برؤى الشباب قد انتشلت بصيرتي
كنّا نرى ماءَ الحياةِ سرابا// والبيدُ نبصرُ رملَها أعنابا
كنّا نرى الخذلانَ خيرَ وسيلةٍ // ونرى لِقمّةِ عارنا أسبابا
ونهيمُ في وحلِ التخبّطِ إذْ بدا // ونشدُّ في طلبِ الهوانِ ركابا
ونخضُّ ساعات الزمان بلهونا // ونعبُّ من سُمّ الفراغِ شرابا
بلذيذِ غفوتِنا نغازلُ شعبَنا//ومن الرمادِ نُكحّلُ الأهدابا
ونعودُ نغنمُ بالكآبة كلما // ظنُّ ابتسامتِنا بنا قد خابا
فسل المنامَ فإنه ميدنُنا // وسل النعاس تجدْ لديه جوابا
من مقلة الفشل الذريع حياتُنا // تبدو لناظرها الكئيبِ خرابا
و نرى الحوارَ تخلّفا ورذيلةً // ونرى الفضيلةَ منطقاً كذّابا
ونشقّ صفّ لقائنا بخلافنا//ونباعدُ الخلان والأنسابا
بدوافع البغضاء لا بمحبةٍ // رحنا نأسسُ بيننا أحزابا
ونرى الأحبّةَ مثلما أعداؤنا // والغاصبون غدوا لنا أحبابا
ونرى البلادَ تمزّقت أطرافُها // والبغض سنّ لأهلها الأنيابا
والتين والزيتون ينكر بعضُهُ // بعضا.. ويصبحُ بعضُه حطّابا
نتوسّل المنفى البعيد يعيدنا// فيلفُّ طاحونُ النوى دولابا
نتوسل التغريب قاربَ نجدةٍ // ونعيش في أوطاننا أغرابا
فمَنِ المعاتبُ نحن أم أوطاننا// ومَنِ الملومُ إذا ضميرُك غابا
مِن خَشيةِ الإسرافِ في نَظَراتنا// رحنا نهيلُ على الطموحِ ترابا
حتى إذا بلغ الضياعُ أشدَّه//والكربُ أصبحَ بطشُهُ غلابا
لا نخوةً تقضي بردّ حقوقِنا // وتردّ عن إنسانِنا الإرهابا
حتى إذا ضاق الفضاءُ بحلمنا//والحلم أغلقُ دوننا الأبوابا
حتى إذا روح العزيمة أُزْهِقَتْ // وغدا التأملُ في الحياة عذابا
وجرى الرهانُ مؤكّدا أوصافنا // بسموم فكرٍ خدّر الأعصابا
لا تطنبوا في الزّور إنّا أمّةٌ// تركَتْ حديثَ الزُّورِ والإطنابا
ما عاد مسمعُنا الطروبُ ببثكم // يصغي إذا ابتدع الكذوبُ خطابا
ما عاد يرعبنا النباحُ بليلةٍ // نشرتْ على مدّ الظلام كلابا
فالليل يخشى من مخاض عذابنا // مترقّبا من رحمه الإنجابا
قد أشرقتْ شمسُ الشبابِ بأرضنا// وبدا صباحُ الثائرين شبابا
وتعطّشَتْ أرواحنا حتى أتوا // بشرى تردّ إلى العطاش سحابا
بتضافر الجهد الذي بذلوا له // سيخطُّ جيلُ الثائرين كتابا
فاستاءتِ الظلماءُ من أنوارِهم//وتوعّدتهم بالجحيم عِقابا
سيعاقبُ التاريخُ في صفاحتِه //سطرا ذميما يستحقُ سبابا
سطرا أعدّ لنا الحرابَ وما درى // أنّ الحقيقةَ لا تهابُ حرابا
كم شعلةٍ قد سبّحتْ أضواؤها// وأنارتِ السنواتِ والأحقابا
كمْ عالمٍ قد أبدعَتْهُ بلادنا// كم شاعرٍ في حسنها قد ذابا
كم نابغٍ ومهندسٍ.. ومُعلّمٍ // ما زال يرْفدُ للعُلا طُلابا
كم ناسك غُفرَتْ جميعُ ذنوبِهِ//واشتمّ رائحة البلاد فتابا
من تربة الوطن المروّى من دمي // أنا قد رسمتُ جمالَها الخلابا
بين التطور والشباب علاقةٌ // ولصدّها لا يملكون حجابا
برؤى الشباب قد انتشلتُ بصيرتي // وبفكرهم سهمُ الضياءُ أصابا