كوكب البدري
05-31-2011, 10:47 AM
ايزابيل اللندي أخرجت النساء من الأسر لتكتب عن أحاسيسهن
http://www.isabelallende.com/images/home_page_nov/banner.jpg
ولدت «إيزابيل...» عام 1942 في ليما عاصمة البيرو من أب يدعي «توماس اللندي» يرتبط بصلة قرابة مع الحاكم التشيلي سلفادور اللندي، لكن هذا الأب كان كثير الغراميات، وينتقل دائما من مكان إلي آخر، تاركاً عائلته المكونة من زوجة وثلاثة أطفال، وحين كانت إيزابيل في الرابعة من عمرها غادر الأب العائلة نهائيا ليترك زوجته «فرانشيكا ليوناردو» وحدها مع الأطفال، إضطرت الأم أمام هذا الحدث المروع أن تعود إلى منزل عائلتها في سانياغو، لأنها لاتملك أي مهارات تمكنها من العمل، كما أن الطلاق كان محظوراً في تلك المرحلة.
ونجد إنعكاس هذا الواقع الأسري القاسي في كتاباتها، إذ أنها قلما تصور الآباء المثاليين، ونجد في رواياتها العديد من الأطفال المشردين والمحرومين من عاطفة الأبوة، كما تعترف بأنها «لاتستطيع أن تكتب عن الآباء أبداً، لعل هذا الأمر ساهم في ترسيخ جذور العلاقة مع والدتها التي تعتبرها القارئة الأولي لكل كتاباتها فقد أهدتها رواية «بيت الأرواح» و في «أفروديت» توجه شكر خاص لوالدتها علي مساعدتها في إنجاز معظم الوصفات الأفروديتية الواردة في الكتاب.
بعد ثماني أعوام من غياب الأب تزوجت الأم من رجل دبلوماسي، وانتقلت للحياة معه في بيروت، والزوج الثاني كان طيبا وعطوفا مع زوجته وأطفالها، لذا كان له تأثير إيجابي في حياة إيزابيل، مع أنها تشبهه بالضفدع لأنه لم يكن وسيما، لكنها تعترف بأنها كانت تسترق السمع للحظات الحب الحميمة بين أمها وزوجها.
الفرار
في عام 1958 عادت إيزابيل إلى تشيلي بعد اضطراب الأحوال السياسية في لبنان، وهناك نالت الشهادة الثانوية وتزوجت من «ميغيل فرياس» ليستمر زواجهما 13 عاما، في هذه الأثناء استيقظت في داخلها رغبة الكتابة مما خلق فجوة في العلاقة بين الزوجين،إذ رفض «ميغيل» ميول زوجته الكتابية وأمام تدهور العلاقة بينهما لم تتردد إيزابيل في الفرار مع موسيقي شاب تاركة زوجها وطفليها، لتعود بعد مدة وجيزة خائبة ومدركة أن العواطف تحتاج لمقومات مادية للعيش، بعد تلك؛ المغامرة لم تستمر العلاقة طويلا مع زوجها بل انفصلا بهدوء وتفرغت إيزابيل للكتابة.
في أواخر الستينات، بدأت إيزابيل بالعمل في الصحافة، فكتبت في مجلة نسائية إسمها «بولا» وقد تخصصت في كتابة زاوية صحفية تعالج قضايا المرأة، بعد ذلك كتبت ثلاث مسرحيات وقصص للأطفال، ثم عملت في تقديم برنامج ثقافي للتلفزيون على مدى ثلاث سنوات، واستضافت شخصيات تشيلية مشهورة وحظي هذا البرنامج بالنجاح عند جمهور عريض من الناس.
واستمرت في عملها في الصحافة، لتأمين مستوى أعلى لمعيشة أسرتها وأولادها، خاصة مع تعرض عائلتها لصعوبات مالية كبيرة عقب حدوث الإنقلاب في التشيلي وإضطرارهم إلى المغادرة نحو فنزويلا، إثر مشاركة إيزابيل في حماية الشيوعيين، والملاحقين من السلطات، مما وضع إسمها في قائمة الأسماء الملاحقة.
الفاكهة المحرمة
كانت إيزابيل في التاسعة والثلاثين من عمرها عندما بدأت في كتابة روايتها «بيت الأرواح» بعد تلقيها رسالة من والدتها تخبرها بأن جدها الذي بلغ التاسعة والتسعين من عمره يقضي ساعاته الأخيرة.
بدأت كتابة القصة على شكل رسالة إلى جدها لكن الرسالة تحولت إلى رواية، والرواية لم تجد ناشر يرضى بطباعتها لذا اضطرت إيزابيل أن تراسل الكاتبة والناشرة «كارمن سيليس» ليتم نشر الكتاب بعد ثلاثة أشهر، ومع أن الرواية منعت من دخول التشيلي، لكنها أدخلت سراً، وانتشرت في البلاد، وقد قارن النقاد هذه الرواية مع أعمال ماركيز التي تمزج الأجواء الواقعية والسحرية.
