مشاهدة النسخة كاملة : من وحي الطبيعة (سلسلة خاصة)
ليلى أمين
03-19-2017, 08:04 PM
هنا سأجمع بإذن الله سلسلتي من وحي الطبيعة
بقلم ليلى بن صافي
محبتي وتقديري للجميع
http://up.rjeem.com/uploads/13559475313.jpg
ليلى أمين
03-19-2017, 08:07 PM
هاجس في الظلام
طار العصفور محلّقا في الأجواء الفسيحة ، بعد ما أيقن أنّ القيود ليست لمثله،فبكت الحقيقة على أنقاض الأحلام، وأنغام الماضي تدغدغ كيانها ،فصالت وجالت بين أحضانه فاضطربت أفكارها وهاجت أحاسيسها فعانقته بحرارة وهي تتوسل بقاءه فأبى واستكبر فكانت النهاية وكان الوداع!!!!
تتالت الليالي والأيام وتبعتها الشهور والسنوات والعصفور لم يعد . أدركت حينها أنّ عصفورها الوديع قد اختار لنفسه عالما آخر.....فتساءلت¨أيعقل ان يباع الوفاء بأثمان رخيصة؟! إنّها هواجس أيقضت الآلام وقتلت البسمة ورسمت على شفتيها قبلة الوداع . فكّرت مليّا ورأت أنّّه من اللؤم أن نفكّر في بيع الحب!!فهو أسمى وأرفع من أن يباع في الأسواق النائية . كيف نبيع الخيط الذي يشدّ الروح ويحمي القلب ،إن فقدناه فقدنا الحياة .جلست خلف الظلام وكأنّها تريد أن تتوارى عن الأنظار لتخيط من الأوهام لباسا يقيها زمن الوحدة.رأتها السماء من بعيد فرثت لحالها وهمست في أذنها:من ذا الذي أذهب النوم عن طرفك؟و أسكن الوحشة في دارك؟ إنّ بعد العسر يسرا....رفعت رأسها ألى السماء مستسلمة و اليأس باد على محيّاها،ثم حملقت في الأرض يمينا وشمالا وراحت تردد:رحل رحل !!!!
بكت السماء لحال صديقتها وراحت تواسيها لعلّ الجراح تلتئم . فرفعت رأسها إلى السماء بنظرة تحمل كل معاني الشكر والإمتنان وهي تقسم أنّه لا بكاء بعد اليوم وعليها أن تصل إلى برّ الآمان بعد أن غرقت في بحر الحسرة والألم .ومنذ ذلك اليوم عاشت الحقيقة حياة تملؤها الطمأنينة وراحة البال .وعرفت أنّ زمن الوقوف على الأطلال قد ولّى ...وبينما هي في عالمها الزمردي تترشف كؤوس الأمل إذ سمعت طرقات خفيفة على زجاج النافذة ،أسرعت لترى من الطارق ففوجئت بالعصفور عاد ليلتمس العفو .فحبست أنفاسها ونظرت إليه في اشتياق؛وقالت له في أسف:لقد تكسّر القفص!!!عد إلى حيث كنت ،فأنت لم تعد من عالمي والطريق بيننا مسدود...بكى العصفور ونيران الندم تلتهم فؤاده . أما الحقيقة عادت لحياتها وأدركت أن الحياة تستمر رغم الآلام والأحزان........
ليلى بن صافي
ليلى أمين
03-19-2017, 08:29 PM
نعمان
أكيد أنتم تتساءلون عن النعمان هذا!! وقد أخذ مساحة من أوراقي وقلبي .
فأجيبكم :إنّه فرد من أفراد عائلتي ، يناديني ماما ويوقظني صباحا عندما أتأخر في النهوض من فراشي وحين لا يشم رائحة القهوة وهي منبعثة من المطبخ .
فأستجيب لندائه بسرعة وإلاّ فضحني وملأ المكان صراخا فأمنحه قطعة خبز مبللة بالحليب وقطرات من القهوة.
آه لو رأيتم الطريقة العجيبة التي يمسك بها طعامه ما من أحد يرى ذاك المشهد ولا يتفوه بسبحان الله..!
نعمان صغير العائلة.
لايمكن أن أتصور غيابه فقد أصبح وجوده بيننا حتمية .
وكان نعمان ينادي كلّ واحد منّا بإسمه بطريقة مضحكة فكان ينثر السعادة بيننا ويشاهد التلفاز معنا فيردد الكثير من الأصوات وكنّا نفرح بذلك ونرى أنّه غنيمة حبانا الله بها وحين أحسّ أنّ وقت نومه قد حان أحمله إلى مكانه المعتاد وأطفئ الضوء لأنّه يعشق الظلام رغم صغر سنه.
وفي يوم من أيام العطلة الصيفية قررنا زيارة أهلي وطبعا نعمان سيسافر معنا.
إذ لا يمكن تصوره بعيدا عنّا .
وهكذا قمنا باكرا وجهزنا السيارة وارتدينا أفخر الالبسة وحملنا معنا الهدايا والحلويات وكنّا سعداء بهذه الرحلة الطويلة والتي من خلالها نمر على العديد من المدن ونتوقف أحيانا لغرض ما قد يكون بسبب الطعام أو قضاء حاجة أو تناول المثلجات وخاصة أنّ الحرارة كانت شديدة ومكيف السيّارة كان معطّلا .
وصلنا إلى بيت أهلي بعد عناء الطريق فاستقبلنا الجميع بالتقبيل والاحتضان ،و فرحة الاطفال بنعمان لا تضاهى وضحكت أمي قائلة : حتى نعمان جاء معكم .
فأجبتها أجل يا أماه وأنت تعرفين أنّني لا أستطيع تركه وحيدا بالبيت أو عند أحد الجيران. ولا تنسي أنّه أصبح فردا من العائلة.
بالفعل كانت رحلة ممتعة استطعت أن أغرف القليل من حنان أمي وطبعا لست أنانية حتى لا أفكر في زوجي وأولادي والذين خططوا لهذه الرحلة وكانت زيارة مقام الشهيد وحديقة التجارب وحديقة الحيوانات من ضمن برنامج الرحلة .
حان موعد العودة إلى البيت فنهضنا أيضا باكرا وشربنا قهوة الصباح بالفطير الذي حضّرته أمي .ثم ودّعنا الجميع وشكرناهم على الاستقبال الحار والمأكولات اللذيذة من يد ماما الرائعة.
وها نحن عائدين إلى بيتنا ونعمان معنا وحرارة الجوّ خانقة توقفنا من حين إلى آخر ونعمان كالعادة يبقى بالسيارة .
وصلنا إلى مدينة غرب الجزائر تعرف بالمحمدية واختار الجميع أن نتناول بعض المثلجات وهكذا قصدنا محلاّ عائليا أنيقا وناولنا النادل ورقة المني وبعد زمن عاد ليطلعه كلّ واحد على إختياره وبعد تناول تلك المثلجات والتي كانت محل نقاش أولادي ففيهم المؤيّد للذّتها وفيهم المعارض ثم قصدنا السيارة وبمجرد فتحها رأينا نعمان بين الموت والحياة يصارع لحظاته الاخيرة.
حمله زوجي إلى الخارج وهو يملأ فمه بالماء ويبلله به والكلّ يبكي خوفا على فقده .
ركبنا السيارة ونحن في حالة من الخوف والذعر.
أخذته بين ذراعي فتلفظ أنفاسه الاخيرة.
فاشتد صراخ وبكاء أولادي أما أنا و زوجي فبكينا بصمت طول الطريق ونحن نفكر أين ندفنه فاستقر قرار أولادي على دفنه تحت نافذة غرفة نومهم.
وهكذا فقدنا نعمان ببغاءنا الجميل الرائع الذي لم يمرّ على موته شهر واحد حتي اشتريت آخر.
