منتديات نبع العواطف الأدبية

منتديات نبع العواطف الأدبية (https://www.nabee-awatf.com/vb/index.php)
-   القصة القصيرة , الرواية,المسرحية .الحكاية (https://www.nabee-awatf.com/vb/forumdisplay.php?f=65)
-   -   هامش من رواية " عودة الروح " (https://www.nabee-awatf.com/vb/showthread.php?t=21511)

منية الحسين 01-21-2015 11:13 PM

هامش من رواية " عودة الروح "
 
https://im33.gulfup.com/PAQRL.png


هي فكرة لرواية كتبتها منذ سنوات ..
قتلتُ أبطالها وأغلقتُ أبوابها كمن يُغلق باب المقبرة بلامبالاة على أموات قتلهم ببرودة دم،
دون أن يشعر أن ثمة جُرم ارتكبه في حقهم..
هنالك شيئءٌ ما يُعيدني إليها وكأنه سراً خبيئاً تأبى الصفحات أن تبوح به ..
نداءٌ يصحبه أنين خفيّ من أبطالها المغدورين ..صوت ذبيح يتوسلني ل أعيدهم
إلى الحياة مرة أخرى.. أنفخ في أرواحهم روح الحِبر وبعضا مني ..أصبغهم بطينة مشاعري
وأكسيهم أناملي..أبعثهم مرة ثانية من تحت رماد الحبر
كي أهيئهم بعد فترة لقتلٍ آخر أشد قسوة ..!!وفي كل مرة أفتقدهم ..أبكيهم ..أهفو لجزء مني
دفنته معهم ؛ فأعود أبحث عنهم و عني فيهم ..أعود أشعلهم وأقوّمهم ..
أحفر بفأس قلمي أعماقهم ؛ لعلّي أُخرج المخبوء فيهم ..

وهاهو البحر بعمقه وغموضه ورائحة قميصه الملطخ بالملح لازال ينتظرني على حافة لقاء
لم أرتب له مَلياً لكني سأعبره بتلابيب قلمي هذه المرة غير مبالية بصفعات الموج
ولا بمذاق الملح في حلقي..
فالملح يشبه السكر كثيراً؛ فمن لسعة الملح نستشف حلاوة السكر ..
وهاأنذا في أمس الحاجة للكتابة على وقع ذاك النغم الخالد المتصاعد من وتره العاري ..
فالكتابة هي عالمنا الذي نلوذ به حين توجعنا العوالم الأخرى ..
على الرغم من أن عالمها لايخلو من الوجع .. لكنه ذاك الوجع اللذيذ الذي يربطنا بفضاء
تحلق فيه أرواحنا بعيدا عن قيودنا ..عن نظرات الفضوليين ورائحة الخذلان التي تنبعث من خيباتنا ..
هي رحلة طويلة نتناسى بها ألمنا على طول الطريق وقد نتوحد فيها بالآخر؛
فلربما أشعلنا أحاسيساً من فرط مادفنها الروتين اليومي تحت عجلات الثلج ظننا أنها ماتت ؛
فتعالوا نُسرج جذوتها بفتيل الِحبر،ولو على مساحة ورقة بيضاء بحجم حياة بأكملها ..
تعالوا نُعيد اكتشاف دواخلنا ونحن بصدد اكتشافنا للآخر، ونحاول ترتيبها بصورة أفضل ..

سأستسلم ل ذاك النداء الشهي ّ.. المستفز الذي لاأقوى ولاأريد أن أصمّ أذنيّ عنه ؛
ليأخذني ما بين دمعتين حارتين أو فوق غيمة فرح مُفتعل ، ويُذيبني في فناجين الحروف
كـ مكعب سكر ينصهر على ثغر قهوة مسائية تمنحه دِفئاً خاصاً ..
سأعيد أكتشاف أبطالي بينكم ومعهم أيضاً حروفي المُتعبة ،لنُصافح معاً الأرواح المنسية في
"عودة الروح "
.
.
تابعوني :1 (41):

قصي المحمود 01-21-2015 11:26 PM

رد: هامش من رواية " عودة الروح "
 
منية الحسين الفاضلة نتابع بشغف..بداية موفقة بلغة متماسكة
اعطر التحايا واعذب السلام

