عبد اللطيف غسري
08-15-2010, 07:24 PM
قراءتان لنص (إلى البحر أطوي كُلَّ مَوج...) للشاعر عبد اللطيف غسري
إلى البحرِ أطوِي كُلَّ مَوجٍ...
عبد اللطيف غسري
يََخُبُّ حِصَانُ الشَّمسِ والظلُّ واقِفُ = وَأنتَ على تشْذِيبِ حُلْمِكَ عَاكِفُ
وَأوْراقُكَ العَذْراءُ سِفْرٌ طَوَيْتََهُ = وَمِنْ شَجَرِ الإحْسَاسِ فِيهِ قطائِفُ
وَلِلماءِ أُخْدودٌ يَقولُ لكَ اقْتحِمْ = عُيُونَ الشِّتاءِ الآنَ.. هَلْ أنتَ وَاجِفُ؟
دَعِ القَلَمَ الوَرْدِيَّ يَرْسُمُ دَرْبَهُ = زَوَاحِفَ ضَوْءٍ ما لهُنَّ حَرَاشِفُ
وَكُنْ وَتَرًا لا يَسْأمُ الليلُ عَزْفَهُ = وَكُنْ خَبَرًا فِي جَوْفِهِ مِنهُ طائِفُ
أوِ اخْتَرْ وُقوفًا عِندَ ناصِيَة اللظى = هُنالِكَ جِسْرٌ نازحٌ بكَ عَارفُ
بِعَيْنَيْكَ فَجْرٌ أنتَ تَنْزِفُ طُهْرَهُ = فَهَلْ شَهِدَ الرَّاءُونَ ما أنتَ نازفُ؟
تجَلَّيْتَ فِي مَعْنى الحُضورِ وَإنَّمَا = حُضورُكَ طَيْفٌ فَي القراطِيسِ هَاتِفُ
ضِفَافُ الصَّدى تنزَاحُ.. أمْسِكْ ذُيُولهَا = إذا الصوتُ مَعْنًى لِلصَّدى وَمُرَادِفُ
على عَجَلٍ أبْحِرْ بِأشْرِعَةِ الأنا = لعَلَّكَ فُلْكَ الذكْرَياتِ تُصادِفُ
تركْتَ رَياحِينًا هُناكَ نَدِيَّةً = ـ أتذكُرُهَا؟ـ حيثُ الظنونُ عَواصِفُ
وحيثُ لِسَانُ الوقتِ يَجْرَحُ حَرْفَهُ = وحيثُ قُصَاصَاتُ السؤالِ صَحائِفُ
مَتَى يَشْرَئِبُّ النَّجمُ مِن شُرْفَةِ المدَى؟ = سُؤالٌ لِأسوارِ الإجَابَةِ ناسِفُ
وَنادَيْتَ عِشْتارَ القصيدةِ أنْ ضَعِي = نسِيغَكِ فوقَ الجِذعِ، فالغُصنُ راجِفُ
ألم تعْلمِي أنِّي عَصِيٌّ بنِينَوَى = وأنِّيَ طَوَّافٌ عَنِ النهرِ عَازفُ؟
إلى البحرِ أطوِي كُلَّ مَوجٍ وَطِئْتُهُ = أليْسَ لِأسْمَاكِي لديهِ زَعانِفُ
وإنِّّي لَمَوْلودٌ بِزاوِيَةِ الرِّضَا = وَلَكِنَّ ظِلَّ الحُلمِ في القلبِ وَارفُ
وَإنِّي لِفَتقِ الأمْنِيَاتِ لَرَاتِقٌ = وإنِّي لِنَعْلِ القافِيَاتِ لَخَاصِفُ
قراءة الناقد والأديب المصري الكبير محمد عبد السميع نوح:
قال المرحوم الأستاذ الدكتور الناقد محمود الحسيني :" النقدُ اكتشاف وليس تفسيرا " وهو قول أؤمن به ، وإن النص الأدبي برأي أستاذنا الرافعي رحمه الله يُكتبُ بفكر ويُقرأ بفكر آخر .
