عرض مشاركة واحدة
قديم 01-07-2010, 12:41 PM   رقم المشاركة : 3
الى رحمة الله





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :د. حسين علي محمد غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
افتراضي رد: صورة البطل في رواية «الصهبة» لمحمد جبريل

(3)
ما الصهبة؟ ..
«لن تجد إجابة واضحة لهذا السؤال، ذلك أن «الصهبة» ليست كياناً ماديا متماسكاً ومحدد الملامح مثل الأماكن التي نعرفها، ليست مولداً أو جلوة، أو حلقة ذكر. تختلف «الصهبة» عن هذه الأماكن جميعها»(17).
ومثلما هي مختلفة في المكان مختلفة في الزمان
«قال جابر محجوب:
ـ للموالد مواعيدها .. أما هذه الصهبة فقد أتت في أغسطس »(18).
إنها طقس يرسمه المؤلف من خلال عيني البطل.
« اختلف المشهد أمامه عن الصورة التي ألفها. ليسوا من طرق أكل الزجاج، وازدراد الأفاعي والقبض على الحديد الملتهب، وغرس الأسياخ في الخدين، وطعن الجسم بالخناجر، وابتلاع النار، ولا من الشاذلية والرفاعية ولا المولوية أو الدراويش مَنْ طالما تابع مواكبهم في مولد الحي. استند إلى الباب الحديدي لبيت، أول الميدان الصغير. أهمل ـ لطول قامته وقوف العشرات أمامه، يُشاركونه، ويُشاهدون ويُعانون الزحام الذي تزايد فصار خانقاً. انفسح المكان لما تشابكت أيدي الرجال. وقفوا في حلقة متجهين إلى الداخل، وتشابكت أذرع النساء داخل الحلقة متجهات إلى الخارج تعالت الدفوف والمزامير والدربكات والشخاليل، وبدأ الرقص: يتحرك الرجال إلى الداخل . وتتجه النساء إلى الخارج. يرفع الرجال أيديهم فيسهل طريق النساء في العودة إلى الداخل. والعشرات أفسحوا للطريق، صنعوا دائرة أوسع لصق الأبواب والجدران، وعلى مداخل الشوارع. شدة انسجام الموسيقى مع الرقص، وحركات التوقف، تبديل الأوضاع والحركات، تشابك الأيدي والأذرع وانفصالها كأنه الذكر، وإن اختلف الذكر بتطوح الرءوس، واهتزازات الأجساد والأيدي، والدعوات الرتيبة المتتالية. بدا كل شيء جديداً، وغير مألوف. ليسوا من الغجر، للغجر سحنتهم ولهجتهم وزيهم، ولم تشر الأحاديث إلى أنهم يُمارسون الغناء وأعمال السحر والتنجيم والوشم وختان البنات، ولا ضبطوا متلبسين بسرقة بيت أو دكان أو خطف طفل، ولا هم جماعة مُغلقة ترفض الاختلاط»(19).
إن محمد جبريل من خلال هذا الوصف يصنع أسطورته الخاصة، أو واقعيته السحرية المنبعثة من بيئته المصرية التي أحبها وعشقها، كما صنع أدباء أمريكا اللاتينية ـ تماماً ـ واقعيتهم السحرية المنبعثة من بيئتهم وأعراقها وتقاليدها.
وطقس «الصهبة» ـ الذي استنبته محمد جبريل في هذه البيئة ـ طقس لجماعة تحتفي بالحياة، وليست كالجماعات الأخرى المغيبة عن واقعها «السحر والتنجيم» أو المُغَيَّبة عن عقيدتها «الشاذلية والرفاعية والمولوية والدراويش»، أو المُغيبة عن بيئتها والتي تحس بانفصالها وعدم انتمائها «الغجر».
إن هذه الجماعة التي تُمارس طقس «الصهبة» تحتفي بالحياة، وتُريد للمرأة العاقر أن تحمل وتلد وتُشارك في تقديم الأطفال (رمز المستقبل) كي تستمر دورة الحياة.
«النساء المنقبات يحلمن بالخصوبة، الجميع يشغلهم علاج العلة، من يرفع النقاب يظفر بثواب إنقاذ حياة»(20)..
