على نفسك معان وخواطر كثيرة يثيرها ويستدعيها إلى ذهنك .
مثال ذلك قول زهير ابن أبي سلمى :
فإن الحق مقطعه ثلاث *** يمين أو نافار او جلاء
فالحق يثبت بواحدة من ثلاث يمين أو محاكمة أو حجة ، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يتعجب من هذا البيت ويقول لو أدركتن زهيرا لوليته القضاء .
أما السطحية فنعني يها المهعاني السهلة التي يعرفها الكثير من الناس . مثال ذلك قول الشاعر :
الليـل ليـل والنهـار نهـار *** والارض فيها الماء والاشجار
ثانيا : مقاييس نقد العاطفه :
نقصد بالعاطفة الحالة الوجدانية التي تدفع الانسان للميل إلى الشيء والانصراف عنه وما يتبع ذلك من حب أو كره وسرور أو غضب وتقاس العاطفه من عدة مقاييس :
1ـ مقاييس الصدق أو الكذب : إذا كان الدافع الذي دفع الشاعر إلى القول حقيقيا غير زائف كانت العاطفة صادقة ، وإن كانت العاطفة صادقة وإن كان الدافع غير حقيقي كانت العاطفة كاذبة .
يذكر في ذلك أن الحجاج بن يوسف توفي له ولد فطلب من أحد الشعراء أن يرثيه وقال له : " قل في ابني ما قلت في ابنك حين مات " . فقال الشاعر : " اصلح الله الامير إنني لا أجد لابنك ما اجد لابني " .
فهذا الشاعر لو قال أبياتا في ابن الحجاج لكانت العاطفة عنده كاذبه .
ومن امثلة صدق العاطفه رثاء ابي الحسن التهامي لابنه في قصيدته المشهوره التي يقول فيها :
حكــم المنية في البرية جـــــــار *** ما هــــــــــذه الدنيــــــا بدار قــــــرار
إلى أن يقول :
يا كوكبا ما كان أقصر عمره *** وكـذا تكون كواكب الأســحار
أبكيـــــه ثم أقـــــــــــول معتذرا لـــــه *** وقفـت حين تركـــــــــــت الأم دار
2ـ مقياس القوة والضعف : إذا أثرت القصيدة في نفس قرائها وهزت وجدانه كانت عاطفتها قوية وإذا لم تترك أثر في نفسه كانت عاطفتها ضعيفة .
وترتبط قوة العاطفة ووضوح تأثيرها في طبائع الناس وامزجتهم فمنهم من يتأثر بالرثاء ومنهم من يتأثر باالغزل ومنهم من يتاثر بالمدح أو الفخر ... وهكذا .
ثالثا : مقياس نقد الخيال :
ونقصد بالخيال الملكة الفنية التي تصنع الصور الادبية وهو عنصر أصيل في الأدب كله وفي الشعر بوجه خاص ، ويتجه النقد الأدبي إلى دراسة الخيال من خلال جوانب متتعدده منها :
1ـ صحة الخيال : إن المقياس في صحة الخيال مرده الذوق العربي وبخاصة إذا كان الحكم صادرا من ناقد متمكن أو قارىء مرهف الشعور والاحساس .
2ـ نوع الخيال : ويشمل
أ ـ الصور الخيالية البسيطة : وهي التي تمثل مشهدا محددا بموقف من المواقف أو معنى من المعاني التي يريد الشاعر تصويرها . مثال ذلك قول المتنبي :
تمل الحصون الشم طول نزالنا فتلقي إلينا أهلها وتزول
حيث صور المتنبي كيفية سقوط حصون الاعداء في أيدي المسلمين حصن بعد حصن بخيال يحيل الجمال مخلوق حي يرجو ويخاف ويصاب بالملل فلا يقدر على الصبر والمقاومة .