الشاعر هنا يجرد من نفسه ناقدا على المخاطب الذي قد يكون هو الشاعر وقد لايكون وليس هذا مهما .
وما يجريه الشاعر على مخاطبه هو ما يجريه الناقد على نص أدبي .. أتكلم عن قصيدة تشبه مشية غزال .
البداية صورة مرسومة لتدهش :
يخب حصان الشمس والظل واقف
وأنت على تشذيب حلمك عاكف
الأصل والظل ، حركة الحياة ، إيجابية أو سلبية الإنسان في الحركة ، عالم المثال وعالم الواقع .. يستمر الدفق الشعري منتقدا بمنطقية الواقع الملبوس بالصورة والكناية ليتحول إلى شعر عذب ٍ قريب الرمز عميق الدلالة ، القصيدة تضع القارئ في موضع الاكتشاف أيضا ولا تتركه يتحير كثيرا ، فهي تشير بأصبع إلى الخيال والحلم من خلال رموزها وتشير بأخرى إلى مفاتيح فك هذه الرموز ، ومن خلال هذا الاختيار الذي يضعنا الشاعر ويضع مخاطبه فيه تتجلى أبعاد الصراع النفسي الدائر مابين دنيا تموج بالحركة والأحداث وبين شاعر تتناثر حياته على السطور وكأنه / الإنسان حبر على ورق ، وياله من تشبيه عميق الدلالة .
اللغة ومفرداتها والموسيقى بإيقاعيها الداخلي والخارجي قدمت لنا كما قدمت في كل نصوص غسري شاعرا مطبوعا .. وهذه هي أهم ملامح هذا الشاعر الكبير .
تنتظم القصيدة في حالة نفسية واحدة من اللوم أو العتاب الدافع حتما إلى الاستنهاض أو بالأحرى التحريض من أول بيت في وحدة موضوعية .
نأتي إلى حركة الشمس وثبوت الظل ثم الأبحر والأنهار وكثير من جزئيات الطبيعة فنراها متناثرة في الأبيات في ترابط مشهدي واحد . وبتآلف العنصرين : وحدة الموضوع واتساق مفردات الصورة الفنية تنشأ الموسيقى الداخلية التي من خلالها نسمع وشيش الحركات سواء للماء أو الطيور والنجم والصوت والصدى .. إلخ ..
ويتناسب بحر الطويل مع التجربة على اعتبار أن ليالي الانتظار طويلة .. كما أنه بحر رصين وغنائيته تتلون مع كثير من الحالات الإبداعية في مرونة عالية ..
الشاعر عبد اللطيف غسري يطرق الذائقة دائما بكهرباء الشعور فيغريني بالكتابة ممسوسا بإبداعه المتميز ..
قراءة الأديب والناقد الفلسطيني الأستاذ محمد ثلجي:
الشاعر الحداثي مرآة تعكس واقعه وحاضره والطبيعة المتراصة أمام ناظريه .. من شجر وشمس وأقمار وسماء وبحر. ومن نفسه وإنسانيته وعلاقته مع الآخر. وحين يبوح بحرائق شعريته ويفجّر طاقاته المكنونة في دواخله ليلج الفضاء الأكثر عرضة للتأمل والانطلاق، تبتزه معالم الكون الداكنة المسودة .. ولذلك تصبح الاشياء التي لا تدركها الحقيقة محض تجربة عليه أن يخوض غمارها بالشعر أو النثر.
يََخُبُّ حِصَانُ الشَّمسِ والظلُّ واقِـفُ .. إلى:
وَمِنْ شَجَرِ الإحْسَاسِ فِيـهِ قطائِـفُ
التجريب واستخراج الصور من الطبيعة يحتاج لنظرة شاملة وفاحصة وقادرة على تقريب الأبعاد وكسر الحواجز المادية والمحسوسة . وحين تمتزج الفلسفة الموضوعية مع الانزياح التخيلي وهما من غير الأقارب يكون النتاج سليماً معافى كما حصل في (يخب حصان الشمس ) و (شجر الإحساس ).. انزياح إضافي وتوقع مالا يُتوقع من المضاف والمضاف اليه. وكلاهما يرتعان في حقل رمزي متوحد في دلالته ومبتعد في أفق يفضي على الأغلب لعالم آخر ومدى أشد رحابة.
