المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الـمُـغـفّـلــة


عواطف عبداللطيف
07-18-2011, 05:38 AM
الـمُـغـفّـلــة
من روائع: أنطون بافلوفتش تشيكوف


أعجبتني فنقلتها لكم


منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّية اولادي ( يوليا فاسيليفنا) كي أسدد حسابها

قلت : اجلسي يا (يوليا) .. أنتِ في الغالب بحاجة إلى النقود ، ولكن خجلك يمنعك .. ولن تطلبينها بنفسك .. حسنا .. لقد اتفقنا على أن أدفع لك ثلاثين روبلاً في الشهر.
قالت : بل أربعين ..
قلت : كلا ، ثلاثين .. هذا مسجَّل عندي .. كنت دائما أدفع للمربيات ثلاثين روبلاً .. حسناً ، لقد عملت لدينا شهرين.
قالت : شهرين وخمسة أيام.
قلت : شهرين بالضبط .. هكذا مسجَّل عندي .. إذاً تستحقين ستين روبلاً .. نخصم منها أيام آحاد التسعة .. لأنكِ لم تعلّمي (كوليا) في أيام الآحاد , بل كنت تتنزهين معه فقط .. ثم هنالك ثلاثة أيام أعياد.
إحتقن وجهها ، وعبثت أصابعها باهداب الفستان .. لكنها لم تنبس ببنت شفة

واصلتُ : نخصم ثلاثة أعياد ، اذاً المجموع اثنا عشر روبلا .. وكان (كوليا) مريضاً لمدة أربعة ايام .. ولم تكن هنالك دروس .. لقد كنتِ تدرّسين (فاريا) فقط .. وثمة ثلاثة أيام حيث كانت أسنانك تؤلمك , فأعفتكِ زوجتي من التدريس بعد الغداء .. اذاً اثنا عشر زائد سبعة .. تصير تسعة عشر .. فيصبح الباقي واحد واربعون روبلا .. مضبوط؟
احمرّت عين (يوليا فاسيليفنا) اليسرى واغرورقت بالدموع ، وارتعش ذقنها .. وسعلت بعصبية .. وتمخطت ، ولكن.. لم تنبس ببنت شفة أيضا.

قلت: قبيل رأس السنة كنتِ قد كسرتِ فنجانا وطبقاً .. لذا سنخصم روبلين .. علماً أن الفنجان أغلى من ذلك بكثير ، فهو موروث ، ولكن .. فليسامحك الله! علينا العوض .. وبسبب تقصيرك تسلَّق (كوليا) الشجرة وتمزقت سترته .. لذا سأخصم عشرة .. وبسبب تقصيرك ايضاً , سرقتْ الخادمة من (فاريا) حذاءً .. ومن واجبك ان ترعي كل شئ، فأنتِ تتقاضين مرتباً .. وهكذا نخصم خمسة أيضاً .. وفي 10 يناير أخذت مني عشرة روبلات
همست يوليا فاسيليفنا : لم آخذ
قلت : ولكن ذلك مسجَّل عندي
قالت : حسناً ، ليكن
واصلتُ : من واحد واربعين نخصم سبعة وعشرين.. الباقي اربعة عشر
امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع .. وتسللت حبات العرق على انفها الطويل الجميل.. ياللفتاة المسكينة
قالت بصوت متهدج : لقد أخذتُ مرة واحدة .. أخذت من حرمكم ثلاثة روبلات.. لم آخذ غيرها
قلت: حقاً ؟ انظري ، أنا لم اسجل ذلك! إذاً لابد من خصم من الاربعة عشر , ثلاثة أخرى ، ليصبح الباقي أحد عشر.. ها هي نقودك يا عزيزتي! ثلاثة.. ثلاثة.. ثلاثة.. واحد، واحد.. تفضلي
وقدمت لها الأحد عشر روبلا .. فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة .. وهمست : شكراً سيدي