ب ـ الصور المركبة : وهي مجموعة مشاهد متعدده تضمها صورة واحدة كهذا المشهد الذي صوره فيه أبو تمام فتح عمورية بعد حصار المسلمين الشديد لها حيث يقول :
لقـــــــــد تركــــــت أمـير المـؤمنين بهـــــــــا *** للنار يوما ذليل الصخر والخشـــــب
غادرت فيهم بهيم الليل وهو ضحى *** يشـل وسطهـــــــا صبح من لهــــــــــــــــــب
حتى كــــــــان جلابيب الدجــــــى رغبت *** عن لونها أو كان الشمس لـــم تغـب
ضــــــوء من النار والظلمـــاء عاكـــفـــــة *** وظلمة من دخان في ضحى شحب
حيث يجتمع في هذا المشهد الضوء والظلمة والنار والدخان والشمس واللهب يبدو بعضها بوضوح تام وتتداخل بعضها مع بعض في صورة مثيرة مروعة ويركز الشاعر على منظر الحرائق المدمرة وهو مشهد يتجاوز حدود زمان الحادثة ومكانها فلا يبدو على أنه أمر مضى وانقضى وإنما يحسب القارىء أنه امام ذلك المشهد يراه رأي العين .
رابعا : مقياس نقد الاسلوب :
يمثل الاسلوب البناء اللغوي للشعر من حيث اختيار المفردات وصياغة التراكيب وموسيقا الشعر .
1ـ نقد المفردات : وتراعي الامور التالية في مفردات الشعر
أ ـ سلامة الكلمة من الغرابة .
ب ـ إيجاد الكلمة .
ج ـ دقة استعمال الكلمة .
2ـ نقد التراكيب : ويراعى في التركيب ما يلي :
أ ـ جزالة الاسلوب فكل ما كان الاسلوب قويا غير مستكره ولا ركيك كان جزلا ، ويعرفه النقاد بأنه الاسلوب الذي تسمعه وتعرفه ولكنهم لا يستعملونه في احاديثهم ويجب أن يكون قوي الكلمات قصير الجمل يغلب الايجاز فيه على الاطناب وان يتصف بالفخامة التي تجعله في مستوى عال من القول .
ومن نماذج الشعر الجزل قول الاسدي :
أحـب الفتــــــــــى الفـواحـــــــش صـــــــــدره *** كأنــه به عن كــــــــــل فاحشـــــــة وقــــــــرا
يعلم دواعي الصدر لا باسـطا أدى *** ولا مانعـــــــــا خيرا ولا ناطقا هجـــــــــرا
ترى النفس ما يكفيك من سد خلــــه *** وأن ازداد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
ب ـ الاسلوب السهل : وهو ما ارتفعت الفاظه عن الفاظ العامة وخلا من الفاظ الغريب الذي يحتاج إلى بيان وتةفسي
3ـ نقد موسيقى الشعر : وتتألف موسيقا الشعر من امور ثلاثة هي :
أ ـ الوزن الشعري .
ب ـ القافية .
ج ـ الموسيقا الداخلية .
فالوزن الشعري : يراد به البحر الشعري الذي صيغت عليه القصيدة .
والقافية : هي الركن الثاني من أركان النظم الشعري وكانت تسمى القصائد بحروف قافيتها وايقاعها وحروفها يمثل مستوى ابداعيا يجعله الناقد مجالا من مجالات الحكم على الشعر .
أما الموسيقا الداخلية : فهي نغم خاص تمتاز به القصيدة بسبب نجاح الشاعر في اختيار المفردات وترتيبها وفق نسق خاص وما يتبع ذلك من حركات الاعراب والمد والامالة والتفخيم وفنون البديع الللفظي المتعدده .
ومن امثلة الموسيقا الداخلية ما نراه في بيت الخنساء في وصف اخيها صخر :
حمال الويه هباط أودية *** شهاد أندية للجيش جرار
في هذا البيت نلاحظ التوافق بين الصيغ التعبيرية التي تقوم على صيغ المبالغة " حمال ، هباط ، شهاد ، جرار " كما تبدو في التزام وزن واحد بعد كل من صيغ المبالغة السابقة " الوية ، اودية ، اندية " .