دَعِ القَلَـمَ الـوَرْدِيَّ يَرْسُـمُ دَرْبَـهُ / زَوَاحِفَ ضَوْءٍ مـا لهُـنَّ حَرَاشِـفُ
عندما يرهن الشاعر مفرداته وتراكيبه اللغوية للقيمة الفنية يكون الإبداع أكثر قوة ورصانة . فالمبنى اللغوي والصوري هما أدوات الشعر الحديث وعليه لا بد للشاعر الفطن أن يتوخى الحذر عند ممارسة طقوس شعريته انطلاقاً من هذين الضدين ( اللغة والصورة ) اللغة أو المبنى اللغوي الذي أحدثته جملة ( القلم الوردي يرسم دربه ) هي أشبه ما تكون مراوغة الخيال عن نفسه لتثبيت الأصل اللغوي أو المصطلح الأكثر فهم ووضوح عند القارئ . أما المبنى الصوري وقول الشاعر: ( زواحف ضوء ... ) الحركة والتنقل الطفيف هي سمة هذا البيت بالكامل وبالتالي إحداثيات الصورة وعلاقتها باللغة من قلم يتحرك ليرسم طريقه هي نفس حركة الضوء وما بين الحركتين دوافع ذاتية أو كما يطلق عليها طبياً حركة لا إرادية كما يتقلب المرء في نومه ويتنفس وما إلى ذلك .
وَنادَيْتَ عِشْتارَ القصيدةِ أنْ ضَعِـي
نسِيغَكِ فوقَ الجِذعِ، فالغُصنُ راجِفُ
ما الذي يريده الشاعر وسط عباب الصور المتآخية والمتلاحقة والمتدافعة على إظهار تجليات لحظة الكتابة والحركة اللا إرادية الناتجة عن الشعرية والنشاط الذهني والتدفق الوجداني . ما الذي يريده من عشتار ولماذا هذا الدخول غير المتوقع !!
في الواقع هنالك ثمة أنثى تتربص من خلال النص ويمكن فهم ذلك من إضاءات خافتة مع التأكيد أن هذه الأنثى ليست امرأة بدلالة الجسد بل هي الخصوبة بدلالة التأويل والقصد.أي هي ربة الخصب التي تعيد للحياة سندسها وقيمتها العضوية الخلاقة.
وإنِّّـي لَمَوْلـودٌ بِزاوِيَـةِ الـرِّضَـا
وَلَكِنَّ ظِلَّ الحُلمِ فـي القلـبِ وَارفُ
الحقيقة هذا بيت عجيب بكيفية توظيف اللغة وتدويرها للخروج سليماً معبراً فاتناً.. يبدو أن الشاعر راضي كل الرضى عن طبيعة خلقه ومكانته بين أبناء جدته وهذا يدل على نقاء سريرة الشاعر وقلة رغبة في التحرر من كونه مخلوق على ما هو عليه. لأنه وكما جاء في العجز . أن أحلامه وارفة الظلال مطوية على أبعاد لا يتوقعها هو نفسه . في هذا التوحد تتجلى دهشة التصوير ويمكننا أيضاً أن نبنى على ما تم ذكره عن الملمح الأسطوري المتمثل بدخول آلهة الخصوبة ( عشتار ) ليجعلنا نتأمل قيمة وانزياح الصورة الملطقطة بتأهب الشاعر الدام وحثه لنفسه وشعريته ليصل أعلى المراتب وأجلها بدون إيعاز خارجي أو مساهمة مدفوعة بتأثيرات ما. ولكنها لا إرادية تنسجم مع طبيعة الموهبة وعظمتها.