ومن ثم يُحاول البطل « منصور سطوحي » أن يُساهم في إنقاذ حياة امرأة، رغم أنه هو نفسه أن يُحقق ذاته في هذه الحياة، أو يعيش الحياة كما يهوى، فلم يُفلح. لقد حاول إنقاذ حياته هو عدة مرات بعد وفاة أبيه، ولكن أمه التي تمثل الماضي المندثر ـ وقفت في طريقه:
وقفت في طريقه عندما أراد أن يترك الكلية التي دخلها رغم أنفه، ولم يستطع الاستمرار فيها:
« لم تصدق الأم: هل يهجر الدراسة بعد أن أوشك على بلوغ الغاية؟! ..
أخلت وجهها للدهشة:
ـ تريد أن تُصبح أقل من أخيك؟! ..
قال وهو يهز رأسه:
ـ لا تشغلني الكثرة ولا القلة .. ما يهمني هو ما أطمئن إليه ..
استطرد من بين أسنانه:
ـ كان همه أن أصبح صورة منه! ..
واجهته بنظرة غاضبة:
ـ كان أبوك رجلاً فاضلاً ..
دون أن يُجاوز هدوءه:
ـ لا أُنكر .. ولكنه اختار التجارة .. أما أنا فقد كانت لي حياة أخرى»(21).
ووقفت أمه في طريقه ـ أيضاً ـ حينما حاول أن يضع لافتة جديدة للمكتبة، رمزاً لحياته المستقلة والمنفصلة عن حياة أبيه، ولكن أمه عاودت الرفض بشراستها المُعتادة التي ورثتها عن أبيه:
«أمه واجهت فكرته بغضب لم يعهده من قبل. اصطبغت عيناها بحمرة، وسرت في وجهها ارتعاشة، وتمتمت شفتاها بما لم يستطع تبينه ..
قال يُحاول تهدئتها:
ـ ستظل المكتبة باسم أبي .. كل ما أطلبه أن نغيّر اسمها! ...
لم تُخف قلقها:
ـ أنا أعرف بك من نفسك .. اليوم تغير اسم المكتبة .. وغداً تصبح المكتبة باسمك ..
عانى للإفلات من حصار نظراتها:
ـ ألم تُقرري وهي مُغلقة أن نعرضها للبيع؟!
وهي تُقاوم الغضب:
ـ كان شرطي أن يظل للمكتبة اسمها .. مكتبة سطوحي! ..
قال:
ـ أغلقناها تسعة أشهر .. فتأثرت مبيعاتها .. والأفضل أن تبدأ من جديد! ..
ضغطت على الكلمات:
ـ سيظل للمكتبة اسمها! ..
واستطردت وهي توليه ظهرها:
ـ إن لم يُعجبك شرطي .. فعندي أغراب يُوافقون عليه! .. »(22).
إن موقف الأم الرافض لتركه الدراسة التي اختارها له أبوه، ورفضها تغيير لافتة المكتبة يشي بثباتها وحفاظها على ذكرى الزوج الغائب، وعدم قدرتها على استيعاب أن يتغيّر الأبناء، وأن تكون لهم حياتهم المستقلة عن حياة الأبوين، أو أن تصير لهم ذواتهم المختلفة عن ذات والدهم الراحل.
ومن هنا فإن «الصهبة» تمثل طقس الحياة، والتجدد، والعطاء، والخصوصية. وكلها أشياء حاول أن يتشبث بها «منصور سطوحي»، وحاول أن يراها ويعيشها بجمالها الأخّاذ في تلك اللحظة التي جرى فيها في «الصهبة» ورفع النقاب عن الوجه الجميل الذي يمثل الحياة، والتجدد، والخصوصية! .. فقد قابل وجهاً كأنه الجنة!
وبدأت نفسه تتحرر من قيود السلطة الأبوية التي أحكمها أبوه الراحل من حوله، ومارست أمه دور المحافظة عليها. هذه السلطة التي حاول دائماً أن يخرج عنها، وأن يفلت من مطاردتها.
وإذا كانت الأم (الوجه الآخر للسلطة الأبوية) قد وقفت منه موقفاً سلبيا وهو يُعاني المطاردة إثر مشاركته في «الصهبة» ، فإن ضابط الشرطة (الوجه الآخر لسلطة الحكم) يرفض هذا الخروج:
«قال له الضابط:
ـ كل التحريات أثبتت أن الصهبة التي أبلغت عنها من شغل خيالك ..
بحلقت عيناه:
ـ لكنني شاهدتها بنفسي ..
هز الضابط رأسه:
ـ حتى روّاد المقهى نفوْا أنهم حادثوك في الأمر من أصله»(23).
(يتبع)







  رد مع اقتباس