ليلى بن صافي
ليلى أمين
03-19-2017, 08:40 PM
على ضفاف الغدير
http://t0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcRkPmQhiuCUWmKSzNgliAQ4RnCX6cdGh mWA4Eb-OtxM1Wa25NJ7]
خرجت إلى الطبيعة وأنا أردد أعذب الألحان بما جادت به سريرتي من حب ووله بالحياة ولأبثها أخلص الروابط وأدفع عنها قوى البغي والظلم بل أجعل منها معزوفة ترددها الصبايا وأرسم منها لوحة خالدة تبهر الناظرين وأنقلها بسمة على شفاه المحبين.وبينما أنا أرقص على نغمات الأحلام! أيقظني صوت غريب.......تسللت بين الأشجارلأعرف مصدره،فلم أر غير بساط أخضر تأرجحت فيه بعض الأزهار البرّية . اقتربت أكثر فلمحت غديرا ماؤه كالأمل يحيي فؤاد الولهان هبّ نحوه نسيم عليل عانق عروس النهار ، فارتسمت صورة شمس الأصيل على سطحه حتى خيّل للناظر عذارى تتراشق بمياهه العذبة الصافية صفاء اللجين.وبينما أنا أمتّع النظر بهذا المشهد الملائكي زاد الصوت حدّة وزاد معه فضولي ترى من أين يأتي هذا الصوت؟نظرت من حولي...........أحسّه يقترب مني شيئا فشيئا .....إنّه بكاء قطرة ماء علقت بحذائي ،حاولت إعادتها إلى الغدير ولكّنها أبت وتشبثت أكثر........وقالت والبكاءأبحّ صوتها : انا لست قطرة ماء!!!!
أصغيت إليها في حيرة وهي تتوسل بقاءها معي لمساعدتها في إيجاد موطنها الأصلي . انحنيت إلى الأسفل وحملتها بين أناملي في رفق كي لا تنساب من بين أصابعي ورحت أجوب بها الغابات وأقطع الوديان بحثا عن المجهول.....سرنا سوّيا بين أحضان الطبيعة .ألقيت نظرة فإذا بها هادئة ،ثابتة بمكانها .
أشرقت الشمس عاليا فاغتاضت السنديانة وتمنت لو عانقتها لتزيد اللوحة جمالا ....ولكنّها أبت وظلّت عالية تداعب السماء رافضة عالم الحضيض و البلابل بعثت بالحانها الشجّية وعزفت سمفونية الخلود فانتفضت القلوب النائمة لترقص رقصة الحياة .
واصلنا طريقنا وسط الجنان والطيرفوق الغصون تملأ الجّو بأعذب الألحان.حينها قطعت خيوط الصمت وخاطبتها برفق :أيا لؤلؤتي فتجهمت وانتكست وردت:شتان بيني و بين اللؤلؤ!!!
جلسنا فوق صخرة عذراء تخفي وراءه زهرة داعبتها رياح الصباح تفوح بحلو العطر وقطرات الندى زادتها رونقا وجمالا. وفجاة قفزت من مكانها لتستقر فوق الزهرة مهللة مستبشرة وهي تصرخ بأعلى صوتها :عرفت من أكون : أنا قطرة من الندى . وما هي إلاّ هنيهة حتى عادت إلى يدي مكسورة الجناح وهي تردد: لست قطرة ندى ...
أرخى الليل سدوله وانتشر الظلام فنامت الطبيعة فوق الربى والسهول واختفت وراءها كل الألوان .
انزوينا تحت جذع شجرة نحلم بنورالصباح لنواصل الطريق.أحسّ الليل بأنينها ووجعها فضمّنا تحت جناحيه و لفّ حولنا وشاحه الأسود وهدّأ من روعنا بسكونه الروحاني وكأنّه يقول لنا ناما أنا هنا...
بزغ فجر جديد فنفض الليل جناحيه وحلّق في السماء, فانتشر الضياء و استيقظت الطبيعة على صوت المطر وهي تنعش الزهر والنبات و الأشجار فالتفت من حولي أجس نبض رفيقتي البائسة. لمحتها من بعيد وهي تتسلق ساق زهرة بللتها حبات المطر. حملتها بين أناملي ووضعتها فوق الزهرة برفق. وفجاة هبّت صارخة :لست قطرة مطر......فعاودها الحنين وانتكست رافضة وجودها.رثيت لحالها وانتابتني أوجاع أسكبت مدامعي فغرقت القطرة بنهر دموعي وإذا بها تهلل وقد تغيرت ملامح وجهها وازدادت لمعانا و هي تردد:يا فرحتي يا فرحتي اليوم عرفت هويتي,أنا دمعة من مقلة فرّت باحثة عن الخلود لكنّها أدركت أنّها تولد لتموت .
بقلم ليلى بن صافي
ليلى أمين
03-19-2017, 08:49 PM
في العراء
خلف الزجاجِ أبصرتها في العراءِ تتكورٌ حول نفسِها ،تعانقُ أشعةَ شمسٍ آفلةً وكأنّها تستجدي منها دفئا يوقظُ أعضاءَ جسمِها المتجمدِ وهي ترسلُ زفراتِها في صمتٍ،قاومت الالمَ وحاولت إخفاءَه وراء ظلالِ الكبرياء وعنفوانِ الشبابِ و ظلّت شامخةً تطاولُ أعنانَ السماءِ بجسمِها النحيفِ .
فتحتُ النافذةَ لأشعرَها بوجودي و لأهدّأَ من روعها و أبعثَ في أوصالِها دفءَ الحياةِ ببصيصِ أملٍ فأوثّقُ بيننا خيطَ المحبةِ الذي محته سنةُ الحياة وقوانينُ الطبيعِة .
رفعت رأسَها نحوي ونظرت إلي نظرةَ سخطٍ وغضبٍ ولم لانظرة لومٍ وعتابٍ.طأطأتُ الرأسَ خجلا وعدتُ أدراجي إلى الوراء وهممتُ بإغلاقِ النافدة ولكنّ صوتا بداخلي هزّ كياني وزلزلَ جوارحي فتجمدَّ الدّمُ في عروقي وانتحرت الكلمات فصرختُ بأعلى صوتي : آه من ظلمِ الطبيعةِ.
سمعت صراخي ، عرفت أنني ما كنت لأتركَها هناكَ في العراء تكابدُ الاهوالَ لو استطعتُ ،
صحيحٌ أنني كنتُ أراقبُها صباحَ مساءَ وهي تصارعُ من أجلِ البقاءِ ولكن ما باليدِ حيلةٌ ويدُ القدرِ فوق أيدينا.
ساد صمتٌ رهيبٌ مزّقتُه كلماتُها المبحوحَة :لا تيأسي سأولدُ من جديدٍ ،ألسنا نسمعُ نفسَ الموسيقى طق طق طق مطرٌ مطٌرٌ مطرٌ
فما يهمُ إن كنتُ هنا أو هناك
عاد الربيعُ واخضرّتِ الحقولُ ، فرأيتها باسمة تقاسمُ الربيعَ جمالَ الحياة والصبيةُ من حولها تنعمُ بظلالها
فنظرت إلي والقلبُ مبتسمٌ :ألم أقل لك سأولدُ من جديدُ
بقلم ليلى بن صافي
ليلى أمين
03-30-2017, 04:20 PM
لم يقدّر لها أن تعيش
يا الله !!
كم هي جميلة فقد حباها الله بجمال لم يهبه لغيرها. وكم رسمها الرسّامون ونحتها النحاة وملأت صفحات الادباء شعرا ونثرا،وكم تغنّى بها العشّاق .
اقتربتْ مني في خجل واستحياء و كأنّها تعاتبني على أنني اخترقتُ عالمها وكشفتُ عن سرّها ،دعوتها لمجالستي ولكنّها فرّتْ مني خوفا من أذيتها .
بحثتُ عنها بين الورود فرأيتها هناك والجسم يرتجف،كانت تعرفُ أنّني أبحث عنها ولكنّها لم تكن تعرف أنني لا أضمر لها سوءا ،انحنيت إلى الأسفل ومددتُ يدي نحوها تردّدتْ هنيهة وفكّرتْ مليّا ولكنها في النهاية سارت نحوي بخطى متثاقلة ،
انزوينا بمكان آمن حيث لا الشمس المحرقة تلفحنا بحرارتها ،ولا الفجوات الهوائية تنغّصُ مجلسنا .
أحسستها هدأتْ وسكنتْ واطمأنّ قلبها هذا إن كان لها قلب.
بادرتها بالحديث استعلتْ وتكبّرتْ ،ترى ماذا تخفي وراء صمتها.أهي خرساء؟
نظرتْ إليّ مطوّلاً والدموع تملأ الأحداق،قرأتُ من خلالها قصتها العجيبة فكرتُ أن أعانقها لولا ملمسها الناعم وخوفي من تمزيق جسدها النحيف,سمعتها ترسل الآهة تلو الأخرى، فقلت لها :وهل يبكي من هو بجمالك؟ فتبسمتْ بسخرية وكأنّها تقول:ــ ليتني كنت قبيحة المنظر.