أخي الشاعر عبد اللطيف هذا جزء بسيط وبالكاد كشف عن بعض تجليات ورحابة هذا النص وتغلغله في الشعرية والحداثة ..
إلى البحرِ أطوِي كُلَّ مَوجٍ...
عبد اللطيف غسري
يََخُبُّ حِصَانُ الشَّمسِ والظلُّ واقِفُ = وَأنتَ على تشْذِيبِ حُلْمِكَ عَاكِفُ
وَأوْراقُكَ العَذْراءُ سِفْرٌ طَوَيْتََهُ = وَمِنْ شَجَرِ الإحْسَاسِ فِيهِ قطائِفُ
وَلِلماءِ أُخْدودٌ يَقولُ لكَ اقْتحِمْ = عُيُونَ الشِّتاءِ الآنَ.. هَلْ أنتَ وَاجِفُ؟
دَعِ القَلَمَ الوَرْدِيَّ يَرْسُمُ دَرْبَهُ = زَوَاحِفَ ضَوْءٍ ما لهُنَّ حَرَاشِفُ
وَكُنْ وَتَرًا لا يَسْأمُ الليلُ عَزْفَهُ = وَكُنْ خَبَرًا فِي جَوْفِهِ مِنهُ طائِفُ
أوِ اخْتَرْ وُقوفًا عِندَ ناصِيَة اللظى = هُنالِكَ جِسْرٌ نازحٌ بكَ عَارفُ
بِعَيْنَيْكَ فَجْرٌ أنتَ تَنْزِفُ طُهْرَهُ = فَهَلْ شَهِدَ الرَّاءُونَ ما أنتَ نازفُ؟
تجَلَّيْتَ فِي مَعْنى الحُضورِ وَإنَّمَا = حُضورُكَ طَيْفٌ فَي القراطِيسِ هَاتِفُ
ضِفَافُ الصَّدى تنزَاحُ.. أمْسِكْ ذُيُولهَا = إذا الصوتُ مَعْنًى لِلصَّدى وَمُرَادِفُ
على عَجَلٍ أبْحِرْ بِأشْرِعَةِ الأنا = لعَلَّكَ فُلْكَ الذكْرَياتِ تُصادِفُ
تركْتَ رَياحِينًا هُناكَ نَدِيَّةً = ـ أتذكُرُهَا؟ـ حيثُ الظنونُ عَواصِفُ
وحيثُ لِسَانُ الوقتِ يَجْرَحُ حَرْفَهُ = وحيثُ قُصَاصَاتُ السؤالِ صَحائِفُ
مَتَى يَشْرَئِبُّ النَّجمُ مِن شُرْفَةِ المدَى؟ = سُؤالٌ لِأسوارِ الإجَابَةِ ناسِفُ
وَنادَيْتَ عِشْتارَ القصيدةِ أنْ ضَعِي = نسِيغَكِ فوقَ الجِذعِ، فالغُصنُ راجِفُ
ألم تعْلمِي أنِّي عَصِيٌّ بنِينَوَى = وأنِّيَ طَوَّافٌ عَنِ النهرِ عَازفُ؟
إلى البحرِ أطوِي كُلَّ مَوجٍ وَطِئْتُهُ = أليْسَ لِأسْمَاكِي لديهِ زَعانِفُ
وإنِّّي لَمَوْلودٌ بِزاوِيَةِ الرِّضَا = وَلَكِنَّ ظِلَّ الحُلمِ في القلبِ وَارفُ
وَإنِّي لِفَتقِ الأمْنِيَاتِ لَرَاتِقٌ = وإنِّي لِنَعْلِ القافِيَاتِ لَخَاصِفُ
قراءة الناقد والأديب المصري الكبير محمد عبد السميع نوح:
قال المرحوم الأستاذ الدكتور الناقد محمود الحسيني :" النقدُ اكتشاف وليس تفسيرا " وهو قول أؤمن به ، وإن النص الأدبي برأي أستاذنا الرافعي رحمه الله يُكتبُ بفكر ويُقرأ بفكر آخر .
