قصي المحمود
06-05-2017, 04:09 PM
زينب ونور ..في زمن الفجور
منذ الجريمة الأولى حين قتل قابيل أخاه هابيل تعد الجريمة والقتل
مهما كانت دوافعها جريمة قتل يكون القاتل في النار...
بغداد الحبيبة تشهد دائما ومنذ الغزو الأمريكي لهذا البلد فوضى وقتل وتشريد وخلق منظمات اجرامية مهمتها الأبادة البشرية وطفيليات سياسية تعتاش على دماء العراقيين وتمزيق نسيجه الإجتماعي وطمس هويته العربية ..فنتازيا القتل والأبادة تكاد لا تدع احدا خارج دائرة الإتهام ..الأبرياء وحدهم ممن يحبون الحياة لهم ولغيرهم خارج التصنيف القذر الذي لا يصنف ولا يوصف لبشاعته وبعده عن أي دين وخلق وإنسانية
هناك لقطات إنسانية لم تخرج الى الفضاء الإعلامي ..مؤلمة حدّ التقيأ وموجعة حدّ الدهشة السريالية ..ولكنها لم تهزّ شعرة من حيتان الفساد وتجار الأوطان والإنسانية والعقائدية المزيفة سأنقل لكم بعض قصصها المؤلمة من التفجير القذر في منطقة الكرادة ساعة الذروة قرب كافتريا مثلجات وبعد الفطور !!!.. والأخرى حدثت في نفس المنطقة قبل شهور....وإنا لله وإنا إاليه راجعون
قصي المحمود
1
الشهيدة زينب الحربية
والد زينب الحربية : إبنتي لم تكن مقاتل في الجيش لتلقى حتفها وتفجيرها
كتبت – لميس السيد :
تحدث والد “فتاة ملبورن”، التي تبلغ من العمر 12 عاماً، “زينب الحربية”، بعد مقتلها إثر انفجار سيارة مفخخة في بغداد، معرباً عن حزنه الكبير، في حوار أجراه مع صحيفة “الغارديان” البريطانية، واصفاً مهاجمي تنظيم “داعش”، بـ”الوحوش” الذين قتلوا فتاة صغيرة بـ”قلب كبير”.
لقيت “زينب الحربية”، وهي طالبة في مدرسة “سيريوس” في ملبورن، مصرعها على يدِ انتحاري بالقرب من متجر لبيع الأيس كريم داخل العاصمة العراقية في منتصف ليلة الثلاثاء الماضية.
أيس كريم بنكهة الدماء..
قالت عائلة الطفلة إنها كانت تزور جدها المريض في العاصمة العراقية مع والديها، وذهبت إلى محل لشراء الآيس كريم مع أعمامها للإفطار في رمضان، قبل أن تنفجر سيارة مفخخة لتوقع عشرات الضحايا.
وأعلن تنظيم “داعش” الإرهابي مسؤوليته عن الهجوم الذي أسفر عن مقتل 17 شخصاً، من بينهم “زينب”، وجرح 32 آخرين، وتفجير سيارة مفخخة خارج مكتب المعاشات العامة في منطقة الشواكة، مما أسفر عن مقتل 14 شخصاً وجرح 17 آخرين على الأقل.
وكانت “زينب” في العراق مع والديها وشقيقيها لزيارة جدها المريض، الذي عاد مؤخراً إلى العراق بعد أن عاش معهم، فيما قالت إحدى القريبات إن العائلة انتقلت إلى أستراليا في التسعينيات هرباً من الاضطهاد خلال عهد الرئيس السابق “صدام حسين”.
ماذا فعلت ليكون مصيرها هكذا ؟
يروي والدها “خالد الحربية” أنه عاد مهرولاً من جنوب الناصرية إلى بغداد، ولم يعرف وقتها ما إذا كانت عائلته على قيد الحياة أم لا، حتى رأى جثة ابنته في مشرحة المستشفى. قائلاً: “بدأت أقرع على رأسي.. عندما رأيت جسد ابنتي داخل المشرحة. لقد كان ذلك مؤلماً جداً.. الله ينتقم من داعش”.
قال “الحربية” متابعاً، “في الغالب يبقى طفلك على قيد الحياة.. ولكن ما حدث كان العكس”.
