ثمة نصوص عندما نقرأها نستطيع أن نمر عليه مرور الكرام مثل هذا النص الباذخ...يستوقفنا النبض الساكن بين السطور فنسرق بعض ملامحه ونعيد صياغتها بذائقتنا..
نص كهذا يٌقرأ من كل اتجاه..ويٌسمع همسه المتسرب من قلب الحروف بالوجدان..
أحاول أن أقرأه بطريقتي..
أَدْمَنْتُكِ
أَدْمَنْتُ إغفَاءَةَ الْطفْلِ
فِي وَجْهِكِ الْمَلائِكِي
أَدْمَنْتُ آهَاتِي
يَشْتَعِلُ بِهَا الأَثِيْرُ
وَ تَحْكُمُهَا شَبَكَةُ الْعَنْكَبُوْت
أَدْمَنْتُ شَهْقَةَ الأُنْثَى الأُنْثَى
فِي جَسَدِكِ
أَدْمَنْتُ كَفِيَ غَافِياً
كَطَيْرِ حُبٍّ
بَيْنَ شَلاَّلِ شَعْرِكِ
أَدْمَنْتُ سِرَّ الحَيَاةِ الَّذِي
كَافَحَ جَدِّي (جَلْجَامِش)
لِلْحُصُوْلِ عَلَيْهِ
أَدْمَنْتُ خَدَرَ الْلَّذَةِ
وَ البَرَاءَةِ وَ الْطُهْر
أَدْمَنْتُ غَضَبَكِ
الَّذِي تُغْرِيْنِي إثَارَتُهُ
لأَتَلَذَّذَ بِشَهْدِ الْمُصَالَحَةِ
شاعرنا هنا يصف حالة بطل النص الذي تعود على شريكة نبضه ومالكة قلبه التى يحول بينه وبينها فضاء رحب لكنه يضيق به عندما لا تكون هي..يراها طفلة على هيئة امرأة عندما تستحضر كل أدواتها الأنثوية أمامه ويراها أمرأة على هيئة طفلة تغضب وتعاند فيسعى لمصالحتها بقطعة من شوكلا المشاعر..حالة من الإدمان مختلفة عن كل حالات الإدمان فهنا بطل النص لا يريد أن يشفى..
وَ هَلْ تَدْرِيْنَ مَا يَقْتِلُنِي فِيْكِ ؟
أَنْ تَذْهَبِي وَ لا تَعُوْدِي
فَيَكُوْنُ آخَرَ نَفَسٍ
فِي حَيَاتِي
حِيْنَ تَفْشَلُ كُلُّ تَوَسُّلاتِي
فِي قَتْلِ ثَوْرَةِ الْشَكِّ
فِي قَلْبِكِ لَحْظَةَ غَضَب
هذه هي قوانين المحبين..
خصام وصلح..هجر ووصال..يلعب فيه الشك والغموض دوره الكبير..
يستعذب الرجل حالة الغموض التى تولد في نفس الحبيبة ألف علامة استفهام وألف مبرر للشك..يمارس هو غموضه وتمارس هي أكل المزيد من قطع الشمس..
لكن يبقى نبض القلب دائماً هو البوصلة التى تعدل المسار وتغسل غبار الشك فتعود الحبيبة على بساط من بياض..
حُرُوْفُكِ
وَجَعُ الحَرِيْرِ
الْمَوُشُوْمَةُ بِأَطْهَر أَنْفَاسٍ
وَ أَصْدَقِ مَشَاعِرٍ
وَ أَلَذِّ دَلالٍ أُنْثَوِي
وَقَفْتُ حِيَالَهَا
كَالْطِفْلِ الَّذِي
عَزَّ عَلَيْهِ التَعْبِيْرُ
عَن وَجَعِهِ
لَمْ تُفلِحْ أَبْجَديَتُهُ الْبَرِيْئَةُ
فِي الإفْصَاحِ
وَ لاحَرَكَةُ يَدَيْهِ
الَّتِي تَنَاوَبَتْ
كَارْتِعَاشِ جَنَاحَي فَرَاشَةٍ
مَنْ يَرْحَمُ هَمْهَمَاتِ الْشَوْقِ
الَّتِي اجْتَاحَتْ
هَذَا الْسَادِرَ فِي حَيْرَتِه ؟
وَ لَمْ يُشْفِقْ أَحَدٌ
غَيْرُ لآلِيءِ دَمْعٍ
هِيَ مُعْجِزَةُ وَجْدٍ
وَ سِرُّ تَكْوِيْن
تَأَرْجَّحَتْ خُيُوْطاً
مِنْ شَوَاطِيءِ الجُفُوْنِ
حَتَّى آخْر ظُلْمِ الْعَالَم
إلَهِي...
