![]() |
حساء وعالم آخر
حساء و عالم آخر
نزعت جلدها ، وتسللت زاحفة على رؤوس أصابعها ، بدت في غاية الروعة ، وكأني أعرفها الآن . أخفت شيئا كانت تحمله بعناية ، وتظاهرت بوصولها المبكر الى السرير ، حاولت أن تتأكد من أني ما زلت نائماً ، قبلتني بحنان ، وألقت جسدها الطري قربي ، فتحت عيني فأخذني جمالها الخلاب ، وسكت لبرهة قبل أن أنطق بأول كلمة لي هذا الصباح : -- تبدين مختلفة هذه المرة عزيزتي . -- أنت تقول ذلك في كل مرة عزيزي . في البداية حاولت أن أجعل الأمر طبيعياً ، ألا ان نشاطها هذا الصباح وحيويتها الفائقة جعلني اشك في الأمر ، كانت تتحرك أمامي بخفة وكل حركة منها كانت تعيدني إلى سنوات مضت . -- عزيزتي رأيتك تخفين شيئا البارحة . -- أتقصد عشبة الخلود ؟ أنا لم أخفها ، كنت فقط أحاول التخلص منها . لا أدري كيف تقبلت الأمر في البداية ، فقد كان تركيزي منصباً حول العيش معها الى ما لا نهاية ، وكنت أتساءل في نفسـي هل أبقى دائمـاً هكذا أسير الخوف و الحذر ؟ دقائق مرت وأنا أستذكر حياتي معها ، لقد كانت تفعل كل شيء بلا أدنى حركة ، وتقول كل شيء بلا كلام ، ولكنها دائما هي من تتخذ القرارات الصعبة . المهم أنني الآن في حيرة من أمري فهي بالتأكيد تنتظر ردة فعلي بالرغم من أنشغالها بأعداد الفطور ، وحتى لا أفقد السيطرة تماماً بادرتها قائلاً : -- -- حبيبتي لقد كبرنا على هذا الكلام ، ما حاجتك لعشبة الخلود وأنت تستبدلين جلدك خمس مرات في العام الواحد . -- وهل قلت لك أني بحثت عنها ، أنا وجدتها فقط على حافة البحيرة . -- وهل هناك من يستطيع الحصول عليها من البشر ؟ وهل من المعقول ان ( أوبانشتم ) باع السر ؟ ومن ذا الذي لا ينام سبعة أيام بلياليها ؟ . -- كلا ياعزيزي ليس أوبا نشتم ، زوجته هي من أوصلت كلكامش هناك حيث الأعماق المحفوفة بالمخاطر. -- أوه .. أتعنين انك أخذت العشبة من كلكامش . -- أجل -- ذلك الغبي ثلثيه أله ولا زال يبحث عن الخلود ، وأنت يا ليليت لقد طفح الكيل ، ولم أعد أحتمل مثل تلك الأفعال ، في البدء أخرجتِ الرجل الحكيم من بستانه ، ثم حشوتِ عقل أنكيدوا بأوهام فارغة ، والأن تثأرين لعشتار ، ما شأنك أنت وكلكامش ، أنسيتِ لما نحن هنا ، هل غيرتك أجواء الأرض وأعتقدت بأنك الفاتنة فقط على هذا الكوكب ؟ -- كلا لوسيفير يبدوا أنك أنت من تعتقد بأنك سيد العالم ، وغرك سماع الناس لكلامك الجميل ، هكذا أنتم معاشر الملائكة الهابطون ترددون نفس الكلام ، ولا تتحملون نتائج تصرفاتكم ، عندك العشبة خذها لمليكك الحكيم ، وتناولاها معاً فما عدت أحتمل هذه السخافات . -- ليليت ، من واجبي أن لا اتدخل في شؤون الإلهة ، ولكنك جريئة أكثر مما ينبغي ، فتعالي معي الى ملك أوروك ولنحسم هذا الأمر الى الأبد . وعلى بوابات المدينة أستقبل حراسها الكروبيين لوسيفير وزوجته بحفاوة بالغة وأجلساه في منصة كبار الضيوف في قاعة العرش -- ليليت ، يبدو أن الأمور تغيرت ، شوارع أوروك تبدو هادئة ،والكل منشغل للسفر ، ربما . هكذا توحي وجوه المارة . -- العمل في الأسوار لم يتوقف منذ ألفي عام ، وأشجار الأرز زحفت الى وسط المدينة ، ولأول مرة لم اعد أميز بين شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر ، يا ترى ما الذي حصل عزيزي ؟ في هذه اللحظات يبدوا أن الجموع أكتملت داخل القاعة ، وسرعان ما ظهر كلكامش وخلفه المئات من الحاشية الملكية وهم يحملون صناديق مقفلة ، أخذ مكانه وسط القاعة وبدأ يتلو قصيدة طويلة كتبت على صحائف جلدية . وأغمض الحضور عيونهم ، حين أخذها الكاهن الكبير ، ليختمها بخاتمه الفضي وليخفيها تحت ملابسه ذات الأكمام الطويلة ، ثم أنحنى الجميع للكاهن ، وبسرعة عجيبة بدأت الجموع تتفرق ، تداركت نفسي وأسرعت بين أمواج الحشود المتشابكة بأتجاه كلكامش . -- ليليت أين الجميع ؟ أين ذهب الرجل الحكيم ؟ -- لوسيفير ... لوسيفير .. لنخرج بسرعة الى شوارع أوروك . لا أدري كيف اختفى الكل ، الطرق فارغة ، والأبواب مقفلة ، هل نحن عالقون داخل المدينة ، أين الجميع ؟ أين صديقي القديم الحارس خمبابا ؟ هكذا كنت أحدث نفسي ، قبل أن تطرق سمعي تلك الكلمات ، -- أتقصد خمبابا المهرج !! لقد كان الصوت متهكماً ، ويبدوا أني تعرفت على صاحبه بسرعة ، ولكن فرحتي بوجود شخص ثالث في المدينة ، وذكرياتي عن وحش الغابة العملاق ، جعلتني ألتقط الأنفاس قبل أن أجيب : -- أخيراً وجدت من أتكلم أليه ، أين ذهب الجميع يا سيدي الكاهن ؟ لقد جئت لكلكامش بعشبة الخلود ، ولكنه لم يكترث بي ولم يكلمني حتى . -- حسناً أنت الأن تلعب دور الرجل الطيب ، هه ، وفر عليك التعب ، وحاول أن تصنع من العشبة حساء لذيذاً ، لك ولزوجتك الفاتنة . -- هل ترى الوقت مناسباً للمزاح سيدي ؟ -- ألا تفهم ، لقد رحل الجميع الى العالم الأخر ، وأنا وحدي من سينتظر . اذهب الأن وأعتني بنفسك جيداً . في طريق العودة تحدثت وليليت في الأمر، وكلانا لم يعرف بالضبط ما الذي حدث ، وفي مساء نفس اليوم وبعد تناول الحساء ، زحفت التجاعيد على وجه ليليت . وحين صحوت في الصباح الباكر ، وجدت قربي على السرير ثياب بأكمام طويلة وقصائد مكتوبة على جلد نزع للتو !! أحمد العبيدي |
رد: حساء وعالم آخر
أستاذ أحمد العبيدي أهلا ومرحبا بك في النبع بيت الجميع قرأت نصك أكثر من مرة بداية جميلة وموفقة أتمنى لك طيب الإقامة هنا مع فائق تقديري |
رد: حساء وعالم آخر
العزيزة سولاف
أشكر لك الاهتمام بالنص ..و أرجو ان يعجبك القادم أيضاً مودتي الاكيدة احمد |
رد: حساء وعالم آخر
عذراً مررت متأخرة نص يغرق في تفاصيل عديدة ويطوي بين جنباته معنى كبير اهلا بك في النبع تحياتي |
رد: حساء وعالم آخر
الاخت الكريمة عواطف
هو مرور سريع لتجليات الإنسان مع فكرة الخلود تحياتي أحمد |
رد: حساء وعالم آخر
المبدع احمد العبيدي
محبتي سرني ان اقرا لك هذا النص الجميل واهلا بكم في النبع العذب ..النبع حديقة المبدعين |
رد: حساء وعالم آخر
الأخ الأديب أحمد العبيدي :
نص قوي مفعم بالحيوية انحدر من على متن ثقافة شخصية عميقة أحسنت توظيفها في النص أسجل إعجابي الشديد بهذا النص مودتي أخي العزيز و أرجو أن نتواصل |
رد: حساء وعالم آخر
العزيز سعدون البيضاني
ومروك مهم جدا اعتز به كثيراً ودي احمد |
رد: حساء وعالم آخر
العزيز عبد الحميد
هي ثقافة وحضارة وادي الرافدين العريقة لك الشكر احمد |
| الساعة الآن 09:42 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.