يزخر نبعنا بقامات شعريّة تمتهن الشّعر بأقتدار وامتياز ...فهم يمرّون بيننا دون ضجّة ولعلّ الذّائقة الأدبيّة الرّفيعة في قراءة شعرهم مرارا وتكرارا تكتشف برويّة وتأنّ الكتابة الشّعرية عندهم بأكثر تفاصيل ...بأبعادها الجماليّة وصوّرها ودلالاتها الكثيفة المعاني ...
فالشاّعر المبدع خالد سالم صبرله منهجه الخاص في عمود الشّعر العربي كما يقال من حيث التزامه في أغلب قصائده بالأوزان وتفعيلة البحور علاوة على ما تزخر به هذه القصائد من أخيلة وصوّر وتشبيهات ومجازات وكنايات وغيرها من عناصر البيان..
وأذكر هنا أروع ما قرأت له.
اعترافات أمام تلميذة
عيناك وشبه جملة
عيناك تكذبان
سيذدة العشق
فشعره نفيس كنهه عميق غوره مكتوب بحسّ مرهف ونفحة وجدان مليئ بالحياة بصرا ولمسا وانتشاقا ومذاقا
وقد أستأذنت شاعرنا في تهويمة في احدى قصائده حتى لاأدّعي قراءة أدبية لما لهذا الفنّ من مناهج وأبجديات وميكانزمات لا يحذقها أيّ كان...أستأذنته في مرور على أحدى قصائده الرّائعة وقد اخترت
سيدة العشق
سـَـيّدة ُالعشــق
كلـّما رحْتُ إليكِ اخترع َالقلبُ مِنَ الرقص فنونْ
واستبدَتْ لهْفة ٌحَيرى وشوقٌ وجنونْ
إنَّ في حسنكِ آياتِ ضُحى
رَتـّلـَتـْها الروحُ فالدنيا لـُحونْ
قصرَتْ عينايَ في استيعابها !!
ليتَ وجهي احتشدَتْ فيهِ عيونْ
أنتِ في بحر شراييني إلى أعماق روحي تـُبحرينْ
وعلى قرطاس قلبي كلَّ أشعار غرامي تقرئينْ
أنا لمْ اكتبْ ولا قافية ً
أنا اُميّ ٌ وعَيّ ٌ
ليسَ لي حَرفٌ مُبينْ
إنـّما حسنـُكِ قدْ ألهَمَني
فإذنْ أنتِ التي كنتِ على جدران قلبي تكتبينْ
سَكبَ الحُسنُ على وجهكِ عطرا ً فروى
نـُضرة ً فيهِ وفنَّ الفتنةِ
وعلى روحيَ قدْ ألقى الهوى
كلَّ سحر ٍ
فأنا مُستغرقٌ في دهشتي
أغزلُ الليلَ اشتياقا ًوجَوى
ريشتي تسكرُ مِنْ مِحبرتي
أنا مأخوذ ٌ بصمتي والذهولْ !!
إنـّها سيّدة ُالعشق أتـَتْ
لمْ تقلْ شيئا ً
ولكنْ ها هوَ العشقُ بعينيها يقولْ
دخلـَتْ غرفة َروحي
فالمرايا مَدَّتِ الأعناقَ في عُرْي ٍجَموح ِ
وجنوني هوَ والشوقُ ووَجْدي وجروحي
في ازدحام ٍ وذهولْ !!
يطلبونَ الإذنَ منها بالدخولْ
والقراءة في هذه القصيدة تستوجب استحضار الأنفعال العاطفي المتوّهج الذي سعى للتعبير عنه والمرتبط بوعيه الوجداني فهذه المشاعر الجيّاشة التي تحضره رهينة لحظة حلوله عند سيدة العشق
كلما رحت اليك اخترع القلب من
الرقص فنون
واستبدّت لهفة حيرى وشوق وجنون
فالنص الشعري والقصيدة هنا تتدخل فيها عوامل تمثل الحبيبة وحضورها بما يهب الكلام عنفوانه واللّغة سلطانها وتستشعر بقية القول
أنّ في حسنك آيات الضّحى
رتّلتها الرّوح والدّنيا لحون
قصّرت عينايا في أستعابها
لينتفض في هذا المقطع ملوّحا بقصر العينين عنده في استعاب حسن سيدة العشق ليكتسب مدى جديدا مذهلا تغتصبه المفردات في قول شاعرنا
ليت وجهي احتشدت فيه عيون
فهي نضارة وجمال وألق تعجز عينان على استعاب مكامن جمالها ويلزم الوجه احتشاد عيون وعيون لتدرك وتدرّ اليقين عن حمال آسر خرافي
ثمّ يتمرد النّص الشعري في أبعاده ومعانيه ليبلغ معراجا من الكلمات في مايلي
أنتِ في بحر شراييني إلى أعماق روحي تـُبحرينْ
وعلى قرطاس قلبي كلَّ أشعار غرامي تقرئينْ
أنا لمْ اكتبْ ولا قافية ً
أنا اُميّ ٌ وعَيّ ٌ
ليسَ لي حَرفٌ مُبينْ
إنـّما حسنـُكِ قدْ ألهَمَني
فإذنْ أنتِ التي كنتِ على جدران قلبي تكتبينْ
فنقف في هذا المقطع الرّائع علىنظم من الكلام ذي نسق أدبيّ أنيق يستعمل فيه خالد كلّ الأشكال التّعبيرية الممكنة..وللمفردات التّاليّة حضور رهيب في القصيدة....