عام 1984 طبعت روايتها الثانية «الحب والظلال» التي قادت إلى لقائها مع رجل حياتها «ويليم غوردن» وهو محام أميركي أعجب جدا بالرواية، وجاء للتعرف إلى صاحبتها، ولدهشته فوجئ بوجود إمرأة سمراء قصيرة مع توقعه لقاء إمرأة طويلة شقراء وممشوقة، لقاء إيزابيل مع «ويليم» فتح لكليهما آفاقا روحية متنوعة، إذ كان هو يشكو من وحشة عميقة بعد موت ابنته بجرعة مخدرات زائدة، أما إيزابيل فكانت تحتاج للحب أيضا، تم زواجهما عام 1988، لتكتب رواية «الخطة اللانهائية» المستوحاة من ذكريات عائلة زوجها ومذكراته الخاصة.
وفي عام 1991، دخلت «باولا» إبنة إيزابيل اللندي غيبوبة إثر إصابتها بمرض منشؤه اليونان يدعي «بورفيريا» حالة اليأس التي تمكنت من إيزابيل ودفعتها لملازمة سرير «باولا» والتفكير بالانتحار، ثم اللجوء لاستخدام مختلف الوسائل التي تساعد على شفاء باولا، بما في ذلك طب الأعشاب والسحر، لكن كل ذلك لم يحل دون وفاة الابنة.
إزاء هذا الحدث المأساوي لم يكن أمام «إيزابيل» إلا تدوين مذكراتها التي تحولت إلى رواية طويلة أنقذتها من فكرة الانتحار، وأيضا أنقذت باولا من النسيان والتلاشي، صدرت رواية «باولا» عام 1994 جمعت إيزابيل مبيعات هذه الرواية، واتجهت نحو العمل الخيري، خاصة وأن الإبنة الشابة كانت ناشطة في هذا المجال وأمضت سنوات من شبابها كمتطوعة لمساعدة الفقراء، فأسست مؤسسة لمساعدة النساء والأطفال الفقراء، لإيجاد المأوي لهم وإعطائهم معونات تساعدهم على القيام بمشاريع اقتصادية تنقذهم من الحاجة والسؤال.
تشويش الذكريات
في الثامن من يناير من كل عام تجلس اللندي للكتابة. إن هذا التاريخ مفتاح الحظ في كتاباتها لأنه جلب لها النجاح في روايتها «بيت الأرواح» تستدعي اللندي الصور والخيالات، وتقوم بطقوس تفتح أمامها أبواب عالم الكتابة تقول: أدخلت تقليداً مازلت أحافظ عليه وأخشى تغييره فدائما أكتب السطور الأولى في كتبي في هذا التاريخ أجلس في هذا اليوم وحدي في مكان يخيم عليه الصمت لساعات طويلة.
إنني أحتاج لزمن طويل كي أنتزع من رأسي ضجه الشارع وأنظف ذاكرتي من فوضى الحياة، ثم أشعل شموعاً لأستدعي ربات الإلهام والأرواح الحافظة وأضع زهوراً فوق طاولتي لأبعد الملل، وأعمال بابلو نيرودا الكاملة تحت الكمبيوتر على أمل أن تلهمني، فالرواية مشروع طويل النفس ولابد أن يتمتع الكاتب بالصمود والانضباط بصورة خاصة. فكتابة رواية أشبه بنسج سجادة معقدة من خيوط متعددة الألوان».
واللندي في علاقتها مع أبطال رواياتها تحس أنهم يقومون بما يجب عليهم القيام به ولا جدوى من تدخلها لتغيير قراراتهم وهي تؤمن أن المرء لا يستطيع دوماً وضع نهايات سعيدة للقصص لأن الكتاب سيصبح مثل رواية روسية صغيرة.
تسعى اللندي لتغذية ودائعها الباطنية بالسفر والتعرف إلى شعوب بعيدة وغريبة عنها تماما، كل ذلك يؤدي بها إلى الاكتشاف في رحلة نحو الداخل نحو الذاكرة والتجربة والألم والحنين، الإنفصال والضياع وهي تعتقد بأن المرء يكتب بهدف تجنب ولو قليلا تشويش الذكريات.
لكن اللندي في تقييمها لحياتها الأدبية تدرك جيداً أن لها حظ مجنون قائلة «الكثير من الناس يفعلون الكثير، وهم يكتبون بانضباط طوال سنوات، وسنوات ويموتون دون الحصول على أي جزء من النجاح الذي حصلت عليه كتب من خلال حظ صاف حسن هناك عمل لكن هناك حظ أيضا لا يمكن انكاره».