قضايا نقدية
قامت الدولة العباسية بما صحبها من ثقافات متنوعة ، وازدهار للعلوم والآداب ، ونشاط دؤوب في ميدان الترجمة ، واتساع حركة التدوين والتأليف كل ذلك افسح المجال لظهزر شعراء مجددين خرجوا على مألوف الشعر العربي صياغة ومضمونا ووزنا عروضيا ، ومذهبا فنيا فبشار رأس المجددين من مخضرمي الدولتين ، ومسلم بن الوليد يدين بمذهب البديع ، وأبو تمام يغوص بحثا عن المعاني ويخالف طرائق العرب في استعاراته ومجازاته ، وابو العتاهية يرى نفسه أكبر من العروض ، أما أبو نواس فله في خمرياته مذهبه الفني الرافض للوقوف على الاطلال والالتزام بالمنهج التقليدي للقصيدة العربية ولا سيما قصيدة المديح ..."
كان لوجود هؤلاء وغيرهم سببا في قيام خصومات أدبية ونقدية حولهم وحول مذاهبهم ونزعاتهم التجديدية في الشعر ولو أنهم لم يحملوا الوية التجديد لبقي النقد على هدوئه وسكينته ، ولما تعمق النقاد في فهم الشعر العربي وتذوقه ، وفي ادراك عناصر الجمال ، ومعرفة خصائص الشعراء ، ولما كان هناك تحليل دقيق للصياغة والمعاني والشعور ، أو كلام على ملاءمة المعاني للحياة الجديدة وحاجات العصر .
لقد كانت محاولات التجديد الشعري ومذاهب الخروج على ما ألفه الأدباء والشعراء والنقاد من سيرورة الشعر العربي ، خيرا على هذا الشعر ، بما دار حوله من مناقشات ومناظرات وخصومات نقدية كشفت عن جوانب مهمة وخصائص خافية وومذاهب فنية قامت صروحها بفضل تلك الخصومات والآراء المتباعدة حينا والمتقاربة حينا آخر ن فضلا عن الكتب النقدية التي بدأت تكثر وتبرز في القرنين الثالث والرابع الهجريين ، وتتناول قضايا نقدية مهمة لم يكن الآدباء والشعراء والنقاد يعيرونها أهمية قبل ذلك ، كالافاضة في الحديث عن اللفظ والمعنى ، وعن السرقات الآدبية ، وشعر الطبع والصنعة ، والنحو واللغة ، وعمود الشعر .....الخ "
إذن فالفضل الكبير في ذلك يعود إلى اولئك الشعراء المجددين ، أو المتمردين على التقاليد الموروثة للشعر العربي ، لأنهم أفادوا الحركة النقدية .
أولا : قضية عمود الشعر العربي .
من أهم القضايا النقدية التي شغلت أذهان الطبقة المثقفة في العصر العباسي في القرن الثالث الهجري قضية عمود الشعر العربي .
وعمود الشعر هو طريقة العرب التقليدية المتوارثة في نظم الشعر من حيث الشكل والمضمون ، والخيال ، والوزن ، والقافية .
وهذا المصطلح يشبه ما يسمى الأن في النقد الأدبي الحديث بنظرية الشعر ’، فمن سار على هذه السنن وراعى تلك التقاليد قيا أنه التزم عمود الشعر واتبع طريقة العرب، ومن حاد عن تلك التقاليد ، وعدل عن تلك السنن قيل أنه خرج على عمود الشعر وخالف طريقة العرب .
وقد ارتبط عمود الشعر بقضية الخصومة بين القدماء والمحدثين والتي نشبت في العصر العباسي حول أبي تمام والمتنبي بشكل خاص وتناولها من وحي هذه الخصومة ثلاثة نقاد هم : ( الآمدي ، والجرجاني ، والمرزوقي ) .
