المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاعتماد على الآخر وانعكاسه على الشخصية


جهاد بدران
07-08-2021, 02:29 PM
الاعتماد على الآخر وانعكاسه على الشخصية....

من منطلق التربية وتجديد درجات الشخصية لبناء مجتمع واع، نحتاج لتنظيم القيم في الإنسان وتجديدها، وهذا يتطلب نضوج في الوعي؛ لتستطيع مواكبة مراحل التغيير وتجدد الثقافة التي يتعرض لها الفرد وهو يقبع في مجتمع له قيمه وعاداته وأساليبه في بناء العلاقات الاجتماعية الواعية.
وبناؤنا للإنسان يتطلب إدراكًا عميقًا في تهيئة الوسائل عبر درجات فكرية ونفسية واجتماعية واعية متزنة، حتى لا يتعرض في لحظة من اللحظات إلى معوّقات يصطدم بها لتنحدر إلى الإحباط وهدم معاول البناء، ثم اليأس البغيض وهذا لوحده هادم للعلاقات الاجتماعية وهادم لدرجات الفكر الناضجة.
فالتّربية الواعية تعمل على تنمية الشّخصية الإنسانية ونضجها. ومن معاول التّنمية هذه هي مفهوم "الاعتماد على الآخر"، التي تصبح في مفهومها الخاطئ قيودًا وعادات نفسية تقيّده في مواجهة التّحدّيات وتسبّب له العجز.
فالارتقاء في الفكر والتّربية الواعية يساهم في الارتقاء في العمل، والارتقاء في العمل يساهم في حصد النّاتج من عادات نفسيّة وعلاقات اجتماعية، لتتبلور شخصيّة متكاملة ناضجة، لنحصد في النّهاية مصيرنا في المجتمع.
لذا كان من الأنسب لنا أن نطّلع على مفهوم الاعتماد على الآخر وما يحتوي من إنجاز، وهل مجتمعنا يميل اتّجاهه إلى هذه الرّؤية من الاعتماد على الآخر، أم أنّه يقوم بمسؤولية فاشلة تجاه أفراده في المجتمع، وهل الأمّة اليوم على وعي تام بماهيّة الفرد وايجاد السّبل والوسائل التي تدعم استقلاليّته في رؤية ذاته ووعيه الكامل بما يدور في المجتمع وما يختلج النّفس من قدرات في تنظيم شؤونه لينخرط في مسار المؤسّسات الاجتماعية للتّنشئة كالأسرة مثلاً ومؤسّسات التّربية كالمسجد والمدرسة والمؤسّسات الإدارية الحاكمة في المجتمع.
هل الأمّة في كامل استعدادها لتنظيم البيئة الملائمة وتوفيرها للفرد لتنمية المهارات الفكرية والأخلاقيّة وغيرها، لحصد طاقات بشريّة سليمة تقوم على الاحترام والسّلوك الفاعل في تكوين بيئة صالحة عادلة تتّجه نحو حرّية الذّات والمجتمع.
ولكن للأسف الشّديد نجد أنّنا جميعًا إلا من رحم ربّي نحمل خصال الاعتماد على الآخر، وهذه الخصال هي بؤرة الجمود والتّوقف عن الإبداع والتّغيير للأفضل في النّفس وفي المجتمع.
