![]() |
جرح في قلب التاريخ
جرح في قلب التاريخ ولد محمد بين أحضان الآلام، فرضع ألما وفطم عشقا وهياما بأرضه. وتعلم منذ نعومة أظافره كيف تقدس الأرض، وكيف تباع الأحلام، وكيف يحرم من أبسط نعم الدنبا، فحبس الدموع في عينه، والآهات في صدره وهو يودع عالم الطفولة وكيف يودعه إن لم يعشه قط، وهوالذي عهدت أذناه سماع صوت الدبابات والقنابل. فباتت سمفونيته الخالدة، يتغنى بها الزمان بين الحين والحين. ناداه يوما والده ليجس نبضه حول حب الوطن: يا محمد لو هدم بيتك ماذا تفعل؟ فأحاب محمد بكل ثقة وتحد ونخوة العروبة والإسلام تسيطر على كل جوارحه: <أبني غيره.> وراح الأب بكل فخر وكبرياء يسأل ويسأل:< ولو اقتلعوا أشجارك ماذا تفعل؟> حينها رفع محمد رأسه إلى السماء وعينه تلمع: <أغرس بدلا منها أشجارا وأشجارا>، اغرورقت عين الأب فرحا، وعانق ابنه ليلامس روحه الطاهرة وأفكاره العذراء ويتحسس بين جنابته قلبه الصامد. أحس محمد بمشاعر الأبوة وهي تتأجج في صدر والده وقد ارتسمت على محياه، ورسمت سؤالا آخر، قرأه محمد دون أن ينطق به الأب. فابتسم محمد بوقار وقال: <أطال الله في عمرك يا ولدي.> فابتسامة محمد، ابتسامة رجل أراد بهذا التصرف أن يطمئن والده أنه إن غادر هذا العالم، فقد خلّف رجلا مسؤولا يعرف كيف يحمي أرضه، رجلا لا تدغدغه الأوهام، ولا تضعفه الأحلام. بل صنديدا تهزه القيم وتصلبه الشدائد والهمم. وبينما كان الأب وابنه في أخذ ورد، دخلت الأم عليهما وهي تحمل غصن زيتون وضعته بين يدي محمد وهي تردد: <خذ يا محمد اغرسه حيث شئت، واعتني به حتى ينمو ويكبر ويثمر. هكذا علمني والدي.> أخذه محمد وهو شاكر صنيع أمه:<شكرا يا أماه أعدك ألا أفرط فيه ولو بقي شبر من حديقتي،فلطالما حلمت بهذا اليوم. واتجه صوب الحديقة ونشوة الفرح تغمر كيانه. وفجأه دوّى دويّ قوي، ارتجفت له الأكباد، وصرخت لسماعه النساء والأطفال ذعرا وخوفا من المجهول. فأسرع الجميع والتفوا حول بعضهم البعض في جسد واحد، تشتت أفكاره. وسرعان ما أخذهم الأب إلى المكان الذي اعتادوه أكثر من اعتيادهم على بيتهم كلما طالته أيدي إسرائييل، ولأول مرة لم يخف محمد، وهو يراقب أفواج النساء والأطفال، وهم يدخلون هذا القبو المظلم. فانزوي هو وأمه في ركن من أركان المكان، وجلست وأجلست محمد بالقرب منها، وهي تهدأ من روعه، دون أن تعلم أنها تزيد من عزيمته، وتقوي روح المقاومة لديه. فظلّ محمد صامتا برهة من الوقت، ثم نهض من مكانه وعاد بصندوق، قدّمه إلى أمه قائلا: هيا يا أماه افتحيه. أخذته الأم، وهي تظن أنّ به قطعة خبز أو لعبة يلهو بها في هذا الوقت العصيب. وحين فتحته ورأت محتواه وضعته جانبا، وعانقت طفلها بحرارة، وهي تذرف دموعا لا تعرف إن كانت دموع الفرح لأنّ ما غرسته فيه أتى ثماره ، أم هي دموع الحزن لأنها تعلم علم اليقين أنّ ابنها سيرحل عنها كما رحل والده. ثم انسلخ الطفل عن أمه وهو يمسح دموعها قائلا: <لا عليك يا أماه فسوف يعود والدي يوما، ويكبر غصن الزيتون، وترجع الأرض لأصحابها، فقد مللنا الحصار، مللنا القيود. >وأخذ حجارة من كومة الاحجار بالصندوق. نظرت الأم إليه في حنو، وهي ترى فيه الرجل: <دع عنك هذا يا محمد، فأنت مازلت طفلا. هيا تمدد على رجليا، فأكيد أنك تحس بالنعاس. >ثار محمد ثورة عنيفة اهتز لها المكان حبست الكلمات في الحناجر، وجحظت العيون، بحثا عن مصدر الصراخ. وراح محمد في هيجان: <أنا ما عدت طفلا. لا حلم بعد اليوم وغزة تحتضر، لا حلم بعد اليوم وغزة تئنّ بالجراح، وامعتصماه واصلاحاه......... لا طفولة بعد اليوم وغزة تنزف دما، وأرضنا دنست بالأقدام. كيف تريدينني يا أماه أن أنام، والنيران مشتعلة هناك، والنساء والأطفال ذبحن على مرأى الجميع. لا يا أماه، فيومنا وغدنا قبضة من حديد، نوقف بها غطرسة اليهود. ألسنا يا أماه أصحاب حق؟ >وتقف الأم في ذهول، لا تعرف ماذا تقول وقد أدركت أنّه اليوم الموعود، فهي ما ولدت رضيعا، ولا أنجبت طفلا، يؤمن بالحرية وتحقيق المصير، يموت ألف مرة من أجل بلاده .حاولت الأم تهدئة ابنها لكنّها عجزت، فالغضب انتشر وسيطر على ذهنه الصغير، لكن محمد البطل لا يزال محمد الابن. اقترب من أمه وعانقها بحرارة ثم قال: <لا عليك يا أماه فأنت الأم والزوجة المثالية. قال ذلك وهو يدرك أن قلبها ينفطر حزنا، فالبارحة الزوج، واليوم الابن: <أبشري يا أماه فبيتك بيت عز ومجد، عديني:< ألاّ دموع إلا وكانت دموع النصر. >وركض خارجا دون أن يلتفت إلى الخلف، حتى لا تثنيه الشفقة، ولا تضعفه الرأفة. وراحت الأم تلم الذكريات، بين حيرة وبشرى، بين حزن وفرح. لا تدري إن كانت ترغب في البكاء. ورأت من حولها فلم ترى غير الحزن والكآبة والدموع فهذه فقدت زوجا، وأخرى فقدت ابنا، وذلك فقد أبا. وهكذا جمعتهم نفس الآهات والآلام، فكان الواحد يعزي الآخر، ويضمد جراحه. خرج محمد لا يعرف وجهته وقد تسلّح بالإيمان. خرج وهو مدرك أن قضيته هي فلسطين الجريحة، فلسطين التي قسّموها واستباحوا مقدّساتها. وأقسم أن لا يعود إلاّ وهو حامل لواء النصر، وليسمع هتفات الصبايا وزغاريد النساء ويقطف ثمار الزيتون........آه يا فلسطين إنك جرح في قلب التاريخ. خرج محمد وهو يفكر في أمه التي خلفها وحيدة. لكن سرعان ما حطم كل ما يثنيه عن الدفاع عن قضيته، ويبقيه مغلولا بقيود الخوف والتراجع. وراح يحمل بين ضلوعه حبه الوحيد فلسطين الأبية، فلسطين الجريحة، كيف لا وهو لبن غزة البطلة تلك العروس الصبية التي انتهك عرضها، وزفت في موكب دموي رهيب، لكنها أبت الاستسلام، ورفضت الانحناء، وصرخت بأعلى صوتها المبحوح أن في كل شبر من أرضها ألف شهيد، ومن كل قطرة دم يوبد جيش عنيد. وسار بخطوات جريئة نحو المجهول. وبينما هو في طريقه سمع صوتا قويا هز المكان، فتوقف مذعورا، وهو يلتفت يمينا وشمالا، فوقعت عينه على كم هائل من الذبابات وكأنها تستعد لعملية جديدة تقصف بها غزة، التي ما زالت تضمد جراحها وتلم أشلاء الشهداء. ولم العجب؟ إنّهم اليهود..أولائك..الذين يريدون قتل آخر نفس ينبض بالحياة، وتحطيم آخر حجرة تكون بناء. نعم جاؤوا ليتمموا عملهم الجبان. اختبأ محمد وراء بيت لم يبق منه غير الأغمدة. ليس خوفا من الموت، بل لأنه يريد أن يكون وغيره من المجاهدين شوكة في جسد اليهود، تقلق راحتهم، وتثنيهم عن تحقيق أهدافهم الخبيثة. وبينما هو يتأمل أسلحة الدمار التي لا فرق بينها وبين قادتها،أولائك الجبابرة وقلوبهم العامرة حقدا على كل عربي مسلم...وذاك إن كانت لهم قلوب !!! أحس محمد بوقع أقدام تقترب منه، فاستدار ليرى القادم نحوه، وهو في هذا المكان المقفر الموحش. فإذا هو رجل وسيم وسامة العربي القح. نظر إلى محمد في تعجب وقال:< ماذا تفعل هنا يا ولدي؟ هذا المكان غير آمن. هيّا عد من حيث أتيت.> اغتاظ محمد لقول الرجل و قال له: <أرجوك يا عماه، أنا ما عدت طفلا. لم لا يفهم الجميع أنني ما عدت طفلا. سرّ الرجل بهذا الجواب وقال لمحمد: <بوركت يا ولدي، وابن من أنت؟ >وما إن نطق محمد باسمه، حتى وجم وجه الرجل وتغير لونه:< أنت إذن ابن....وتلعثم في الكلام، فعرف محمد قصده وقال بكل فخر:< نعم أنا ابن الشهيد خالد >وراح يردد: وابشراه وابشراه. حينها فهم الرجل أن الطفل إبن البطل، وإن مات والده فقد مات فيه الجسد أما الروح فهي الآن أمامه مجسدة في الابن، وهي أكثر عزيمة. فأمسك بيد الفتى وسارا معا عازمين على النصر واسترجاع الأرض المقدسة ونصرة فلسطين التي وان كانت جرحا في قلب التاريخ فهي وصمة عار على جبين المعتدين.................. |