شعرتُ برجفة فهممتُ بالدخول إلى البيت خوفا من زكام محتوم و أشرتُ إليها كي تتبعني، فتجهمتْ، وتراجعتْ إلى الوراء، فعرفتُ أنّها تريد البقاء، و أنّ الحديقة هي مكانها المفضّل ولو أدخلتها معي لاختنقتْ وماتت.
فتركتها ورائي تمارس طقوسها ووعدتها بلقائها في الغدّ لتكشف لي عن أسرارها.
قضيتُ الليلة و أنا أفكّر في صديقتي الجديدة ،وكيف تكون حديقتي جميلة بوجودها ،أكيد ستؤنسُ وحدتي وتلونّ حياتي بأجمل الألوان.
استيقظتُ باكراً على أمل احتساء فنجان قهوتي الصباحية برفقة أنغام فيروزية و حتما ستزين مائدتي ضيفتي الجديدة .
بحثتُ عنها هنا وهناك فوجدتها مستلقية على الأرض تلفظ أنفاسها الأخيرة حملتها بين أناملي وقد انتابني إحساس بالألم والأسى ورثيتُ لحالها ،فابتسمتْ و كأنّها تقول لي :ــ لا تحزني فما أنا إلاّ فراشة لم يقدّر لها أن تعيش طويلا. يوم واحد كفيل بأن ترتسم أحداثه بذاكرتي، وتظل هذه المخلوقة الصغيرة، الجميلة دليلا على عظمة الخالق وسرّا من أسرار طبيعتنا الخلابة.
بقلم ليلى بن صافي
ليلى أمين
04-07-2017, 12:52 AM
عذراً ...
أحسستُ بإرهاق فجلستُ في الشرفة التي طالما اخترتها لأنها منزوية و بعيدة عن الضوضاء.
أخذت معي رفيقيّ الدائمين *ورقة وقلم*علّ فكري يجود عليّ ببعض الحروف. سمعت حركة خفيفة تغشى سكوني فرأيتها هناك تراقبني وتقترب مني شيئا فشيئا ،رسمتُ على شفتي ابتسامة كي أحسّسها بالأمان .تعالي..اقتربي..لا تخافي .
وما إن تفوهت بهذه الكلمات حتى رأيتها تقبل نحوي بخطى متثاقلة خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء ،لا تكاد تصدّق أنني أدعوها إلى طاولتي بهذا الصفو وما هو الذي يقف وراء تصرفي الغريب إزاءها وربما المريب.
لكنها ورغم شكوكها اقتربتْ .. لمستْ ورقتي بحنو ونظرتْ إليّ مليّا وكأنّها تقول لي :احكي عنّي ،ألستُ جديرة بحروفك البيضاء؟.
ترددت في الردّ وأنا تحت وقع الصدمة ، فهذا ما كنت أنتويه ، من اللحظة التي وقعت عيني عليها قبل لحظات !.
ذرفت عيني حسرة وعاتبت نفسي :أيعقل أن أتناساها كلّ هذه السنين وهي قريبة مني إلى هذا الحد؟.
لا أنكر انني كنت أراقبها وهي تمارس حياتها في هدوء غير مبالية بوجودنا،تنتقل من مكان الى آخر في بصمت مشوب الحذر، فالمكان دوما بالنسبة لها غير آمن يتهددها الموت في كلّ لحظة ، وهي صابرة ، تحاول أن تقوم بدورها الذي خلقت من أجله على أكمل وجه .
سرحت بأفكاري هنيهة ثم عدت إليها وهي لا تزال بنفس المكان .فهمت أنّها لا زالت تريدني أن ألتفت إليها و أحكي عن معاناتها وكيف هي منبوذة ومطاردة من الجميع .
كم تمنّت لو استقرت وعاشت بأمان بعيدا عن أياد قاسية، كثيرا ما حطّمّت بيتها وكسّرت عظامها وشرّدت أطفالها.
يا الله .. كم أنت عظيم ، قلت هذا وأنا أتأمل الكون الفسيح ،أدركت حينها كم نحن غافلون عن أسراره، بينما رحمته تحيط بنا من كل جانب .
وفجأة أحسست بشيء يلامس يدي ،قفزت من مكاني ثم عدت إليه وعرفت أنّها هي، أقصد رفيقتي الجديدة:آآآ أنت ؟!!! أمازلت هنا؟ رفعت رأسها نحوي وكأنّها تقول لي:وكيف أرحل و ما زال بيننا حديث .....
نظرت إليها مطولا .. قلت لها وانا أعني ما أقول : أعدك .. سأكتب عنك ،وأؤمّن لك الحماية في هذا البيت ، سوف أدعو الجميع للتعامل معك برأفة لأنك صبورة .. تبنين ، بينما هم يهدّمون بنيانك ..تصرّين على الحياة رغم أن الموت يتعقبك في كل خطوة.
أصغت لكلماتي وأدركت أنني نوع مختلف من البشر وعرفت أنني أحمل لها مشاعرا صادقة لا ريب فيها .
حملت نفسها واستقرّت هناك بزاوية من زوايا الشرفة، ثم راحت تغزل خيوطها لتنسج شبكة جديدة تعلّقها في الهواء ، بينما رحت أردّد سبحان الله .. سبحان الله ......
بقلم ليلى بن صافي
ليلى أمين
04-21-2017, 11:19 AM
على أطراف الاصابع
في آخر الأسبوع وبعد ما قضينا ستة أيام بين العمل والدراسة ، حان الوقت لنمنح الفكر والجسد قسطا من الراحة ، ونعيد حساباتنا التي بعثرت توازننا فأصبحنا نتحسس لأبسط الأمور،حتى أن نقاشنا كان يصل أحيانا إلى حد الخلاف ، وتحسبا للمشاكل التي نحن في غنى عنها قصدنا أنا وعائلتي الصغيرة بيتنا الكائن على شاطئ البحر والذي يبعد عن مدينتنا بضعة كليومترات ،وقد تم اختياره بعد تفكير عميق وبحث طويل ،حيث أننا كنّا بحاجة إلى مكان يبعد عن الضوضاء لننعم بالسكينة والهدوء، خاصة وأننا كنّا في أمس الحاجة إلى ذلك .
وبعد ساعة من الزمن وصلنا إلى المكان المقصود .أحسست بشيء روحاني يشدّني إليه ويهمس في أذني ....و أخيرا جئتِ.
ارتعش جسمي وجحظت عيني و أنا أحدّق صوب العالم الأزرق الفسيح و أردد :ما أ عظمك!.
أخذتني سعته وأمواجه وهي تعانق الصخور وترسم في ذاكرتي مشاهدا لا تنسى ، بينما موسيقاها السحرية تخترق مسمعي وتضرب موعدا مع التيه فنسيت الزمان والمكان وانفصلت عن المحيط .وكيف لا وهولؤلؤة من لآلئ الطبيعة ،زرقته من زرقة السماء،إنّه البحر الذي هام في عشقه الكثرون ورأينا في عظمته عظمة الخالق.وبمجرد رؤيته تمحّي الذكريات ليتربع على عرش قلوبنا فننسلخ عن عالمنا لنجدنا انغمسنا في مياهه وعشنا تباشير حياة جديد لا وجود لليأس والضعف فيها.
تعالت الأصوات حتى أنّي لم أتمكن من معرفة مصدرها ..ازدادت حدة وقوة، فاستعدتُ انتباهي لمن حولي ، استدرت و إذا بزوجي يشير إلي والغضب باد على محياه .
تذكرت حينها أنّي نسيته بينما كان ينبغي عليّ مساعدته في إخراج الأغراض من السيارة ووضعها في المكان المناسب.
اتجهت نحوه غير مبالية بصراخه حتى لا أفتح بابا أغلقناه ساعة قرّرنا فتح صفحة جديدة.
ودون أن أطلب منه الصفح أسرعت إلى المطبخ و أحضرت له فنجان قهوة ورسمت على وجهي ابتسامة ،فرأيته يبتسم ابتسامة عريضة وهو يقول لي ما أروعك.!......
كل هذا وفكري معلّق هناك ، حاولت أن أنساه و أبعد هواجس ذكراه ، فما أجدني إلاّ و أنا أفكّر في لقائه مرة ثانية ،أغمض عيني فلا أرى سواه.. أغلق أذني فلا أسمع صوتا غيرصوته ،ليتهم يتركوني وشأني لأسعد بلقائه من جديد .وأمتّع بصري وبصيرتي بجماله ،و أطفئ نيران شوق باتت تغزو جوارحي كلما ذكر اسمه.