بتصرف للكاتبة /لنا عبد الرحمن
http://www.isabelallende.com/images/home_page_nov/banner.jpg
ولدت «إيزابيل...» عام 1942 في ليما عاصمة البيرو من أب يدعي «توماس اللندي» يرتبط بصلة قرابة مع الحاكم التشيلي سلفادور اللندي، لكن هذا الأب كان كثير الغراميات، وينتقل دائما من مكان إلي آخر، تاركاً عائلته المكونة من زوجة وثلاثة أطفال، وحين كانت إيزابيل في الرابعة من عمرها غادر الأب العائلة نهائيا ليترك زوجته «فرانشيكا ليوناردو» وحدها مع الأطفال، إضطرت الأم أمام هذا الحدث المروع أن تعود إلى منزل عائلتها في سانياغو، لأنها لاتملك أي مهارات تمكنها من العمل، كما أن الطلاق كان محظوراً في تلك المرحلة.
ونجد إنعكاس هذا الواقع الأسري القاسي في كتاباتها، إذ أنها قلما تصور الآباء المثاليين، ونجد في رواياتها العديد من الأطفال المشردين والمحرومين من عاطفة الأبوة، كما تعترف بأنها «لاتستطيع أن تكتب عن الآباء أبداً، لعل هذا الأمر ساهم في ترسيخ جذور العلاقة مع والدتها التي تعتبرها القارئة الأولي لكل كتاباتها فقد أهدتها رواية «بيت الأرواح» و في «أفروديت» توجه شكر خاص لوالدتها علي مساعدتها في إنجاز معظم الوصفات الأفروديتية الواردة في الكتاب.
بعد ثماني أعوام من غياب الأب تزوجت الأم من رجل دبلوماسي، وانتقلت للحياة معه في بيروت، والزوج الثاني كان طيبا وعطوفا مع زوجته وأطفالها، لذا كان له تأثير إيجابي في حياة إيزابيل، مع أنها تشبهه بالضفدع لأنه لم يكن وسيما، لكنها تعترف بأنها كانت تسترق السمع للحظات الحب الحميمة بين أمها وزوجها.
الفرار
في عام 1958 عادت إيزابيل إلى تشيلي بعد اضطراب الأحوال السياسية في لبنان، وهناك نالت الشهادة الثانوية وتزوجت من «ميغيل فرياس» ليستمر زواجهما 13 عاما، في هذه الأثناء استيقظت في داخلها رغبة الكتابة مما خلق فجوة في العلاقة بين الزوجين،إذ رفض «ميغيل» ميول زوجته الكتابية وأمام تدهور العلاقة بينهما لم تتردد إيزابيل في الفرار مع موسيقي شاب تاركة زوجها وطفليها، لتعود بعد مدة وجيزة خائبة ومدركة أن العواطف تحتاج لمقومات مادية للعيش، بعد تلك؛ المغامرة لم تستمر العلاقة طويلا مع زوجها بل انفصلا بهدوء وتفرغت إيزابيل للكتابة.
في أواخر الستينات، بدأت إيزابيل بالعمل في الصحافة، فكتبت في مجلة نسائية إسمها «بولا» وقد تخصصت في كتابة زاوية صحفية تعالج قضايا المرأة، بعد ذلك كتبت ثلاث مسرحيات وقصص للأطفال، ثم عملت في تقديم برنامج ثقافي للتلفزيون على مدى ثلاث سنوات، واستضافت شخصيات تشيلية مشهورة وحظي هذا البرنامج بالنجاح عند جمهور عريض من الناس.
واستمرت في عملها في الصحافة، لتأمين مستوى أعلى لمعيشة أسرتها وأولادها، خاصة مع تعرض عائلتها لصعوبات مالية كبيرة عقب حدوث الإنقلاب في التشيلي وإضطرارهم إلى المغادرة نحو فنزويلا، إثر مشاركة إيزابيل في حماية الشيوعيين، والملاحقين من السلطات، مما وضع إسمها في قائمة الأسماء الملاحقة.
الفاكهة المحرمة
كانت إيزابيل في التاسعة والثلاثين من عمرها عندما بدأت في كتابة روايتها «بيت الأرواح» بعد تلقيها رسالة من والدتها تخبرها بأن جدها الذي بلغ التاسعة والتسعين من عمره يقضي ساعاته الأخيرة.
بدأت كتابة القصة على شكل رسالة إلى جدها لكن الرسالة تحولت إلى رواية، والرواية لم تجد ناشر يرضى بطباعتها لذا اضطرت إيزابيل أن تراسل الكاتبة والناشرة «كارمن سيليس» ليتم نشر الكتاب بعد ثلاثة أشهر، ومع أن الرواية منعت من دخول التشيلي، لكنها أدخلت سراً، وانتشرت في البلاد، وقد قارن النقاد هذه الرواية مع أعمال ماركيز التي تمزج الأجواء الواقعية والسحرية.
