![]() |
عضة كلب مدعومأ
عضة كلب مدعوم ...... لم يكن بطل قصتنا صالح ، يتصور أن خيبة الأمل يمكن ان تصل إلى حدود فقدان الثقة بكل الأنظمة والقوانين ،وكل الأعرف والتقاليد، والشعارات الحزبية والنضالية ، وهو الرجل الحزبي الملتزم بالأنظمة والقوانين ، والمتفائل بمستقبل زاهر ،على خلفية صداقته مع بعض الرفاق المتنفذين ، الذين لا يتوانوا في الاتكال عليه في تلبية بعض المتطلبات من القرية وخاصة ، الجبن والحليب واللبن ، بالإضافة إلى ما تنتجه القرية من الحشائش التي يشتهيها الرفاق . إن ما حصل لصالح إنما يدخل في إطار الأمور التي لا تصدق، وخاصة في قرية يعرف أبناؤها بعضهم بعضا ، وتسود بها حسب علمهم الأنظمة والقوانين " حسب تعبير الرفيق الحزبي أبو طارق المسؤول في القرية " والذي غالبا ما كان يحاضر بصالح وأمثاله من الكادحين بأنكم أنتم القانون، وأنتم الثورة، والمكتسبات هي ملككم حصرا . ملخص الحكاية أنه في صبيحة يوم ربيعي جميل، خرج صالح كعادته بكلابيته البيضاء اليتيمة التي عفا عليها الزمن، وهي هدية من قريب له أحضرها له من إحدى دول الخليج " الشقيقة " ، فأصبحت هذه الكلابية رمزا لأفراح و مسرات صالح ، يلبسها في الأعراس والأفراح والأتراح والاجتماعات الحزبية مع الرفيق أبو طارق ، ويحتفظ بالبيت بكومة من الصور وفي أغلبها مبتسما إلى جانب الرفيق أبو طارق والرفيق أبو نضال . صالح كان رجل عزابي، لم يستطع إقناع بنت حلال من الضيعة بالقبول به عريسا، نظرا لحالته المادية الضعيفة ، وعمله " بالفيعل " أي مياوم ، ولم تشفع له جلابيته في يوم من الأيام في لفت انتباه أيه صبيه من الضيعة ، إلا اللهم من تحاول اللعب على مشاعره من أجل تسخيره بالقيام بعمل بدون مقابل ، فكان صالح يعتبر ذلك نوع من التودد له، ويضحك بعبه ويضيف ذلك إلى مغامراته العاطفية . صالح سليل العائلة الفقيرة بلغ الأربعين من العمر وأصبح من كبار العزابيه في الضيعة ، وصار مجال تندر بين شباب الضيعة ، فغالبا ما كان يسمع التقريع : - شو يا صويلح مانك ناوي تتجوز؟ ، لتكون مانك زلمي ولك صالح . وكان جواب صالح على رأس لسانه : إذا مانك مصدق تعا جرب في ذلك الصباح خرج صالح من منزله المتواضع متفائلا على غير عادته ، قاصدا طريقا بعينها اعتاد إن يرى من نافذة أحد بيوتها صبية لعوب تتسلى ببضع كلمات مع صالح، تثير مشاعره وتدغدغ أحلامه ، طبعا كان صالح بواد والصبية بواد . كان على صالح في طريقه هذا أن يمر من أمام فيلا الرفيق خرفان المدعوم على مستوى القيادة ، الذي خلع عباءة الضيعة ، ونسي مفردات لغتها، واستغل منصبه الحكومي والحزبي حتى أصبح من إقطاعي المنطقة الجديد ، بخدم وحشم وشوية قبضايات ، وكولبة أمام الفيلا ، هذا البرستيج كله ليظهر لأهل الضيعة مقامه السامي . كان هذا المتسلق المتعجرف يشكل غصة في حلق صالح التقدمي المتفائل بمستقبله ألرفاقي ، وبمستقبل الكادحين من أمثاله . لم يكن صالح على علم بما سيسببه له هذا الإقطاعي الجديد الذي أفرزته ظروف الفساد السائدة في البلد ، ويضع حدا لأحلامه النضالية . كان أحد بلطجية الرفيق خرفان " يريض " كلبا ضخما اشمأزت نفس صالح من رؤيته ، لانه يعكس غرور خرفان وبرجوازيته ، وعندما لمح الكلب صالح وكأنه عرف بنوايا صالح تجاهه وتجاه صاحبه ، أو انزعج من بريق الشمس الذي ينعكس من كلابية صالح البيضاء ، فهر هريرا مرعبا واندفع على حين غرة باتجاه صالح وبطحه أرضا، وانشب مخالبه في ساقه، ممزقا كلابيته التي اعتز بها كثيرا . انخلع قلب صالح من هول المفاجأة والرعب ، وصرخ صرخة مدوية من الألم ، ولم يسمح له الكلب بالهرب لأن المفاجأة كانت محكمة ، وصالح لم يدخل في حسبانه أن كلب الرفيق خرفان ممكن أن يعضه على الأقل من باب الرفاقية ، لكن كلب الرفيق خرفان فعلها ووضع حدا لأحلام صالح وكبريائه وحتى إيمانه بالحزب وشعاراته وما افرزه من رفاق عاقين . تمرغ صالح بالتراب على مرأى ومسمع نفر ليس بالقليل من الرجال والنساء ، الذين لفت انتباههم المشهد الدراما تيكي المضحك المبكي في نفس الوقت . لم يقتصر الموضوع على عضة الكلب وتمزيق الكلابية ، والبهدلة ، بل تعدى ذلك إلى هجوم الكلاب البشرية التي خرجت من الكولبة لتؤنب صالح على فعلته بإزعاج الكلب، ولولا تدخل بعض الحضور لأكل صالح اللي فيه النصيب ، لكن الله بيبلي وبعين . - نصح أحد الحضور صالح الذهاب إلى مستوصف القرية فورا لتلقي العلاج ، وأخذ اللقاحات الضرورية فلربما يكون الكلب كلبان . - تقدم أخر من المعارضة وهمس في أذن صالح قائلا : بوجهك ع المخفر اشتكي ع صاحب الكلب لأنو صاحبو أكلب منو. برغم الألم لم يستجب للمعارضة ، بل توجه فورا إلى المستوصف حيث قدمت له الإسعافات الأولية وأعطوه اللقاحات الضرورية بعد إن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة لعب شيطان الكرامة المهدورة بعقل صالح ،وعادت ترن في أذنه كلمات المعارضين : روح اشتكي ع صاحب الكلب لأنو أكلب من الكلب فكر في الأمر مطولا ، ودفعته عزته الرفاقية إلى اتخاذ قرار محاسبة هذا الرفيق الخارج عن السلوكية الرفاقية والذي يسيء للحزب والدولة بهكذا تصرفات ، وكان لديه قناعة بالحصول على حقه لأنه رفيق حزبي وسيدعمه رئيس منظمته أبو طارق وكل من أسدى لهم خدمات في الحزب وفي القرية . توجه صالح فورا إلى مخفر القرية ليحرر ضبطا بالواقعة ، ولكن رئيس المخفر عندما رأى إصرار صالح على تحرير الضبط ، رمق صالح طويلا وقال له : - ولا... صويلح أنت قد هالشغلة، بدك تخرب بيتك بأيدك ، يقطعك والله هدا بيمحيك من الوجود ، ومو بس هيك ويمكن أنا يزتني بأخر ما عمر الله ، روح انقلع واضحك بعبك اللي الشباب ما عملولك قتلة . اسودت الدنيا بوجه صالح ، ولعلع صوته بوجه رئس المخفر أبو نادر - ليش الحكاية سايبة ، ما في قانون ؟ .... ما في حكومة؟..... - حكومة شو.... وقانون شو... ولا.. صويلح ولك هو القانون والحكومة ....... - سيدي أبو نادر بدي اشتكي لو بدي روح ع السجن . لم يكن لأبو نادر أمام إصرار صالح إلا أن يحرر له ضبط بالواقعة ، متضمنا السيناريو الذي قصه عليه صالح ، مع أسماء الشهود ، والعطل والضر الذي لحق بصالح ، متضمنا طلب صالح بمعاقبة صاحب الكلب، والتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بصالح . في المحكمة لم يحضر أي من الشهود الذين أدرج صالح أسمائهم في المحضر ، وعندما سأله القاضي : - وين شهودك يا صالح ؟ - قضيتي يا حضرة القاضي ما بدها شهود ، وانطلق يسرد بإسهاب وثقة بالنفس والنصر للقاضي تفاصيل القضية ، وكيف انقض الكلب عليه دون إنذار ، كاشفا عن ساقه المضمدة ليعرض للقاضي أثار الجراح ، مشفوعة بتقرير طبي حصل عليه من الطبيب المقيم في مستوصف الضيعة . استفاض صالح بالشرح والتأويل، وهو واثق من أنه في هذا يوجه صفعة للخارجين على القانون والمدعومين والفاسدين وخاصة من الرفاق الحزبيين . - نعم سيدي .. وأنا معتمد ع الله وعليك لتعطيني حقي ....؟؟؟؟ وكان القاضي خلال هذه المرافعة يضع يده على خده ، وإمارات التعجب والاندهاش والابتسامات الساخرة أحيانا تعطي إلى صالح دفعا قويا للاستمرار بمرافعته،واستخدام كل الكلمات الطنانة الرنانة التي حفظها من الاجتماعات الحزبية . - خلصت يا ابني .؟....... سأل القاضي الرفيق خرفان لم يحضر الجلسة لان ذلك يقلل من قدره وقيمته ، وحتى كلب الرفيق خرفان لم يحضر, ولم تجر عليه أية فحوصات مخبرية للتأكد من سلامته ، لكن المعلم خرفان أرسل من طرفه شخصا ،ببدله رسمية ، مالبث إن القاضي إن سأله : - أنت من طرف الرفيق خرفان. نعم سيدي الرفيق خرفان بيسلم عليك وبيعتذر عن الحضور لتكليفه بمهمة خارج الوطن لخدمة المصلحة العامة ، وهو رح يمر لعند بمجرد عودته من سفره - بالسلامة إنشاء الله عقب القاضي وسأل من يمثل المدعى عليه خرفان : - شو القصة يا ابني - القصة وما فيها انو اللي قالو المدعو صالح عار عن الصحة تماما، وكلب المعلم لم تسجل له واقعة واحدة بالعض أو حتى النباح على أهل القرية ، فكيف لكلب يعيش في كنف المعلم، منضف مقطف ، كل يوم بياكل على الأقل 2 كيلو لحمة ، والدكتور كل شهر بيعاينه ، ناهيك عن الحمام والسيشوار والنزهة اليومية . كيف هيك كلب بدو يعض هيك إنسان لولا ما يتعدى عليه ؟ - شو بتقصد ..... ؟ سال القاضي - حضرة القاضي صالح دعس ع دنب الكلب بقصد أو من دون قصد ، فقام الكلب بالدفاع نفسه ليس إلا وهاي الشباب اللي كانوا بالكولبه بيشهدوا على ذلك. - مظبوط سيدنا هدا اللي حصل ..... أجابت الجوقة بتناغم . - شو رأيك يا صالح ؟ سال القاضي ؟؟؟؟؟ الحكاية فيها إنّ ، في سابق معرفة بينك وبين المتهم ؟ ألك عندو شي؟ زعجك أو زعج أهل ضيعتك شي مره ؟..... وابل من الأسئلة انهالت على صالح من القاضي ، ولما حاول صالح الدفاع عن نفسه أسكته القاضي بصرامة ، وأوعز إلى كاتبه قائلا سجل يا ابني : تبين من خلال التحقيق بحيثيات القضية المرفوعة من قبل المدعي صالح ، أن ما تعرض له صالح من الكلب ، عبارة عن ردة فعل طبيعية ، نظرا لان المذكور صالح قد دعس على دنب الكلب بقصد أو بغير قصد حسب رواية الشهود العيان ، ولما كان الكلب لا يملك أي سلاح ان يدافع عن نفسه سوى العض ، فكان من الطبيعي إن يقوم بذلك ، وعليه حكمت المحكمة حضوريا على المدّعي صالح بالسجن لمدة شهر مع وقف التنفيذ نظرا لعدم ثبوت النية لدية بالدعس على دنب الكلب ،و يغرم المدعو صالح بنفقات الدعوى ، وفي حال عدم الالتزام يسجن يوم عن كل عشر ليرات . وهوى القاضي بمطرقته الخشبية على الطاولة معلنا نهاية الجلسة . شعر صالح بان الأرض بدأت تدور به والعرق يتصبب منه ، والأفكار الشيطانية تداهم عقله وتدعوه للكفر بالقيم النضالية والمبادئ والشعارات التي بح صوته من ترديدها. حاول صالح الدفاع نفسه والاحتجاج ، لكن لم يتثن له ذلك لان رجال الدرك شحطوه خارجا . عاد صالح إلى الضيعة يجر أذيال الخيبة والهزيمة ، لم يعد يستطيع الهرب من شماتة أهل الضيعة ضاعت أحلامه في مهب الريح وحملتها كما تحمل التبن الناعم عندما يرفعه بالمدراية على البيدر ، وصار كل من يرى صالح يبادره : - شو خيي صالح طلعت أنت عاضض الكلب، العمى بعيونك العمى شو انك جقر و مناضل......... |
رد: عضة كلب مدعومأ
هذه من الأدلة الثبوتية المتعددة، على أن الأحزاب ليست الليبرالية التقدمية، او العلمانية المتطرفة، او "أحزاب الإسلام السياسي" والتي عرفت كيفية الوصول إلى السلطة فكانت أشد طغياناً ونفاقاً!!!هي الجشع والإستغلال للإنسان والحيوان وحتى الجماد!
هي لعبة قذرة قديمة جديدة، والوصول لللقمة يعني التجرد من الأخلاق نهائياً؟! وكبش الفداء الأزلي هو الضعيف دائماً، وكلنا ذاك الرجل صالح... تحيتي واحترامي أخي الكريم: كمال عزوق.. |
رد: عضة كلب مدعومأ
كمال عزوق
خلف سطور هذه الحكاية الموجعة تنام سطور تشي بسخرية مما آلت إليه الأحوال الآدمية في هذه الأيام ، حيث الكلب هو البطل في هذا النص الحكائي الساخر و ما صالح المستلب إلا صورة منسوخةوممسوخة لكل واحد منا في زمن القهر العربي ، أشد على كفك أيها المبدع ، القصة رائعة ! |
رد: عضة كلب مدعومأ
نحن أمام واقع يعيد نفسه
عضة الكلب تشير إلى شراسة صاحب الكلب والنص يشير إلى القضاء غير العادل كما يشير إلى النفوس المتواطئة الضعيفة ولا عزاء للبسطاء في هذا الزمن العجيب شكرا لك أستاذ كمال تحياتي وتقديري |
رد: عضة كلب مدعومأ
نص حكائي رمزي مرسوم بلغة السهل الممتنع
يتناول قضية مهمة بإسلوب ساخر سلمت أستاذ عيزوق .. مع بالغ تقديري. |
| الساعة الآن 08:29 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.