انتظرت حتى نام الجميع ،تسللت من فراشي خوف إيقاظ زوجي وأنا أمشي على أطراف أصابعي ، تجرّدت من مخاوفي و كل القيود ما إن تركت الباب خلفي ، أحسست وكأنّني أولد من جديد ، فأسرعت نحوه حافية القدمين، يحملني إليه شوقي الكبير.. عانقته بحرارة لم أفق من دفئها إلاّ وأنا أرتعش بردا ، بينما ثيابي تقطّر ماءاً .
بقلم ليلى بن صافي
ليلى أمين
05-31-2017, 11:36 AM
الوردة البيضاء
نبضات القلب ترتفع حينا وتنخفض حينا آخرَ،سكون رهيب يغزو المكان، تسافر العين حيث المجهول، وتبقى الروح تناجي طيف النهار، وزمرة من الكواكب تحرس الأجواء على أمل لقاء قريب بعروس النهار، وذكريات الماضي تحتضر على أنقاض الأحلام ،وتدغدغ جسمها النحيف وهي ترسم حلم الطفولة على محيا الطبيعة . ياسمين ما تزال متشبثة بماضيها ؛ تنسج شمس الأصيل بخيوط الأمل ، وتسقي جنان الحب بلعاب القمر،وعصفورها يسمّعها أعذب الألحان فترقص روحها على تلك الأنغام رقصات أسطورية ،وكأنّها سندريلا زمانها ..!! فظلّ الأمير يهديها كل يوم زهرة حتى شكّلت منها حديقة غنّاء تسحر الناظر بجمال ألوانها، وكل زهرة تروي حكاية وأيّ حكاية!
نظرت ياسمين إلى الزهرة الحمراء ، والأسى يملأ قلبها الصغير ، والعين باكية تحتضن حبا كبيرا ، لم يبق منه غير كلمات لا زالت ترسو على سطح الذاكرة ، كلّما وقعت عينها عليها . قال لها لحظة تيه :«إنّه دونها عدم»
وكانت المسكينة تصدّق وتصدّق... وكم مرة استغربت انتماءه لبني جنسه!! و كان بنظرها ملاكا على الارض.
وقد كان يسمعها كلمات لم تقل قط لغيرها،كلمات تبعث على الاطمئنان،فتبتسم جوارحها قبل شفتيها.
وفجأة وهي تقلّب الطرف بين زهرة و أخرى ، وقعت عينها على زهرة صفراء، فتذكّرت كم كان يغار عليها من نسمة الرياح ، وكان دوما يذكّرها أنّها خلقّت لأجله ولأجلها خلق.
لن تنسى ياسمين اليوم المشؤوم ، حين سمعت طرقات على الباب،فأسرعت لفتحه وفي اعتقادها رسالة من أميرها جاءتها طلبا للاعتذار، فقد طال غيابه ولم تسمع عنه أيّ خبر.
كانت الرسالة من صديقة لها تدعوها لحفل زفافها.
أسئلة خدرّت فكر ياسمين فنزف قلبها الرقيق ألما وحسرة..!! وبين شمس وضحاها اختفى الأمير وراء ظلال النسيان وخيانة عمياء. ولكنّ إيمانها بالقدرثبّت أقدامها على أرض الواقع حين سمعت صوتا منبعثا من أطلال حديقتها :«كم مرة رجوتك ألا تحلمي ؟ وكم مرة حذّرتك من اندفاع الشباب والتيه في عالم الخيال..؟ حينها رفضت الاصغاء لي و أغمضت عينك عن رؤية الحقيقة»
وظلّت ياسمين تعانق الذكريات و الوردة البيضاء عالقة في ثوبها ترسم أجمل صورة للنقاء والصفاء..
وفتحت ياسمين عينيها على صوت أمها وهي تقيس حرارتها.
بقلم ليلى بن صافي
مودتي و محبتي نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ليلى أمين
10-30-2017, 01:12 PM
السيمفونية الاخيرة
https://i.ytimg.com/vi/UHaQMRVrTb8/maxresdefault.jpg
لست أدري كيف حملتني خطواتي إلى هذا المكان ،ولا إن كنت يقظة أو على أبواب حلم جميل.
كل ما أعرفه انّني هنا أمتّع النّظر بما أرى من حولي.أينما قلّبت الطرف لا أرى غير فضاء أخضر يبعث على الامل و يغرس في النفس ثمار السكينة والطمأنينة.
افترشت البساط الاخضر ، أكاد أجزم انّه لا نهاية له، عسى أن أعيد للفكر بعضا من وعيه فيكفّ عن التأمل و التساؤل كي أنعم بهذا الجمال قبل أن يخدّرني سحره .
رفعت رأسي نحو الأفق فرأيتها هناك تنظر إلي بنظرات لؤلؤية وهي ترسل خيوطها الذهبية لتشعرني بدفء حميمي تارة و أخرى يرتعش لها جسدي كرعشة اللقاء بعد الفراق.
لا أظن كنت بمفردي ،سمعت صوتا يهمس لي :هيا انهضي وطوفي بأرجاء المكان.قمت على الفورووأنا ألتفت يمنة ويسرة عسى أن ألمح صاحب الصوت.الدافئ
عرفت بعد حين أنّه أناي جاء برفقة سندباد ليحملاني فوق البساط السحري ،كم كان المنظر ساحرا و أنا أتمايل تيها والشمس لا تزال هنا وقد رسمت على جبيني آخر قبلة قبل الرحيل.رأيتها وهي تحاكي الليل من بعيد وترسم له طريق العودة .هي تعرف أنّ كرسي إمارتها سيؤول له بعد بضع ساعات.
ولكنّها كانت تمهّد له الطريق وتوصيه بي خيرا إذا حلّ الظلام،ولفّني بجناحيه .
وبعد ثوان لم أعد أراها ،ترى هل حلّ موعد رحيلها قبل الأوان؟
نظرت إلى الاعلى كي أعرف من حجب نورها عنّي ،إنّه مشهد آخر يسحر الألباب، ويدغدغ الوجدان.نفق طبيعي أخضر؟
كانت على استقامة واحدة ،باسقة ، كثيفة تعانقت أغصانها في حنو وتشابكت، يعجز من يحاول فكّها.
جلست تحت إحداها فرأيت أعشابا صغيرة تقاسمها الحياة ،داعبتها الرياح فتمايلت في خجل و كأنّها تلقي التحية.
لفت انتباهي مخلوقات صغيرة في ذهاب و إيّاب دون كلل ولا ملل،والعجيب في الأمر ردّة فعلها .كلّما لمستها أناملي غيّرت الاتجاه و كأنّها تدرك ما يحيط بها من خطر.
وفجأة سمعت لحنا شجيّا منبعثا من الجهة الغربية ، رحت أتبعه ، والصوت يزداد قوة وسحراوفضولي يزداد معه لمعرفة مصدره
كان صوت خرير المياه ،لم أشأ أن أتمتّع بسماع هذه السيمفونية الطبيعية حتى أيقظني رجل رحيم وأنا على قارعة الطريق وقد بلّلتني الأمطار وجسمي محموم يرتعش من البرد،
فعرفت حينها أنني وبائعة الكبريت توأمان.
بقلم ليلى بن صافي
ليلى أمين
10-30-2017, 01:27 PM
اغتراب
https://bigpinkrose.files.wordpress.com/2015/02/daisy-flower.jpg
كان يوما متعبا ،أحسست بقيود تشدّ جسمي حد خنق أنفاسي ،أسرعت خارج المكتب خشية أن تصيبني حالة إغماء ،لحقت بي زميلتي في العمل لم أسمع من كلماتها إلاّ :« امسكي الكأس واشربي الماء ،ما هذا إلاّ نتيجة الجهد الكبير الذي بذلتيه في الفترة الاخيرة». و أصرّ ت علي أن أعود إلى البيت . وفي المساء اتصلت لتسأل عنّي ولتخبرني أنّ رفقاء العمل قرّروا القيام برحلة داخلية ،استقرّ اختيارهم على غابة بغرب المدينة عُرفت بشساعتها ونظافتها . لقد كان بنظري المكان المناسب خاصة والفصل الربيعي سيزيد المكان سحرا وجمالا.
وصلنا إلى الغابة وما إن لمست أقدامي بساطها الأخضرأحسست بموجة من المشاعر تغزو كياني وكأنّ بيني وبين المكان رابط روحي .توغلنا أكثر داخل الغابة واخترنا مكانا يطلّ على البحر،يا لروعة الطبيعة حين يحاكي لونها الأخضر زرقة الماء.