وكان قد تحدث الوالد إلى “زينب” أخر مرة عندما سألته عما إذا كان يمكن أن تشتري هاتف محمول ماركة “آي فون”.
“كان موتاً وحشياً.. مجرد فتاة صغيرة، ماذا فعلت ليكون مصيرها هكذا ؟.. لم تكن في الجيش أو مقاتلة. انهم مجرمون، ليس لديهم رحمة، لا إنسانية.. هم وحوش”.
يروي الأب أن ابنته كانت لديها ابتكارات خاصة وطموحات كبيرة، “أرادت ان تكون محامياً أو معلماً أو طبيباً.. أرادت مساعدة الناس، أقسم.. كانت ذات قلب كبير”.
وقال “حربية” إن زوجته أصيبت بصدمة عقب وفاة “زينب” وكان ابناه حيدر (10 أعوام) وبلال (7 أعوام) في حالة ذهول أيضاً، أراد الأخوان رؤية “زينب” ولكن تم منعهم لبشاعة المنظر وكان كل ما يرددونه “نريد أختنا أن تعود”.
أقيمت جنازة زينب في بغداد يوم الأربعاء، وصلى في جنازتها طلاب “مدرسة سيريوس” الأسترالية. وعبر حربية عن انه “شعر بالارتياح” بدعم استراليا الذي تضمن دعماً قنصلياً محدوداً.
وأضاف: “نحن مسلمون مستهدفون ولا يعرف هؤلاء الإرهابيون أي فرق بيننا.. وعلينا أن نقف معاً لمحاربة داعش والإرهاب كله”.
من جهته أعرب “خالد تاقيم أوغلو” مدير مدرسة زينب في ملبورن، والتي كانت قد بدأت فيها للتو مرحلتها السابعة، عن صدمة المجتمع وحزنه عند سماع نبأ وفاتها في بغداد، مؤكداً على “أن زينب كانت فتاة عاطفية ومحبوبة من الجميع.. ووفاتها أحزننا بعمق”.
2
نور.. تحترق في الكرادة
الاثنين 05 حزيران/يونيو 2017
احمد غازي
“لا تزال نور تتذكر تلك الليلة المروعة، عندما كانت محاطةً بعشرات من جثث الأطفال والفتيات والشبان، ومن يوشكون على الموت، فيما الفوضى تعم المكان، إذ لا شيء سوى النيران ورائحة الأجساد المتفحمة”.
نور فتاة في ربيعها الثالث والعشرين ذات تقاطيع مصقولة، وشعر كستنائي، وعينان صفراوان، ملامحها الناعمة تطغى عليها أنوثة غاية في الجاذبية والجمال، كانت نموذجاً للطيبة والعطف، والإيثار، نشأت يتيمة الأبوين.
تخرجت نور قبل عام من كلية العلوم، جامعة بغداد، لتلتحق بقائمة العاطلين عن العمل، شأنها شأن الآلاف من الخريجين والخريجات.
كانت هي وأختها الكبرى سمية -القادمة من السويد لزيارتها ومشاركتها لحظات العيد- ذاهبتان لشراء ملابس العيد لأطفال سمية، من أحد المجمعات التجارية في منطقة الكرادة ببغداد.
بينما هي تقف عند محل لبيع المرطبات، هز انفجار عنيف إحدى المجمعات التجارية، خطف وميضه البصر للحظات، وصمّ دويه الآذان، لقد كانت ملغمة مركونة أمام مجمع الليث التجاري، استهدفته في وقت الذروة، كان انفجاراً استثنائياً بنوعه، وضحاياه، وأصداءه الرهيبة لدى كل العراقيين.
تتذكر نور كيف أن الدخان ملأ المكان، كانت هناك رائحة غريبة، لم تستطع تشبيهها، بدت الأمور أكثر تسارعاً من أن تدرك نور ماذا يحدث، بدأ إدراكها بمحيطها يعود تدريجياً، أول ما رأته هو أختها سمية، كانت تكافح لأجل إخماد النيران بجسدها، رفساتها وصياحها اللاإرادية، ترعب القلب وتشل الجسد.
لكن مهلاً..
نور تحترق أيضاً!
بدأت النيران تأكل ساقيها، لم تحرك ساكناً كما كانت تكافح سمية التي نجحت بإخماد النار بملابسها، لم تتلقى الأختان أي مساعدة من أحد فالهلع كان مسيطراً على كل شيء، ففكرة أن يموت إنسانٌ حرقاً فكرةٌ في غاية الرعب والفزع.