وكان لكل منهم تصور للشعر عكس من خلال حديثه عن هذا المصطلح رأيه بوضوح .
وعلى الأرجح أن هذا المصطلح " عمود الشعر " أول ما ظهر ظهر عند الآمدي إذ أن الكثير من النقاد ينسبون إليه فضل الإسهام في تأسيس هذا المصطلح .
فضل الآمدي البحتري على أبي تمام وذلك لأنه أكثر التزام بأساليب القدماء في الشعر يقول : " إنه أعرابي الشعر مطبوع ، وعلى مذهب الأوائل ، ما فرق عمود الشعر المعروف " .
ونقد أبي تمام لأنه شديد التكلف ولا يشبه شعره شعر الأوائل ولا على طريقتهم .
فيرى الآمدي من خلال حديثه عن شعر البحتري أنه يجب على الشاعر أن يستخدم الالفاظ السهلة المألوفة ،؟ وألا تكون ألفاظه حوشيه غريبة وأن يتجه الشاعر إلى الشعر القريب الذي يخاطب القلب من أسهل الطرق .
فالآمدي هنا ينفر من كل مل يمكن أن يفسد بساطة الشعر ويبعده عن عفويته أو يعقده ويجعله غامدا فالآمدي ينفر من الفلسفة والأفكار الدقيقة إذا دخلت في نسيج الشعر لأنه تجعل الشعر بحاجة إلى استنباط وادامة النظر والتفكير الأمر الذي يتنافى مع عمود الشعر عند العرب .
ويرى الآمدي أن الاستعارة واحده من أسباب خروج أبو تمام عن عمود الشعر ويرى أن الاستعارة عنده قد اتسمت بالبعد ، من مثل قوله :
لو أن الخلاخل صورت لها *** وشاحا جالت عليه الخلاخل
فقال الآمدي هذا الذي وصفه ما نطقت به العرب وهو أقبح ما وصفت به النساء .
أما القاضي الجرجاني فقد اجمل هذه القضية في قوله : " وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجود والحسن بشرف المعنى وجزالة اللفظ واستقامته ، وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب ، وشبه فقارب ، ولمن كثرت سوائر امتثاله وشوارد أبياته " .
أما المرزوقي فقد وضع الصورة النهائية الكاملة لعمود الشعر بعد أن أفاد من من تقدمه ، واكتملت جوانب هذه القضية عنده في سبعة شروط هي :
1ـ شرف المعنى . 2ـ جزالة اللفظ واستقامته 3ـ الإصابة في الوصف .
4ـ المقاربة في التشبيه . 5ـ التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن . 6 ـ مناسبة المستعار من المستعار منه 7 ـ مجانسة اللفظ للمعنى .
ومن الواضح أن من هذه الأمور ما يعود للفظ وهو " الجزالة والملائمة للمعنى المطلوب " .
ومنها ما يعود إلى المعنى وهو " الرفعة والشرف والصحة والصواب " .
ومنها ما يعود إلى الأسلوب وهو " المتانة والانسجام ، والألفاظ المتميزة والقافية المواتية للمعنى " .
ومنها ما يعود إلى الخيال وهو " قرب التشبيه ومناسبة المستعار منه للمستعار إليه " .ثم ذكر معيار كل واحد من هذه الأمور السبعة ، وهي لا تخرج عن الطبع والرواية ، والذكاء والدربة .
ثانيا : الموازنة والسرقات .
لقد كان الإيمان بفكرة استنفاذ القدماء للمعاني من أهم عناصر الخصومة الحقيقية بين القدماء والمحدثين وكان موقف المحافظين من قضية اللفظ والمعنى اساس مشكلة السرقات في النقد العربي .