رد: جرح في قلب التاريخ
مرحباً بصاحبة الحرف الأنيق
اعجبتني هذه القصة بوركت |
رد: جرح في قلب التاريخ
القديرة صديقتي ليلى بن صافي
قصّة قصيرةأضفيت عليها من روحك وخلجاتك فبدت منسجمة تهفو لقراءتها النّفوس .ترتقي في مضامينها نحو معان وقيّم راقية .تتفرّع منها وبطريقة ابداعية دلالات لعلّ أجلّها مكانة الشّهيد في الذّاكرة الجماعية وحبّ الأرض.وعديد المعاني الأخرى التي إكتنزت بها... موّفقة يا ليلى في أسلوبك القصصي كعادتك فأنت تحذقين هذا الجنس الأدبي وبمهارة فائقة محبّتي يا للّو والتّقدير. |
رد: جرح في قلب التاريخ
اقتباس:
يا مرحبا مرور أعتز به تقديري |
رد: جرح في قلب التاريخ
اقتباس:
مرورك له نكهة خاصة أكيد أنا مثل غيري أنتظر حرفك البهي ولمستك الرائعة قراءة أعتزبها محبتي |
رد: جرح في قلب التاريخ
الغالية على القلب أم أمين صباحك معتق بالأمل و الفرح ما أجمل هذا الصباح عندما دخلت لهذه القصة الجميلة و بأسلوبها العاكس لمشاعرك تماما اتجاه هذا البلد الحبيب على قلبك فلسطين .. فقد نسجت الجمل لتكون الصورة اكثر قربا من الواقع و لتتنفس الحقيقة مهما كانت مرة .. دعيني أقول انصافا لقلمك و لأقلام عربية اخرى تحدثت عن فلسطين بكل حب و عمق .. أن هذه الأقلام و الكلمات ضرورية للتاريخ و للأجيال .. فمع مرور الزمن و تناوب الأجيال يبهت الاهتمام بهذه القضية المركزية .. و تتشتت الاهتمامات و تتحول المشاغل الى اضيق ما يكون .. الى حدود الوطن الام .. دعيني أقول لك لا تتردي ابدا و انت تحملين القلم لنثر هكذا حروف و لا تملي لان اعداء أمتنا و الصهاينه اولهم يتمنون أن يتسلل احساس الاستسلام و الملل الى كل قلم او صاحب موقف او مبدأ .. لتتلاشى كل مبررات المقاومة و كل دوافع الصمود .. و لهذا خلقوا بدعة الثورات و الربيع و الديموقراطية ليُلبسوا ثوب النسيان و يغرقون بمهموم و مصائب ما أنزل الله بها من سلطان .. مع العلم أن هذا ايضا ضيع قضايانا المحقة .. سعيدة أن اقرأ لك من جديد .. و خاصة لهذا النص الجميل و الذي يحمل رسالة باذخة .. كل المودة مع الياسمين الدمشقي |
رد: جرح في قلب التاريخ
قصة جميلة ، اختيرت لها الألفاظ بعناية الفكرة رائعة ، وقد أحسنت الكاتبة التعبير عنها ، بأسلوب جميل |
رد: جرح في قلب التاريخ
الغالية على القلب سفانة
كم بتنا نشتاق لحرفك أو بالاحرى وجودك بيننا يسّر الله امورك لتعودين بيننا زهرة يفوح عطرها فيزكو المكان بالفعل غاليتي ينبغي ان لاتموت الحروف الهادفة الناطقة بقضايا أمتنا فشغل العدو الشاغل القضاء على كلّ ما يدّكر بأعماله الاجرامية الخبيثة قدّرنا الله على تخليد أوجاع وآلام أمتنا ليعر أطفالنا كم الوطن غال تقديري |
رد: جرح في قلب التاريخ
شكرا عزيزتي صبيحة شبر على مرورك من هنا
تسعدني آراءكم محبتي |
رد: جرح في قلب التاريخ
كلما عمقت ارض الجرح كلما تبث جذر الحياة
سلمت أناملك عزيزتي |
| الساعة الآن 12:36 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.