المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من حياة الصحابة الكرام - لنقتدي بهم - منقول


رياض محمد سليم حلايقه
05-17-2018, 05:35 PM
ونبدأ اليوم .....
1 / مصعب بن عمير - أول سفراء الاسلام


هذا رجل من أصحاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما أجمل أن نبدأ به الحديث.
غر ة فتيان قريش٬ وأوفاهم جمالا٬ وشبابا..
يصف المؤرخون والرواة شبابه فيقولون:" كان أعطر أهل مكة"..
ولد في النعمة٬ وغذي بها٬ وشب تحت خمائلها.
ولعله لم يكن بين فتيان مكة من ظفر بتدليل أبويه بمثل ما ظفر به "مصعب بن عمير"..
ذلك الفتى الريان٬ المدلل المنعم٬ حديث حسان مكة٬ ولؤلؤة ندواتها ومجالسها٬ أيمكن أن يتحو ل الى
أسطورة من أساطير الايمان والفداء..؟
يا الله ما أروعه من نبأ.. نبأ "مصعب بن عمير"٬ أو "مصعب الخير" كما كان لقبه بين المسلمين.
انه واحد من أولئك الذين صاغهم الاسلام ورباهم "سيدنا محمد" عليه الصلاة والسلام..
ولكن أي واحد كان..؟
ان قصة حياته لشرف لبني الانسان جميعا..
لقد سمع الفتى ذات يوم ما بدأ أهل مكة يسمعونه من محمد الأمين صلى االله عليه وسلم..
"محمد" الذي يقول أن الله أرسله بشيرا ونذيرا. وداعيا الى عبادة االله الواحد الأحد.
وحين كانت مكة تمسي وتصبح ولا هم لها٬ ولا حديث يشغلها الا الرسول عليه الصلاة والسلام ودينه
كان فتى قريش المدلل أكثر الناس استماعا لهذا الحديث.
ذلك أنه كان على الرغم من حداثة سنه٬ زينة المجالس والندوات٬ تحرص كل ندوة أن يكون مصعب بين
شهودها٬ ذلك أن أناقة مظهره ورجاحة عقله كانتا من خصال "ابن عمير التي تفتح له القلوب والأبواب..
ولقد سمع فيما سمع أن الرسول ومن آمن معه٬ يجتمعون بعيدا عن فضول قريش وأذاها.. هناك على
الصفا في درا "الأرقم بن أبي الأرقم" فلم يطل به التردد٬ ولا التلبث والانتظار٬ بل صحب نفسه ذات
مساء الى دار الأرقم تسبقه أشواقه ورؤاه...
هناك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه فيتلو عليهم القرآن٬ ويصلي معهم لله العلي
القدير.
ولم يكد مصعب يأخذ مكانه٬ وتنساب الآيات من قلب الرسول متألفة على شفتيه٬ ثم آخذة طريقها
الى الأسماع والأفئدة٬ حتى كان فؤاد ابن عمير في تلك الأمسية هو الفؤاد الموعود..!
ولقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه٬ وكأنه من الفرحة الغامرة يطير.
ولكن الرسول صلى االله عليه وسلم بسط يمينه الحانية حتى لامست الصدر المتوهج٬ والفؤاد المتوثب٬
فكانت السكينة العميقة عمق المحيط.. وفي لمح البصر كان الفتى الذي آمن وأسلم يبدو ومعه من
الحكمة ما بفوق ضعف سنه وعمره٬ ومعه من التصميم ما يغير سير الزمان ......

كانت أم مصعب "خناس بنت مالك" تتمتع بقوة فذة في شخصيتها٬ وكانت تهاب الى حد الرهبة..
ولم يكن مصعب حين أسلم ليحاذر أو يخاف على ظهر الأرض قوة سوى امه.
فلو أن مكة بل أصنامها وأشرافها وصحرائها٬ استحالت هولا يقارعه ويصارعه٬ لاستخف به مصعب الى حين ....
أما خصومة أمه٬ فهذا هو الهول الذي لا يطاق..!
ولقد فكر سريعا٬ وقرر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمرا.
وظل يتردد على دار الأرقم٬ ويجلس الى رسول االله صلى االله عليه وسلم٬ وهو قرير العين بايمانه٬
وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم خبر اسلامه خبرا..
ولكن مكة في تلك الأيام بالذات٬ لا يخفى فيها سر٬ فعيون قريش وآذانها على كل طريق٬ ووراء كل
بصمة قدم فوق رمالها الناعمة اللاهبة٬ الواشية..
ولقد أبصر به "عثمان بن طلحة" وهو يدخل خفية الى دار الأرقم.. ثم رآه مرة أخرى وهو يصلي كصلاة
محمد صلى الله عليه وسلم٬ فسابق ريح الصحراء وزوابعها٬ شاخصا الى أم مصعب٬ حيث ألقى عليها
النبأ الذي طار بصوابها...
ووقف مصعب أمام أمه٬ وعشيرته٬ وأشراف مكة مجتمعين حوله يتلو عليهم في يقين الحق وثباته٬
القرآن الذي يغسل به الرسول قلوبهم٬ ويملؤها به حكمة وشرفا٬ وعدلا وتقى.
وهمت أمه أن تسكته بلطمة قاسية٬ ولكن اليد التي امتدت كالسهم٬ ما لبثت أم استرخت وتنحت أمام
النور الذي زاد وسامة وجهه وبهاءه جلالا يفرض الاحترام٬ وهدوءا يفرض الاقناع..
ولكن٬ اذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى٬ فان في مقدرتها أن تثأر للآلهة التي
هجرها بأسلوب آخر..
وهكذا مضت به الى ركن قصي من أركان دارها٬ وحبسته فيه٬ وأحكمت عليه اغلاقه٬ وظل رهين
محبسه ذاك٬ حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين الى أرض الحبشة٬ فاحتال لنفسه حين سمع النبأ٬
وغافل أمه وحراسه٬ ومضى الى الحبشة مهاجرا أوابا..
ولسوف يمكث بالحبشة مع اخوانه المهاجرين٬ ثم يعود معهم الى مكة٬ ثم يهاجر الى الحبشة للمرة
الثانية مع الأصحاب الذين يأمرهم الرسول بالهجرة فيطيعون.
ولكن سواء كان مصعب بالحبشة أم في مكة٬ فان تجربة ايمانه تمارس تفوقها في كل مكان وزمان٬ ولقد
فرغ من إعادة صياغة حياته على النسق الجديد الذي أعطاهم محمد صلى الله علي نموذجه المختار٬ واطمأن مصعب
الى أن حياته قد صارت جديرة بأن تقدم قربانا لبارئها الأعلى٬ وخالقها العظيم..
خرج يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول االله٬ فما أن بصروا به حتى حنوا رؤوسهم
وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعا شجي ا..
ذلك أنهم رأوه.. يرتدي ***ابا مرقعا باليا٬ وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه٬ حين كانت ثيابه كزهور
الحديقة النضرة٬ وألقا وعطرا..
وتملى رسول االله مشهده بنظرات حكيمة٬ شاكرة محبة٬ وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة٬ وقال:
" لقد رأيت مصعبا هذا٬ وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه٬ ثم ترك ذلك كله حبا الله ورسوله".!!
لقد منعته أمه حين يئست من ردته كل ما كانت تفيض عليه من نعمة.. وأبت أن يأكل طعامها إنسان
هجر الآلهة وحاقت به لعنتها٬ حتى ولو يكون هذا الانسان ابنها..!!
ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مر ة أخرى بعد رجوعه من الحبشة. فآلى على نفسه لئن
هي فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه..
وانها لتعلم صدق عزمه اذا هم وعزم٬ فودعته باكية٬ وودعها باكيا..
وكشفت لحظة الوداع عن اصرار عجيب على الكفر من جانب الأم واصرار أكبر على الايمان من جانب
الابن.. فحين قالت له وهي تخرجه من بيتها: اذهب لشأنك٬ لم أعد لك أما. اقترب منها وقال:"يا أمه اني
لك ناصح٬ وعليك شفوق٬ فاشهدي بأنه لا إله إلا الله٬ وأن محمدا عبده ورسوله"...
أجابته غاضبة مهتاجة:" قسما بالثواقب٬ لا أدخل في دينك٬ فيزرى برأيي٬ ويضعف عقلي"..!!
وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرا الشظف والفاقة.. وأصبح الفتى المتأنق
المعطر٬ لا يرى الا مرتديا أخشن الثياب٬ يأكل يوما٬ ويجوع أياما ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة٬
والمتألقة بنور الله٬ كانت قد جعلت منه إنسانا آخر يملأ الأعين جلال والأنفس روعة.
وللحديث بقية في حلقة الغد ان شاء الله

رياض محمد سليم حلايقه
05-18-2018, 11:45 PM
رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم أول سفراء الاسلام مصعب بن عمير رضي الله عنه
***
تحدثنا كيف اعتنق فتى قريش المدلل الفتى الأنيق الوسيم الحكيم صاحب الرأي السديد دين الاسلام . وهجر حياة رغد العيش والثراء
بعدما طردته امه من منزلها ورفضت دعوته للاسلام وانتقل الى نمط الحياة الجديدة حبا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ..


