منتديات نبع العواطف الأدبية

منتديات نبع العواطف الأدبية (https://www.nabee-awatf.com/vb/index.php)
-   القصة القصيرة , الرواية,المسرحية .الحكاية (https://www.nabee-awatf.com/vb/forumdisplay.php?f=65)
-   -   على مرمى من الزمن (https://www.nabee-awatf.com/vb/showthread.php?t=6725)

سعدون جبار البيضاني 03-05-2011 10:34 PM

على مرمى من الزمن
 
على مرمى من الزمن


خرج من منزله ، قبره الذي يتمغط فيه منذ ستين سنة ، وما انفك يحاول الانفلات منه وهو يسحل عمره بعد سنوات انتهى مفعولها مبكراً ولم تعد تصلح إلا للعد .
كانت حياته متحفا ً للفطرة / العبث / القلق / الغريزة , هذا اليوم بالذات طحن ذكريات ماض ملفق بالتصحر ، الحذر ، بقايا رجل مرتبك ، سلك شارعا ً فقد السواد لشدة التصاق غبار الزمن عليه وأكل الدهر سواده وقيأه في جوف الليل في محاولة لتأجيج حالة السكون .
الشارع الذي لا تزال بصمات المارة مطبوعة عليه ، هو الشارع الوحيد الذي ما فكر يوما أن يسلك غيره أو لم تكن له رغبة أو خيار غير ذلك ، فهو يؤدي الى بقايا حديقة مسيجة بأسلاك شائكة ، دخل الحديقة من فتحة أكثر هيبة وحشمة من الباب الرئيسي ، عندما تأكد أنه ألقى القبض على ما تبقى من حياته ، جلس في المكان الذي اعتاده منذ ثلاثين سنة حتى ارتسمت تحته دائرة صغيرة من الحشيش الميت ، مات تحت ثقل عجيزته وطول مدة جلوسه ، هذا المكان الذي لم يغيره قيد شعرة ، حتى صار محط أنظار الفضوليين وجزء لا يتجزأ من كينونة الحديقة ، القبر البديل الذي يؤمه النازحون من قبضة الزمن ، نبت عليه سالم علوان مثلما نبت العشب وصارت الحديقة ملغومة بالأشجار التي تشبه الى حد ما شعر المجانين ، لفت انتباهه صبي يذاكر على مقربة منه ، عصر نخب دماغه وركز بكل ما يحمل من انكسارات وتهويم ووحشة : - لو كان احد أقاربي هنا لسرعان ما صرخ بي - أنت الآن قبل خمسين سنة – نعم هاأنذا صبي.. ، نهض سالم من صومعته - والله كانت لدي نفس هذه الملابس عندما كنت بعمره ، ونفس الحذاء أيضا .. يا الهي ما هذا الشبه .. اقترب من الصبي وسأله : -
- بأي صف أنت؟
- في الخامس الابتدائي.
- ماذا يعمل والدك؟
- مات قبل ستة أشهر.
- أنا أيضا مات أبي عندما كنت في الخامس الابتدائي ، حذاؤك يبدو كبيرا، أليس كذلك؟ عندما كنت في عمرك كان عندي نفس هذا الحذاء تماما ، وكأنه هو ، وكان كبيرا فكنت أحشو مقدمته بالقطن..!
- أنا أيضا حشوت مقدمته بالقطن.!
أخرج الطفل من جيب سترته التي تشبه سترة سالم علوان بالضبط صوراً التقطها قبل أيام ، صاح به سالم : الله..
- هذه صوري .. هذه ملابسي .. متى التقطتها .. إنها صوري و…

ضحك الصبي وخلع ملابسه قطعة بعد قطعة ، توسدها قريباً من سالم علوان ، وضع تحت رأسه جبلا ً ، حجرا ً ، زمنا،، نام الصبي ، شاهد سالم آثار حروق واضحة على فخذ الصبي ألأيسر تشبه خارطة حياته قبل التدمير ، وبانتْ فيها تضاريس عمره .