والجاحظ أول من عرض لهذه المشكلة ومهد لكل من أتى من النقاد فقد استخدم لفظ " الأخذ " في البيان والتبيين و " السرقة " في الحيوان .
واستخدم ابن سلام " السرقه والاجتلاب والإعارة " ، واستخدم ابن قتيبه " السرقة والسلخ ، والأخذ ، والنسخ ، والإتباع " .
وتشير كتب الطبقات إلى بعض التعليلات السطحية لهذه المشكله حيث تعرضت لروايات عن الشعراء المترجم لهم ترميهم بالأخذ .
وفطن ابن المعتز في بديعه إلى السرقه قد يكون في لون بديعي .
ووضع ابن طباطبا قواعد السرقه الحسنه ، فيقرر أن الشاعر إذا تناول المعاني التي قد سبق إليها فأبرزها في احسن من الكسوة التي كانت عليها لم يعب بل وجب له فضل لطلفه وإحسانه فيها . وابن طباطبا أول من جعل الأخذ من النثر من السرقات الحسنه بخلاف من سبقه .
أما أبو هلال العسكري فآمن بتوارد الخواطر ومع هذا قال بوجود الأخذ وقسمه إلى " حسن وقبيح " .
ورأى من قواعد الأخذ الحسن أن يكسو المتأخر معنى المتقد الفاظا من عنده ، وأن يأخذ معنى من النثر فينظمه ، أو أن ينقل المعنى من غرض إلى آخر ، أو يخفيه .
ورأى أن من قواعد الأخذ القبيح أخذ المعنى بلفظه كله أو أكثره ، أو أخذ البيت بإخفائه ، أو المختصر بإطالته .
وقد اتبع ابن رشيق خطوات العسكري مفرقا بين الاختراع للمعنى والابداع للفظ مستخدما مصطلحات أغلبها عند المتقدمين .
أما ابن الأثير فاعتمد منهجه في دراسات السرقات على التقسيمات الكثيرة حيث قسمها إلى :
1ـ نسخ 2 ـ سلخ 3 ـ مسخ 4 ـ أخذ المعنى مع الزيادة عليه 5 ـ عكس المعنى إلى ضده .
ثم فرع هذه الأقسام إلى شعب مختلفة ، ولم يهتم بتحقيق وجود السارق أو عدم وجوده .
وأما الآمدي فآمن بالسرقة الممدوحة والأخذ الحسن ، فلم يرى سرقة في الاتفاق في المعاني المشتركة ، أو التقاليد الشعرية ، أو الأقوال السائدة وكذا في الأعراض المختلفة ، ورأى السرقة فقط في البديع المخترع الذي يختص به الشاعر .
بينما القاضي الجرجاني آمن باستنفاذ الأولين للمعاني والسرقة الممدوحة للمحدثين ، ولم يرى سرقة في المعنى الخاص الذي شاع حتى أصبح في حكم العام المشترك ، ورأى أن السرقة تكون في المعاني الخاصة المبتدعة ولم تستفض بتداولها سواء اتفقت أغراضها أو لا .
ورأى عبد القاهر أن ألعبره بالكساء كما رأى العسكري ، ونوع المعاني إلى عقلية وتخيليه ، ورأى أن المعنى العقلي هو العام المشترك وليد التجربة اليومية ، ولا يكون فيهه سرق ، والمعنى التخييلي هو الخاص الذي يولده الشعراء دون تلاق ، وهذا يكون فيه سرق ، كما رأى سرقا في المشترك الذي يلحق بالخاص إذ دخل إليه من باب الكتاية والتعريض والرمز والتلويح .
ثالثا : الطبع والصنعة .
شغلت قضية الطبع والصنعة النقاد قديما وحديثا ، وقد قسم بعضهم الشعر على قسمين :
1ـ شعر مطبوع يعتمد على الموهبة الفطرية وقد عرفه ابن الأثير بقوله : " الطبع هو الاستعداد الفطري أو العبقرية أو الموهبة التي يهبه الله من يشاء من عباده ، وتأتي من فيض إلهي من غير تعلم سابق ولهذا اختص بها بعض الناظمين والناثرين دون غيرهم " .