وآنئذ٬ اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم لأعظم مهمة في حينها: أن يكون سفيره الى المدينة٬ يفقه الأنصار الذين آمنوا
وبايعوا الرسول عند العقبة٬ ويدخل غيرهم في دين االله٬ ويعد المدينة ليوم الهجرة العظيم..
كان في أصحاب رسول الله يومئذ من هم أكبر منه سنا وأكثر جاها٬ وأقرب من الرسول قرابة.. ولكن
الرسول اختار مصعب الخير٬ وهو يعلم أنه يكل اليه بأخطر قضايا الساعة٬ ويلقي بين يديه مصير الاسلام
في المدينة التي ستكون دار الهجرة٬ ومنطلق الدعوة والدعاة٬ والمبشرين والغزاة٬ بعد حين من الزمان قريب..
وحمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل وكريم الخلق٬ ولقد غزا أفئدة المدينة
وأهلها بزهده وترفعه وإخلاصه٬ فدخلوا في دين الله أفواجا..
لقد جاءها يوم بعثه الرسول إليها وليس فيها سوى اثني عشر مسلما هم الذين بايعوا النبي من قبل
بيعة العقبة٬ ولكنه لم يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول..!!
وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة٬ كان مسلمو المدينة يرسلون إلى مكة للقاء الرسول وفدا يمثلهم
وينوب عنهم.. وكان عدد أعضائه سبعين مؤمنا ومؤمنة.. جاءوا تحت قيادة معلمهم ومبعوث نبيهم إليهم
"مصعب ابن عمير".
لقد أثبت "مصعب" بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله صلى االله عليه وسلم عرف كيف يختار..
فلقد فهم مصعب رسالته تماما ووقف عند حدودها. وعرف أنه داعية الى الله تعالى٬ ومبشر بدينه الذي
يدعوا الناس الى الهدى٬ وإلى صراط مستقيم. وأنه كرسوله الذي آمن به٬ ليس عليه إلا البلاغ..
هناك نهض في ضيافة "أسعد بن زرارة" يفشيان معا القبائل والبيوت والمجالس٬ تاليا على الناس ما
كان معه من كتاب ربه٬ هاتفا بينهم في رفق عظيم بكلمة الله (انما الله إله واحد)..
ولقد تعرض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه٬ لولا فطنة عقله٬ وعظمة روحه..
ذات يوم فاجأه وهو يعظ الانس "أسيد بن حضير" سيد بني عبد الأشهل بالمدينة٬ فاجأه شاهرا حربته
يتوهج غضبا وحنقا على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم.. ويدعوهم لهجر آلهتهم٬ ويحدثهم عن إله
واحد لم يعرفوه من قبل٬ ولم يألفوه من قبل..!
ان آلهتهم معهم رابضة في مجاثمها اذا حتاجها أحد عرف مكانها وولى وجهه ساعيا إليها٬ فتكشف ضره
وتلبي دعاءه... هكذا يتصورون ويتوهمون..
أما إله محمد الذي يدعوهم إليه باسمه هذا السفير الوافد إليهم٬ فما أحد يعرف مكانه٬ ولا أحد
يستطيع أن يراه..!!
وما أن رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون مصعبا مقدم أسيد ابن حضير متوشحا غضبه المتلظي٬
وثورته المتحفزة٬ حتى وجلوا.. ولكن مصعب الخير ظل ثابتا وديعا٬ متهللا..
وقف أسيد أمامه مهتاجا٬ وقال يخاطبه هو وأسعد بن زرارة:
"ما جاء بكما الى حينا٬ تسهفان ضعفاءنا..؟ اعتزلانا٬ إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة"..!!
وفي مثل هدوء البحر وقوته..
وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته.. انفرجت أسارير مصعب الخير وتحرك بالحديث الطيب لسانه فقال:
" أولا تجلس فتستمع..؟! فان رضيت أمرنا قبلته.. وإن كرهته كففنا عنك ما تكره".
الله أكبر. ما أروعها من بداية سيسعد بها الختام..!!
كان أسيد رجلا أريبا عاقلا.. وها هو ذا يرى مصعبا يحتكم معه إلى ضميره٬ فيدعوه أن يسمع لا غير..
فان اقتنع٬ تركه لاقتناعه وان لم يقتنع ترك مصعب حيهم وعشيرتهم٬ وتحول إلى حي آخر وعشيرة
أخرى غير ضار ولا مضار ..
هنالك أجابه أسيد قائلا: أنصفت.. وألقى حربته الى الأرض وجلس يصغي..
ولم يكد مصعب يقرأ القرآن٬ ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام٬ حتى
أخذت أسارير أسيد تبرق وتشرق.. وتتغير مع مواقع الكلم٬ وتكتسي بجماله..!!
ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به أسيد بن حضير وبمن معه قائلا:
"ما أحسن هذا القول وأصدقه.. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين"..؟؟
وأجابوه بتهليلة رجت الأرض رجا٬ ثم قال له مصعب:
"يطهر ثوبه وبدنه٬ ويشهد أن لا إله إلا الله".
فغاب أسيد عنهم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه٬ ووقف يعلن أن لا إله إلا الله٬ وأن محمدا رسول الله..
وسرى الخبر كالضوء.. وجاء سعد بن معاذ فأصغى لمصعب واقتنع٬ وأسلم ثم تلاه سعد بن عبادة٬ وتمت
باسلامهم النعمة٬ وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون: إذا كان أسيد بن حضير٬ وسعد ابن
معاذ٬ وسعد بن عبادة قد أسلموا٬ ففيم تخلفنا..؟ هيا الى مصعب٬ فلنؤمن معه٬ فانهم يتحدثون أن
الحق يخرج من بين ثناياه..!!
لقد نجح أول سفراء الرسول صلى االله عليه وسلم نجاحا منقطع النظير.. نجاحا هو له أهل٬ وبه
جدير....
رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم ..
***
تحدثنا سابقا كيف اعتنق فتى قريش المدلل الشاب الوسيم الانيق صاحب الراي السديد مصعب بن عمير الاسلام ترك حياة الثراء ورغد العيش بعدما طردته امه ورفضت الدخول الاسلام .. فاختاره الرسول صلى الله عليه وسلم سفيرا وداعيا للاسلام وهاجر للمدينة ينشر الرسالة فكان أول وخير سفير بالاسلام وأسلم على يده الكثير ....
نتابع ...
وتمضي الأيام والأعوام٬ ويهاجر الرسول وصحبه الى المدينة٬ وتتلمظ قريش بأحقادها.. وتعد عد ة باطلها٬
لتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين.. وتقوم غزوة بدر٬ قيتلقون فيها درسا يفقدهم بقية صوابهم
ويسعون الى الثأر٬و تجيء غزوة أحد.. ويعبئ المسلمون أنفسهم٬ ويقف الرسول صلى الله عليه وسلم
وسط صفوفهم يتفرس الوجوه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية.. ويدعو مصعب الخير٬ فيتقدم
ويحمل اللواء..
وتشب المعركة الرهيبة٬ ويحتدم القتال٬ ويخالف الرماة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام٬ ويغادرون
موقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين٬ لكن عملهم هذا٬ سرعان ما يحو ل
نصر المسلمين إلى هزيمة.. ويفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل٬ وتعمل فيهم
على حين غرة٬ السيوف الظامئة المجنونة..
حين رأى المشركين الفوضى والذعر في صفوف المسلمين٬ ركزوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوه..
وأدرك مصعب بن عمير الخطر الغادر٬ فرفع اللواء عاليا٬ وأطلق تكبيرة كالزئير٬ ومضى يجول ويتواثب..
وكل همه أن يلفت نظر الأعداء إليه ويشغلهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه٬ وجر من ذاته
جيشا بأسره.. أجل٬ ذهب مصعب يقاتل وحده كأنه جيش لجب غزير..
يد تحمل الراية في تقديس..
ويد تضرب بالسيف في عنفوان..
ولكن الأعداء يتكاثرون عليه٬ يريدون أن يعبروا فوق جثته إلى حيث يلقون الرسول..
لندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الختام في حياة مصعب العظيم..!!


يقول ابن سعد: أخبرنا ابراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري٬ عن أبيه قال:
[حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد٬ فلما جال المسلمون ثبت به مصعب٬ فأقبل ابن قميئة وهو فارس٬
فضربه على يده اليمنى فقطعها٬ ومصعب يقول: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل..
وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه٬ فضرب يده اليسرى فقطعها٬ فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى
صدره وهو يقول: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل..
ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه وأندق الرمح٬ ووقع مصعب٬ وسقط اللواء].
وقع مصعب.. وسقط اللواء..!!
وقع حلية الشهادة٬ وكوكب الشهداء..!!
وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والإيمان..
كان يظن أنه اذا سقط٬ فسيصبح طريق القتلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاليا من المدافعين
والحماة..
ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله عليه الصلاة والسلام من فرط حبه له وخوفه عليه حين مضى
يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعا:
(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)
هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها٬ ويكملها٬ ويجعلها٬ قرآنا يتلى..
وبعد انتهاء المعركة المريرة٬ وجد جثمان الشهيد الرشيد راقدا٬ وقد أخفى وجهه في تراب الأرض
المضمخ بدمائه الزكية..
لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة رسول الله يصيبه السوء٬ فأخفى وجهه حتى لا يرى هذا الذي
يحاذره ويخشاه..!!
أو لكأنه خجلان إذ سقط شهيدا قبل أن يطمئن على نجاة رسول الله٬ وقبل أن يؤدي إلى النهاية واجب
حمايته والدفاع عنه..!!
لك الله يا مصعب.. يا من ذكرك عطر الحياة..!!


وجاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهداءها..
وعند جثمان مصعب٬ سالت دموع وفية غزيرة..
يقول خباب بن الأرت:


[هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله٬ نبتغي وجه الله٬ فوجب أجرنا على الله..
فمنا من مضى٬ ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا٬ منهم مصعب بن عمير٬ قتل يوم أحد.. فلم يوجد له
شيء يكفن فيه إلا نمرة.. فكنا إذا وضعناها على رأسه تعرت رجلاه٬ وإذا وضعناها على رجليه برزت
رأسه٬ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اجعلوها مما يلي رأسه٬ واجعلوا على رجليه من نبات
الاذخر"..]..
وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه رزء الرسول صلى الله عليه وسلم في عمه حمزة٬
وتمثيل المشركين يجثمانه تمثيلا أفاض دموع الرسول عليه السلام٬ وأوجع فؤاده..
وعلى الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالما
من الصدق والطهر والنور..
على الرغم من كل هذا٬ فقد وقف على جثمان أول سفرائه٬ يودعه وينعاه..
أجل.. وقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند مصعب بن عمير وقال وعيناه تلفانه بضيائهما وحنانهما
ووفائهما:
(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)
ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي كفن بها وقال
لقد رأيتك بمكة٬ وما بها أرق حلة٬ ولا أحسن لمة منك. "ثم هأنتذا شعث الرأس في بردة"..؟!
وهتف الرسول عليه الصلاة والسلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق
مصعب وقال:
"ان رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة".
ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال:
"أيها الناس زوروهم٬وأتوهم٬ وسلموا عليهم٬ فوالذي نفسي بيده٬ لا يسلم عليهم مسلم إلى يوم
القيامة٬ إلا ردوا عليه السلام"..


السلام عليك يا مصعب..
السلام عليكم يا معشر الشهداء..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


للموضوع تتمة مع رجل أخر من رجال الإسلام إن شاء الله تعالى

ألبير ذبيان
05-20-2018, 09:35 AM
بارك الله في مساعيكم وأحسن إليكم
وكل عام وأنتم بالف خير

قصي المحمود
05-20-2018, 12:33 PM
بارك الله في جهدكم المبارك وجعلها في ميزان حسناتكم

هديل الدليمي
05-20-2018, 10:20 PM
بوركت أخي رياض
دمت موفقا

بسمة عبدالله
05-21-2018, 03:47 PM
جهد مبارك ، ومفيد أخي الطيب رياض

بوركت ورمضان مبارك عليكم

وكل عام وأنتم والأهل بخير

رياض محمد سليم حلايقه
05-22-2018, 05:38 AM
سلمان الفارسي - الباحث عن الحقيقة


من بلاد فارس ، يجيء البطل هذه المرة..
ومن بلاد فارس ، عانق الإسلام مؤمنون كثيرون فيما بعد ، فجعل منهم أفذاذا .....
وانها لإحدى روائع الإسلام وعظمائه ألا يدخل بلدا من بلاد الله إلا ويثير في إعجاز باهر كل نبوغها
ويحرك كل طاقاتها ، ويخرج خبء العبقرية المستكنة في أهلها وذويها..
فاذا الفلاسفة المسلمون..والأطباء المسلمون.. والفقهاء المسلمون.. والفلكيون المسلمون..
والمخترعون المسلمون.. وعلماء الرياضة المسلمون..
وإذا بهم يبزغون من كل أفق ، ويطلعون من كل بلد ، حتى تزدحم عصور الإسلام الأولى بعبقريات هائلة
في كل مجالات العقل ، والارادة ، والضمير.. أوطانهم شتى ، ودينهم واحد..!!
ولقد تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا المد المبارك لدينه.. لا.. بل وعد به وعد صدق من ربه الكبير العليم..
ولقد زوي له الزمان والمكان ذات يوم ورأى رأي العين راية الاسلام تخفق فوق مدائن الأرض ، وقصور أربابها..
وكان سلمان الفارسي شاهدا.. وكان له بما حدث علاقة وثقى ...
كان ذلك يوم الخندق . في السنة الخامسة للهجرة. إذ خرج نفر من زعماء اليهود قاصدين مكة مؤلبين
المشركين ومحزبين الأحزاب على رسول الله والمسلمين متعاهدين معهم على أن يعاونوهم في حرب
حاسمة تستأصل شأفة هذا الدين الجديد.
ووضعت خطة الحرب الغادرة على أن يهجم جيش قريش وغطفان "المدينة" من خارجها بينما يهاجم بنو
قريظة من الداخل ، ومن وراء صفوف المسلمين ، الذين سيقعون آنئذ بين شقى رحى تطحنهم ، وتجعلهم
ذكرى..!
وفوجىء الرسول والمسلمون يوما بجيش لجب يقترب من المدينة في عدة متفوقة وعتاد مدمدم.
وسقط في أيدي المسلمين ، وكاد صوابهم يطير من هول المباغتة.
وصو ر القرآن الموقف ، فقال الله تعالى :


[ إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ]


أربعة وعشرون ألف مقاتل تحت قيادة أبي سفيان وعيينة بن حصن يقتربون من المدينة ليطوقوها
وليبطشوا بطشتهم الحاسمة كي ينتهوا من محمد ودينه ، وأصحابه ..
وهذا الجيش لا يمثل قريشا وحدها.. بل ومعها كل القبائل والمصالح التي رأت في الإسلام خطرا عليها.
إنها محاولة أخيرة وحاسمة يقوم بها جميع أعداء الرسول : أفرادا ، وجماعات ، وقبائل ، ومصالح..
ورأى المسلمون أنفسهم في موقف عصيب..
وجمع الرسول أصحابه ليشاورهم في الأمر..
وطبعا ، أجمعوا على الدفاع والقتال.. ولكن كيف الدفاع؟؟
هنالك تقدم الرجل الطويل الساقين ، الغزير الشعر ، الذي كان الرسول يحمل له حبا عظيما ، واحتراما كبيرا .
تقدم سلمان الفارسي وألقى من فوق هضبة عالية ، نظرة فاحصة على المدينة ، فألفها محصنة
بالجبال والصخور المحيطة بها.. بيد أن هناك فجوة واسعة ، ومهيأة يستطيع الجيش أن يقتحم منها
الحمى في يسر .
وكان سلمان قد خبر في بلاد فارس الكثير من وسائل الحرب وخدع القتال ، فتقدم للرسول صلى الله
عليه وسلم بمقترحه الذي لم تعهده العرب من قبل في حروبها.. وكان عبارة عن حفر خندق يغطي
جميع المنطقة المكشوفة حول المدينة.
والله يعلم ، ماذا كان المصير الذي كان ينتظر المسلمين في تلك الغزوة لو لم يحفروا الخندق الذي لم
تكد قريش تراه حتى دوختها المفاجأة ، وظلت قواتها جاثمة في خيامها شهرا وهي عاجزة عن اقتحام
المدينة ، حتى أرسل الله تعالى عليها ذات ليلة ريح صرصر عاتية اقتلعت خيامها ، وبددت شملها..
ونادى أبو سفيان في جنوده آمرا بالرحيل الى حيث جاءوا فلولا يائسة منهوكة..!!


خلال حفر الخندق كان سلمان يأخذ مكانه مع المسلمين وهم يحفرون ويدأبون.. وكان الرسول عليه
الصلاة والسلام يحمل معوله ويضرب معهم. وفي الرقعة التي يعمل فيها سلمان مع فريقه وصحبه ،
اعترضت معولهم صخور عاتية..
كان سلمان قوي البنية شديد الأسر ، وكانت ضربة واحدة من ساعده الوثيق تفلق الصخر وتنشره
شظايا ، ولكنه وقف أمام هذه الصخرة عاجزا.. وتواصى عليها بمن معه جميعا فزادتهم رهقا..!!
وذهب سلمان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في أن يغيروا مجرى الحفر تفاديا لتلك
الصخرة العنيدة المتحدية.
وعاد الرسول عليه الصلاة والسلام مع سلمان يعاين بنفسه المكان والصخرة..
وحين رآها دعا بمعول ، وطلب من أصحابه أن يبتعدوا قليلا عن مرمى الشظايا..
وسمى بالله ، ورفع كلتا يديه الشريفتين القابضتين على المعول في عزم وقوة ،
وهوى به على الصخرة ، فاذا بها تنثلم ، ويخرج من ثنايا صدعها الكبير وهجا عاليا مضيئا.
ويقول سلمان لقد رأيته يضيء ما بين لابتيها ، أي يضيء جوانب المدينة..
وهتف رسول الله صلى الله عليه وسلم مكبرا :
" الله أكبر..أعطيت مفاتيح فارس ، ولقد أضاء لي منها قصور الحيرة ، ومدائن كسرى ، وان أمتي ظاهرة عليها "
ثم رفع المعول ، وهوت ضربته الثانية ، فتكررت الظاهرة ، وبرقت الصخرة المتصدعة بوهج مضيء مرتفع
وهلل الرسول عليه الصلاة السلام مكبرا :
" الله أكبر.. أعطيت مفاتيح الروم ، ولقد أضاء لي منها قصورها الحمراء ، وان أمتي ظاهرة عليها".
ثم ضرب ضربته الثالثة فألقت الصخرة سلامها واستسلامها ، وأضاء برقها الشديد الباهر٬
وهلل الرسول وهلل المسلمون معه...
وأنبأهم أنه يبصر الآن قصور سورية وصنعاء وسواها من مدائن الأرض التي ستخفق فوقها راية الله يوما ،
وصاح المسلمون في إيمان عظيم :
هذا ما وعدنا الله ورسوله.
وصدق الله ورسوله..!!
كان سلمان صاحب المشورة بحفر الخندق.. وكان صاحب الصخرة التي تفجرت منها بعض أسرار الغيب
والمصير، حين استعان عليها برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قائما الى جوار الرسول يرى الضوء ،
ويسمع البشرى.. ولقد عاش حتى رأى البشرى حقيقة يعيشها ، وواقعا يحياه ، فرأى مدائن الفرس
والروم..
رأى قصور صنعاء وسوريا ومصر والعراق..
رأى جنبات الأرض كلها تهتز بالدوي المبارك الذي ينطلق من ربا المآذن العالية في كل مكان مشعا أنوار
الهدى والخير..!!

رياض محمد سليم حلايقه
05-23-2018, 05:20 AM
تحدثنا أمس عن حفر الخندق الذي أشار إليه سلمان الفارسي عندما استشار سيدنا محمد صلى الله عليه أصحابه
لصد أكبر وأضخم هجوم للمشركين على المسلمين بالمدينة المنورة ..
نتابع معكم لنتعرف على سلمان الفارسي رضي الله عنه ....


وها هو ذا ، جالس هناك تحت ظل الشجرة الوارفة الملتفة أمام داره "بالمدائن" يحدث جلسائه عن
مغامرته العظمى في سبيل الحقيقة ، ويقص عليهم كيف غادر دين قومه الفرس الى المسيحية ،
ثم الى الاسلام..
كيف غادر ثراء أبيه الباذخ ، ورمى نفسه في أحضان الفاقة ، بحثا عن خلاص عقله وروحه..!!!
كيف بيع في سوق الرقيق ، وهو في طريق بحثه عن الحقيقة..؟؟
كيف التقى بالرسول عليه الصلاة والسلام.. وكيف آمن به..؟؟
تعالوا نقترب من مجلسه الجليلظ¬ ونصغ إلى النبأ الباهر الذي يرويه..


