المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "الاقتباس"


فريد البيدق
01-12-2011, 01:20 PM
من "البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها" للأستاذ عبد الرحمن الميداني

الاقتباس أن يُضَمِّنَ المتكلّم كلامه من شعر أو نثر كلامًا لغيره بلفظه أو بمعناه، وهذا الاقتباس يكون من القرآن المجيد، أو من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من الأمثال السائرة، أو من الْحِكَم المشهورة، أو من أقوال كبار البلغاء والشعراء المتداولة، دون أن يعزو المقتبس القول إلى قائله.
والاقتباس مِنْهُ ما هو حسن بديع يقوي المتكلّم به كلامه، ويُحْكِمُ به نظامه، ولا سيما ما كان منه في الخطب والمواعظ وأقوال الحكمة ومقالات الدعوة والإِرشاد ومقالات الإِقناع والتوجيه للفضائل في نفوس المؤمنين بكتاب الله وكلام رسوله.
وبعض الأدباء يقتبس من القرآن المجيد أو من أقوال الرسول مستنصرًا بما اقتبس لتقوية فكرته، أو لتزيين كلامه في أغراض مختلفة كالمدح والهجاء والغزل والإِخوانيات ونحو ذلك، فإذا لم يُحَرّف في المعنى، ولم يكن في اقتباس سوء أدب مع كلام الله أو كلام الرسول فلا بأس باقتباسه، وإذا كان في اقتباسه تحريف في المعنى، أو سوء أدب فهو ممنوع ويأثم به المقتبس، وقد يَصِلُ بعض الاقتباس إلى دركة الكفر والعياذ بالله.
أمثلة:
1) قال عبد المؤمن الأصفهاني:
لاَ تَغُرَّنَّكَ مِنَ الظَّلَمَةِ كَثْرَةُ الْجُيُوشِ وَالأَنْصَارِ {إِنَّمَا نُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ}.
(2) قول ابن نُباتة في بعض خطبه:
فَيَا أَيُّهَا الْغَفَلَةُ الْمُطْرِقُون، أَمَا أَنْتُمْ بِهذَا الْحَدِيثِ مُصَدِّقُون، مَا لَكُمْ لاَ تُشْفِقُونَ {فوَرَبِّ السَّمَاءِ والأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أنَّكُمْ تَنْطِقُونَ}.
(3) قول ابن سَنَاء الْمُلْك:
*رَحَلُوا فَلَسْتُ مُسَائِلًا عَنْ دَارِهِمْ * أنا "بَاخِعٌ نَفْسِي عَلَى آثَارِهمْ"* مقتبس من قول الله عزَّ وجلَّ لرسوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهمْ}.
باخِعٌ نَفْسَك: أي: قاتل نفسك غمًّا من أجلهم.
(4) قول بديع الزمان الهمذاني:

لآِلِ فَرِيغُونَ فِي الْمَكْرُمَا * تِ يَدٌ أَوَّلًا واعْتِذَارٌ أَخِيرًا
إِذَا مَا حَلَلْتَ بِمَغْناهُمُو * "رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا"
الشطرة الأخير مُقْتَبَسَةٌ مِنَ القرآن.
(5) قول الحماسي:
إِذَا رُمْتُ عَنْهَا سَلْوَةٌ قَالَ شَافِعٌ * مِنَ الْحُبِّ مِيعَادُ السُّلُوِّ الْمَقَابِرُ
سَتَبْقَى لَهَا فِي مُضْمَرِ الْقَلْبِ والْحَشَا * سَرِيرَةُ حُبٍّ "يَوْمَ تُبْلَى السَّرائَر"
"يوم تُبْلَى السَّرائِرُ": عبارة قرآنيّة.
(6) قول أبي جعفر الأندلسيّ:
لاَ تُعَادِ النَّاسَ في أَوْطَانِهِمْ * قَلَّمَا يُرْعَى غَرِيبُ الْوَطَنِ
وَإِذَا مَا شِئْتَ عَيْشًا بَيْنَهُمْ * "خَالِقِ النَّاسَ بُخُلْقٍ حَسَنِ"
الشطرة الأخيرة مأخوذة من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم.
(7) قول الصّاحب بن عبَّاد:
قَالَ لي: إِنَّ رَقِيبي * سيِّيءُ الْخُلْقِ فَدَارِهُ
قُلْتُ: دَعْنِي "وَجْهُك * الْجَنَّةُ حُفَّتْ الْمَكارِه"
العبارة الأخيرة مقتبسة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: حُفَّتِ الجنَّةُ بالمكاره، وحُفَّتِ النّارُ بالشَّهَوات.
ولست أرى استخدام مثل هذه المعاني الدينيّة في فانيات الدنيا ولو كانت خالية من المعصية، فلا يستقيم هذا إلاَّ بتحريفٍ في أصل المعنى.
(8) قول الصاحب بن عباد أيضًا:
أَقُولُ وَقَدْ رَأَيْتُ لَهُ سَحَابَا * مِنَ الْهِجْرَانِ مُقْبِلَةً إلَيْنَا
وَقَدْ سَحَّتْ غَوَادِيهَا بِهَطْلٍ * "حَوَالَيْنَا" الصُّدُودُ "وَلاَ عَلَيْنَا"
مقتبس من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا".
(9) قول ابن الرّومي:
لَئِنْ أَخْطَأْتُ فِي مَدْحِكَ مَا أَخْطَأْتَ فِي مَنْعِي
لَقَدْ أَنْزَلْتُ حَاجَاتِي * "بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ"
مقتَبسٌ من دعاء إبراهيم عليه السلام كما جاء في القرآن: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكنْتُ مِنْ ذُرّيَتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّم} استعمله ابن الرومي مجازًا في رجل بخيل لا خير فيه ولا نفع.
(10) من كتاب لمُحْيِ الدّين عبد الظّاهر (من الكتّاب المقدَّمِين في دولة المماليك):
لاَ عَدِمَتِ الدَّوْلَةُ بيضَ سُيُوفِهِ الَّتِي {تَرَى بِهَا الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ}.
(11) قول عمر الخيّام:
سَبَقْتُ الْعَالَمِينَ إلَى الْمَعَالِي * بِصَائِبِ فِكْرَةٍ وَعُلُوِّ هِمَّه
وَلاَحَ بِحِكْمَتِي نُورُ الْهَدَى في * لَيَالٍ لِلضَّلاَلَةِ مُدْ لَهِمَّهْ
يُرِيدُ الْجَاهِلُونَ ليُطْفِئُوهُ * "وَيَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَنْ يُتِمَّهْ"
الشطرة الأخيرة مُقْتَبَسة من القرآن.

رمزت ابراهيم عليا
02-14-2011, 07:09 AM
الأديب فريد
صباح الخير والأدب العربي الذي أنت معلمه
جميل هذا الكلام
ورائع

وأنا أود أن أسال سؤال المنتفع بعلمك
ما الفارق بين التضمين والاقتباس ؟
مع الشكر الجزيل

رمزت

فريد البيدق
03-26-2011, 07:36 PM
بوركت أيها الجليل!
أعد قراءة الموضوعين مرة أخرى وأبن: هل الفرق بينهما واضح؟