منية الحسين 01-21-2015 11:27 PM

رد: هامش من رواية " عودة الروح "
 
الفصل الأول





ما بين النهايات والبدايات تتمدد أمشاج مُلطخة بالضباب يقف القدر على نواصيها ..
وهو إما أن يزفها للعدم أو يتكورها أجنة ضوء يلفظها على مَهْد الشمس ؛ لتُهدي الأرض بذورها اليافعة ذات إشراق ،
فمن غير القدر قادر على استنبات البدايات السعيدة من مسامات النهايات الحزينة ؟؟؟

ما أحوجنا للبدايات السعيدة ،وإن طال بنا الطريق إليها؛فبعد الظلام العنيد هناك فجر جديد
سيخرج إلينا مرتدياً معطف الشمس ؛لكي ينشر البهجة والضوء في نهاراتنا الجديدة..
فعش الحياة كما تحب أن تعيشها ، لا كما تحب هي أن تعيشك،
وخذ من يومك وكأنك لن تعش للغد طالما أنك تعيشه في مرضاة الله ..
ما هذه الأفكار التي تُصارعني حدّ التلاشي في ازدحامها ؟
أيكون هذا البحر الذي يعانق نافذتي بلهفة وجهه الحبيب ‘ ويهدد جبيني بأنفاسه الرطبة
هو الذي قذف إليّ بها أسراباً وجماعات ؟ أم أنها تلك الأنثى الجالسة أمامي في المرآة ..
تتحسس التجاعيد التي بدأت تزحف على ملامحها.. وتدس أصابعها مابين خصلات شعرها المنساب
لتميط اللثام عن سَوْءة الشعرات البيضاءالمتوارية خلف ستائر الأسود ،
هي التي تحرشت بالذاكرة في هذا الصباح المنعش ؟
هذا المكان حلم جميل يعتمرني .. حلم أزرق كماء البحر ولون السماء ..حلم اشتقتُ أن
أسافر في طقوسه المتلاطمة الأمواج لآخر نفحة ‘ من دمعة وبسمة ونبضة ..
أيتها الزرقة المموجة بأبخرة الملح .. أيتها الخطوات المغموسة في ذاكرة الرمال ..
ياعناقيد الشهد ، تعالي ...
تعالي التصقي بي أكثر .. انفخي حلاوة زفراتكِ في قبضة رئتي .. انزلقي تحت جلدي
وتوحدي بي من مَنَابِتي..
تعالي لأُذيب شيخوختي في طلاوة صباكِ ؛فالشوق يجرفني لاقتحام غصنكِ الغض
ولو لبعض وقت ..
أيتها الصبية البِكر النديّة ، أخبريني : ماذا يضحككِ ؟
- إنه أيمن يركض خلفي يريد أن يبللني بالماء مثلما قذفتُه بالرمال..
إنه هناك يغترف الماء بكفوفه .. يحاول أن يستبقيه
لكنه ينفذ منه قبل أن يصل إليّ
هوذا ينادي بادياً عليه غيظاً مصطنعاً
لكني أرى نوارس السعادة تُحلق في فضاء جبهته
تعالي ياشهد سأقول لكِ شيئاً :
أرد عليه كمن يعرف ماذا يريد :
_ لن آتي .
أرجوك أيمن ستتبلل ثيابي ولن أستطع العودة للبيت على هذه الهيئة
فيردّ مبتسما :
وماذا عن هذه الرمال التي لطختِ بها قميصي ؟؟
- تقبل أسفي أيها الأنيق
حسناً تعالي إذاً
قد عفوت عنكِ ..
أسرعي فقد حان وقت الغروب .

كانت الشمس ترتعد شجناً وهي تُلوِ ح مُودعة .. كانت تمسح وجه البحر بعينيها
المسهدتين وتسحب جدائلها الحزينة من بين أصابعه العالقة بها ،
حتى الصخرة الضخمة التي كنا نجلس عليها صامتين لمتابعة مراسم الغروب ،
كنتُ أسمع صوت نحيبها وتفتق عظامها وهي تودع طاقة النور والدفء ..