في هذه الخصال نبقى في قيود تربطنا بالآخر لنصبح عاجزين عن الاستقلاليّة الذّاتية وغير قادرين على ضبط الشّخصية وننتظر انعكاس تام من المجتمع في جميع مجالاتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لنتأثر بها سريعاً دون تحليل ودون تفكير للصواب أو الخطأ، ونبقى في انتظار الحلول من الآخر الغربي وغيره، فنريد أن يفكر عنا الغرب دون أن نستقل بفكرنا وقدراتنا ونعتمد على ذواتنا لا على غيرنا، مما نفقد من خلال ذلك روح المبادرة الحرة ونصبح كدمى متحركة يسكنها العجز عن التفكير والعمل والاختيار السليم للخطوات في حياتنا المختلفة.
وهذه الشخصية تصبح في مهب الرّيح، تتأثّر بسرعة وتلقي اللوم على الآخر أو المجتمع، وتبقى في حالة استجداء دائمة للآخر واستنجاد به. وهذه النّوعية من البشر هي التي يلعب بها الغرب أو ساسة العرب كلوحة الشّطرنج، لا تحسن التفكير أو التّحرك إلا بأيدي الكبار.
وهذه للأسف حال أمّتنا العربية، والتي ربما كانت مقصودة في صنمية البشر من قبل الحكام وعليهم إلقاء الأوامر فقط والشّعب يستجيب بالقوة للأوامر تحت التّهديد وتحت سطوتهم للنّفس الضّعيفة التي لا تحكم الذّات ولا قيد أنملة وتظلّ منساقة كليّا للكبار. وهنا تبدأ عملية السّيطرة على الشّعوب ليصبح سلوكنا مجرد ردود أفعال وانعكاسات مشروطة لأهوائنا وانفعالاتنا التي تصبغ بالاعتماد على الآخر، فلا يحسن التصرف إلا بتوجيه من ولاة الأمر من قادة أو حكّام أو رؤساء إلخ.. كما يحدث في مجتمعنا العربي. ومن هنا تأتي معاني التّقديس للشّخصيات وللحكّام وللسّاسة دون أن نوقظ هذا الفكر ونحلل تصرفات الآخر ونقيّمها، على أنها سليمة أو خاطئة. وما أكثرنا من تماثيل لا تتحرّك ولا تنتقد ولا تتفوّه للحق. خوفًا على النّفس من العقاب من ولاة الأمر.
لذا يأتي دور التّربية والجيل الصّاعد والأسرة الواعية التي تقوم على ترسيخ استقلالية الشّخصية عن الآخر منذ نعومة أظفاره. ليتحرر من هيمنة الآخرين وتسلّطهم عليه واستغلالهم له، حيث يجب تدريب الطفل على الاستقلالية والحوار والمناقشة، ثم دور المدرسة في تجهيز الطالب ليكون مفكرًا محللًا بطريقة تجعله بعيدا عن أن يكون متلقيا فقط للمواد النّظرية أو العملية، إنما ليساهم في بناء قرارات وتدريب على سلوكيات تجعله شخصية متزنة واعية مستقلة لا تنخرط مع الآخرين لمجرد التّبعية تماما كشعبنا وحكامنا؛ حيث نرفع رايات التّمجيد والتّسبيح لهم ونبصم على أفعالهم دون أن ننفرد بالتفكير ولو للحظة بظلمهم وقسوتهم وقتلهم الأبرياء والدّمار والهدم الذي سبّبوه وعدم فقههم سياسيا ولا اجتماعيًا ولا اقتصاديًا. فقط نصفّق بحرارة ونكون حينها في قمّة العجز؛ نجلد الذّات ونقلّد الآخر تقليدًا أعمى دون وعي أو بصيرة أو إدراك.
.
.
.
.
جهاد بدران
فلسطينية