بينما نور مستسلمة للنيران التي كانت تصعد من ساقيها إلى الأعلى فجأة.. جائت المساعدة!
إنها يد سمية توقف تصاعد اللهب بجسد أختها الصغيرة، نجحت بإنقاذ أختها، كانتا مجهدتين وخائفتين، إرادة سمية وعزيمتها كانت أقوى بكثير من نور، فلديها السبب لتعيش.
ماهو؟
إنها أم لطفلين جميلين، ينتظران ملابس العيد.
بقيت الأختين الحريقتين على الرصيف، لم يلتفت إليهما أي أحد، استجمعت سمية قواها، طلبت من صاحب سيارة أجرة مساعدتها لنقلها ونور بأسرع وقت إلى المستشفى، لكن المفاجأة أن صاحب “التكسي” تجرد من إنسانيته ورفض مساعدتهما من دون مقابل.
فقد طلب من الأختين مبلغ مئة دولار أمريكي، لم يكن بحوزتهما أي مبلغ إذ أن الحقائب فقدت وسط فوضى التفجير، توسلت سمية به، لكن من دون جدوى!
لاحظ السائق خاتماً ذهبياً بيد سمية، فساومها عليه.. كان خاتم زواجها، وافقت سمية على طلبه برغبة ولهفة وسعادة، لأنها وجدت ما تعطيه لهذا “المتجرد من إنسانيته” لكي يوصلها وأختها إلى المستشفى.
بعد أقل من نصف ساعة وصلتا إلى المستشفى ببغداد، إذ كانتا أول من وصل إليها، والذي لم يرده أي إشعار بحدوث انفجار هائل في الكرادة.
كان هناك حارسين على بوابة المستشفى، يتبادلان الأحاديث والتدخين، وكان المبنى قديماً، والضوء فيه يزيد الشعور بالقتامة أكثر، بدل أن يزيلها، بدا المنظر لأول نظرة شاقاً على النفس.
إن جزءاً من مأساة العراق هو أن ثروته النفطية لم تنفق في توفير مستشفيات راقية تضاهي تلك الموجودة في سويسرا، أو ألمانيا، أو أمريكا.
رفض المستشفى استقبالهما رغم أنهما كانتا وحديتين ومحروقتين، وحالتهما مروعة وصادمة. والسبب.. أنه ليس لديهم الإمكانية الطبية والعلاجية لاستقبال حالات من هذا النوع،
لحظة.. هناك سببٌ آخر أكثر قبحاً من الأول! يا إلهي.. ما هو؟
نجهل سبب ما حدث لكما في هذه الساعة المتأخرة من الليل.. نحن آسفون لا نستطيع توريط أنفسنا باستقبالكما وأنتما في هذه الحالة!. إن رفض استقبال فتاتين بهذه الحالة أمرٌ مخيف لا يمكن تصوره مهما كانت الأسباب.
بعد أن شاع خبر التفجير في بغداد، قرر المستشفى إدخالهما على وجه السرعة لعلاجهما، بدأ توافد الجرحى وممن هم على وشك الموت بشكل “جنوني” على غرف الطوارئ، فسادت حالة من الإرباك والاضطراب.
لم تكن هناك أدوية كافية، أو غرف عمليات مجهزة، كما كان هناك نقصٌ كبير في الكوادر الطبية، كان نظام الرعاية الصحية الذي وجدته سمية ونور نفسيهما فيه يعمل فوق طاقته من الموارد.
أحست نور أن حياتها تنحدر إلى هوة مظلمة، فيما تردي الحالة الصحية لأختها الكبيرة سمية، يزيد رغبتها بالموت.
لم يكن هناك أحد تتحدث إليه، وحتى لو كان هناك أحد، فإنها لا تجد الكلمات التي تعبر عن إحساسها المتنامي باليأس، إنه لمن الصعب أن تتخيل حياة شابة بعمرها تنقلب رأساً على عقب، إنها لصدمة عميقة بالنسبة لشابة مثلها.