أحسست بدوار خفيف قد يكون سببه علوّ المكان لكني أهملته ولم ألق ِ له بالا وبقيت أقلّب الطرف بين كثافة الأشجار وشساعة البحر.
انزويت بمكان غير بعيد عن رفيقاتي ،و كانت أصواتهن تصلني و تقرع طبلتي أذني و ترغمني على الابتعاد أكثر فأكثر وقدماي تحملاني لأتوغل داخل الغابة..
لم أصدّق نفسي و أنا من كانت ترتعش رعبا بمجرد سماع حكايات عن الغابات وعجائبها ،ولا زلت أذكر حكاية ليلى والذئب و الثليجة البيضاء .يا إلهي ، لِم َ تعيدني ذكرياتي لهواجس بريئة من الزمن الجميل؟
علي ّ أن أنسى كل مخاوفي الآن وأستمتع بهذه الطبيعة الساحرة ومناظرها الخلابة،
وبينما أنفض عن رأسي الذكريات ومخاوف الطفولة أصبحت أتحرك بحرية وكأن شيئا ما يوجه خطاي أو أن روحا ساحرة تقودني إلى مكان ما في هذا المحيط الشاسع .
اختفت كلّ الأصوات من حولي ولم أعد أسمع إلاّ صوت البلابل وهي ترحب بي وتعزف لي أعذب الألحان ،تراقصت الأشجار على موسيقاها وعند قدميها أعشاب تداعبها الرياح تحاول بلوغها وحين تعجز تقبل أديم الارض معلنة فرحتها بموسم الجمال.
وبينما النظر والروح يتمتعان بهذه اللوحة التي أبدع الخالق رسمها ،سمعت صوتا خلف صخرة تآكلت جوانبها فاقتربت منها ورأيت كم عبثت بها يد السنين ورغم ذلك ظلت ثابتة صامدة، ترى .كم من زائر حلّ بها ورحل دون أن يولي لها أدنى اهتمام ؟!.
أرسلت بصري ليطوف حول الصخرة وكأني أبحث عن شيء بعينه ، وفجأة رأيتها تقف بشموخ وتقاسم الصخرة وحدتها و أوجاعها ، كانت جميلة إلا أن إمارات الحزن كانت بادية على محياها .سألتها ترى ما الذي جاء بها إلى هنا وهي لا تزال في ريعان شبابها وكيف استطاعت أن تعيش بمفردها و من أين جاءت بكل هذه القوة لتحمل فراق الأحبة و حرقة الشوق لموطنها الأصلي.حاولت أن أبعث فيها روح الأمل فوجدتها أكثر مني صبرا وإيمانا، أكاد أجزم أني سمعتها تقول لي : لا تبالي أنا هنا في مأمن ما دمت في حضن صديقتي الصخرة .
و على حين غفلة جذبتني يد إلى الخلف بقوة ،ارتعبت ، وقبل أن أصرخ سمعت صراخها ، كانت صديقتي تصرخ بأعلى صوتها :هل جننت .. ألم تفكري بنا ، كنا نرتعد من القلق عليك وأنت هائمة هنا في ملكوت الله .
سرت معها بجسدي بينما فكري وروحي تركتهما هناك يبددان غربة زهرة برية جذبتها الرياح لتستقر في حضن صخرة هرمة ووحيدة .
بقلم ليلى بن صافي
ليلى أمين
12-15-2017, 04:39 AM
عودة النورس المهاجر
عادالنورس من بعيد.ارسموا على جدار كل مرفأ *لا رحيل بعد اليوم*.عاد محملا بالاشواق وقد أنهكه السفروهناك عند حافة الانتظار ألقى بأثقاله واستنشق الهواء الذي ما كان يشبه الهواء! عاد إلى الحياة من جديد ورأيت حمرة على محياه بدّدت صفرة علت ملامحه ساعة وصوله.
كل هذه السنين وأنا أعدّ العدّة لحرب ضروس أعلنها في وجه من رحل و أخذ معه الابتسامة وغرس بين أضلعي ألم الفراق وحرقة البعاد.كل هذه السنين و أنا أقلب الصفحة تلو الاخرى و أمزّق ما تبقى من خيوط الذكريات...
صمت قادم من الاعماق تعصره الاوجاع وتبدّد سكونه عاصفة الألم تعقبها صرخة وما هي بصرخة ! والافواه خلف القضبان تستجدي و بصيص أمل على حافة الحنين تعانقه الاشواق وتضرب موعدا مع شروق الشمس.رفع رأسه إلى الافق علّه يستحضركلاما يشفع له ما سبّبه لحظة ترك وراءه أحلاما وردية .....اعتقدت للحظة أنّ الربيع ابتسم لي و أن ورود حديقتي ستنمو على يده وسيشهد يوم تبهج الناظر بألوانها الزاهية.
نظر إلي نظرة مطولة توحي بالندم ....وأخيرا نطق ليقول لي والعين باكيةنقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلةرجعت وقد فاض طوفان شوقي إليك ...رجعت لان المكان هناك ما عاد يحتويني ،كل الابواب أغلقت في وجهي وصرت أسمع كل لحظة أصواتا اخترقت سمعي وتربعت بين أضلعي :عد من حيث أتيت .تجمدت في مكاني والمسافة بين الالم ونشوة اللقاء شعرة واحدة. .أخفيت مشاعري لاحفظ ما تبقى من عزة النفس و نخوة امرأة مجروحة وحتى لا يكون الصفح بهذه البساطة والالم ما يزال مستشر ينخر جوارحي.ويؤجّج نيران الهجر.أصغيت إليه من جديد ولست أدري إن كان ذلك من باب السذاجة أم هو قلب امرأة تتقن النسيان.نعم أصغيت إليه بعد أن جال بي فكري حيث كنت جسدابلا روح.............
قال أنّه ملّ رؤية النوارس تحت ثلوج المنافي و أنّ هناك جميع الفصول شتاء و برد شديد..
أخرسني الموقف ولكن الفكر ظلّ يتساءل :هل عاد ليجد دفء روحي ويسكن بين أضلعي ولينصب أرجوحته بين رمش ورمش. هذا ما كنت أسمعه منه في كل لحظة .فكيف أشعل النور من جديد بعدما أسدلت الستائر على مسرحية مات البطل فيها و أمّا البطلة فقد جفّت أنهار مآقيها وحديقتها نسيها الربيع وذبلت ورودها.....
وماذا عنّي أنا؟ وهل تعاد الحياة للأموات؟
وهل ستظل أرجوحته صامدة بين الرموش؟وأضلعي هدّتها السنون و أثقلتها كوابيس الهجر..؟؟؟؟؟؟ أسئلة خدّرت فكري و أشعلت نيران الاشواق و أذابت أكوام الجليد على قارعة الطريق.
وفجأة ارتسمت على جفن الصباح تباشير الطفولة فأورد الخدّ خجلا وعانق الافق في صمت والنورس المحمّل بأشهى الذكريات يساوم لوعة الفراق ووجع البعاد .ما عساي أقول والدمع مسح ألام الماضي. ما عساي أقول والروح في غفوة تساوم أحلام الربيع وتغزو قوافل مشاعري...
للحظة تحطّم جسر مخاوفي والنورس جاثم على ركبتيه والرأس منغمسة في الارض خجلا مما اقترفه في حقي.
ليته يرفع رأسه ليرى يدي وهي ممتدة تنتظر أن يمسك بها إلى الابد .
بقلم ليلى بن صافي
ليلى أمين
01-26-2018, 05:58 PM
في رحاب الأندلس
عدت من العمل باكرا بعد أن أحسست بإرهاق مميت لعلّ سببه الجهد الكبير الذي أبذله في تفحص الملفّات والتدقيق في الحسابات.
فتحت باب المنزل في عجالة وفكري صوب الأريكة حيث رميت بجسدي المنهك على زاوية من زواياها وقد تعانقت الجفون و أحسست بنعاس خرافي ، ربما هو مفعول حبة الأسبرين ....
لم أفق إلاّ بعد سماع جرس الباب،كان إبني العائد من المدرسة تذكرت حينها وقت الغداء وضرورة تحضير مائدة الطعام.اتجهت نحو غرفتي لتغيير ملابس العمل استعدادا لاستلام دور اجتماعي من نوع آخر،لعلّه أصعب من الأول.
وبعد الإنتهاءمن الطّعام نظّفت المطبخ وغسلت الأواني وفي نيتي عدم الذهاب إلى العمل بعد الظهر .لا أخفيكم أنّني منذ أيام و أنا أحلم بقيلولة تنسيني عناءالعمل وهواجس الحياة..