شاكر السلمان
07-08-2021, 11:03 PM
تحية من القلب لفكرٍ يتوهج ويراع من ذهب
ومحبتي

محمد عبد الحفيظ القصاب
07-10-2021, 01:45 AM
هو كذلك ..وكُتبَ عنه الكثير ..!

نرجوا التحرر من ربقة الآخر ..والاعتماد على الذات

وهي محاولات فردية ..والقيد على الفكر والإبداع ممنهج مدروس ضدّ العرب

شكرًا للطرح القيم

تحياتي والمحبة و:1 (45):

الدكتور اسعد النجار
07-10-2021, 05:30 PM
مقال في الصميم فيه من التوعية الشيء الكثير

تحياتي

محمد فتحي عوض الجيوسي
07-10-2021, 06:24 PM
موضوع يستحق الاهتمام والنظر (الاعتماد على الآخر)عموما لا مزاودة على ما قلته في هذا المقال بل التأييد وهذا تماما ما أراده الإسلام لنا وما كان فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هكذا لك شكري سيدتي

جهاد بدران
07-11-2021, 12:24 PM
تحية من القلب لفكرٍ يتوهج ويراع من ذهب
ومحبتي

قارورة عطر حرفكم تنثر جمالها بين السطور ..فما من قلمكم إلا وحمل النص في معراج نور في سفر الأحلام على براق الدهشة وبين يقين السحر المتساقط من فوهة قلمكم
أستاذنا الكبير الراقي بفكره
أ.شاكر السلمان
صوت قلمكم العالق بين ضلوع الكلمات قد مسح عن جبين النص بعض من وجع..وغرست بمروره شتائل السعادة بين ثراه ..
أشعلت بمروركم هذا قناديل التشجيع وهي تتأمل عامود النور المتصاعد من رأس قلمكم الفاخر..
وفقكم الله وأسعدكم في الدنيا والآخرة
رعاكم المولى ووفقكم لرضاه

جهاد بدران
07-11-2021, 12:44 PM
هو كذلك ..وكُتبَ عنه الكثير ..!

نرجوا التحرر من ربقة الآخر ..والاعتماد على الذات

وهي محاولات فردية ..والقيد على الفكر والإبداع ممنهج مدروس ضدّ العرب

شكرًا للطرح القيم

تحياتي والمحبة و:1 (45):

أستاذنا الراقي الأديب الشاعر
أ.محمد عبد الحفيظ القصاب
القوى السياسية لها الدور الأعظم في تحطيم التربية اليوم وقمع جذور المقدرات التي يعجز الكبار والمفكرين من الإستفادة منها...بمعنى انه توجد قدرات هائلة في مجمع الأمة العربية والإسلامية ولكن مقابل ذلك يوجد عجز فظيع عن الإستفادة منها...وهنا بؤرة العجز عن استثمار الموارد البشرية لصالح الأمة...
لأن الإهتمام السائد اليوم..كيف نقمع العربي من بلاده والتناحر فيما بين بعضنا ..وانتشار الفرق التي تمزق أي فكر ممكن أن ينبثق منه نور وروح التغيير...وكثرة المذاهب أضاعت لملمة الفكر في وضع مناهج وأنظمة تقوم على بناء الإنسان ..وهذا أحدث خللا فظيعا ضرب السلوكيات ونواة الفكر...
بدل أن يتطور الفكر للسمو وعمل ما ينشل الأمة من ضعفها ..نجد الأفراد واختلاسهم لثقافة الغير بخلع عقيدتهم ونزع معقدات الأمة التي تحافظ على كيانها...ليخرج الفرد بتخلف وجهل أشد من الجاهلية الأولى...
فالأمم الواعية التي تشعر بخلل ما في قواعدها وأبنيتها في الأداء الفردي والجماعي ونقص في عمليات الإنجاز..
فتقول أولا بتجنيد أخصائيين وخبراء لتشخيص نقاط الضعف ومواطن المرض من خلال تشخيص القيم الثقافية السائدة والنظم التربوية الموجودة...
لكن اليوم الأمر ينزف دما على القصور الموجود ونقص في القادة الواعين المثقفين الذين ينظرون لشعبهم بعين الرحمة لا بالقتل والتهجير ومساندة القوى المختلفة والمذاهب التي مزقت قواعد وأسس البناء التربوي وبثت الفساد في نفوس الأفراد وخلخلة عقيدتهم الإيمانية ..
وحسبنا الله ونعم الوكيل بقادة اليوم...
لكم السلام والشكر والامتنان..أن أضاف من فكركم درة الحرف الذي كان قالبا فكريا مضيئا...
بوركتم لمصافحتكم ومتابعة هذا النص..
تقديري لفكركم النير ..حفظكم الله ورعاكم