وكان من الواضح أن كثيرين من المصابين بأمراض خطيرة، وإصابات بالغة، لا يمكن علاجهم في العراق، حتى لو جاءت الإمدادات بالطيران من الخارج، إلا إذا حظوا بإحدى الجمعيات الخيرية الباحثة عن العراقيين الذين أصيبوا إصابات بالغة، لتعمل على تسفيرهم إلى أوروبا أو أمريكا، للعلاج، إذ يعتمد هذا إلى حد كبير على العثور على أثرياء، كرماء، محسنين، مستعدين للاهتمام بالمحتاجين وأسرهم.
كان حجم الضحايا الهائل والذي قارب 310 شهيدا وجريحا مما دعى احد الكرماء كفاعل خير لإنتشالهما (وهنا اتحفظ على اسمه لأننا لسنا بدعاية لأحد)بقدر ما نقل الصورة وقصة هذه الفتاة المؤلمة
.
نقلت نور بشكل عاجل إلى أربيل عبر طائرة خاصة، وأُدخلت المستشفى بشكل عاجل، أجريت لها عشر عمليات جراحية في ساقها من ضمنها عملية ترقيع شامل، إذ أن نور تعاني من حروق حادة غطت خمساً وخمسين بالمئة من جسدها، بذل الأطباء جهوداً كبيرة في رعايتها، وأشرف كادر طبي متخصص على سير عملياتها وعلاجها.
وبعد شهرين من العلاج والعمليات المكلفة والكبيرة، تمكنت نور من الوقوف مجدداً على قدميها، كان شعورها بالفرحة كبيراً جداً لدرجة أنها نسيت تشوه منظر ساقها جراء الحروق والعمليات الجراحية الكبرى.
تخضع نور وإلى الآن لجلسات تقويم بدني ونفسي وذلك لإعادة دمجها في المجتمع وتكيفها مع وضعها الجديد كفتاة عانت من تغيير مفاجئ في حياتها، أما اختها سمية فنقلت إلى مستشفيات السويد لتلقي علاجها وإجراء العمليات الترقيع الجلدي لجسدها الذي عانى من حروق غطت 40 بالمئة منه.
إن قصة نور، والجهود الخيرية التي بذلت لإعادة بناء حياتها، تعكس كفاح ملايين العراقيين، في بلد يعاني من العنف والإرهاب لسنوات.
منذ الجريمة الأولى حين قتل قابيل أخاه هابيل تعد الجريمة والقتل
مهما كانت دوافعها جريمة قتل يكون القاتل في النار...
بغداد الحبيبة تشهد دائما ومنذ الغزو الأمريكي لهذا البلد فوضى وقتل وتشريد وخلق منظمات اجرامية مهمتها الأبادة البشرية وطفيليات سياسية تعتاش على دماء العراقيين وتمزيق نسيجه الإجتماعي وطمس هويته العربية ..فنتازيا القتل والأبادة تكاد لا تدع احدا خارج دائرة الإتهام ..الأبرياء وحدهم ممن يحبون الحياة لهم ولغيرهم خارج التصنيف القذر الذي لا يصنف ولا يوصف لبشاعته وبعده عن أي دين وخلق وإنسانية
هناك لقطات إنسانية لم تخرج الى الفضاء الإعلامي ..مؤلمة حدّ التقيأ وموجعة حدّ الدهشة السريالية ..ولكنها لم تهزّ شعرة من حيتان الفساد وتجار الأوطان والإنسانية والعقائدية المزيفة سأنقل لكم بعض قصصها المؤلمة من التفجير القذر في منطقة الكرادة ساعة الذروة قرب كافتريا مثلجات وبعد الفطور !!!.. والأخرى حدثت في نفس المنطقة قبل شهور....وإنا لله وإنا إاليه راجعون
قصي المحمود
1
الشهيدة زينب الحربية
والد زينب الحربية : إبنتي لم تكن مقاتل في الجيش لتلقى حتفها وتفجيرها
كتبت – لميس السيد :
تحدث والد “فتاة ملبورن”، التي تبلغ من العمر 12 عاماً، “زينب الحربية”، بعد مقتلها إثر انفجار سيارة مفخخة في بغداد، معرباً عن حزنه الكبير، في حوار أجراه مع صحيفة “الغارديان” البريطانية، واصفاً مهاجمي تنظيم “داعش”، بـ”الوحوش” الذين قتلوا فتاة صغيرة بـ”قلب كبير”.