فجأة فتحت الريح الباب المطلّ على الحديقة فأوقعت مجموعة من الكتب من فوق مكتبي، رفعتها من على الأرض و أعدتها مكانها إلاّ كتابا واحدا ظلّ بيدي و أسرعت لغلق الباب تحسبا لكارثة أخرى فوقعت عيني على كرسي والدي هناك بالحديقة وقد كان يتأرجح ،مازلت أراه يجلس عليه في سكون والكتاب بيده وقد خلق لنفسه عالما ما كنّا ندري أنذاك كنهه إلاّ بعد حين . لقد عاد بي الزمن إلى مرحلة من أجمل مراحل عمري ودون وعي منّي أردت أن أعيش تلك اللحظة ، فجلست على الكرسي غيرمبالية بالرياح والكتاب لا يزال بيدي،وبينما أنا كذلك حتى سمعت مناد يصرخ بأعلى صوته وهو يدعو جميع الشعراء إلى قصر ولادة بنت المستكفي والتي دعتهم لمنافسة شعرية.
فقلت في نفسي هي فرصةلأتعرف على ملهمة ابن زيدون. وقد تمثلت لي أميرة عربية قرشية ،واحدة زمانها،بشرتها ناعمة بيضاء وشعرها أصهب وعينيها الزرقاوين فزاد فضولي لرؤيتها. يقال ورثت هذا الجمال من أمّها الجارية الإسبانية،ثم هي فرصة ثمينة لأمتّع نظري بطبيعة الأندلس والتي وهبها الله طبيعة ساحرةووافرة الجمال،بجبالها وسهولها وحدائقها الغنّاء والطيور فوق الأفنان تزيد اللوحة جمالا بتغريدتها وقد هامت بها النفوس وشغفت بها القلوب حتى نظموا فيها وفي خمائلها دررا.وتغنوا بقصورها .
فبتّ ليلتها أنظم قصيدة لتكون مفتاح ولوجي القصر وما إن فتحت باب حديقة القصر حتى أحسست بألم برأسي كانت الرياح مرة ثانية قد أوقعت مزهرية كانت على الرّف فلامسني جزء منها لحسن حظي فاستيقظت من غفوتي والكتاب لا يزال بيدي عرفت حينها انّها القيلولة التي حلمت بها .فقد غفوت و أنا أقرأ قصيدة لابن زيدون:
أضحى التنائي بديلا من تدانينا***وناب عن طيب لقيانا تجافينا
ابتسمت ابتسامة عريضة وتمنيت لو أنّ سقوط المزهرية أمهلني بضعة لحظات لكنت رأيت ولاّدة ....
بقلم ليلى بن صافي
ليلى أمين
01-31-2018, 12:47 PM
نفق مظلم
انتابني ذات صباح شعور بالجمال والأمل مع أنّني أحسست بفراغ داخلي مهيأ لاستقبال قوافل من المشاعر، ورحت أتراقص على أنغام فيروز الصباحية ،و أردّد معها بعض الكلمات التي علقت بذاكرتي.
تزينت وتعطّرت بعطري الفرنسي الذي أهملته من مدة وكنت قد نسيته و أظن أنّ زوجي وضعه أمامي لغرض ما وهو يعلم كم أعشق هذا العطر.نظرت إلى الساعة المعلقّة بجدار الغرفة فكانت تشير إلى السابعة صباحا موعد استيقاظهم.
دخلت على الفورالمطبخ، وكان بي شوق إليه غير طبيعي ،ففوجئت بطريقة ترتيبه و بدا لي غريبا وكأنّه ليس مطبخي .لا أنكرأنّه كان مرتبا بصورة أفضل... فقلت في نفسي لعلّ إحدى بناتي فعلت ذلك سأشكرها حين استيقاظها.ورحت أحضّر مائدة الفطوروألوم نفسي على ترك المزهرية فارغة وهذا التصرف غريب عنّي.فاتجهت صوب الحديقة وهناك زادت حيرتي،إذ لم أر هناك ما يسرّني كانت ورودي ذابلة وو جهها شاحبا وخضرة سيقانها فاترة؟ ! ومنها ما تساقطت أوراقها ، و الحشيش البريّ عانق الأرض و استشرى هنا وهناك ، تأسفت لما حلّ بجنتي الصغيرة وقد كنت أسقيها كلّ صباح.هل تخليت عنها كلّ هذه المدة ؟ !عدت إلى مائدتي مكسورة الخاطر مما رأيت ،حزينة على ما أصاب حديقتي، ألوم نفسي على إهمالي.
جلست أنتظر باقي أفراد الأسرة،وما هي إلاّ ثوان حضر الجميع و ألقيت التحايا الصباحية.نظرت إليّ ابنتي نظرة غريبة ولم تتوان عن سؤالي: إلى أين أنت ذاهبة ياأمي؟.رددت دون تفكير:ماذا دهاك ؟ !طبعا إلى العمل،فضحك الجميع وفي اعتقادهم أنني أمزح
استفزني تصرفهم فصرخت بأعلى صوتي و أجهشت بعدها بالبكاء،ففهم الجميع أنني لم أكن أمزح و إنّما هي نوبة من النوبات التى باتت تلاحقني مذ تقاعدت عن العمل.
ولا زلت أعايد الطبيب النفسي.
صمت الجميع ، أمّا ابنتي فقفزت من مكانها وعانقتني بحرارة أذابت هواجسي وهدّأت من روعي..تظاهرت بانني على أحسن حال ورحت أرتّب المائدة في هدوء وبشكل طبيعي.ذهب الاولاد إلى جامعاتهم بعد أن اطمأنوا على حالي.
وبقيت أنا برفقة هواجسي واكتئابئ أسترجع الصور الاخيرة و أتذمر من تصرفي.وفجأة رنّ الهاتف،كانت أمي تسأل عنّي _أكيد أخبرتها إحدى بناتي عمّا حدث_ وتدعوني للذهاب معها وأخواتي في نزهة إلى مكان تعرفني أعشقه منذ الطفولة.وافقت على الفور ودون تردد حتى لا تشك في شفائي و أنني صرت بأحسن حال . وصلنا إلى المكان ورحت ببصري صوب الفضاء الاخضر فانتابتني قشعريرة ملأت روحي بهجة وغبطة فاستدرت نحو أمي فرأيتها تحدّق بي وتبتسم عرفت كم كانت تتألم وأنا حبيسة الدار أصارع المرض.جلسنا نستظل تحت شجرة باسقة قاسمتنا سحر المكان تذيلتها أعشاب برّية شاركتها الحياة تبادلنا أطراف الحديث ما بين طرافة وجد،تعالت أصواتنا والابتسامة لم تفارق ثغر أمي.وفجأة سمعت أصواتا تملأ فضائي تتبعها صراخات مريعة و أنا أصارع الموقف خوف انتباه أمي وهي في قمة السعادة.لست أدري كيف وصلت إلى المستشفى فبعد استيقاظي سمعت الطبيب يقول لامي الحمد لله سلمت هذه المرة من النوبة العصبية ولكنّها مازالت لم تتقبل مرضها بالزهايمر.
بقلم ليلى بن صافي
ليلى أمين
02-18-2018, 01:30 AM
الوشاح
جلست أنتظر ساعة الصفر والعين جاحظة ترقب ساعة علّقت على جدار رسمت عليه الرطوبة أشكالا هندسية.أحسست ببرد شديد يغزو جسمي الضعيف و أنا تحت غطاء ثقيل به ثقوب تحكي حكاية الزمن الغابر ، قيل لي هو جزءمن الميراث ، بل كل الميراث.
ساد الغرفة صمت رهيب إلاّ من أنيني وطقطقات أسناني.يا لها من معزوفة والليل أرخى سدوله وقد لفّ في ثناياه كل الحكايا وراح يصغي لكل المخلوقات ويسكب في جلساتهم هيبة تزيده كبرياء فيلفّ هذا تحت جناحيه ويكفكف دمع طريد على قارعة الطريق حينها تختفي عيوب النهارتحت سواده وجمال همساته. وجع بقلبي والعيون تبعثرت دموعها وانتابها إحساس بالغربة.أنا متعبة والآه تسكنني،ألم يداهمني حد المرارة.