كنت رجلا من أهل أصبهانظ¬ من قرية يقال لها "جي"..
وكان أبي دهقان أرضه (( رئيس القرية )).
وكنت من أحب عباد الله إليه..
وقد اجتهدت في المجوسية ، حتى كنت قاطن النار التي نوقدها ، ولا نتركها تخبو..
وكان لأبي ضيعة ، أرسلني إليها يوما ، فخرجت ، فمررت بكنيسة للنصارى ،
فسمعتهم يصلون ، فدخلت عليهم أنظر ما يصنعون ، فأعجبني ما رأيت من صلاتهم ،
وقلت لنفسي هذا خير من ديننا الذي نحن عليه ، فما برحتهم حتى غابت الشمس ،
ولا ذهبت إلى ضيعة أبي ، ولا رجعت إليه حتى بعث في أثري...
وسألت النصارى حين أعجبني أمرهم و صلاتهم عن أصل دينهم ، فقالوا في الشام..
وقلت لأبي حين عدت إليه : أني مررت على قوم يصلون في كنيسة لهم فأعجبتني صلاتهم ،
ورأيت أن دينهم خير من ديننا..
فحاورني وحاورته.. ثم جعل في رجلي حديدا وحبسني..
وأرسلت إلى النصارى أخبرهم أني دخلت في دينهم وسألتهم اذا قدم عليهم ركب من الشام ،
أن يخبروني قبل عودتهم إليها لأرحل إلى الشام معهم ، وقد فعلوا ، فحطمت الحديد وخرجت ،
وانطلقت معهم إلى الشام..
وهناك سألت عن عالمهم ، فقيل لي هو الأسقف ، صاحب الكنيسة ، فأتيته وأخبرته خبري ،
فأقمت معه أخدم ، وأصلي وأتعلم..
وكان هذا الأسقف رجل سوء في دينه ، إذ كان يجمع الصدقات من الإنس ليوزعها ،
ثم يكتنزها لنفسه .ثم مات..
وجاءوا بآخر فجعلوه مكانه ، فما رأيت رجلا على دينهم خيرا منه ، ولا أعظم منه رغبة في الآخرة ،
وزهدا في الدنيا ودأبا على العبادة..وأحببته حبا ما علمت أني أحببت أحدا مثله قبله..
فلما حضر قدره قلت له : أنه قد حضرك من أمر الله تعالى ما ترى ، فبم تأمرني وإلى من توصي بي؟؟
قال : أي بني ، ما أعرف أحدا من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلا بالموصل..
فلما توفي ، أتيت صاحب الموصل ، فأخبرته الخبر ، وأقمت معه ما شاء الله أن أقيم ، ثم حضرته الوفاة ،
سألته فأمرني أن ألحق برجل في عمورية في بلاد الروم ، فرحلت إليه ، وأقمت معه ، واصطنعت لمعاشي
بقرات وغنمات..
ثم حضرته الوفاة ، فقلت له: إلى من توصي بي؟ فقال لي : يا بني ما أعرف أحدا على مثل ما كنا عليه ،
آمرك أن تأتيه ، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين ابراهيم حنيفا.. يهاجر الى أرض ذات نخل بين جرتين ،
فان استطعت أن تخلص إليه فافعل.
وأن له آيات لا تخفى ، فهو لا يأكل الصدقة.. ويقبل الهدية. وأن بين كتفيه خاتم النبوة ، اذا رأيته عرفته .
ومر بي ركب ذات يوم ، فسألتهم عن بلادهم ، فعلمت أنهم من جزيرة العرب. فقلت لهم : أعطيكم
بقراتي هذه وغنمي على أن تحملوني معكم إلى أرضكم؟.. قالوا : نعم.
واصطحبوني معهم حتى قدموا بي وادي القرى ، وهناك ظلموني ، وباعوني إلى رجل من يهود..
وبصرت بنخل كثير ، فطمعت أن تكون هذه البلدة التي وصفت لي ، والتي ستكون مهاجر النبي المنتظر..
ولكنها لم تكنها.
وأقمت عند الرجل الذي اشتراني ، حتى قدم عليه يوما رجل من يهود بني قريظة ، فابتاعني منه ،
ثم خرج بي حتى قدمت المدينة !! فوالله ما هو إلا ان رأيتها حتى أيقنت أنها البلد التي وصفت لي..
وأقمت معه أعمل له في نخله في بني قريظة حتى بعث الله رسوله وحتى قدم المدينة ونزل بقباء في
بني عمرو بن عوف.
وأني لفي رأس نخلة يوما ، وصاحبي جالس تحتها اذ أقبل رجل من يهود ، من بني عمه ، فقال يخاطبه :
قاتل الله بني قيلة انهم ليتقاصفون على رجل بقباء ، قادم من مكة يزعم أنه نبي..
فوالله ما أن قالها حتى أخذتني العرواء (( برد الحمى . اول مسها )) ، فرجفت النخلة حتى كدت أسقط فوق صاحبي!!
ثم نزلت سريعا ، أقول : ماذا تقول.؟ ما الخبر..؟
فرفع سيدي يده ولكزني لكزة شديدة ، ثم قال: مالك ولهذا..؟
أقبل على عملك..
فأقبلت على عملي.. ولما أمسيت جمعت ما كان عندي ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله
عليه وسلم بقباء.. فدخلت عليه ومعه نفر من أصحابه ، فقلت له: أنكم أهل حاجة وغربة ، وقد كان عندي
طعام نذرته للصدقة ، فلما ذكر لي مكانكم رأيتم أحق الناس به فجئتكم به..
ثم وضعته ، فقال الرسول لأصحابه: كلوا باسم الله.. وأمسك هو فلم يبسط إليه يدا..
فقلت في نفسي: هذه والله واحدة .. انه لا يأكل الصدقة..!!
ثم رجعت وعدت إلى الرسول عليه السلام في الغداة ، أحمل طعاما ، وقلت له عليه السلام : اني رأيتك
لا تأكل الصدقة.. وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به هدية ، ووضعته بين يديه ، فقال لأصحابه كلوا
باسم الله..وأكل معهم..
قلت لنفسي: هذه والله الثانية.. انه يأكل الهدية..!!
ثم رجعت فمكثت ما شاء اللهظ¬ ثم أتيته ، فوجدته في البقيع قد تبع جنازة ، وحوله أصحابه وعليه شملتان
مؤتزرا بواحدة ، مرتديا الأخرى ، فسلمت عليه ، ثم عدلت لأنظر أعلى ظهره ، فعرف أني أريد ذلك ،
فألقى بردته عن كاهله ، فاذا العلامة بين كتفيه.. خاتم النبوة ، كما وصفه لي صاحبي..
فأكببت عليه أقبله وأبكي.. ثم دعاني عليه الصلاة والسلام فجلست بين يديه ، وحدثته حديثي كما
أحدثكم الآن..
ثم أسلمت.. وحال الرق بيني وبين شهود بدر وأحد..
وفي ذات يوم قال الرسول عليه الصلاة والسلام :" كاتب سيدك حتى يعتقك" فكاتبته ،
وأمر الرسول أصحابه كي يعونوني. وحرر الله رقبتي ، وعشت حرا مسلما ، وشهدت مع رسول الله
غزوة الخندق ، والمشاهد كلها. ((هذه القصة مذكورة في الطبقات الكبرى لابن سعد ج4.))


بهذه الكلمات الوضاء العذاب.. تحدث سلمان الفارسي عن مغامرته الزكية النبيلة العظيمة في سبيل
بحثه عن الحقيقة الدينية التي تصله بااللهظ¬ وترسم له دوره في الحياة..
فأي انسان شامخ كان هذا الانسان..؟
أي تفوق عظيم أحرزته روحه الطلعةظ¬ وفرضته إرادته الغلابة على المصاعب فقهرتها ، وعلى المستحيل
فجعلته ذلولا..؟
أي تبتل للحقيقة.. وأي ولاء لها هذا الذي أخرج صاحبه طائعا مختارا من ضياع أبيه وثرائه ونعمائه إلى
المجهول بكل أعبائه ، ومشاقه ، ينتقل من أرض الى أرض.. ومن بلد إلى بلد.. ناصبا ، كادحا عابدا..
تفحص بصيرته الناقدة الناس ، والمذاهب والحياة.. ويظل في إصراره العظيم وراء الحق ، وتضحياته النبيلة
من أجل الهدى حتى يباع رقيقا.. ثم يثيبه الله ثوابه الأوفى ، فيجمعه بالحق ، ويلاقيه برسوله ، ثم يعطيه من
طول العمر ما يشهد معه بكلتا عينيه رايات الله تخفق في كل مكان من الأرض ، وعباده المسلمون يملؤن
أركانها وأنحائها هدى وعمرانا وعدلا..؟!!
ماذا نتوقع أن يكون اسلام رجل هذه همته ، وهذا صدقه؟


لقد كان إسلام الأبرار المتقين.. وقد كان في زهده ، وفطنته ، وورعه أشبه الناس بعمر بن الخطاب.
أقام أياما مع أبي الدرداء في دار واحدة.. وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقوم الليل ويصوم النهار.. وكان سلمان يأخذ عليه مبالغته في العبادة على هذا النحو.
وذات يوم حاول سلمان أن يثني عزمه على الصوم ، وكان نافلة..
فقال له أبو الدرداء معاتبا: أتمنعني أن أصوم لربي ، وأصلي له..؟
فأجابه سلمان قائلا:
ان لعينك عليك حقا ، وان لأهلك عليك حقا ، صم وافطر ، وصل ونم..
فبلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:" لقد أشبع سلمان علما ".
وكان الرسول عليه السلام يرى فطنته وعلمه كثيرا ، كما كان يطري خلقه ودينه..
ويوم الخندق ، وقف الأنصار يقولون: سلمان منا.. وقف المهاجرون يقولون بل سلمان منا..
وناداهم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا:" سلمان منا آل البيت".
وانه بهذا الشرف لجدير..
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يلقبه بلقمان الحكيم سئل عنه بعد موته فقال:
[ذاك امرؤ منا والينا أهل البيت.. من لكم بمثل لقمان الحكيم..؟
أوتي العلم الأول ، والعلم الآخر ، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر ، وكان بحرا لا ينزف].
ولقد بلغ في نفوس أصحاب الرسول عليه السلام جميعا المنزلة الرفيعة والمكان الأسمى.
ففي خلافة عمر جاء المدينة زائرا ، فصنع عمر ما لا نعرف أنه صنعه مع أحد غيره أبدا إذ جمع أصحابه وقال لهم:
"هيا بنا نخرج لاستقبال سلمان".!!
وخرج بهم لاستقباله عند مشارف المدينة.
لقد عاش سلمان مع الرسول منذ التقى به وآمن معه مسلما حر ا ، ومجاهدا وعابدا.
وعاش مع خليفته أبي بكر ، ثم أمير المؤمنين عمر ، ثم الخليفة عثمان حيث لقي ربه أثناء خلافته.
وفي معظم هذه السنوات ، كانت رايات الاسلام تملأ الأفق ، وكانت الكنوز والأموال تحمل الى المدينة فيئا وجزية ، فتورع الانس في صورة أعطيت منتظمة ، ومرتبات ثابتة.
وكثرت مسؤوليات الحكم على كافة مستوياتها ، فكثرت الأعمال والمناصب تبعا لها..
فأين كان سلمان في هذا الخضم..؟ وأين نجده في أيام الرخاء والثراء والنعمة تلك..؟
افتحوا ابصاركم جيدا..
أترون هذا الشيخ المهيب الجالس هناك في الظل يضفر الخوص ويجدله ويصنع منه أوعية ومكاتل..؟
انه سلمان..
انظروه جيدا..
انظروه جيدا في ثوبه القصير الذي انحسر من قصره الشديد الى ركبته..
انه هو ، في جلال مشيبه ، وبساطة اهابه.
لقد كان عطاؤه وفيرا.. كان بين أربعة وستة آلاف في العام ، بيد أنه كان يوزعه جميعا ويرفض أن يناله منه درهم واحد ، ويقول:
"أشتري خوصا بدرهم ، فأعمله ، ثم أبيعه بثلاثة دراهم ، فأعيد درهما فيه ، وأنفق درهما على عيالي ، وأتصد ق بالثالث.. ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عن ذلك ما انتهيت"!


