رحلة في سماء الشوق
أضناني الشوق إليه و أرّقني ، لم أعتد اليأس يوما ًأو الإستسلام .. فنظرت إلى الأفق باحثة عن الشرق...تعددت المسارات والوجهة واحدة تنبض بها شراييني ويهتف بها خافقي ، بركان يغلي في جوفي يوشك أن يغرقني بحمم انفجاره ،فنفضت أجنحتي و قررت الرحيل...بوصلتي قلبي و طاقتي عشقي... اخترقت الجو ، طويت المسافات إلى أن أحسست بالأقتراب...بدأت أستنشق نسمات دجلة المفعمة برائحة (المسكوف) الشهي مع أريج الجوري تتخللها رائحة القهوة...و في هذا المزيج الرائع من الروائح طغى عبق أنفاس نورسي...عبق أعرفه جيدا و طالما استنشقته ملء رئتي...ياللدهشة ها إني أحلّق في سماء مدينته التي حفظتُ معالمها دون أن أزورها من قبل...تفاصيل كالشعيرات الدقيقة من ألف الولوج من باب دار السلام الى ياء مكتبه ... و عند وصولي تبعت شوقي الذي سبقني إلى بيته فوجدتني أحط على شجرة زيتون وارفة في حديقته...
تسارعت نبضات قلبي...وعلت دقاته و خفت أن يسمع نورسي اسمه النابع من أعماق فؤادي . تمالكت نفسي حتى يهدأ نبضي و يكف عن الهتاف فهو يريد أن يكسر أضلعي الرقيقة و يسبقني لأحضانه...لملمت لهفتي و طرت إلى نافذته......نقرت على الزجاج...كانت الستائر مسدلة...نظرت إلى أعلى كي أشكر الله على وجودي هنا فرأيت عشا ًأعرفه ...أعدت النقر و إذا بصوته الهامس ينادي "من الطارق ؟؟"...ارتبكت و تبعثر ريشي و تشتت تركيزي...رباه...إني أراه...و كأنه البدر في السماء أو فارس بابلي على صهوة جواده من شدة وقاره و هيبته....صوته يثملني....أشعر أني سأنطق بلغة البشرلأهتف..."حبيبي...ها أنا هنا" ...
فضّلت الصمت ،البرد القارس والأنهاك يكادا أن يشلاّ أوردتي ومفاصلي وإذا بأيدي حانية تمتد لتحضنني بلهفة وتقودني لباحة الدفء لتغمرني بحنان ٍ لذيذ ٍطالما انتظرته غير عابئة بتلصص عيون حاقدة عِبّرَالعش العلوي ...لن أغادر هذا المكان أبدا ً...ما من شيء في الدنيا يوقفني أو يحرمني من سماع صوته أو رؤية ابتسامته الساحرة...هنا الموت والحياة... أنعم ببريق عينيه و استمتع بابتساماته و أقتات من نبرات صوته.