عام 1984 طبعت روايتها الثانية «الحب والظلال» التي قادت إلى لقائها مع رجل حياتها «ويليم غوردن» وهو محام أميركي أعجب جدا بالرواية، وجاء للتعرف إلى صاحبتها، ولدهشته فوجئ بوجود إمرأة سمراء قصيرة مع توقعه لقاء إمرأة طويلة شقراء وممشوقة، لقاء إيزابيل مع «ويليم» فتح لكليهما آفاقا روحية متنوعة، إذ كان هو يشكو من وحشة عميقة بعد موت ابنته بجرعة مخدرات زائدة، أما إيزابيل فكانت تحتاج للحب أيضا، تم زواجهما عام 1988، لتكتب رواية «الخطة اللانهائية» المستوحاة من ذكريات عائلة زوجها ومذكراته الخاصة.
وفي عام 1991، دخلت «باولا» إبنة إيزابيل اللندي غيبوبة إثر إصابتها بمرض منشؤه اليونان يدعي «بورفيريا» حالة اليأس التي تمكنت من إيزابيل ودفعتها لملازمة سرير «باولا» والتفكير بالانتحار، ثم اللجوء لاستخدام مختلف الوسائل التي تساعد على شفاء باولا، بما في ذلك طب الأعشاب والسحر، لكن كل ذلك لم يحل دون وفاة الابنة.
إزاء هذا الحدث المأساوي لم يكن أمام «إيزابيل» إلا تدوين مذكراتها التي تحولت إلى رواية طويلة أنقذتها من فكرة الانتحار، وأيضا أنقذت باولا من النسيان والتلاشي، صدرت رواية «باولا» عام 1994 جمعت إيزابيل مبيعات هذه الرواية، واتجهت نحو العمل الخيري، خاصة وأن الإبنة الشابة كانت ناشطة في هذا المجال وأمضت سنوات من شبابها كمتطوعة لمساعدة الفقراء، فأسست مؤسسة لمساعدة النساء والأطفال الفقراء، لإيجاد المأوي لهم وإعطائهم معونات تساعدهم على القيام بمشاريع اقتصادية تنقذهم من الحاجة والسؤال.
تشويش الذكريات
في الثامن من يناير من كل عام تجلس اللندي للكتابة. إن هذا التاريخ مفتاح الحظ في كتاباتها لأنه جلب لها النجاح في روايتها «بيت الأرواح» تستدعي اللندي الصور والخيالات، وتقوم بطقوس تفتح أمامها أبواب عالم الكتابة تقول: أدخلت تقليداً مازلت أحافظ عليه وأخشى تغييره فدائما أكتب السطور الأولى في كتبي في هذا التاريخ أجلس في هذا اليوم وحدي في مكان يخيم عليه الصمت لساعات طويلة.
إنني أحتاج لزمن طويل كي أنتزع من رأسي ضجه الشارع وأنظف ذاكرتي من فوضى الحياة، ثم أشعل شموعاً لأستدعي ربات الإلهام والأرواح الحافظة وأضع زهوراً فوق طاولتي لأبعد الملل، وأعمال بابلو نيرودا الكاملة تحت الكمبيوتر على أمل أن تلهمني، فالرواية مشروع طويل النفس ولابد أن يتمتع الكاتب بالصمود والانضباط بصورة خاصة. فكتابة رواية أشبه بنسج سجادة معقدة من خيوط متعددة الألوان».
واللندي في علاقتها مع أبطال رواياتها تحس أنهم يقومون بما يجب عليهم القيام به ولا جدوى من تدخلها لتغيير قراراتهم وهي تؤمن أن المرء لا يستطيع دوماً وضع نهايات سعيدة للقصص لأن الكتاب سيصبح مثل رواية روسية صغيرة.
تسعى اللندي لتغذية ودائعها الباطنية بالسفر والتعرف إلى شعوب بعيدة وغريبة عنها تماما، كل ذلك يؤدي بها إلى الاكتشاف في رحلة نحو الداخل نحو الذاكرة والتجربة والألم والحنين، الإنفصال والضياع وهي تعتقد بأن المرء يكتب بهدف تجنب ولو قليلا تشويش الذكريات.
لكن اللندي في تقييمها لحياتها الأدبية تدرك جيداً أن لها حظ مجنون قائلة «الكثير من الناس يفعلون الكثير، وهم يكتبون بانضباط طوال سنوات، وسنوات ويموتون دون الحصول على أي جزء من النجاح الذي حصلت عليه كتب من خلال حظ صاف حسن هناك عمل لكن هناك حظ أيضا لا يمكن انكاره».
بتصرف للكاتبة /لنا عبد الرحمن