لقد كان بعضنا يظن حين يسمع عن تقشف بعض الصحابة وورعهم ، مثل أبي بكر الصديق وعمر وأبي ذر واخوانهم ، أن مرجع ذلك كله طبيعة الحياة في الجزيرة العربية حيث يجد العربي متاع نفسه في البساطة..
فها نحن أمام رجل من فارس.. بلاد البذخ والترف والمدنية ، ولم يكن من الفقراء بل من صفوة الناس. ما باله يرفض هذا المال والثروة والنعيم ، ويصر أن يكتفي في يومه بدرهم يكسبه من عمل يده..؟
ما باله يرفض إمارة ويهرب منها ويقول:
"إن استطعت أن تأكل التراب ولا تكونن أميرا على اثنين ؛ فافعل..".
ما باله يهرب من الإمارة والمنصب ، إلا أن تكون إمارة على سرية ذاهبة الى الجهاد.. وإلا أن تكون في ظروف لا يصلح لها سواه ، فيكره عليها إكراها ، ويمضي إليها باكيا وجلا..؟
ثم ما باله حين يلي على الإمارة المفروضة عليه فرضا يأبى أن يأخذ عطاءها الحلال..؟؟
روى هشام عن حسان عن الحسن:
" كان عطاء سلمان خمسة آلاف ، وكان على ثلاثين ألفا من الناس يخطب في عباءة يفترش نصفهاظ¬ ويلبس نصفها.."
"وكان اذا خرج عطاؤه أمضاه ، ويأكل من عمل يديه..".
ما باله يصنع كل هذا الصنيع ، ويزهد كل ذلك الزهد ، وهو الفارسي ، ابن النعمة وربيب الحضارة..؟
لنستمع الجواب منه. وهو على فراش الموت. تتهيأ روحه العظيمة للقاء ربها العلي الرحيم.
دخل عليه سعد بن أبي وقاص يعوده فبكى سلمان..
قال له سعد:" ما يبكيك يا أبا عبد الله..؟ لقد توفي رسول الله وهو عنك راض".
فأجابه سلمان:
" والله ما أبكي جزعا من الموت ، ولاحرصا على الدنيا ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد الينا عهدا ، فقال: ليكن حظ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب ، وهأنذا حولي هذه الأساود"!!
يعني بالأساود الأشياء الكثيرة!
قال سعد فنظرت ، فلم أرى حوله الا جفنة ومطهرة ، فقلت له: يا أبا عبد الله اعهد الينا بعهد نأخذه عنكظ¬
فقال:" يا سعد:
اذكر الله عند همتك إذا هممت..وعند حكمتك إذا حكمت..وعند يدك إذا قسمت.."
هذا هو اذن الذي ملأ نفسه غنى ، بقدر ما ملأها عزوفا عن الدنيا بأموالها ، ومناصبها وجاهها..
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وإلى أصحابه جميعا:
ألا يدعو الدنيا تتملكهم ، وألا يأخذ أحدهم منها إلا مثل زاد الركب..
ولقد حفظ سلمان العهد ومع هذا فقد هطلت دموعه حين رأى روحه تتهيأ للرحيل
مخافة أن يكون قد جاوز المدى.ليس حوله إلا جفنة يأكل فيها ، ومطهرة يشرب منها ويتوضأ ومع هذا يحسب نفسه مترفا..
ألم أقل لكم انه أشبه الناس بعمر..؟
وفي الأيام التي كان فيها أميرا على المدائن ، لم يتغير من حاله شيء. فقد رفض أن يناله من مكافأة الإمارة درهم.. وظل يأكل من عمل الخوص.. ولباسه ليس إلا عباءة تنافس ثوبه القديم في تواضعها..
وذات يوم وهو سائر على الطريق لقيه رجل قادم من الشام ومعه حمل تين وتمر..
كان الحمل يؤد الشامي ويتعبه ، فلم يكد يبصر أمامه رجلا يبدو أنه من عامة الناس وفقرائهم ، حتى بدا له أن يضع الحمل على كاهله ، حتى إذا أبلغه وجهته أعطاه شيئا نظير حمله..
وأشار للرجل فأقبل عليه ، وقال له الشامي: احمل عني هذا.. فحمله ومضيا معا.
وإذ هما على الطريق بلغا جماعة من الانس ، فسلم عليهم ، فأجابوا واقفين:
وعلى الأمير السلام..وعلى الأمير السلام..؟
أي أمير يعنون..؟!!
هكذا سأل الشامي نفسه..
ولقد زادت دهشته حين رأى بعض هؤلاء يسارع صوب سلمان ليحمل عنه قائلين:
عنك أيها الأمير..!!
فعلم الشامي أنه أمير المدائن سلمان الفارسي ، فسقط في يده ، وهربت كلمات الاعتذار والأسف من بين شفتيه ، واقترب ينتزع الحمل. ولكن سلمان هز رأسه رافضا وهو يقول:" لاظ¬ حتى أبلغك منزلك"..!!
سئل يوما: ما الذي يبغض الإمارة الى نفسك.؟
فأجاب: " حلاوة رضاعها ، ومرارة فطامها"..
ويدخل عليه صاحبه يوما بيته ، فاذا هو يعجن ، فيسأله:
أين الخادم..؟
فيجيبه قائلا:" لقد بعثناها في حاجة ، فكرهنا أن نجمع عليها عملين.."
وحين نقول بيته فلنذكر تماما ، ماذا كان ذاك البيت..؟ فحين هم سلمان ببناء هذا الذي يسمى مع التجاوز بيتا ، سأل البناء: كيف ستبنيه..؟
وكان البناء حصيفا ذكيا ، يعرف زهد سلمان وورعه.. فأجابه قائلا:" لا تخف.. انها بناية تستظل بها من الحر ، وتسكن فيها من البرد ، إذا وقفت فيها أصابت رأسك ، وإذا اضطجعت فيها أصابت رجلك"..!
فقال له سلمان: "نعم هكذا فاصنع".
لم يكن هناك من طيبات الحياة الدنيا شيء ما يركن إليه سلمان لحظة ، أو تتعلق به نفسه إثارة ، إلا شيئا كان يحرص عليه أبلغ الحرص ، ولقد ائتمن عليه زوجته ، وطلب إليها أن تخفيه في مكان بعيد وأمين.
وفي مرض موته وفي صبيحة اليوم الذي قبض فيه ، ناداها
"هلمي خبيك التي استخبأتك"..!!
فجاءت بها ، وإذا هي صرة مسك ، كان قد أصابها يوم فتح "جلولاء" فاحتفظ بها لتكون عطره يوم مماته.
ثم دعا بقدح ماء نثر المسك فيهظ¬ ثم ماثه بيدهظ¬ وقال لزوجته:
"انضجيه حولي.. فانه يحضرني الآن خلق من خلق الله ، لا يأكلون الطعام ، وإنما يحبون الطيب".
فلما فعلت قال لها:" اجفئي علي الباب وانزلي".. ففعلت ما أمرها به..
وبعد حين صعدت إليه ، فاذا روحه المباركة قد فارقت جسده ودنياه.
قد لحقت بالملأ الأعلى ، وصعدت على أجنحة الشوق إليه ، إذ كانت على موعد هناك مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر.. ومع ثلة مجيدة من الشهداء والأبرار.رضوان الله عليهم أجمعين ...


لطالما برح الشوق الظامئ بسلمان..وآن اليوم أن يرتوي ، وينهل..
__________________

قصي المحمود
05-23-2018, 10:15 AM
بارك الله في جهدكم المبارك أخي رياض وجعلها في ميزان حسناتكم

رياض محمد سليم حلايقه
05-24-2018, 11:08 AM
بارك الله في جهدكم المبارك أخي رياض وجعلها في ميزان حسناتكم


جزاكم الله خيرا على المتابعة
احترامي

رياض محمد سليم حلايقه
05-24-2018, 11:08 AM
آدم عليه السلام
بسم الله
.
- خلق آدم عليه السلام
قال الله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة. قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.قال إني أعلم ما لا تعلمون.وعلم آدم الاسماء كلها.ثم عرضهم على الملائكة.فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.قال يا آدم أنبئهم باسمائهم فلما أنبأهم باسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون.وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجدوا إلا إبليس.أبى واستكبر وكان من الكافرين.وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة.وكلا منها رغدا حيث شئتما.ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين.فأزلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه.وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو.ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين.فتلقى آدم من ربه كلمات.فتاب عليه انه هو التواب الرحيم.قلنا اهبطوا منها جميعا فاما يأتينكم مني هدى.فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (3) وقال تعالى (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)
1-فأخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلا لهم (اني جاعل في الارض خليفة) أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضا كما قال (وهو الذي جعلكم خلائف الارض) فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته كما يخبر بالامر العظيم قبل كونه فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة لا على وجه الاعتراض والتنقص لبني آدم والحسد لهم كما قد يتوهمه بعض جهلة المفسرين قالوا (اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) قيل علموا ان ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم من الجن والبن قاله قتادة.
وقال عبد الله بن عمر كانت الجن قبل آدم بألفي عام فسفكوا الدماء فبعث الله إليهم جندا من الملائكة فطردوهم إلى جزائر البحور * وعن ابن عباس نحوه.صحيح

ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم فقال وعلم آدم الاسماء كلها قال ابن عباس هي هذه الاسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وجمل وحمار وأشباه ذلك من الامم وغيرها وفي رواية علمه اسم الصحفة والقدر حتى الفسوة والفسية وقال مجاهد علمه اسم كل دابة وكل طير وكل شئ.

وذكر البخاري - عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك اسماء كل شئ
- * (ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني باسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) قال الحسن البصري لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة لا يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه فابتلوا بهذا " وذلك قوله (ان كنتم صادقين)
* وقيل إن المراد بقوله واعلم ما تبدون ما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها وبقوله وما كنتم تكتمون المراد بهذا الكلام ابليس حين أسر الكبر والتخيرة على آدم عليه السلام قاله سعيد بن جبير
* وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة (وما كنتم تكتمون قولهم لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه قوله
(وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس أبى واستكبر
(1) هذا إكرام عظيم من الله تعالى لآدم حين خلقه بيده ونفخ فيه من روحه كما قال (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)
فهذه أربع تشريفات:
1- خلقه له بيده الكريمة،2- ونفخه فيه من روحه،3- وأمره الملائكة بالسجود له،4- وتعليمه أسماء الاشياء ولهذا قال
له موسى الكليم حين اجتمع هو وإياه في الملا الاعلى وتناظرا أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شئ
.)) بخارى

- وقال في الآية الاخرى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس لم يكن من الساجدين قال ما منعك ان لا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين
قاس إبليس وهو أول من قاس
- في صحيح مسلم عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خلق الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم.
قال الحسن البصري.لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط.

وقال الامام أحمد عن سبرة بن أبي الفاكه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: " ان الشيطان يقعد لابن آدم بأطراقه " صحيح الجامع

وقد اختلف المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدم أهم جميع الملائكة كما دل عليه عموم الآيات وهو قول الجمهور.
وفي الصحيحين من حديث زائدة عن ميسرة الاشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " استوصوا بالنساء خيرا - فان المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شئ في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا " لفظ البخاري.
الخلاف الذي ذكروه في أن هذه الجنة التي دخلها آدم هل هي في السماء أو في الارض
والجمهور على أنها هي التي في السماء وهي جنة المأوى لظاهر الآيات والاحاديث كقوله تعالى (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) والالف واللام ليست للعموم ولا لمعهود لفظي وإنما تعود على معهود ذهني وهو المستقر شرعا من جنة المأوى وكقول موسى عليه السلام لآدم عليه السلام (علام أخرجتنا ونفسك من الجنة) حسنة الالبانى
* وروى مسلم في صحيحه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يجمع الله الناس فيقوم المؤمن حين تزلف أي تقرب لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم "
-شجرة الخلد
وقد تكون هي الشجرة التي قال الامام أحمد : سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها شجرة الخلد " *
* وقوله (فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورقة الجنة) كما قال في " طه " (أكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) وكانت حواء أكلت من الشجرة قبل آدم وهي التي حدته على أكلها والله أعلم. وعليه يحمل الحديث الذي رواه البخاري حدثنا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه لولا بنو اسرائيل لم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها.