هَذَا أَحَدُ أَحْبَابِكَ
يَشْكُو وَجَعَهُ
يَبْكِي نِصْفَهُ الْمَزْرُوْعَ
فِي آخَر الحُلُم
إلَهِي...
عَطْفُكَ وَ رِضَاك
يبرز شاعرنا شاعرية بطل النص وعجز ابجديته عن الوصول لقلبها المجروح..وقف ضعيفاً أما سطوة حروفها المغمسة بالطهرالتى أحالت بطل النص لرجل بقلب طفل لا يجد غير جسور الدمع ليمدها عله يصل اليها ..يعلم بطل النص جيداً بأن دموع الرجل هي نقطة ضعف الأنثى المحبة ولهذا لم يتوانى عن زرفها بين يديها...
أَتَذْكُريْنَ عِيْدَنَا
عِيْدَ إشْتِعَالِ أَوَّلِحَرَائِقِنَا
الَّذِي لا أَتَنَفَّسُ شَيْئاً
غَيْرَ عَبَقِهِ ؟
أَيَامٌ مَرَّتْ
عِشْنَا فِيْهَا
لِقَاءَ الْعُمْرِ الْمَفْطُوْم
عَلَى مِدْيَةِ البُعْد
عِشْنَا انْسِكَابَ رُوْحَيْنَا
قَطْرَةً قَطْرَة
رَعْشَةٌ تَحُنُّ إلَى رَعْشَة
مَحْمُوْمٌ يَأْكُلُهُ الْقَلَقُ
عَلَى مَحْمُومَةٍ
سَكَنَتْ حَرَائِقَهُ
فَأَنْعَمَتْ عَلَيْهَا
بِالبَرَدِ
وَالْمَنِّ وَ الْسَلْوَى
يستحضر بطل النص هنا ذكرياته معها في محاولة منه لإيقاظ مشاعرها التى أطفأتها نار الغيرة..صورة شاعرية أخاذة للقاء معها كان لها فيها بصمة مازالت تسكنه..لغة وصور جمالية في غاية الروعة
عِشْنَا
سَطْوَةَ الحُبِّ
حِيْنَ يُلَقِّنُ دَرْساً عَمَلِياً
فِي عَظَمَتِهِ وَ جَبَرُوتِهِ !!
عِشْنَا
لَظَى البُعْدِ
حِيْنَ يُذِيْقُنَا
أَقْسَى مَا رُسِمَ لَهُ
مِنْ حُدُوْدِ مُهِمَتِهِ
عِشْنَا
لَهْفَةَ الْمُحتَضِرِ
حِيْنَ تُصْبِحُ الْلَّحْظَةُ
بِحُكْمِ التَلاشِي
عِشْنَا
رِئةَ مَخْنُوْقٍ
حِيْنَ تُنْجِدُهَا
جُزَيئةُ أوْكسِجِيْن
عِشْنَا
الفُصُوْلَ الأَرْبَع
بَعْدَ إعَادَةِ تَكْويْنِهَا
بِتَوَافُقٍ جَدِيْدٍ
وصف بديع لحالات وجدانية..سطوة الحب التى تقدم للمحبين منهاجاً للفرح ..حرقة البعد وقسوة الفراق..لهفة اللحظة الهاربة..استعادة الحياة من بعد الاختناق ..ببساطة وصف لحياتهما معاً بكل المتناقضات وكأنهما يعيشان الفصول الأربعة بكل جمالياتها..
وَجَدْتُكِ
مَلِكَةً
تَتَرَبَّعِيْنَ
عَلَى عَرْشِ الحُبِّ
أُوْكِلَتْ إلَيْكِ
مُهِمَةُ الْطُهْرِ
وَ بَثِّ النَقاوَةِ
فِي نُفُوسِ الْمُلَوَثِيْنَ
مليكة هي متربعة على عرش قلبه..ملكته بطهرها ونقاءها...فترك نفسه لها وطيرها كفراشة لتنشر عسل النقاء لمن حوله..كم هو رقيق وكريم بطل النص...