رفع سالم العلوان ثوبه الى بطنه وهو يصرخ – ياناس ، ياعالم ، ما الفرق بين الخارطتين، إنها نفس مساحة التدمير، نفس التضاريس ، لكن خارطتي أكبر.
نهش ذكرياته الراكدة في رأسه الخاوي ، شاهد شريط حياته بأم عينيه الفاترتين اللتين تشبهان فانوسا معتما ،. شريط حياته الذي حمّضه في قعر رأسه، كانت حافات الشريط متآكلة من عبث الزمن / القلق فلم تظهر حياته واضحة أمامه لكنه شاهد الذي يريد أن يراه ، صحا من غفلته ، أراد أن يغلق ملّف ماضيه ويعطّل برنامج ذاكرته المؤهل للعطب ، حزّ في نفسه هذا التداعي والصلف ، لذا خلع ملابسه قطعة بعد قطعة ووضعها تحت رأسه مثلما فعل الصبي أمامه قبل قليل ، أخذ قيلولة ، بعدها حاول أن ينهض ،، المحاولة الأولى فاشلة ، الثانية فاشلة، في المحاولة الأخيرة للنهوض حرّك رجله ، حاول أن يسحبها ، رفس الأرض ، بلع ريقه ، تيبّس لسانه ، لوى عنقه وأداره قليلا ً محاولا ً وضع رأسه بأتجاه القبلة ، عيناه نصف مغمضتين ، بينما نهض الصبي على صوت الشخير وهو ينظر الى مستقبله المسدول على مقربة منه كشجرة مقلوعة بإمتعاض وسخف عميقين ….

عواطف عبداللطيف 03-06-2011 01:50 AM

رد: على مرمى من الزمن
 
وهكذا تستمر الحياة بالرغم من كل ما فيها
الأستاذ سعدون
إشتقنا لحروفك ووجودك بيننا
طريقة سردك تشد القارئ
لتكون هناك في الحيقة مع سالم علوان وذكريات عُمر ومسيرة تعب

يسعدني أن أكون أول المصافحين لهذا الأق
لأعلقها بالصدارة
دمت بخير
تحياتي

سعدون جبار البيضاني 03-09-2011 08:56 PM

رد: على مرمى من الزمن
 
روح النبع العذب الاستاذة عواطف عبد اللطيف
محبتي
ممتن لمرورك العذب ومشاعرك الرائعة
كلماتكم تشع بهاء والقا

سولاف هلال 03-09-2011 11:02 PM

رد: على مرمى من الزمن
 
عنوان رائع وسرد ممتع
الأستاذ سعدون البيضاني
اشتقنا كثيرا لحروفك
أرجو أن ألقاك دوما بخير
تحياتي

سعدون جبار البيضاني 03-16-2011 10:25 PM

رد: على مرمى من الزمن
 
المبدعة سولاف هلال
محبتي
ما أجمل مرورك ايتها الكاتبة العذبة
نورت ِ النص حتى كاد ان يشع
أحييك

عبد الرسول معله 03-24-2011 03:31 AM

رد: على مرمى من الزمن
 

شقيق روحي وأستاذي الكبير الأديب سعدون البيضاني

مرّ علي وقت طويل وأنا غائب عنك وأشواقي تزداد

فما أجمل الوصول إلى واحات قلبك والتزود من نميرها

فأنت تصوغ الفكرة أجمل صياغة وتلبسها من البيان

أروعه ومن البلاغة أسماها فتجعلنا نعيشها معك

خوفا من ضياع هذا الرد مرة ثالثة لسوء النت تقبل

تحياتي ومودتي

رائدة زقوت 03-24-2011 12:45 PM

رد: على مرمى من الزمن
 
مر زمن على قراءة هذه الروائع التي تأخذنا في بحر المبدع سعدون
لحرفك وفكرك رونق خاص أميزه من بين كل الحروف
تحياتي وتقديري لك على الدوام

سعدون جبار البيضاني 03-26-2011 09:57 PM

رد: على مرمى من الزمن
 
أستاذنا الشاعر الكبيرعبد الرسول معلة
محبتي
أيها العذب الجميل ..فراقك مرٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌ لا أجرعه
أشعر أننا الآن التقينا وفي بيتي .، والله هذا شعوري ياأستاذي
أرد عليك بعض الاحيان وأتقصد ترك الهمزات (حرشه)حتى ترد علي
مكانك في القلب ..اخي وحبيبي

سعدون جبار البيضاني 03-26-2011 10:04 PM

رد: على مرمى من الزمن
 
فراشة النبع المبدعة رائدة زقوت
محبتي
أسعدني جدا مرورك العذب الذي نثر على النص عطرا جميلا
تقبلي اعتزازي وتقديري الكبيرين


الساعة الآن 09:44 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.