وفي كتاب التوارة
- التي بين أيدي أهل الكتاب أن الذي دل حواء على الاكل من الشجرة هي الحية وكانت من أحسن الاشكال وأعظمها فأكلت حواء عن قولها وأطعمت آدم عليه السلام وليس فيها ذكر لابليس فعند ذلك انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان فوصلا من ورق التين وعملا ميازر وفيها أنهما كان عريانين * وكذا قال وهب بن منبه كان لباسهما
نورا على فرجه وفرجها.وهذا الذي في هذه التوراة التي بأيديهم غلط منهم وتحريف وخطأ في التعريب
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه فأول ما بدا منه عورته فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة فأخذت شعره شجرة فنازعها فناداه الرحمن عزوجل يا آدم مني تفر فلما سمع كلام الرحمن قال يا رب لا ولكن استحياء * حسنة الحافظ
وقد يستشهد لذكر الحية معهما بما ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر يقتل الحيات وقال ما سالمناهن منذ حاربناهن الصحيحة
-هبوط ادم :
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها " وفى رواية في الصحيح من وجه آخر " وفيه تقوم الساعة " ومن رواية احمد قال: " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة " مسلم
(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه)
عن مجاهد قال الكلمات اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين.
اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الراحمين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك بحمدك رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم) * صحيح

-احتجاج آدم وموسى عليهما السلام

قال البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حاج موسى آدم عليهما السلام فقال له: أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم. قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني أو قدره علي قبل أن يخلقني.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى " *
وقال الامام أحمد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احتج آدم موسى فقال له موسى أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة فقال له آدم وأنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق * قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى فحج آدم موسى " مرتين * الصحيحة

-الاحاديث الواردة في خلق آدم

1- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض فجاء بنو آدم على قدر الارض فجاء منهم الابيض والاحمر والاسود وبين ذلك.والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك ". حسن
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض فجاء بنو آدم على قدر الارض فجاء منهم الابيض والاحمر والاسود وبين ذلك. والسهل والحزن وبين ذلك.والخبيث والطيب وبين ذلك ".
الصحيحة
عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما خلق الله آدم تركه ما شاء أن يدعه فجعل إبليس يطيف به فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك " صحيح وفى رواية : " لما نفخ في آدم فبلغ الروح رأسه عطس فقال الحمد لله رب العالمين فقال له تبارك وتعالى يرحمك الله ".: " لما خلق الله آدم عطس فقال الحمد لله فقال ربه رحمك ربك يا آدم "
وقال النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما خلق آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي رب من هذا قال: هذا رجل من آخر الامم من ذريتك يقال له داود: قال رب وكم جعلت عمره قال ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم، جاءه ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة، قال: أو لم تعطها ابنك داود.

قال فجحد فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته " الصحيحة
عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الدر وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم.فقال للذي في يمينه.إلى الجنة ولا أبالي.وقال للذي في كتفه اليسرى إلى النار ولا أبالي. الصحيحة

و: " لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله باذن الله فقال له ربه يرحمك ربك يا آدم اذهب إلى اولئك الملائكة إلى ملا منهم جلوس فسلم عليهم فقال السلام عليكم فقالوا وعليكم السلام ورحمة الله.

ثم رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم وقال الله ويداه مقبوضتان أختر أيهما شئت فقال اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطهما فإذا فيهما آدم وذريته فقال أي رب ما هؤلاء قال هؤلاء ذريتك وإذا كل إنسان منهم مكتوب عمره بين عينيه وإذا فيهم رجل أضوؤهم أو من أضوئهم لم يكتب له إلا أربعون سنة قال يا رب ما هذا ؟ قال: هذا ابنك داود وقد كتب الله عمره أربعين سنة * قال: أي رب زد في عمره فقال ذاك الذي كتب له قال: فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة قال أنت وذاك أسكن الجنة.فسكن الجنة ما شاء الله ثم هبط منها وكان آدم يعد لنفسه فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت قد كتب لي ألف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود منها ستين سنة فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته فيومئذ أمر بالكتاب والشهود
" الصحيحة وفى البخارى قال " خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا.ثم قال اذهب فسلم على أولئك من الملائكة واستمع ما يجيبونك فانها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن ". قال: " كان طول آدم ستين ذراعا في سبع أذرع عرضا. الصحيحة

وعن ابن عباس قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول من جحد آدم إن أول منجحد آدم إن أول من جحد آدم ان الله لما خلق آدم ومسح ظهره فأخرج منه ما هو ذاري إلى يوم القيامة فجعل يعرض ذريته عليه فرأى فيهم رجلا يزهر قال أي رب من هذا قال هذا ابنك داود قال أي رب كم عمره قال ستون عاما قال أي رب زد في عمره قال لا إلا أن أزيده من عمرك وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عاما.

فكتب الله عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة فلما احتضر آدم اتته الملائكة لقبضه قال إنه قد بقي من عمري أربعون عاما.
فقيل له إنك قد وهبتها لابنك داود.قال ما فعلت وأبرز الله عليه الكتاب وشهدت عليه الملائكة الصحيحة
وهذه الاحاديث كلها دالة على استخراجه تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر وقسمتهم قسمين أهل اليمين وأهل الشمال وقال هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي.فأما الاشهاد عليهم واستنطاقهم بالاقرار بالوحدانية فلم يجئ في الاحاديث الثابتة.
1- عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنثرها بين يديه.ثم كلمهم قبلا قال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا) إلى قوله (المبطلون) (صحيح
و عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة لو كان لك ما على الارض من شئ أكنت مفتديا به قال فيقول نعم.فيقول قد أردت منك ما هو اهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي " صحيح
-: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " (إذا) قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسحود فعصيت فلي النار. الصحيحة
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن " * وهذا يقتضي أنه خلق كذلك لا أطول من ستين ذراعا وأن ذريته لم يزالوا يتناقص خلقهم حتى الآن.
قصة قابيل وهابيل

(1) قال الله تعالى (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لاقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء باثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين * فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخي فأصبح من النادمين)
* قد تكلمنا على هذه القصة في سورة المائدة في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد.

- عن ابن عباس أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الاخرى وأن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل وكان أكبر من هابيل وأخت هابيل أحسن (3) فأراد هابيل أن يستأثر بها على أخيه وأمره آدم عليه السلام أن يزوجه إياها فأبى فأمرهما أن
يقربا قربانا وذهب آدم ليحج إلى مكة واستحفظ السموات على بنيه فأبين والارضين والجبال فأبين فتقبل قابيل بحفظ ذلك.

فلما ذهب قربا قربانهما فقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب غنم وقرب قابيل حزمة من زرع من ردى زرعه فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال (لاقتلنك)
حتى لا تنكح أختي فقال (إنما يتقبل الله من المتقين) *
فغضب قابيل عندها وضربه بحديدة كانت معه فقتله (1) * وقيل إنه إنما قتله بصخرة رماها على رأسه وهو نائم فشدخته * .
وقوله له لما توعده بالقتل (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين)
دل على خلق حسن وخوف من الله تعالى وخشية منه وتورع أن يقابل أخاه بالسوء الذي أراد منه أخوه مثله
-ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار.قالوا يارسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه "
وقوله (إني أريد أن تبوء بإثمي وأثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) أي أني أريد ترك مقاتلتك وإن كنت أشد منك وأقوى إذ قد عزمت على ما عزمت عليه أن تبوء بإثمي وإثمك أي تتحمل إثم قتلي مع مالك من الآثام المتقدمة قبل ذلك
- والترمذي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال عند فتنة عثمان ابن عفان أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي " قال أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني قال: " كن كابن آدم ".وفى رواية كن كخير ابني آدم. الصحيحة
: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الاول كفل من دمها لانه كان أول من سن القتل * ورواه الجماعة
وقوله تعالى (فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخي فأصبح من النادمين)
2 - حتى بعث الله غرابين أخوين فتقاتلا فقتل أحدهما الاخر فلما قتله عمد إلى الارض يحفر له فيها ثم ألقاه ودفنه وواراه فلما رآه يصنع ذلك قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ففعل مثل ما فعل الغراب فواراه ودفنه.
وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ". الصحيحة
-وفاة آدم ووصيته إلى ابنه شيث
ومعنى شيث هبة الله وسمياه بذلك لانهما رزقاه بعد أن قتل هابيل
فلما مات قام بالامر بعده ولده يرد فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ولده خنوخ وهو إدريس عليه السلام على المشهور.
واخر دعوانا ان الحمد للة رب العالمين