إستولى عليَّ الغضب .. فانتفضتُ واقفاً , وأخذتُ أروح واجئ في الغرفة
سألتها : شكراً على ماذا؟
قالت : على النقود
قلت : يا للشيطان ، ولكني نهبتك ، سلبتك! لقد سرقتك! فعلام تشكريني؟!
قالت : في أماكن أخرى لم يعطوني شيئا.
قلت : لم يعطوكِ؟! أليس هذا غريبا! لقد مزحتُ معك ، لقنتك درسا قاسيا .. سأعطيك نقودك ، الثمانين روبلا كلها! هاهي في المظروف جهزتها لكِ! ولكن هل يمكن ان تكوني عاجزة الى هذه الدرجة؟ لماذا لا تحتجين؟ لماذا تسكتين؟ هل يمكن في هذه الدنيا أن لا تكوني حادة الانياب؟ هل يمكن ان تكوني مغفلة الى هذه الدرجة؟
ابتسمتْ بعجز .. فقرأت على وجهها : يمكن
سألتُها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها - أثناء دهشتها البالغة - الثمانين روبلا كلها.. فشكرتني بخجل وخرجت
تطلعتُ في اثرها وفكّرتُ: ما أسهل أن تكون قوياً في هذه الدنيا.

كوكب البدري
07-18-2011, 08:37 AM
فعلا إنّها من أروع القصص التي قرأتها وأقراها دائما لتشيخوف

بل إنّها علمتني - منذ أن قراتها أول مرة قبل أعوام - أن أكون أكثر صلابة أمام حقوقي

كل الامتنان لك امي الحبيبة

شاكر السلمان
07-18-2011, 09:40 AM
درسٌ رائع سيدتي

تحية وتقدير

مصطفى السنجاري
07-18-2011, 10:09 AM
ما أتعس المغفلين في زمن النهّابة واسلاّبة

وما أكثرهم

قصة معبرة وليت الشعوب العربية

تقرا القصة لتعرف حجم مظلوميتها

وتنتفض على وتحتج على واقع لا ولن يتغير بدون ذلك


روح النبع

تحية وتقدير لك على الاختيار المميز

كوني بخير

سامقة شامقة

ترفلين بالصحة والعطاء

ميرفت بربر
07-18-2011, 10:39 AM
روح النبع، و أم النبع السيدة عواطف ..

ما أسهل خيار الضعف، و الإنهزامية ..
و ما أصعب المطالبة بالحقوق، و المحاربة لأجلها ..
قصة رائعة، و بها عبرة لمن اعتبر ..

اختيار مميز ..
سلمتِ لنا ..


مودتي

:1 (45):

ميرفت

عمر مصلح
07-18-2011, 03:29 PM
ألقاص والمسرحي الروسي الكبير إنطوان تشيخوف 1860 - 1904
كان بمارس مهنة الطب .. وله مقولة معروفة : ( ألطب زوجتي , والأدب عشيقتي ).
له قصص ومسرحيات كثيرة , من أهمها ( طائر البحر ) و ( بستان الكرز ) و ( الشقيقات الثلاث ) و ( الخال فانيا ).
أخرج له بعض مسرحياته ألمنظِّر الكبير ( قسطنطين ستانسلافسكي ) , وكتب عنه بأعجاب كبير ألكاتب المعروف ( مكسيم غوركي ) .
اما الأديب ( تولستوي ) فقد كان له رأي أخر تماماً وخصوصاً بمسرحية ( الخال فانيا ).
يمتاز أسلوبه بالبساطة.
وتعتبر قصة ( ألمغفلـة ) من روائع قصصه , حيث تضعنا أمام مسؤولية عدم فهم اتباع أولي الأمر مما أدى إلى الأنصهار بشخصيته .. إذ لم يأمرنا الخالق العظيم بالخنوع , والتهميش .. فالقوة ليست ضرباً من المشاكسة أو التجاوز.
شكراً سيدتي لهذا الأختيار.