بحر شراييني....أعماق روحي...قرطاس قلبي...
ويرحل بنا الى معان متخيّرا لها من الألفاظ والمفردات ما يؤدي أغراضها البلاغيّة التي أضمر
أنا لمْ اكتبْ ولا قافية ً
أنا اُميّ ٌ وعَيّ ٌ
ليسَ لي حَرفٌ مُبينْ
إنـّما حسنـُكِ قدْ ألهَمَني
فإذنْ أنتِ التي كنتِ على جدران قلبي تكتبينْ
أنها سيّدة العشق التي وهبته ملكة الكلام وجعلت من حسنها مصدر ا لألهامه وتلّبست كيانه حتى كأنّها هي التي تملئه ما يكتب وهو العيّ الأميّ على حدّ قوله وهذه من المآرب التي ليست هيّنة لكل مبدع ..وهي من الأبداع بمكان....فهو بشعريته الملهمة يصف نفسه بالعيّ والأميّ امام ملهمته الشّعر سيّدة العشق
ويواصل صياغاته الشّعرية الفاتنة حّتّى كأنّ التي هي في حسنها تراود ليله اشتياقا فيتقنّص دهشتنا وأشواقنا ويفتننا بذات سيدة العشق ليجعل من لحظة سحرها لحظة تحرر وتمرّد...
سَكبَ الحُسنُ على وجهكِ عطرا ً فروى
نـُضرة ً فيهِ وفنَّ الفتنةِ
متيّم من حسنها أغرته كثيرا وتسرّب اغراؤها الى ريشته فسكرت في محبرته ....والسكر هنا بغير خمرة يرسم رونق الكلام وجذوته
وعلى روحيَ قدْ ألقى الهوى
كلَّ سحر ٍ
فأنا مُستغرقٌ في دهشتي
أغزلُ الليلَ اشتياقا ًوجَوى
ريشتي تسكرُ مِنْ مِحبرتي
لغة تنادي الأقاصي من المواجد حتى كأنّها حفل صامت يمتدّ الى وجدان الشّاعرفيغزل اللّيل أشتياقا وجوى وبين الأشتياق والجوى صورة تبوح بالمتناقضات فيسكر منه ويصل الى انحباس الذّات ...ذهول وصمت موغل
مأخوذ بصمتي والذّهول
أنّها سيّدة العشق أتت
صورة مفلتة ولغة مكتّظة تعصر وتوزّع العشق بين الحنايا في صمت وعفّّة
فسيّدة العشق لم تقل شيئا ...
ولكن هو العشق بعينيها يقول
وهنا يلتحم الحديث من الشعر بالقديم فعيوننا تقضي حوائجنا نحن سكوت والهوى يتكلّم ...فلغة العيون ألهمت الشعراء نبض القول ...فهي الفاضحة لما تكتّم عليه القلب ....والرّموش المسدلات على الهوى تلهم فتقولالعيون...
وينهي شاعرنا قصيدته بهذا المقطع المذهل
دخلت غرفة روحي
فارتجاف سيدة العشق في غرفة الرّوح ...وغرفة الرّوح هنا هي صورة مخصوصة في التأليف على طريقة معلومة لدى شاعرنا مرتّبة في المعنى على المعنى المرتّب في وجدانه ونفسه...
ثمّ يواصل شاعرنا في هذا المقطع منح المفردات والصور المنتقاة من الكلام دلالات أرحب فاذا هي تينع وتستسقي مزن الكلام لتنبئ بالرّموز فتفيها حقّها في قوله
فالمرايا مَدَّتِ الأعناقَ في عُرْي ٍجَموح ِ
وجنوني هوَ والشوقُ ووَجْدي وجروحي
في ازدحام ٍ وذهولْ !!
يطلبونَ الإذنَ منها بالدخولْ
فهنا نصّ قائم بذاته ...يتمطّى ليكون صورا مذهلة تترك في النّفس ذهولها تظل الألسن تعيدها مستلطفة عمقها....لقدرة الشاعرعلى التّعبير عمّا خالج نفسه من عميق المعاني وغزيرها
فسيّدة العشق في هذا المشهد هي الواضحة المهيمنة والمعبودة التي تتسابق أليها الأشياءمن حولها....المرايا...ووجدوشوق...لتنصهر فيها في أزدحام وذهول وتهرع اليها لتنضج فيها
وخلاصة القول أنّ القصيدة من القصائدالتي تجعل الوجدان يرحل الى محيطات عشق و وله..
وترحل بالرّوح الى ملكوت الشعر وتحرم في رحابه وتهب النّفس قربانا لسيّدة عشق لم يتغنّ الشاعر بمفاتنها على غرار غيره من الشعراء الذين يصلون حدّ الأباحية في تفاصيل جسد المرأة والغرق فيه من أصابع... وخصر ...وشعر... وضفائر...وعيون وأنّما صاغها صورة من العسجد ضمّ رحيقا مختوما بذاتها ولذاته... ولتلذذّه الذّاتي
تقديري لشاعرنا الرّائع خالد سالم صبر الذي ترتقي عنده الصّور الشعرية بما يجعل الشّعر يتميّز عن الشّعر ودفق الوجدان عن دفق الوجدان وخلجات الأحاسيس عن خلجات الأحاسيس
وأرجو ألاّ اكون قد نأيت عن مقاصده بهذه القراءة المتواضعة التي أردت من خلالها أن أحيي شاعرا تمتاز قصائده بالتزامها للوزن والقافية في أغلبها علاوة على جمالية وعمق أبنيتها اللّغوية..