الشاعر هنا يجرد من نفسه ناقدا على المخاطب الذي قد يكون هو الشاعر وقد لايكون وليس هذا مهما .
وما يجريه الشاعر على مخاطبه هو ما يجريه الناقد على نص أدبي .. أتكلم عن قصيدة تشبه مشية غزال .
البداية صورة مرسومة لتدهش :
يخب حصان الشمس والظل واقف
وأنت على تشذيب حلمك عاكف
الأصل والظل ، حركة الحياة ، إيجابية أو سلبية الإنسان في الحركة ، عالم المثال وعالم الواقع .. يستمر الدفق الشعري منتقدا بمنطقية الواقع الملبوس بالصورة والكناية ليتحول إلى شعر عذب ٍ قريب الرمز عميق الدلالة ، القصيدة تضع القارئ في موضع الاكتشاف أيضا ولا تتركه يتحير كثيرا ، فهي تشير بأصبع إلى الخيال والحلم من خلال رموزها وتشير بأخرى إلى مفاتيح فك هذه الرموز ، ومن خلال هذا الاختيار الذي يضعنا الشاعر ويضع مخاطبه فيه تتجلى أبعاد الصراع النفسي الدائر مابين دنيا تموج بالحركة والأحداث وبين شاعر تتناثر حياته على السطور وكأنه / الإنسان حبر على ورق ، وياله من تشبيه عميق الدلالة .
اللغة ومفرداتها والموسيقى بإيقاعيها الداخلي والخارجي قدمت لنا كما قدمت في كل نصوص غسري شاعرا مطبوعا .. وهذه هي أهم ملامح هذا الشاعر الكبير .
تنتظم القصيدة في حالة نفسية واحدة من اللوم أو العتاب الدافع حتما إلى الاستنهاض أو بالأحرى التحريض من أول بيت في وحدة موضوعية .
نأتي إلى حركة الشمس وثبوت الظل ثم الأبحر والأنهار وكثير من جزئيات الطبيعة فنراها متناثرة في الأبيات في ترابط مشهدي واحد . وبتآلف العنصرين : وحدة الموضوع واتساق مفردات الصورة الفنية تنشأ الموسيقى الداخلية التي من خلالها نسمع وشيش الحركات سواء للماء أو الطيور والنجم والصوت والصدى .. إلخ ..
ويتناسب بحر الطويل مع التجربة على اعتبار أن ليالي الانتظار طويلة .. كما أنه بحر رصين وغنائيته تتلون مع كثير من الحالات الإبداعية في مرونة عالية ..
الشاعر عبد اللطيف غسري يطرق الذائقة دائما بكهرباء الشعور فيغريني بالكتابة ممسوسا بإبداعه المتميز ..
قراءة الأديب والناقد الفلسطيني الأستاذ محمد ثلجي:
الشاعر الحداثي مرآة تعكس واقعه وحاضره والطبيعة المتراصة أمام ناظريه .. من شجر وشمس وأقمار وسماء وبحر. ومن نفسه وإنسانيته وعلاقته مع الآخر. وحين يبوح بحرائق شعريته ويفجّر طاقاته المكنونة في دواخله ليلج الفضاء الأكثر عرضة للتأمل والانطلاق، تبتزه معالم الكون الداكنة المسودة .. ولذلك تصبح الاشياء التي لا تدركها الحقيقة محض تجربة عليه أن يخوض غمارها بالشعر أو النثر.
يََخُبُّ حِصَانُ الشَّمسِ والظلُّ واقِـفُ .. إلى:
وَمِنْ شَجَرِ الإحْسَاسِ فِيـهِ قطائِـفُ
التجريب واستخراج الصور من الطبيعة يحتاج لنظرة شاملة وفاحصة وقادرة على تقريب الأبعاد وكسر الحواجز المادية والمحسوسة . وحين تمتزج الفلسفة الموضوعية مع الانزياح التخيلي وهما من غير الأقارب يكون النتاج سليماً معافى كما حصل في (يخب حصان الشمس ) و (شجر الإحساس ).. انزياح إضافي وتوقع مالا يُتوقع من المضاف والمضاف اليه. وكلاهما يرتعان في حقل رمزي متوحد في دلالته ومبتعد في أفق يفضي على الأغلب لعالم آخر ومدى أشد رحابة.