وفجاة سمعت طرقات على الباب فانتصب جسمي رغم هشاشته وضعفه لم يطل انتظاري حتى رأيته هنا أمامي يشاركني وحدتي ودون تردد فرشت له الارض حريراواقتطفت منه كل الامنيات ورجوته المكوث هنا لينصب أوتاده برأسي ويجتاحني بألف اجتياح ،فالوحدة باتت تخيفني وتقلق راحتي ،عجبا اختفت الاوجاع في لحظة ولم أعد بحاجة إلى كل تلك الاغطية، أحسسته قريبا مني قرب الروح للجسد و رحت أتأمله وهو في أبهى حلّة،جاء ليزرع بين جوارحي حلما نسيته من سنين ويرسم على جبيني قبلة هي هدية من أبي .
فبكيت على كتفيه بكاء طفل صغيرورضعت منه حد الثمالة واغتسلت بعطره فخدّرني سحره وغفوت بين أحضانه أداعب النجوم والقمر وأسابق السحاب . فتناثرت شظايا روحي وتكسّرت مرايا أوجاعي وتبددت هواجسي وما عاد الالم ينخر جسمي.
فتحت النافذة فرأيتها تبتسم لي وتنثر خصلاتها الذهبيةعلى الجبال والسهول والتلال، فنظرت إلي بإمعان وكأنّها تقول لي نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلةكم أنت محظوظة ،وكم تمنيت لقاءه المستحيل )والليل هناك خلف الجبال يبتعد شيئا فشيئا ووشاحي بيده.
بقلم ليلى بن صافي
ليلى أمين
06-25-2018, 04:31 PM
انتصر الربيع
تصفحت جريدة اليوم فجذبني عنوان بخط عريض يتوسط الصفحة الاولى:*ملتقى دولي حول موضوع الربيع*
قفزت إلى ذهني فكرة المشاركة ورحت بخيالي أسبح في ظلال لقاءات تجمعني بعمالقة الأدب من مشرق الأرض ومغربها ،وزاد حماسي لهذه الفكرة الدسمة حين عرفت أنّ أمر الملتقى وكّل إلى الأديب اللبناني المعروف "جبران خليل جبران"؟
تحينت فرصة لقائه بعد ما عرفت أنّه يرتاد يوميا المكتبة الوطنية.
وفي يوم مشمس قررت الخروج لقضاء بعض الحاجيات وفي نيتي الذهاب إلى المكتبة حيث ينتظرني هناك تحقيق حلم راودني كثيرا .دخلت المكتبة وسألت في الإستقبال عن مكان تواجد الكاتب جبران .وبعدما دلّّني الموظف على مكان جلوسه وجدته دون عناء رغم سعة المكتبة وتشعب أجنحتها وخاصة انّها تتكون من ثلاثة طوابق .وبخطى سريعة ودقات قلب أسرع وقفت أمام طاولته .كم كان المشهد جميلا وهو محاط بمجموعة من الكتب تكاد تخفيه عن الأنظار.ألقيت التحية فرفع رأسه في استحياء وردّها وهو يسأل :"من لي شرف الحديث معه"؟احمرّ وجهي حياء و أنا أسمع كلماته الرقيقة التي تنم عن تواضعه ونبل أخلاقه وهو عملاق من عمالقة الأدب.ودون أن أفوّت فرصة الحديث معه خوف إقبال من يجالسه فتذهب مجهودتي هباء منثورا وتضيع فرصة الحديث معه على انفراد،بادرني هو قائلا:"خيرا إن شاء الله ،هات ما عندك"؟لا أنكر أنّ عبارته هذه حفّزتني وشجّعتني على البوح بسبب وقوفي أمامه و أبديت له اهتمامي و أمنيتي في المشاركة في هذا الحدث العظيم .
ابتسم ابتسامة عريضة وقا ل لي:" كم أنا سعيد بمشاركة الاقلام الشابة" وقبل أن ينهي كلامه رنّ هاتفه فاعتذر مني وردّ على المكالمة ،ليس تطفلا مني ولكن عرفت من خلال ردّه أنّ المتحدث كان عملاق الأدب الفرنسي "فكتور هيجو "هتف له ليهنئه بالملتقى، وفي نهاية حديثه ودّعه بأسمى معاني التحايا ودعاه إلى الملتقى.وحتى لا أطيل عليه شكرته وودّعته على أمل لقائه يوم الملتقى وهممت بمغادرة المكان حتى سمعت اتصالا آخر كان من الأديب العراقي المعروف "بدر شاكر السياب ".أكيد اتصل به لنفس الغرض..
ودون شعور مني وجدت نفسي خارج البناية وكلّ عضومن جسمي يبتسم و أنا أردد عباراته الأخيرة وهو يودّعني:" لا تنسي إحضار البيانات ،ستجدينني هنا في نفس المكان ونفس التوقيت ".سعادتي لا توصف والفرحة فرحتان، فرحة لقائه مرة ثانية وفرحة المشاركة في الملتقى.مرّ على لقائي به ثلاثة أيام حسبتها بالساعات والدقائق والثوان وجهّزت العدة لللقائه من جديد _ أوراق رسمية، وطبعا الموضوع المبرمج والذي أعتبره جواز سفر أحضى به لقاء عمالقةالأدب.
قصدت المكتبة و كانت تسبقني إليها أشواقي و أحلامي .دعاني إلى الجلوس إلى طاولته وراح يتفحص الأوراق ،وفجأة أقبل صوبنا شخص غريب حين رآه جبران وقف إجلالا له فوقفت دون أن أعرف الرجل ولكنّي سمعت جبران يناديه بالبحتري فقلت في نفسي :"أهو البحتري الشاعر العباسي الطائي؟أيعقل أن يكون هو؟! "بالفعل كان البحتري جاء يعرض على جبران قصره ليكون مكانا يقام فيه الملتقى وخاصة أنه مطّل على حديقة غنّاء ألهمت العديد من الشعراء و هيّجت مشاعرهم فأبدعوا. وافق جبران على عرض البحتري وشكره على هذا العرض غير المتوقع منه.ودّعتهما تاركة أوراقي بين يدي جبران على أمل الاجتماع بهما وباقي الأدباء يوم اللقاء الأسطوري.
وبعد انتظارخيّل لي أمدا قصدت قصر البحتري وعند بابه وقف رجال الأمن يراقبون الوافدين بحرص شديد .قدّمت بطاقتي ودخلت القصر بأمان والعين جاحظة ترصد المكان في كلّ الاتجاهات مشدوهة بروعة المكان وقد عدّ معلما سياحيا بامتياز،فرحت أمتّع النّظربتلك اللوحات الفسيفسائية والأسقف المنقوشة وقد زيّنتها الثريات المتدلية.وقبل أن أبلغ المكان المخصص للمشاركين سمعت صخبا بالباب وتجمعا حجب عنّا رؤية ما يجري ،فقلت في نفسي علّّه أحد المشاغبين أو رجل ثمل أراد الدخول بالقوة .ثم فسح له المجال فسار في الردهة وهو يرتب هندامه ،كان شابا أنيقا ، وسيما ،تتبعت خطواته ،توقف فجأة وحملق في الضيوف وفجأة طار على فكتور هيجو وعانقه بشدة وراح يقبّله في حرارة عرفت حينها أنّه أحد المعجبين لكتاباته.
ساد القاعة صمت تبعته تصفيقات الحاضرين،كان جبران هناك فوق المنصة يستعد لإلقاء كلمات الترحيب وبجانبه ثلاثة رجال من أعيان البلد ومن بينهم وزير الثقافة .