لقيت “زينب الحربية”، وهي طالبة في مدرسة “سيريوس” في ملبورن، مصرعها على يدِ انتحاري بالقرب من متجر لبيع الأيس كريم داخل العاصمة العراقية في منتصف ليلة الثلاثاء الماضية.
أيس كريم بنكهة الدماء..
قالت عائلة الطفلة إنها كانت تزور جدها المريض في العاصمة العراقية مع والديها، وذهبت إلى محل لشراء الآيس كريم مع أعمامها للإفطار في رمضان، قبل أن تنفجر سيارة مفخخة لتوقع عشرات الضحايا.
وأعلن تنظيم “داعش” الإرهابي مسؤوليته عن الهجوم الذي أسفر عن مقتل 17 شخصاً، من بينهم “زينب”، وجرح 32 آخرين، وتفجير سيارة مفخخة خارج مكتب المعاشات العامة في منطقة الشواكة، مما أسفر عن مقتل 14 شخصاً وجرح 17 آخرين على الأقل.
وكانت “زينب” في العراق مع والديها وشقيقيها لزيارة جدها المريض، الذي عاد مؤخراً إلى العراق بعد أن عاش معهم، فيما قالت إحدى القريبات إن العائلة انتقلت إلى أستراليا في التسعينيات هرباً من الاضطهاد خلال عهد الرئيس السابق “صدام حسين”.
ماذا فعلت ليكون مصيرها هكذا ؟
يروي والدها “خالد الحربية” أنه عاد مهرولاً من جنوب الناصرية إلى بغداد، ولم يعرف وقتها ما إذا كانت عائلته على قيد الحياة أم لا، حتى رأى جثة ابنته في مشرحة المستشفى. قائلاً: “بدأت أقرع على رأسي.. عندما رأيت جسد ابنتي داخل المشرحة. لقد كان ذلك مؤلماً جداً.. الله ينتقم من داعش”.
قال “الحربية” متابعاً، “في الغالب يبقى طفلك على قيد الحياة.. ولكن ما حدث كان العكس”.
وكان قد تحدث الوالد إلى “زينب” أخر مرة عندما سألته عما إذا كان يمكن أن تشتري هاتف محمول ماركة “آي فون”.
“كان موتاً وحشياً.. مجرد فتاة صغيرة، ماذا فعلت ليكون مصيرها هكذا ؟.. لم تكن في الجيش أو مقاتلة. انهم مجرمون، ليس لديهم رحمة، لا إنسانية.. هم وحوش”.
يروي الأب أن ابنته كانت لديها ابتكارات خاصة وطموحات كبيرة، “أرادت ان تكون محامياً أو معلماً أو طبيباً.. أرادت مساعدة الناس، أقسم.. كانت ذات قلب كبير”.
وقال “حربية” إن زوجته أصيبت بصدمة عقب وفاة “زينب” وكان ابناه حيدر (10 أعوام) وبلال (7 أعوام) في حالة ذهول أيضاً، أراد الأخوان رؤية “زينب” ولكن تم منعهم لبشاعة المنظر وكان كل ما يرددونه “نريد أختنا أن تعود”.
أقيمت جنازة زينب في بغداد يوم الأربعاء، وصلى في جنازتها طلاب “مدرسة سيريوس” الأسترالية. وعبر حربية عن انه “شعر بالارتياح” بدعم استراليا الذي تضمن دعماً قنصلياً محدوداً.
وأضاف: “نحن مسلمون مستهدفون ولا يعرف هؤلاء الإرهابيون أي فرق بيننا.. وعلينا أن نقف معاً لمحاربة داعش والإرهاب كله”.
من جهته أعرب “خالد تاقيم أوغلو” مدير مدرسة زينب في ملبورن، والتي كانت قد بدأت فيها للتو مرحلتها السابعة، عن صدمة المجتمع وحزنه عند سماع نبأ وفاتها في بغداد، مؤكداً على “أن زينب كانت فتاة عاطفية ومحبوبة من الجميع.. ووفاتها أحزننا بعمق”.
2
نور.. تحترق في الكرادة
الاثنين 05 حزيران/يونيو 2017
احمد غازي
“لا تزال نور تتذكر تلك الليلة المروعة، عندما كانت محاطةً بعشرات من جثث الأطفال والفتيات والشبان، ومن يوشكون على الموت، فيما الفوضى تعم المكان، إذ لا شيء سوى النيران ورائحة الأجساد المتفحمة”.