وَجَدْتُكِ
مَلاعِبَ صِبَا
لَهَثَتْ فِي أَرْجَائِهَا رُوْحِي
أَكْبَرْتُ فِيْكِ الحِكْمَةَ
وَ سِعَةَ البَالِ
حِيْنَ احْتَوَيْتِ جُنُوْنِي
الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ
مِثْلُهُ بَعْد
لحظة صدق تعبر عن حالة بطل النص وهي منتهى العشق فاعترف بجنونه المتطرف..واعترف بحكمتها التى استوعبته بكل الحب وأشرعت له روحها وعقلها..وكأنها يدين نفسه ويبرئها من أسباب الخصام
وَ حِيْنَ أَفْقدُ تَوَازُنِي
وَ تَصِلُ الرُّوْحُ الَى الحَلْق
أَجِدُكِ وِسَادَةً مِنْ رَحْمَةٍ
تَمْتَصُّ وَجَعِي
وَ زَخْمَ إرْتِطَامِي
تَخَافِيْنَ عَلَيَّ مِنِّي
وَ تَخَافِيْنَ
مِنْ لَهْفَتِي عَلَيْكِ
أَنْ تَقْضِيَ عَلَى
بَقيَةِ النَبْضِ فِيَّ
يستمر بطل نصنا في حالة الاعتراف المشبعة بالحب..ومن غيرها ستتلقفه حين يفقده الوجد توازنه..ومن غيرها ستحمل راسه المتعب وتمتص وجعه كأسفنجة..من غيرها سيعقد حلف مع القلق عليه..من غيرها سيشرع نوافذ اللهفة لتستوعب لهفته عليها..هذه هي الأنثى العاشقة ..وهنا يذكرها بمدى حاجته لوجودها بحياته
رَأَيْتُكِ
سُبْحَانَ مَنْ خَلَق
نِعْمَةَ سَعْدٍ
بِهَا الْكَوْنُ نَطَق
رَفَعْتُ يَدَيَّ بِالْدُعَاءِ
حَتَّى بَانَ بَيَاضُ إبْطَيَّ:
إلَهِي...
هَذَا نِصْفِيَ الْغَضُّ
وَجَدْتُهُ
فَبِجَلالِكَ وَ عَظَمَتِكَ
لا تَحْرِمْنِي مِنْهُ
ما أجملها في عينيه ..يراها في كل شيئ جميل في الكون..دعاء من عمق القلب حتى يحفظها له رب العالمين..كم هي غالية عليه ..مقطع مؤثر جداً..
أَنْتِ
يَا أَكْبَرَ حَسَنَاتِي
وَ إنْ كُنْتِ ذَنْباً
فَأَنَا أَفْخَرُ بِأَجْمَلِ ذُنُوبِي
إنْدَلَقَتْ عَلَيَّ الإغْرَاءَاتُ
قَبْلَكِ كَالْمَطَر
وَ كُنْتُ أَتَمَتْرَسُ بِصَبْرِ
وَ هِمَّةِ ثُوَّارٍ
وَ كُلَّمَا حَدَثَ خَرْقٌ
رَفَضَتْهُ الرُّوْحُ
كَمَا يَرْفُضُ الجَسَدُ
عُضْواً غَرِيْباً
ومازال بطل النص يكشف لنا عن هذه الأنثى التى سكنت الروح..يسترجع كيف كان قبلها وكيف أصبح.. مقارنة يكشف لها فيها تاريخه قبلها وكيف كان مليئ بهن لكن لم تسكنه أحداهن كما فعلت هي..يريد هنا أن يغسل قلبها من الشك وبأنها لا تشبه أحد
قُلْتُ:
لا تَلُوُمُوا الرُّوْحَ
حِيْنَ تَجِدُ نِصْفَهَا
وَ هَلْ كُلُّ مَخْلُوقٍ
يَجِدُ نِصْفَهُ بِيُسْر ؟
فَكَانَ الْقَرَارُ
أَنْ أَقْتَرِفَكِ !!
نعم ليس من السهل أن تعثر الروح على نصفها التائه..وهكذا كان..عندما عثر بطل النص على نصفه تغير كل شيئ..تهاوت حصون مناعته..فتح ذراعيه وعانق نصفه حتى اكتملت الصورة التى تضمهما معاً..
القدير حيال الأسدي،
نص مذهل.. استطعت ببراعة أن تفكك كل الحالات الوجدانية التى يمر بها العشاق..نقلت لنا الصور بحرفية الشاعر الذي يجيد اختيار الكلمات النابضة بالحياة..
رأيتها ورأيت بطل النص...كنت أسترق السمع لهمسات نبضهما بين السطور...
كنت أرقبهما عند ناصية السطر وهما يتأرجحان مابين وصال وصدّ..بللتني دموعه الصادقة وأوجعتني غيرتها وشكوكها..فكلاهما ضحية لقانون الحماقات الذي يفرض نفسه على العشاق
ببساطة استطعت حيال أن ترسم لنا لوحة شاعرية نابضة بكل التفاصيل..
أسجل أعجابي بهذا النص الباذخ الممطر الذي أنبت في عمق الذائقة زنابق من امتنان..
مودة لا تبور،
سلوى