رحب جبران بالحاضرين و خاصة المشاركين بالفعالية من عمالقة الأدب والأقلام الشابة ودعا لهم قضاء أيام مريحة في ظل إبداعاتهم ثم قال مبتسما طبعا المنتصر هنا هو الربيع
و أعطى الكلمة للسيد وزير الثقافة ليعلن رسميا افتتاح الملتقى. وبطريقة لبقة ذكية أعطى جبران الكلمة للبحترى كونه سيد المكان كعرفانا بالجميل وليسمعنا بعضا من أشعاره تلطّّف الجوّ من الرسميات فقال:
أَتاكَ الرَبيعُ الطَلقُ يَختالُ ضاحِكاً مِنَ الحُسنِ حَتّى كادَ أَن يَتَكَــــــلَّما
وَقَد نَبَّهَ النَيروزُ في غَلَسِ الدُجى أَوائِلَ وَردٍ كُنَّ بِالأَمسِ نُــــــــوَّما
يُفَتِّقُها بَردُ النَدى فَكَأَنَّــــــــــــــــهُ يَبُثُّ حَديثاً كــــــــــانَ أَمسِ مُكَتَّما
وَمِن شَجَرٍ رَدَّ الرَبيعُ لِباسُــــــــهُ عَلَيهِ كَما نَشَّرتَ وَشياً مُنَمــــــنَما
أَحَلَّ فَأَبدى لِلعُيونِ بَشاشَــــــــــةً وَكانَ قَذىً لِلعَينِ إِذ كانَ مُحــــرَما
وَرَقَّ نَسيمُ الريحِ حَتّى حَسِبتَـــهُ يَجيءُ بِأَنفاسِ الأَحِبَّـــــــــــــةِ نُعَّما
كم كان الربيع جميلا في كلماته جعل منه عصا سحرية يحرّكها فيتغيروجه الطبيعة.هاهي الورود تتفتح بعد ذبولها ، والأشجار تلبس لباسها الأخضر وتتباهى بجمالها ،حتى الريح كانت جمية بعينه رآها رقيقة ناعمة تحمل أنفاس الأحبة .وبعدما أنعشنا البحتري بكلماته الساحرة وعشنا معه لحظات في جنته الفيحاء
دعي فكتور هيجو إلى المنصة والشاب الوسيم يتبعه. كم خفت أن يحرج المسكين ويقع ثانية في يد رجال الأمن ولكن لم يحدث ما توقعته فقد كان الشاب المترجم الذي اختاره الأديب فكتور هيجو ليترجم حروفه إلى اللغة العربية.
وكان كلّما قال فكتور هيجو سطرا ترجمه الشاب والبسمة الربيعية تعلو محياه:
ها هي الأيام الطويلة، نور وضوء وهذيان!
هاهو الربيع! مارس وأبريل بابتسامة رقيقة.
ماي يزهروجوان حارق..كل الأشهر أصدقائي!
شجر الحور ، على حافة الأنهار النائمة ،
تنحني كأشجار النخيل الباسقة
والطيور تغرّد في أعماق الغابةالهادئة ، الدافئة
الظاهر كل الاشجار الخضراء تبتسم في سعادة بتواجودنا معا تقول أشعارا.
حملنا بحروفه إلى جنة خيالية ،رأينا فيها الألوان وسمعنا أعذب الألحان واغتسلنا بمياه أنهارها الصافية.ثم أخذ جبران الكلمة من جديد وعبر حروفه أخذنا إلى عالمه الفيّاض بالمشاعر ،الموسوم بالأخيلة الجانحة وهكذا رأينا الربيع بعيونه وهو يلقي على مسامعنا
قصيدته:*هب زهر الربيع*
ثم دعا إلى المنصة الشاعر العراقي بدر شاكرالسياب فأطربنا بقصيدته الرائعة من أغاني الربيع والتي استهلها بقوله:رسمته أجنحة الطيور***حلم بآفاق السرور
فأرقص النسائم على زهر الجنائن والغديروالبشائر فوق الربى في الصدور بين الخمائل.
وكلما كان يصعد المنصة أديبا كان جسمي يرتعش ترقبا لدوري وخوف تلعثمي في الكلام و أنا في حضرة جهابذة الأدب.
ومرّ اليوم الأول فالثاني ونحن نسمع أعذب الكلام عن الربيع وما يتركه في النفوس من استرخاء وصفاء سريرة وانقشاع ضباب الإكتئاب وسوداوية الحياة فتشرق شمس الأمل في ظل طبيعة ساحرة مختلفة ألوانها. بدأنا اليوم الثالث بشاعر الأمل الشاعر التونسي *أبو القاسم الشابي* والذي تغنى بالحياة والفن و الوطن.فقال عن الربيع أجمل قصائده والتي مطلعها: كان الربيع الحيّ روحا، حالما***غضّ الشباب معطّر ال***اب .
وقبل أن ينهي أبو القاسم قصيدته نظر إلي جبران في حنو ففهمت أنّه يشير إلي بالاستعداد لقراءة حرفي المتواضع .استحضرت كلّ ما أملك من قوة وشجاعة واتكلت على الله.
كان الربيع هنا جاثما يروي قصة عشقنا ويرسم على شفتي حروفا ما قالت أجمل منها. هي الزهورتفتحت أ كمامها وعانقت السهول والربى في مشهد ملائكي صافح الغديرفانصهر في سحره فرقرق طربا. وراحت ورود السياج تفك قيودها وتبسط سيقانها على أجنحة الفضاء فانتشى الأفق بحلو عطرها وغازل الحقول وهي ترفل في ثوبها الجديد وترقص على تغريدات الطيور.وقد ملأت الأرجاءبحلو أنغامها.
هاهو اليوم الثالث ينقضي ويسدل الستار على أروع لقاء موسوم بأسمى معاني الحب والجمال.بالفعل صدق جبران حين قال :*المنتصر هو الربيع*
ليلى أمين
ليلى أمين
12-04-2019, 06:16 AM
زائرتي
و زائرتي كأنّ بها حياء… فليس تزور إلاّ في الظّلام
فرشتُ لها المَطارِف والحشايا…فــعافتْها، وباتَتْ في عِظامِي
قالها المتنبي ذات ليلة عصيبة حرم فيها لذة النوم فراح يشتكي حمّة أصابته واشتدّت عليه فكانت ضيفا ثقيلا أذاقه من العذاب ما لا يتحمله أقوى الأقوياء. ضيفي أنا من نوع آخرو إن كان مثل ضيفه غير مرغوب به ،هو الآخر لم يستأذن وجوده ببيتي.كان يعلم كرهي الشديد له ولكنّه لم يبالي بأذيتي وكأنّه يريد انتقاما أجهل سببه. لو طرق بابي ما فتحته له ،مع أنني مشهود لي بسخائي وكرمي. حتى و إن أقمت وليمة ماكنت لأدعوه إلى مائدتي ،لأنّه ضيف غريب لا يأكل إلاّ من صنع يده .والأدهى والأمرأنّه لا يسأل طعاما بل يأخذه عنوة و أمام مرأى ومسمع الجميع.ضيف لا يعرف الحياء ولا يقبل انهزاما.إن رأيته سخرت من ضعفه ورحت تطارده بلا شفقة،لا أظنك عرفت أعند منه.
جهّزت عدّتي ورسمت خطتي لاستقباله،فهو ضيف يحسب له ألف حساب .كلّ أسلحتي هاهنا تنتظر صفارة الانطلاق لخوض غمار حرب ضروس يعرف فيها الخاسر من البداية.بتّ ليلتي أترقب مجيئه من جديد لأنني أعرفه لا يملّ ولا يكلّ وحتما سيعاود زيارتي.
حلّ الليل وفرض أجنحته على الوجود فرسم له الطريق نحوي وراح يختال في مشيته في كبرياء تتقدمه سيوفه القاطعة وتسبقه إلي موسيقى خفيفة ولكنّها مزعجة ،لا أظن أحدا يرغب بسماعها.موسيقى تتجاوز حدود الاذن لتتربع على عرش الفكرفتفده الهدوء والسكون.
تقلبت يمنة ويسرة علّه يفقد توازنه فيتركني و شأني،استعلى واستكبر.تذكرت حينها المتنبي فكثّفت المطايا من رأسي حتى قدماي ،فعافتها وبات بين أحضاني.ظلّ يساومني في طعام، أغذيه ولا يغذيني.قضيت ليلتي أصارعه بمفردي والليل يراقب المشهد في خجل فقلت : ألا أيّها الليل ألا انجلي بصبح .هو يعلم علم اليقين أنّه برحيله يرحل الألم ويحمل معه هذا الضيف العنيد.طلع الصبح وانتشر الضياء ،فحاولت أن أنام بعد هذا العناء ولكن أشعة الشمس اخترقت زجاج النافذة ورسمت ابتسامتها في كل أرجاء الغرفة ،قفزت حينها من مكاني أتحسس نبض ضيفي المشاكس فلم أجد له أثرا غير رسومات حمراء على جسدي.
ليلى بن صافي
سرالختم ميرغني
12-04-2019, 08:13 AM
من هذا الضيف الغريب يا ليلى ؟ هل هو بعوض أم فيروس لا يُرى إلا بمجهر اليكترونى ؟ نحن في شوق لمعرفة هذا الزئر الذى كأن به حياءً - فليس تزور إلا فى الظلام . ومع أنك بذلتِ لها المطارف والحشايا - فعافتها وباتت فى عظامك . هذا الضيف الذى لا يُرى ؟
vBulletin® v3.8.9 Beta 3, Copyright ©2000-2025, TranZ by Almuhajir