ليلى أمين
05-24-2018, 12:46 PM
بارك الله بك
وجزاك الله خيرا
كل التقدير

رياض محمد سليم حلايقه
05-26-2018, 03:24 AM
عثمان بن مظعون - رضي الله عنه .
اخ الرسول صلى الله عليه وسلم بالرضاعة
تحدثنا عن عودة الصحابي من الحبشه لمكة المكرمة وتحمله العذاب من المشركين ورفضه لحماية وأمان الوليد بن المغيره كي لايكون أقل من بقية المسلمين الفقراء الذين لم يحميهم احد من المشركين ... نتابع...
ويهاجر عثمان إلى المدينة ، حيث لا يؤرقه أبو جهل هناك ، ولا أبو لهب.... ولا أمية.. ولا عتبة ، ولا شيء من هذه الغيلان التي طالما أرقت ليلهم ، وأدمت نهارهم..
يذهب إلى المدينة مع أولئك الأصحاب العظام الذين نجحوا بصمودهم وبثباتهم في امتحان تناهت عسرته ومشقته ورهبته ، والذين لم يهاجروا إلى المدينة ليستريحوا ويكسروا.. بل لينطلقوا من بابها الفسيح الرحب إلى كل أقطار الأرض حاملين راية الله ، مبشرين بكلماته وآياته وهداه..
وفي دار الهجرة المنورة ، يتكشف جوهر عثمان بن مظعون وتستبين حقيقته العظيمة الفريدة ، فاذا هوالعابد الزاهد المتبتل الأواب . وإذا هو الراهب الجليل ، الذكي الذي لا يأوي الى صومعة يعتزل فيها الحياة.. بل يملأ الحياة بعمله ، وبجهاده في سبيل الله..
أجل.. راهب الليل فارس النهار ، بل راهب الليل والنهار وفارسهما معا..
ولئن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا سيما في تلك الفترة من حياتهم ، كانوا جميعا يحملون روح الزهد والتبتل ، فان ابن مظعون كان له في هذا المجال طابعه الخاص.. اذ أمعن في زهده وتفانيه إمعانا رائعا ، أحال حياته كلها في ليله ونهاره إلى صلاة دائمة مضيئة ، وتسبيحة طويلة عذبة..!!
وما ان ذاق حلاوة الاستغراق في العبادة حتى هم بتقطيع كل الأسباب التي تربط الناس بمناعم الحياة.. فمضى لا يلبس الا الملبس الخشن ، ولا يأكل الا الطعام الجشب..
دخل يوما المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه جلوس ، وكان يرتدي لباسا تمزق ، فرقعه بقطعة من فروة.. فرق له قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ودمعت عيون أصحابه ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم :
" كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حلة ، ويروح في أخرى.. وتوضع في قصعة. وترفع أخرى.. وسترتم بيوتكم كما تستر الكعب..؟!"..
قال الأصحاب :
" وددنا أن يكون ذلك يا رسول الله ، فنصيب الرخاء والعيش"..
فأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا :
" ان ذلك لكائن.. وأنتم اليوم خير منكم يومئذ"..
وكان بديهيا ، وابن مظعون يسمع هذا ، أن يزداد اقبالا على الشظف وهربا من النعيم..!!
واتّخَذَ عثمان بن مظعون بيتاً فقعد يتعبّد فيه، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فأتاه، فأخذ بعِضادتَيْ باب البيت الذي هو فيه فقال: { يا عثمان إن الله لم يبعثني بالرهبانيّة، مرّتين أو ثلاثاً، وإنّ خيرَ الدّين عند الله الحنيفيّة السمحة }.
وحين سمع ابـن مظعـون ذلك زاد هربا من النعيم، بل حتى الرفث الى زوجته نأى عنه وانتهى،
فقد دخلت امرأةُ عثمان على نساء النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- فَرَأيْنها سيّئة الهيئة، فقُلن لها: { مَا لكِ ؟ فما في قريش أغنى من بعلِك ؟}.
قالت: { ما لنا منه شيءٌ، أمّا ليلهُ فقائمٌ، وأمّا نهارَهُ فصائم }.
فدخل النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- فذكَرْنَ ذلك له، فلقيهُ فقال: { يا عثمان بن مظعون أمَا لكَ بي أسوة }.
فقال: { بأبي وأمي، وما ذاك ؟}.
قال: { تصوم النهار وتقومُ الليلَ ؟!}.
قال: { إنّي لأفعل }.
قال: { لا تفعلْ، إنّ لعينيك عليك حقّاً، وإن لجسدك حقّاً، وإن لأهلك حقّاً، فصلّ ونمْ، وصُم وأفطر }.
أتى عثمان بن مظعون النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: { يا رسول الله إنّي لا أحبّ أن ترى امرأتي عورتي }.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { ولِمَ ؟}.
قال: { أستحيي من ذلك وأكرهه }.
قال -صلى الله عليه وسلم-: { إنّ الله جعلها لك لباساً، وجعلك لها لباساً، وأهلي يرون عورتي، وأنا أرى ذلك منهم }.
قال: { أنت تفعلُ ذلك يا رسول الله ؟}.
قال: { نعم }.
قال: { فمِنْ بعدِك }.
فلمّا أدبر قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: { إنّ ابن مظعون لَحَييٌّ سِتّيرٌ }.
فأتت امرأته على زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك عطرةُ عروس، فقُلنَ لها: { مَهْ ؟!}.
قالت: { أصابنا ما أصاب الناس }.
وأحبه الرسول صلوات الله وسلامه عليه حبا عظيما..
وحين كانت روحه الطاهرة تتهيأ للرحيل ليكون صاحبها أول المهاجرين وفاة بالمدينة ، وأولهم ارتياد لطريق الجنة ، كان الرسول عليه الصلاة والسلام ، هناك الى جواره..
ولقد أكب على جبينه يقبله ، ويعطره بدموعه التي هطلت من عينيه الودودتين فضمخت وجه عثمان الذي بدا ساعة الموت في أبهى لحظات اشراقه وجلاله..
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يودع صاحبه الحبيب :
" رحمك الله يا أبا السائب.. خرجت من الدنيا وما أصبت منها ، ولا أصابت منك"..
ولم ينس الرسول الودود صاحبه بعد موته ، بل كان دائم الذكر له ، والثناء عليه..
حتى لقد كانت كلمات وداعه عليه السلام لابنته رقية ، حين فاضت روحها :
" الحقي بسلفنا الخير ، عثمان بن مظعون"..!!!
رحم الله عثمان بن مظعون وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين ..
*************
اليوم التاسع والستون : رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم
****** زيد بن حارثة - رضي الله عنه - لم يحب حبه أحد
وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يودع جيش الاسلام الذاهب لملاقاة الروم في غزوة مؤتة ويعلن أسماء أمراء الجيش الثلاثة ، قائلا :
" عليكم زيد بن حارثة.. فان أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب.. فان أصيب جعفر ، فعبد الله بن رواحة".
فمن هو زيد بن حارثة"..؟؟
من هذا الذي حمل دون سواه لقب الحب .. حب رسول الله..؟
أما مظهره وشكله ، فكان كما وصفه المؤرخون والرواة :
" قصير ، آدم ، أي أسمر ، شديد الأدمة ، في أنفه فطس"..
صحابي جليل وهو حِبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم …وقد تبناه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته فكان يُدعى بـ زيد بن محمد … ولقب بحِب رسول الله لشدة حب النبي له … ولما جاء الاسلام وحرم الله التبني اصبح زيد مولى رسول الله … ولقد نزلت في زيد آيات قرآنية وذكر اسمه في القرآن فيا له من شرف فهنيئا لك يا زيد .
ولد زيد بن حارثة في السنة الخامسة والثلاثون قبل الهجرة و تبدأ قصة الصحابي الجليل زيد بن حارثة رضي الله عنه عندما كان بصحبة أمه وهو صغير وكانت في زيارة لأهلها فخطف وبيع زيد في سوق عكاظ وكان غلاماً صغيراً واشتراه حكيم بن حزام لعمته السيدة خديجة بنت خويلد”رضي الله عنها” فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له فتقبله مسرورا وأعتقه من فوره ، وراح يمنحه من نفسه العظيمة ومن قلبه الكبير كل عطف ورعاية..
وفي أحد مواسم الحج. التقى نفر من حي حارثة بزيد في مكة ، ونقلوا إليه لوعة والديه ، وحملهم زيد سلامه وحنانه وشوقه لأمه وأبيه ، وقال للحجاج من قومه"
" أخبروا أبي أني هنا مع أكرم والد"..
ولم يكن والد زيد يعلم مستقر ولده حتى أخذ السير إليه ، ومعه أخوه..
وفي مكة مضيا يسألان عن محمد الأمين.. ولما لقياه قالا له :
"يا بن عبدالمطلب..أنتم أهل حرم ، تفكون العاني ، وتطعمون الأسير.. جئناك في ولدنا ، فامنن علينا وأحسن في فدائه"..
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم تعلق زيد به ، وكان في نفس الوقت يقدر حق أبيه فيه..
هنالك قال الرسول صلى الله عليه وسلم :
"ادعوا زيدا ، وخيروه ، فان اختاركم فهو لكم بغير فداء.. وان اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء"..!!
وتهلل وجه حارثة الذي لم يكن يتوقع كل هذا السماح وقال :
" لقد أنصفتنا ، وزدتنا عن النصف"..
ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم الى زيد ، ولما جاء سأله:
" هل تعرف هؤلاء"..؟
قال زيد : نعم .. هذا أبي.. وهذا عمي.
وأعاد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله لحارثة.. وهنا قال زيد :
" ما أنا بالذي أختار عليك أحدا ، أنت الأب والعم"..!!
ونديت عينا رسول الله بدموع شاكرة وحانية ، ثم أمسك بيد زيد ، وخرج به الى فناء الكعبة ، حيث قريش مجتمعة هناك ، ونادى الرسول :
" اشهدوا أن زيدا ابني.. يرثني وأرثه"..!!
وكاد قلب حارثة يطير من الفرح.. فابنه لم يعد حر ا فحسب ، بل وابنا للرجل الذي تسميه قريش الصادق الأمين سليل بني هاشم وموضع حفاوة مكة كلها..
وعاد الأب والعم إلى قومهما ، مطمئنين على ولدهما والذي تركاه سيدا في مكة ، آمنا معافى ،
ولكن الله انزل قرآن بعد ذلك بتحريم التبني وهي الاية ” ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ” … من سورة الاحزاب …
فدعي منذ ذلك الحين بزيد بن حارثة … و بعد نزول هذه الاية وبعد تحريم التبني نُسب كل من تبنى رجل من قريش إلى أبيه.
لقد شهد الصحابي الجليل زيد بن حارثة رضي الله عنه بدراً و أحداً و الخندق و الحديبية و خيبر، و كان من الرماة المعروفين … كما أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية إلى مكان يُسمى الفَردة و هي أول سرية خرج فيها زيد أميراً … ثم أرسله في سرايا أخرى … و كان الصحابي الجليل زيد بن حارثة رضي الله عنه برفقة النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته الى الطائف حيث ضيق عليه اهلها و رموه بالحجارة و كان زيد رضي الله عنه يقي النبي بنفسه حتى جرح في رأسه .
كان النبي صلي الله عليه وسلم متبنيا زيد قبل الاسلام وزوج النبي صلى الله عليه وسلم زيد من زينب بنت جحش بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم … وبعد فترة طلقها زيد و كان العرب يعتقدون أن آثار التبني هو نفس آثار البنوة الحقيقية، فيحل له، ويحرم عليه، ويرث ويعامل كالابن الحقيقي تماماً من دون فرق … فأمر الله نبيه بالزواج من زوجة ابنه بالتبني لقلع هذا المفهوم الخاطئ من أذهانهم وانزل ذلك التشريع في ايات قرآنية وذكر اسم الصحابي الجليل زيد فيها في قرآن يتلى الى يوم القيامة ( فيا له من شرف حظي به زيد رضي الله عنه ) وهذه الايات هي
” وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ” . فهنيئا لك يا زيد.


لقد استشهد الصحابي الجليل زيد بن حارثة رضي الله عنه في غزوة مؤتة في السنة الثامنة للهجرة ، ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر استشهاد زيد بن حارثة مع جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم اجمعين قام وذكر شأنهم فبدأ بزيد فقال: ” اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لزيد “. وقال له أصحابه: ” يارسول الله مارأيناك تبكي شهيدا مثله ” فقال: ” هو فراق الحبيب لحبيبه “
هنالك حمل المهاجرون أمتعتهم وطاروا إلى مكة تسبقهم أشواقهم ، ويحدوهم حنينهم.. بيد أنهم ما كادوا يقتربون من مشارفها حتى تبينوا كذب الخبر الذي بلغهم عن إسلام قريش..
وساعتئذ سقط في أيديهم ، ورأوا أنهم قد عجلوا.. ولكن أنى يذهبون وهذه مكة على مرمى البصر..!!
وقد سمع مشركو مكة بمقدم الصيد الذي طالما أرادوه ونصبوا شباكهم لاقتناصه.. ثم
ها هو ذا الآن ، تحين فرصته ، وتأتي به مقاديره..!!
كان الجوار يومئذ تقليدا من تقاليد العرب ذات القداسة والاجلال ، فاذا دخل رجل مستضعف جوار سيد قرشي ، أصبح في حمى منيع لا يهدر له دم ، ولا يضطرب منه مأمن...
ولم يكن العائدون سواء في القدرة على الظفر بجوار..
من أجل ذلك ظفر بالجوار منهم قلة ، كان من بين أفرادها عثمان بن مظعون الذي دخل في جوار الوليد بن المغيرة.
وهكذا دخل مكة آمنا مطمئنا ، ومضى يعبر دروبها ، ويشهد ندواتها ، لا يسأم خسفا ولا ضيما.
ولكن ابن مظعون.. الرجل الذي يصقله القرآن ، ويربيه محمد صلى الله عليه وسلم ، يتلفت حواليه ، فيرى إخوانه المسلمين من الفقراء والمستضعفين ، الذين لم يجدوا لهم جوارا ولا مجيرا.. يراهم والأذى ينوشهم من كل جانب.. والبغي يطاردهم في كل سبيل.. بينما هو آمن في سربه ، بعيد من أذى قومه ، فيثور روحه الحر ، ويجيش وجدانه النبيل ، ويتفوق بنفسه على نفسه ، ويخرج من داره مصمما على أن يخلع جوار الوليد ، وأن ينصو عن كاهله تلك الحماية التي حرمته لذة تحمل الأذى في سبيل الله ، وشرف الشبه باخوانه المسلمين ، طلائع الدنيا المؤمنة ، وبشائر العالم الذي ستتفجر جوانبه غدا ايمانا ، وتوحيدا ، ونورا..
" لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء. وهو يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة ، قال : والله إن غدو ي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك ، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لايصيبني ، لنقص كبير في نفسي..
فمشى الى الوليد بن المغيرة فقال له:
يا أبا عبد شمس وفت ذمتك . وقد ردت إليك جوارك..
فقال له : لم يا ابن أخي.. لعله آذاك أحد من قومي..؟
قال : لا .. ولكني أرضى بجوار الله ، ولا أريد أن أستجير بغيره...
قال ‏‏:‏‏ فانطلق إلى المسجد ، فاردد عليّ جواري علانية كما أجرتك علانية ‏‏.‏‏
فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد ،
فقال الوليد ‏‏:‏‏ هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري ؛
قال ‏‏:‏‏ صدق ، قد وجدته وفيا كريم الجوار ، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله ، فقد رددت عليه جواره ؛
ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة في مجلس من مجالس قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان .
فقال لبيد‏‏ :‏‏ ألا كل شيء ما خلا الله باطل
قال عثمان ‏‏:‏‏ صدقت ‏‏.‏‏
قال لبيد‏‏ :‏‏ وكل نعيم لا محالة زائل
قال عثمان ‏‏:‏‏ كذبت ، نعيم الجنة لا يزول ‏‏.‏‏
قال لبيد ‏‏:‏‏ يا معشر قريش ، والله ما كان يُؤذى جليسكم ، فمتى حدث هذا فيكم ‏؟‏‏
فقال رجل من القوم : ان هذا سفيه فارق ديننا.. فلا تجدنّ في نفسك من قوله..
فرد عليه عثمان حتى شري أمرهما ، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضَّرها ، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان ،
فقال ‏‏:‏‏ أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية ، لقد كنت في ذمة منيعة ‏‏.‏‏
قال ‏‏عثمان ‏‏:‏‏ بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله ، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس ؛
فقال له الوليد ‏‏:‏‏ هلم يا ابن أخي ، إن شئت فعد إلى جوارك ؛
فقال ‏‏:‏‏ لا ‏‏.‏‏
وغادر ابن مظعون هذا المشهد وعينه تضج بالألم ، ولكن روحه تتفجر عافية ، وصلابة ، وبشرا..
ولقد مضى في الطريق إلى داره يتغنى بشعره هذا:
فان تك عيني في رضا الله نالها
يدا ملحدا في الدين ليس بمهتدي
فقد عوض الرحمن منها ثوابه
ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعد
فاني وان قلتم غوي مضلل
لأحيا على دين الرسول محمد
أريد بذاك الله ، والحق ديننا
على رغم من يبغي علينا ويعتدي
هكذا ضرب عثمان بن مظعون مثلا ، هو له أهل ، وبه جدير..
وهكذا شهدت الحياة انسانا شامخا يعطر الوجود بموقفه الفذ هذا..
وبكلماته الرائعة الخالدة:
" والله ان عيني الصحيحة ، لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله.. واني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر"..!!
ولقد ذهب عثمان بن مظعون بعد رد جوار الوليد يتلقى من قريش أذاها ، وكان بهذا سعيدا جد سعيد..
فقد كان ذلك الأذى بمثابة النار التي تنضج الايمان وتصهره وتزكيه
وهكذا سار مع اخوانه المؤمنين، لا يروعهم زجر.. ولا يصدّهم اثخان..!!
__________________