دَعِ القَلَـمَ الـوَرْدِيَّ يَرْسُـمُ دَرْبَـهُ / زَوَاحِفَ ضَوْءٍ مـا لهُـنَّ حَرَاشِـفُ
عندما يرهن الشاعر مفرداته وتراكيبه اللغوية للقيمة الفنية يكون الإبداع أكثر قوة ورصانة . فالمبنى اللغوي والصوري هما أدوات الشعر الحديث وعليه لا بد للشاعر الفطن أن يتوخى الحذر عند ممارسة طقوس شعريته انطلاقاً من هذين الضدين ( اللغة والصورة ) اللغة أو المبنى اللغوي الذي أحدثته جملة ( القلم الوردي يرسم دربه ) هي أشبه ما تكون مراوغة الخيال عن نفسه لتثبيت الأصل اللغوي أو المصطلح الأكثر فهم ووضوح عند القارئ . أما المبنى الصوري وقول الشاعر: ( زواحف ضوء ... ) الحركة والتنقل الطفيف هي سمة هذا البيت بالكامل وبالتالي إحداثيات الصورة وعلاقتها باللغة من قلم يتحرك ليرسم طريقه هي نفس حركة الضوء وما بين الحركتين دوافع ذاتية أو كما يطلق عليها طبياً حركة لا إرادية كما يتقلب المرء في نومه ويتنفس وما إلى ذلك .
وَنادَيْتَ عِشْتارَ القصيدةِ أنْ ضَعِـي
نسِيغَكِ فوقَ الجِذعِ، فالغُصنُ راجِفُ
ما الذي يريده الشاعر وسط عباب الصور المتآخية والمتلاحقة والمتدافعة على إظهار تجليات لحظة الكتابة والحركة اللا إرادية الناتجة عن الشعرية والنشاط الذهني والتدفق الوجداني . ما الذي يريده من عشتار ولماذا هذا الدخول غير المتوقع !!
في الواقع هنالك ثمة أنثى تتربص من خلال النص ويمكن فهم ذلك من إضاءات خافتة مع التأكيد أن هذه الأنثى ليست امرأة بدلالة الجسد بل هي الخصوبة بدلالة التأويل والقصد.أي هي ربة الخصب التي تعيد للحياة سندسها وقيمتها العضوية الخلاقة.
وإنِّّـي لَمَوْلـودٌ بِزاوِيَـةِ الـرِّضَـا
وَلَكِنَّ ظِلَّ الحُلمِ فـي القلـبِ وَارفُ
الحقيقة هذا بيت عجيب بكيفية توظيف اللغة وتدويرها للخروج سليماً معبراً فاتناً.. يبدو أن الشاعر راضي كل الرضى عن طبيعة خلقه ومكانته بين أبناء جدته وهذا يدل على نقاء سريرة الشاعر وقلة رغبة في التحرر من كونه مخلوق على ما هو عليه. لأنه وكما جاء في العجز . أن أحلامه وارفة الظلال مطوية على أبعاد لا يتوقعها هو نفسه . في هذا التوحد تتجلى دهشة التصوير ويمكننا أيضاً أن نبنى على ما تم ذكره عن الملمح الأسطوري المتمثل بدخول آلهة الخصوبة ( عشتار ) ليجعلنا نتأمل قيمة وانزياح الصورة الملطقطة بتأهب الشاعر الدام وحثه لنفسه وشعريته ليصل أعلى المراتب وأجلها بدون إيعاز خارجي أو مساهمة مدفوعة بتأثيرات ما. ولكنها لا إرادية تنسجم مع طبيعة الموهبة وعظمتها.
أخي الشاعر عبد اللطيف هذا جزء بسيط وبالكاد كشف عن بعض تجليات ورحابة هذا النص وتغلغله في الشعرية والحداثة ..