نور فتاة في ربيعها الثالث والعشرين ذات تقاطيع مصقولة، وشعر كستنائي، وعينان صفراوان، ملامحها الناعمة تطغى عليها أنوثة غاية في الجاذبية والجمال، كانت نموذجاً للطيبة والعطف، والإيثار، نشأت يتيمة الأبوين.
تخرجت نور قبل عام من كلية العلوم، جامعة بغداد، لتلتحق بقائمة العاطلين عن العمل، شأنها شأن الآلاف من الخريجين والخريجات.
كانت هي وأختها الكبرى سمية -القادمة من السويد لزيارتها ومشاركتها لحظات العيد- ذاهبتان لشراء ملابس العيد لأطفال سمية، من أحد المجمعات التجارية في منطقة الكرادة ببغداد.
بينما هي تقف عند محل لبيع المرطبات، هز انفجار عنيف إحدى المجمعات التجارية، خطف وميضه البصر للحظات، وصمّ دويه الآذان، لقد كانت ملغمة مركونة أمام مجمع الليث التجاري، استهدفته في وقت الذروة، كان انفجاراً استثنائياً بنوعه، وضحاياه، وأصداءه الرهيبة لدى كل العراقيين.
تتذكر نور كيف أن الدخان ملأ المكان، كانت هناك رائحة غريبة، لم تستطع تشبيهها، بدت الأمور أكثر تسارعاً من أن تدرك نور ماذا يحدث، بدأ إدراكها بمحيطها يعود تدريجياً، أول ما رأته هو أختها سمية، كانت تكافح لأجل إخماد النيران بجسدها، رفساتها وصياحها اللاإرادية، ترعب القلب وتشل الجسد.
لكن مهلاً..
نور تحترق أيضاً!
بدأت النيران تأكل ساقيها، لم تحرك ساكناً كما كانت تكافح سمية التي نجحت بإخماد النار بملابسها، لم تتلقى الأختان أي مساعدة من أحد فالهلع كان مسيطراً على كل شيء، ففكرة أن يموت إنسانٌ حرقاً فكرةٌ في غاية الرعب والفزع.
بينما نور مستسلمة للنيران التي كانت تصعد من ساقيها إلى الأعلى فجأة.. جائت المساعدة!
إنها يد سمية توقف تصاعد اللهب بجسد أختها الصغيرة، نجحت بإنقاذ أختها، كانتا مجهدتين وخائفتين، إرادة سمية وعزيمتها كانت أقوى بكثير من نور، فلديها السبب لتعيش.
ماهو؟
إنها أم لطفلين جميلين، ينتظران ملابس العيد.
بقيت الأختين الحريقتين على الرصيف، لم يلتفت إليهما أي أحد، استجمعت سمية قواها، طلبت من صاحب سيارة أجرة مساعدتها لنقلها ونور بأسرع وقت إلى المستشفى، لكن المفاجأة أن صاحب “التكسي” تجرد من إنسانيته ورفض مساعدتهما من دون مقابل.
فقد طلب من الأختين مبلغ مئة دولار أمريكي، لم يكن بحوزتهما أي مبلغ إذ أن الحقائب فقدت وسط فوضى التفجير، توسلت سمية به، لكن من دون جدوى!
لاحظ السائق خاتماً ذهبياً بيد سمية، فساومها عليه.. كان خاتم زواجها، وافقت سمية على طلبه برغبة ولهفة وسعادة، لأنها وجدت ما تعطيه لهذا “المتجرد من إنسانيته” لكي يوصلها وأختها إلى المستشفى.
بعد أقل من نصف ساعة وصلتا إلى المستشفى ببغداد، إذ كانتا أول من وصل إليها، والذي لم يرده أي إشعار بحدوث انفجار هائل في الكرادة.
كان هناك حارسين على بوابة المستشفى، يتبادلان الأحاديث والتدخين، وكان المبنى قديماً، والضوء فيه يزيد الشعور بالقتامة أكثر، بدل أن يزيلها، بدا المنظر لأول نظرة شاقاً على النفس.