على مسافة مدروسة من أيمن كنتُ أجلس ،

فقد اعتدتُ دائما أن أضع مسافة بيني وبينه ..
صمام أمان يجب أن تُشهره كل أنثى في وجه أي شاب خارج محيط العائلة ،
حتى لو كان هذا الشاب لصيقا بروحها..حتى لو كانت لأنفاسه دِفء أنفاس أبيها الذي لم تشم رائحة أنفاسه يوماً ..
حتى لو كانت ملامحهُ تَتَطابق مع ملامح أخيها الذي لم يولد .. حتى لو كان شراع الأمان الذي يبحر بها
للضفة الأخرى من الحلم المُلون بأبخرة الحياة ..
يُخيم السكون علينا في تلك اللحظات المهيبة ..كلٍ منا يحمل في جوفه غصات قديمة الأجل
يريد أن يشيّعها في حقائب الشفق..وأشد ماكان يؤلمنا في هذه اللحظة هو حُزن البحر الذي نعشق ..
لون عينيه الذي يفقد بريقهما شيئاً فشيئاً وهو يلهث خلف شمس تفارقه ولايستطيع أن يستبقيها ..
تلك الرعشة التي تتركها في أحضانه العارية منها ..
هذا ما كنا نعتقده ، ماكان يؤلمنا .. ما كان يشغلنا ..فما كنا نعلم وقتها أنها تُودع كوننا كله
لترتب مهجعها في أعماقه .. نحنُ نحزن لغروبها بينما هو يسعد بإشراقتها عليه في مكانٍ آخر وزمانٍ آخر ؛
لتعيد له بريق عينيه وحرارة شفتيهِ ..لتفخ الحياة في أطرافه المتجمدة ..
لتلفلف جذعه البارد بشالها المُتجمِر لهفة..
...
مساحات من الصمت وأحاديث خافتة كانت تجمعني وأيمن،
ليس فقط ذاك الهدوء الذي يخفي تحت قشرته براكين مضطربة من الأحاسيس ..
بل هواياتنا ..قراءاتنا.. جراحاتنا ..نظرتنا المتقاربة جدا للأشياء،
وحتى أحلامنا الصبيانية منها والعقلانية ..
قطع أيمن هذه الخلوة الجميلة بسؤال يعرف إجابته مسبقاً
-أتذكرين ياشهد منذ متى تعارفنا ؟
أجبته بحماس :
ياااااه ياأيمن ماسر هذا السؤال الآن ؟
سنين طويلة جمعتنا على الأخوة والصداقة البيضاء
مذ كنا في بداية المرحلة الثانوية حتى الآن ونحن على مشارف
التخرج من الجامعة لم نفترق .. أصبحنا متفاهمين في كل شىء
أصبحتَ تعرفني أكثر من نفسي ياأيمن ..
-ردّ متململاً :
لكني في الآونة الأخيرة أحاول أن أعرف مابكِ دون أن أسألكِ
فعجزت عن ذلك ..كلما نظرت إليكِ وجدتكِ حزينة ،ساهمة ..على غير عادتكِ خاصة في الكلية
التي كنتِ تملئين قاعاتها مرحاً وحيوية .. ماذا بكِ ياشهد ؟ لم أتعود أن تخفي عني شيئاً ..
أهناك شخص ما دخل حياتكِ دون أن تخبريني ؟
- أرد عليه باسمة :
ألم نتفق أنه لوحدث هذا ستكون أول من يعلم
وأنك من سيسلمني بيديهِ لزوج المستقبل ؟
-فيرد :
نعم ياشهد لن أفرط فيكِ بسهولة لأي شخص سأوصلكِ بيديّ هاتين
لعشك السعيد ..وماذا إذاً ؟؟
.....
- إنها أمي ياأيمن ..إنها تذبل أمامي يوماً بعد يوم وكعادتها تتعالى على آلامها
وكلما هممتُ بأخذها للطبيب عاندت وقالت :
أنا بأحسن حال يابنيتي ؛ فلاتشغلي بالكِ بي
تخيل ياأيمن هي تطلب مني ألا أنشغل بها !! وبمن أنشغل
سوى بتلك الشجرة المثمرة التي أجهضت كل ثمارها ،وأحْنت فروعها
لتحمي ثمرة واحدة من السقوط ، هي أنا !؟
سقطت هي وتقاطر عمرها سنة تِلو سنة كي تحميني من السقوط !!
دفنت شبابها ،ورغباتها ،وجمالها،
وعكفت على تربيتي بعد موت أبي الذي لم يترك لي الزمن من ملامحه
سوى تلك الصورة الشاحبة المسجاة على وسادتها .
قوية تلك المرأة ،شامخة في حزنها ، في وفائها ،كما شموخها في تعاليها على الألم
يرد أيمن متحمساً :
لكم أحببت أمكِ ياشهد كأمي، ولكم احترمتها قبل أن أحبها
هي أمي أيضاً فلا عليكِ واتركي الأمر لي .
وقتها انتفضتُ من مكاني فقد سرقنا الوقت وبدأ الليل يزحف علينا والظلمة تتناثر
من حولنا ..فطلبت منه أن ننصرف بسرعة حتى لاتقلق أمي عليّ
لدرجة أني نسيت أن أُعقِب على حديثه .
.
.
يتبع :1 (41):