وقال الآمدي : " إن الشعر المطبوع هو الذي يأتى صاحبه استعداد للشعر ونظمه نظما طبيعيا لا تكلف فيه ولا صنعة ولا تعقيد متى اراد صاحبه ذلك ويظهر شعر الطبع بوضوح في قصة الاصمع مع الاعرابي فيروى أن الاصمعي شاهد اعربيا يأكل الطعام والسمن يسيل على لحيته فقال له الاصمعي :
كانك افلت في ارض هش *** اتاها وابـــــل من بعـــــــــــد رش
فقال له الاعربي :
كأنك بعرة في افك كبـــــش *** مدلات وذاك الكبش يمشي
فغضب الاصمعي من تشبيه الاعرابي له بالبعرة فقال له الاصمعي: " أتقول الشعر؟
فقال الاعرابي كيف لا اقول الشعر وانا أمه وابوه .
قال الاصمعي ففكرت في اصعب قافية فوجدتها قافية الواو الساكنة المفتوح ما قبلها فقالت له ائتني ببيت آخره واو ساكنه مفتوح ما قبلها ن فأنشد الأعرابي قوله :
قوم بنجد عهدتهم *** سقاهم الله من النو
فقال الاصمعي " نو " ماذا ؟
فقال الاعرابي :
نو تلألأ في دجى ليلة *** مظلمة كالحة لــــــو
فقال الاصمعي " لو " ماذا ؟ يريد أن يعجزه
فقال الاعربي :
لو سار فيها فارس لانثنى *** على بساط الارض منطو
قال الاصمعي " منطو " ماذا ؟
قال الاعرابي :
منطو الكشح هضم الحشى *** كالباز قد إنقض من الجو
قال الاصمعي " جو " ماذا ؟
قال الاعرابي :
جو السماء والريح تعلو به *** قد شم ريح الارض فعلو
قال الاصمعي " فعلو " ماذا ؟
قال الاعرابي :
فعلو لما عيل منه صبرهم *** فصاروا نحو القوم ينعــــو
قال الاصمعي : " ينعو " ماذا ؟
قال الاعرابي :
ينعو رجالا للثنى شرعتهم *** كفيت ما لاقو ولاقــــــــــو
قال الاصمعي : ": لاقو " ماذا ؟
قال الاعرابي :
إن كنت لا تفهم ما أقول *** فأنت عندي رجل بــو
قال الاصمعي : ما " البو " ؟
قال الاعرابي :
البو سلخ قد كسى جلده *** بالـــــف قرنان تزيد أو
قال الاصمعي : " أو " ماذا ؟
قال الاعرابي :
أو أضربه باسطوانة على رأسه *** تقول فـــــي ضربتها قــــــــو
قال الاصمعي : فخشيت أن أقول له " قو " ماذا فيضربني بسطوانة في رأسه .
كل ذلك والاعرابي كان يجيب على الطبع مباشرة ودون عنى تفكير أو تكلف وصنعه
2 ـ شعر مصنوع وهذا النوع من الشعر لا يأتي عفو الخاطر إنما يحتاج إلى بذل الجهد واعمال العقل واستحضار مكثف للنجربة والثقافة المعرفية للشاعر ، فالشاعر المتكلف هو الذي التوت به الصنعة ، والشعراء المتكلفون هم الذين لا يجرون مع تيار الطبع كأبي تمام الذي جره تكلفه والصنعة إلى الغموض حيث أسرف في الطبق والتجنيس والاستعارات وتوشيح شعره حتى صار كثيرا ما يأتي به في معاني لا يعرف ولا يعلم غرضه ولذلك قال له أبو العميثل ـ كما اسلفت ـ لما تقول ما لا يفهم ؟
والختلف النقاد في وجود الطبع هل هو أمر فطري أم شيء مكتسب . فنفى بن خلدون في " مقدمته " وجود الطبع فهو ـ في رأيه ـ أمر مكتسب ، والوسيلة الاساسية لنظم الشعر في رأيه هي فقط حفظ أكبر قدر من الآثار الشعرية .