إن جزءاً من مأساة العراق هو أن ثروته النفطية لم تنفق في توفير مستشفيات راقية تضاهي تلك الموجودة في سويسرا، أو ألمانيا، أو أمريكا.
رفض المستشفى استقبالهما رغم أنهما كانتا وحديتين ومحروقتين، وحالتهما مروعة وصادمة. والسبب.. أنه ليس لديهم الإمكانية الطبية والعلاجية لاستقبال حالات من هذا النوع،
لحظة.. هناك سببٌ آخر أكثر قبحاً من الأول! يا إلهي.. ما هو؟
نجهل سبب ما حدث لكما في هذه الساعة المتأخرة من الليل.. نحن آسفون لا نستطيع توريط أنفسنا باستقبالكما وأنتما في هذه الحالة!. إن رفض استقبال فتاتين بهذه الحالة أمرٌ مخيف لا يمكن تصوره مهما كانت الأسباب.
بعد أن شاع خبر التفجير في بغداد، قرر المستشفى إدخالهما على وجه السرعة لعلاجهما، بدأ توافد الجرحى وممن هم على وشك الموت بشكل “جنوني” على غرف الطوارئ، فسادت حالة من الإرباك والاضطراب.
لم تكن هناك أدوية كافية، أو غرف عمليات مجهزة، كما كان هناك نقصٌ كبير في الكوادر الطبية، كان نظام الرعاية الصحية الذي وجدته سمية ونور نفسيهما فيه يعمل فوق طاقته من الموارد.
أحست نور أن حياتها تنحدر إلى هوة مظلمة، فيما تردي الحالة الصحية لأختها الكبيرة سمية، يزيد رغبتها بالموت.
لم يكن هناك أحد تتحدث إليه، وحتى لو كان هناك أحد، فإنها لا تجد الكلمات التي تعبر عن إحساسها المتنامي باليأس، إنه لمن الصعب أن تتخيل حياة شابة بعمرها تنقلب رأساً على عقب، إنها لصدمة عميقة بالنسبة لشابة مثلها.
وكان من الواضح أن كثيرين من المصابين بأمراض خطيرة، وإصابات بالغة، لا يمكن علاجهم في العراق، حتى لو جاءت الإمدادات بالطيران من الخارج، إلا إذا حظوا بإحدى الجمعيات الخيرية الباحثة عن العراقيين الذين أصيبوا إصابات بالغة، لتعمل على تسفيرهم إلى أوروبا أو أمريكا، للعلاج، إذ يعتمد هذا إلى حد كبير على العثور على أثرياء، كرماء، محسنين، مستعدين للاهتمام بالمحتاجين وأسرهم.
كان حجم الضحايا الهائل والذي قارب 310 شهيدا وجريحا مما دعى احد الكرماء كفاعل خير لإنتشالهما (وهنا اتحفظ على اسمه لأننا لسنا بدعاية لأحد)بقدر ما نقل الصورة وقصة هذه الفتاة المؤلمة
.
نقلت نور بشكل عاجل إلى أربيل عبر طائرة خاصة، وأُدخلت المستشفى بشكل عاجل، أجريت لها عشر عمليات جراحية في ساقها من ضمنها عملية ترقيع شامل، إذ أن نور تعاني من حروق حادة غطت خمساً وخمسين بالمئة من جسدها، بذل الأطباء جهوداً كبيرة في رعايتها، وأشرف كادر طبي متخصص على سير عملياتها وعلاجها.
وبعد شهرين من العلاج والعمليات المكلفة والكبيرة، تمكنت نور من الوقوف مجدداً على قدميها، كان شعورها بالفرحة كبيراً جداً لدرجة أنها نسيت تشوه منظر ساقها جراء الحروق والعمليات الجراحية الكبرى.
تخضع نور وإلى الآن لجلسات تقويم بدني ونفسي وذلك لإعادة دمجها في المجتمع وتكيفها مع وضعها الجديد كفتاة عانت من تغيير مفاجئ في حياتها، أما اختها سمية فنقلت إلى مستشفيات السويد لتلقي علاجها وإجراء العمليات الترقيع الجلدي لجسدها الذي عانى من حروق غطت 40 بالمئة منه.
إن قصة نور، والجهود الخيرية التي بذلت لإعادة بناء حياتها، تعكس كفاح ملايين العراقيين، في بلد يعاني من العنف والإرهاب لسنوات.