منية الحسين 01-21-2015 11:46 PM

رد: هامش من رواية " عودة الروح "
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة قصي المحمود (المشاركة 332599)
منية الحسين الفاضلة نتابع بشغف..بداية موفقة بلغة متماسكة
اعطر التحايا واعذب السلام

القصي الرائع .. محظوظ حرفي أن نال شرف متابعتك
سأنتظر رأيك الذي أثمنه جيدا ونقدك البناء
فبكم يستقيم الحرف المعوج
كل الشكر وباقات البيلسان
:1 (41):

منية الحسين 02-09-2015 04:10 PM

رد: هامش من رواية " عودة الروح "
 
الفصل الثاني




الطريق من الشاطئ إلى المنزل لم يكن طويلا ، كنا نقطعه في أقل من عشرين دقيقة،
وكما كل مرة كنت أذهب فيها مع أيمن إلى ذاك المكان الهادئ الذي يشبه جزيرة لم تنجب سوى هسهسات أقدامٍ
أدمنت الغوص في أحشائها واستدرار نعومة الدفء وخصوبة الأمان ، كنت أتمنى أن يقف بيّ الوقت ،
مابين موج يتمدد بلطف تحت خطواتنا المتوائمة ليداعب ركود أحاسيسنا ،
وسماء تنسدل بحنان وصفو؛ لتشفق على قلبين أخضرين اغترف اليُتم فرحتهما منذ الصغر ،
ووسمهما بجرح ثخين .. ومابين أيمن ، أخي الذي لم تلده أمي .. وجهي النقي الذي يتهجاني بصدق ،
ويتصفحني بصمت، ويشْعُرني قبل أن يطرق الشعور بابي ..
على صوت فيروزي ، رقيق كرفيف أجنحة اليمام ..
يتمازج مع فرحة تموج في عيون البائعين الجائلين ، العائدين بقوت يومهم الشحيح ..
كانت المقاهي على طول الشاطئ تترنم ،ورائحة القهوة المكتظة بأنفاس العاشقين تتصاعد ،
يحملها دخان سجائر احتراقاتهم ؛ ليطرز المدى بهمهمات اللوعة ، والنغم الهفهاف يسري كهبّات الحرير ..
"شط إسكندرية ياشط الهوى .. رحنا إسكندرية رمانا الهوى .. يادنيا هنيّة وليالي رضيّة ،
أحملها بعنيه .. شط إسكندرية .. البحر ورياحو والفلك الغريب ، يحملها جراحو ويرحل في المغيب "
هوذا تماما ماكنتُ أشعر به ..
أني رميتُ جُل جُرحي في المغيب ..رميته في قعر البحر وابْتعتُ لي وجهاً أكثر إشراقاً ،
وجهاً أقل حزنا ، وروحاً أكثر بأساً ، وعقلاً أنضج فِكراً ...
هو سر من أسرار البحر الملئ بالأسرار ، تلك السكينة التي يبثها في النفوس المهرولة إليه طالبة الإسترخاء ،
الناشدة التوحد بالماء وبأحضان السماء ..
على طول الطريق كان أيمن يهدئ من روعي .. يحاول أن يطمئنني على أمي،
فوحده القادر على إقناعها بالذهاب للطبيب ،
أوصلني لأقرب مكان للمنزل وانصرف وبعد دقائق قليلة ، اتصل بي وطلب أن يكلم أمي ..
كانت أمي تحبه كثيراً وتعامله كإبنٍ لها ؛فقد كانت على إتصال بوالدته التي تعرفت عليها في إحدى حفلاتنا المدرسية
وتعلم كيف أحسنت تربيته ؛ وإلا لما سمحت له باقتحام حياتنا وممارسة درو الأخ حفاظاً عليّ من سخافات
بعض الشباب المستهتر الذي لاهم له سوى ملاحقة الفتيات والتحرش بهن ،
خاصة أننا كنا امرأتين وحيدتين في هذه الحياة ..لكنها لم تكن تعلم بخروجي معه ؛
ولا بمكالماتنا الليلية المستمرة ، رغم أني كنت أشعر أنها تعلم ، لكنها كانت تحترم حياتي الخاصة فقد علمتني
أن الحرية ليست سوى مزيداً من المسئولية تقع على عاتق من نمنحنا له ،كانت دوما تقول لي :
" لو سجنا الطير في القفص سيتربص لأي شق فيه ويهرب منه، أما لو تركنا له الباب مُشرعاً ؛
فسيطير ليُشبع جناحيه شغباً، ثم يعود راضياً ليلعب على كتفيك ويسكب أناشيده السخيّة في أذنيك ..
يدخل القفص طائعاً ليحتمي به من برد وشرد الطرقات"
لأمي ذاك الحديث الهادئ العذب وتلك الشخصية الجذابة المؤثرة ،
التي إن تكلمت أنْصتَّ لها وإن صمتت خشيتَ أن تجرح صمتها بكلامك .