جهاد بدران
07-11-2021, 01:18 PM
مقال في الصميم فيه من التوعية الشيء الكثير

تحياتي

أستاذنا الراقي المبدع الشاعر المتألق
د.أسعد النجار
هو حضوركم المثري قد رفع هامة الحرف وعزف أيقونة الحرف من نور توقيعكم الفاخر
وزاد المكان ثراء حتى اتساع المدى، وأنتم تضيئون عتمة الحروف من قنديل لغتكم الراقية..
تشرفت بهذا المرور المزهر في متصفحي المتواضع
وأنا في حضرة قلم له كل التبجيل والتقدير
شكراً لنور حرفكم
وجزاكم الله كل الخير
وفقكم الله ورضي عنكم

جهاد بدران
07-11-2021, 01:31 PM
موضوع يستحق الاهتمام والنظر (الاعتماد على الآخر)عموما لا مزاودة على ما قلته في هذا المقال بل التأييد وهذا تماما ما أراده الإسلام لنا وما كان فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هكذا لك شكري سيدتي

أستاذنا الراقي المبدع
أ.محمد فتحيعوض الجيوسي
أمتنا ما زال فيها الخير ليوم الدين..والشعوب تعاني حكم الطغاة وحكم هؤلاء الذين لا يرون إلا مصالحهم التي هي فوق كل اعتبار..ليكون الشعب هو الضحية لكل قرار وكل تنفيذ حكم..وكأن الشعوب عليها أن تدفع ثمن جرائمهم وفسادهم ومنهاجهم المتذبذب للأنذال...
وحتى هؤلاء الولاة أنفسهم يعانون من العجز الفكري فلا يتقنون طرق التفكير في ولايتهم للبلاد وللشعوب..ولا يحسنون اختيار الأنظمة في ضبط المجتمعات لأنهم عاجزون عن رؤية الذات التي تحكمها الغرباء..لا يرون من أنفسهم قدرة إلا من خلال رؤية الآخرين لهم..لذلك يخضعون للغير وينفذون مآربهم بحكم ضعفهم وعجزهم ليكون اعتمادهم عليهم فيما يمس كل شيء وحتى وصلوا للمساس بالعقيدة..ويصبحون ضحايا لهم وصيداً نفيساً وغنائم لمصالح الغرباء..فتتحول الأفعال مجرد ردود فعل تلقائية لتخليصهم من ورطاتهم ليتسبب ذلك في إدارة سلطوية للشعب بما تحمل من أنظمة ظالمة تعكس التخبط من خلال التنشئة الخاطئة والتلقائية التي تحكمها أذرع الظلام ومصالح الغرب..
فالاعتماد على الغير يولّد الضبابية وتقبع تحت تهديد العجز التفكيري بما يلائم كلّ واحد مجتمعه..
ويبقى في دائرة التبعية قد تعطل من تفكير مستقل وسلوك مستقل ولا يتقن تحديد الأهداف والوسائل للتفاعل الحر مع البيئة التي يتواجدون بها..
وبدرجة اعتمادها على الغير فإنها تكسر درجة الاستقلال بكل أصنافه وأشكاله..وتقتل عاداتها الفكرية والنفسية درجة التلاشي والذوبان في الغير المتسلط من الغرباء.
.
.
أثريتم المكان وحلقنا عبر مداخلتكم الثرية لتأخذنا كنفحات في واقع الأمة، نعيد تجذير الرسالة من جديد كي نتقن فن العبور لمسامات التاريخ المصلوبة بين أعناق الساسة والطغاة..
جزاكم الله كل الخير وبارككم المولى لرفعة وسمو ترفع قدركم وتحيي منابت حرفكم