وقد سئل رؤبة بن العجاج عن أفحل الشعراء فقال : " هو الراوية " .
يربد أنه إذا أكثر الراوي من روي الشعر استفحل .
وكان جرير إذا أراد أن يقول شعرا صنعه ليلا شعل سراجه ويعتزل ، وربما علا السطح وحده فاضطجع رغبة في الخلو بنفسه .
وقيل لكثير كيف تصنع إذا عسر عليك الشعر ؟ قال : " أطوف في الرباع المحيلة ، والراض المعشبة ، فيسهل علي أرصنه .
وقال أبو تمام في وصيته للبحتري : " يا أبا عبادة ، تخير الأوقات وانت قليل الهموم ، وأعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الانسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر ، فإن أردت النسيب فاجعل اللفظ رقيقا ، والمعنى رشيقا وأكثر فيه من بيان الصبابه ، وتوجع الكآبة ولوعة الفراق ، وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فاشهر مناقبه ، واظهر مناسبه ، وإياك أن تشين شعرك بالالفاظ الزريه ، وكن كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الاجسام وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك ، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب ، واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعه إلى حسن نظمه " .
وجملة هذه الوصايا تؤكد على التفات الشعراء لصناعة .
وخلاصة القول أن الطبع والصنعة يكمل بعضهم البعض ولا بد من اجتماعهم معا لدى الشاعر المجيد
رابعا : المبالغة والاعتدال
المبالغة أحد فنون البديع التي دار صراع كبير حولها بين مؤيد ومعارض ومتحفظ وذلك لما ارتبطت به من افراط وغلو وفكرة الصدق والكذب ، وهي قضية اخلاقيه ينظر إليها كل ناقد من خلال منظوره الخاص ورؤيته النقدية ، وما اختلف النقاد قديما ولا حديثا حول هذه القضية إلا بعد ظهور الإفراط والغلو في الشعر .
وقد اختلف النقاد والبلاغيون في المبالغة على ثلاثة آراء :
1 ـ الرأي الأول يرى أن أجود الشعر اكذبه ، وخير الكلام ما بولغ فيه ويحتجون في ذلك ما جرى بين النابغة وبين حسان في استدراك النابغة عليه " انظر حكومة النابغة الذبياني في النقد في العصر الجاهلي ص " حيث عاب النابغة على حسان ترك المبالغة في قوله :
لنا الجفنات الغر يلمعنا بالضحى *** واسيافنا يقطــــرنا من نجـــدة دم
فقال له اقللت جفانك واسيافك ، فلو قلت الجفان ولو قلت سيوفنا لكان أكثر مبالغة ولو قلت : يبرقن بالدجى لكان ابلغ في المديح لأن الضيف أكثر طروقا بالليل ، ولو أنك قلت كذلك " وسيوفنا يسلنا من نجدة دما " لكان اكثر مبالغة .
2 ـ الرأي الثاني يرى أن المبالغه من عيوب الكلام ، ولا يرون من محاسنها إلا ما خرج مخرج الصدق وجاء على منهج الحق ويزعمون أن المبالغه من ضعف المتكلم
3 ـ الرأي الثالث يرى التوسط بين المذهبين فقبلوا المبالغه إذا كان طابعها الاعتدال وهذا المذهب استند إلى قبول المعتدل من المبالغه على ما ورد منها في القرآن الكريم كقوله تعالى : " حتى يلج الجمل في ثم الخياط " وهو معيار السلامه وميزان الاعتداال "