اتفق معها أيمن و بعد إلحاح شديد أن نذهب سوياً إلى طبيب من أقاربه ليفحصها، لكنها اشترطت
أن يكون ذلك بعد إختباراتنا النهائية ،
وفي مداعبة لطيفة منها قالت له :عليك أن تجافي البحر هذا الشهر؛ فلاوقت الآن سوى للجد والاجتهاد ،
وطبعا فهمنا ماكانت ترمي إليه دون أن تجرح أحاسيسنا، ومضغنا صمتنا على استحياء منها ..

انقضت فترة الاختبارات على أفضل حال وخضعت أمي لفحوصات طويلة
امتدت لشهور .. وقتها كنا قد تخرجنا من الجامعة ،
وسافر أيمن إلى القاهرة للبحث عن عمل ..مرت شهور أصيبت فيها أمي بغيبوبة سُكر وحُجزتْ في المشفى
إلى أن تستقر حالتها الصحيّة ؛ فانقطعتُ عني .. عن البحر .. عن العالم إلا منها ،وهبتُ نفسي لرعايتها
ونسيتُ كل شيء إلاها.. شعرت بألم الوحدة وقسوة الإحتياج .. وأغلق باب المنزل على وحدتي والسهد ..
بارد هو البيت حين لاتختمره أنفاسكِ ياأمي، حتى الأريكة المخملية التي تتصدر غرفة المعيشة تبكي غياب جسد
لطالما احتوته برفق !! كل الزوايا أمست باردة ، فمن يُشعل فِراشي بحطب الدفء إلاكِ ؟؟
فارغة الأماكن من سواعد فتية ترفع عني أحمالها .. حزينة هي البنت التي لم تدفن رأسها يوماً في حضن أب
وتتذوق نكهة حنانه الرجولي .. أو تحتمي بذراع أخ يحبها ويدلّلها بقدر ما يغار عليها ..
مرّ شهر آخر من المعاناة إلى أن شُفيت أمي بفضلٍ من الله،
وعادت منارة الإسكندرية لتبذر النور في تربة روحي.. عادت قلعة الحنان الضاربة جذورها في حِقب التاريخ
لتُشبعني رياً ..عادت أمي الحبيبة وأسرجت قناديل البيت بزيت الدفء الهاطل من قلبها الكبير ،
لكن البحر غادر و لم يعد ..!! ولاحتى المكالمات الليلية ..عدا بعض المكالمات المتقطعة ..المتقاطعة!!
يطمئن فيها أيمن على أمي ويعتذر لمشاغله المستمرة في الشركة التي عمِل بها ..
لكنه وعدني بالمجئ قريباً والذهاب للبحر سوياً ،
وكان موعدنا ..
؛
؛
؛
يتبع بإذن الله

:1 (41):


الساعة الآن 11:52 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.