الوليد دويكات
05-26-2018, 09:11 PM
رضي الله عنه وأرضاه
جزاك الله كل خير
سيرة الصحابة الأخيار تثلج النفس
ويطيب لها القلب ...
بوركت

الوليد دويكات
05-26-2018, 09:12 PM
سعدت أنني اول العابرين هذا الفضاء

رياض محمد سليم حلايقه
06-01-2018, 05:17 AM
بارك الله فيكم جميعا وتقبل منكم الطاعات

رياض محمد سليم حلايقه
06-01-2018, 05:18 AM
ام المؤمنين المؤمنين عائشة


ام المؤمنين المؤمنين عائشة
رضى الله عنها وارضاها
الحمد لله رب العالمين
أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق وزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحب أزواجه إليه، المبرأة من فوق سبع سموات رضي الله عنها، وعن أبيها.
وأمها هي أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، تكنى عائشة بأم عبد الله، قيل كناها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن أختها عبد الله بن الزبير،
وقيل إنها أسقطت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطا فسماه عبد الله، ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها، ولم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها، ولم يكن في أزواجه أحب إليه منها
-، تزوجها بمكة بعد وفاة خديجة، وقد أتاه الملك بها في المنام في سرقة من حريرة، مرتين أو ثلاثا، فيقول: هذه زوجتك.
قال: " فأكشف عنك فإذا هي أنت، فأقول، إن يكن هذا من عند الله يمضه،
فخطبها من أبيها فقال: يا رسول الله أو تحل لك ؟ قال: نعم ! قال: أو لست أخوك ؟ قال: بلى في الاسلام، وهي لي حلال
فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضيت عنده ".

- ، وكان ذلك قبل الهجرة بسنتين، وقيل بسنة ونصف، وقيل بثلاث سنين، وكان عمرها إذ ذاك ست سنين ثم دخل بها وهي بنت تسع سنين بعد بدر، في شوال من سنة ثنتين من الهجرة فأحبها.

-ولما تكلم فيها أهل الافك بالزور والبهتان، غار الله غار الله غار الله لها
فأنزل براءتها في عشر آيات من القرآن تتلى على تعاقب الزمان.
وقد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها، واختلفوا في بقية أمهات المؤمنين، هل يكفر من قذفهن أم لا ؟
على قولين، وأصحهما أنه يكفر، لان المقذوفة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى إنما غضب لها لانها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي وغيرها منهن سواء.

-ومن خصائصها رضي الله عنها
أنها كان لها في القسم يومان يومها ويوم سودة حين وهبتها ذلك تقربا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه مات في يومها وفي بيتها وبين سحرها ونحرها، وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا، وأول ساعة من الآخرة، ودفن في بيتها.

-وقد قال الامام أحمد:
عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: إنه ليهون علي أني رأيت بياض كف عائشة في الجنة
وهذا في غاية ما يكون من المحبة العظيمة أنه يرتاح لانه رأى بياض كفها أمامه في الجنة.

-ومن خصائصها أنها أعلم نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي أعلم النساء على الاطلاق.
قال الزهري:
لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواجه، وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل.

وقال عطاء : كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة.

وقال عروة: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة، ولم ترو امرأة ولا رجل غير أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاحاديث بقدر روايتها رضي الله عنها،
وقال أبو موسى الاشعري ما أشكل علينا أصحاب محمد حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما
، وقال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد الاكابر يسألونها عن الفرائض.

-ثم لم يكن في النساء أعلم من تلميذاتها عمرة بنت عبد الرحمن، وحفصة بنت سيرين، وعائشة بنت طلحة.
وقد تفردت أم المؤمنين عائشة بمسائل عن الصحابة لم توجد إلا عندها، وانفردت باختيارات أيضا وردت أخبار بخلافها بنوع من التأويل.وقد جمع ذلك غير واحد من الائمة،
- فمن ذلك قال الشعبي: كان مسروق إذا حدث عن عائشة قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله المبرأة من فوق سبع سموات.
وثبت في صحيح البخاري من عمرو بن العاص.قال: قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك ؟قال:
عائشة، قلت: ومن الرجال ؟ قال: أبوها
-وفي صحيح البخاري أيضا عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام "
-وقد استدل كثير من العلماء ممن ذهب إلى تفضيل عائشة على خديجة بهذا الحديث،
قال: فإنه دخل فيه سائر النساء الثلاث المذكورات وغيرهن،
ويعضد ذلك أيضا الحديث الذي رواه البخاري: عن عائشة.
قالت: " استأذنت هالة بنت خويلد - أخت خديجة - على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك،
فقال:
اللهم هالة، قالت عائشة: فغرت وقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر الاول، قد أبدلك الله خيرا منها ؟ "
هكذا رواه البخاري، فأما ما يروى فيه من الزيادة: " والله ما أبدلني خيرا منها " فليس يصح سندها.

-وروى البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما:
" يا عائش هذا جبرئيل يقرئك السلام،
فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى مالا أرى "
-وثبت في صحيح البخاري أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة، فاجتمع أزواجه إلى أم سلمة
وقلن لها: قولي له يأمر الناس أن يهدوا له حيث كان،
فقالت أم سلمة: فلما دخل علي قلت له ذلك فأعرض عني، ثم قلن لها ذلك فقالت له فأعرض عنها، ثم لما دار إليها قالت له فقال:
يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي في بيت وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها "
وذكر أنهن بعثن فاطمة ابنته إليه فقالت:
" إن نساءك ينشدونك العدل في ابنة أبي بكر بن أبي قحافة،
فقال: يا بنية ألا تحبين من أحب ؟
قالت: قلت بلى ! قال: فأحبي هذه "
.ثم بعثن زينب بنت جحش فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة فتكلمت زينب ونالت من عائشة، فانتصرت عائشة منها وكلمتها حتى أفحمتها، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عائشة ويقول:
" إنها ابنة أبي بكر ".

-وذكرنا أن عمارا لما جاء يستصرخ الناس ويستنفرهم إلى قتال طلحة والزبير أيام الجمل، صعد هو والحسن بن علي على منبر الكوفة، فسمع عمار رجلا ينال من عائشة فقال له:
اسكت مقبوحا منبوذا، والله إنها لزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا وفي الآخرة، ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أو إياها (فتح الباري).

وقال الامام أحمد:
عن ذكوان - حاجب عائشة - أنه جاء عبد الله بن عباس يستأذن على عائشة فجئت - وعند رأسها عبد الله ابن أخيها عبد الرحمن –
فقلت: هذا ابن عباس يستأذن، فأكب عليها ابن أخيها عبد الله
فقال: هذا عبد الله بن عباس يستأذن - وهي تموت - فقالت: دعني من ابن عباس،
فقال: يا أماه ! ! إن ابن عباس من صالح بنيك يسلم عليك ويودعك،
فقالت: ائذن له إن شئت، قال فأدخلته، فلما جلس قال: أبشري فقالت: بماذا ؟ فقال: ما بينك وبين أن تلقي محمدا والاحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، وكنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيبا، وسقطت قلادتك ليلة الابواء فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبح الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله آية التيمم،
فكان ذلك في سببك، وما أنزل الله من الرخصة لهذه الامة، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات، جاء بها الروح الامين، فأصبح ليس مسجد من مساجد الله إلا يتلى فيه آناء الليل وآناء النهار،
فقالت: دعني منك يا بن عباس، والذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسيا منسيا.
والاحاديث في فضائلها ومناقبها كثيرة جدا.

-وقد كانت وفاتها في هذا العام سنة ثمان وخمسين وقيل قبله بسنة، وقيل بعده بسنة، والمشهور في رمضان منه وقيل في شوال، والاشهر ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان،
- وأوصت أن تدفن بالبقيع ليلا، وصلى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر، ونزل في قبرها خمسة، وهم عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام، من أختها أسماء بنت أبي بكر، والقاسم وعبد الله ابنا أخيها محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر،
وكان عمرها يومئذ سبعا وستين سنة، لانه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم
وعمرها ثمان عشرة سنة، وكان عمرها عام الهجرة
ثمان سنين أو تسع سنين،
فالله أعلم
ورضي الله تعالى عن أبيها وعن الصحابة أجمعين.
والحمد لله رب العالمين