عرض مشاركة واحدة
قديم 01-21-2015, 11:27 PM   رقم المشاركة : 3
منية الحسين
شاعرة






  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :منية الحسين غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
 
0 لاظل يتبعني !
0 قوسٌ قزحيّ..
0 نكهةُ الفرْدَوسِ...

قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي رد: هامش من رواية " عودة الروح "

الفصل الأول





ما بين النهايات والبدايات تتمدد أمشاج مُلطخة بالضباب يقف القدر على نواصيها ..
وهو إما أن يزفها للعدم أو يتكورها أجنة ضوء يلفظها على مَهْد الشمس ؛ لتُهدي الأرض بذورها اليافعة ذات إشراق ،
فمن غير القدر قادر على استنبات البدايات السعيدة من مسامات النهايات الحزينة ؟؟؟

ما أحوجنا للبدايات السعيدة ،وإن طال بنا الطريق إليها؛فبعد الظلام العنيد هناك فجر جديد
سيخرج إلينا مرتدياً معطف الشمس ؛لكي ينشر البهجة والضوء في نهاراتنا الجديدة..
فعش الحياة كما تحب أن تعيشها ، لا كما تحب هي أن تعيشك،
وخذ من يومك وكأنك لن تعش للغد طالما أنك تعيشه في مرضاة الله ..
ما هذه الأفكار التي تُصارعني حدّ التلاشي في ازدحامها ؟
أيكون هذا البحر الذي يعانق نافذتي بلهفة وجهه الحبيب ‘ ويهدد جبيني بأنفاسه الرطبة
هو الذي قذف إليّ بها أسراباً وجماعات ؟ أم أنها تلك الأنثى الجالسة أمامي في المرآة ..
تتحسس التجاعيد التي بدأت تزحف على ملامحها.. وتدس أصابعها مابين خصلات شعرها المنساب
لتميط اللثام عن سَوْءة الشعرات البيضاءالمتوارية خلف ستائر الأسود ،
هي التي تحرشت بالذاكرة في هذا الصباح المنعش ؟
هذا المكان حلم جميل يعتمرني .. حلم أزرق كماء البحر ولون السماء ..حلم اشتقتُ أن
أسافر في طقوسه المتلاطمة الأمواج لآخر نفحة ‘ من دمعة وبسمة ونبضة ..
أيتها الزرقة المموجة بأبخرة الملح .. أيتها الخطوات المغموسة في ذاكرة الرمال ..
ياعناقيد الشهد ، تعالي ...
تعالي التصقي بي أكثر .. انفخي حلاوة زفراتكِ في قبضة رئتي .. انزلقي تحت جلدي
وتوحدي بي من مَنَابِتي..
تعالي لأُذيب شيخوختي في طلاوة صباكِ ؛فالشوق يجرفني لاقتحام غصنكِ الغض
ولو لبعض وقت ..
أيتها الصبية البِكر النديّة ، أخبريني : ماذا يضحككِ ؟
- إنه أيمن يركض خلفي يريد أن يبللني بالماء مثلما قذفتُه بالرمال..
إنه هناك يغترف الماء بكفوفه .. يحاول أن يستبقيه
لكنه ينفذ منه قبل أن يصل إليّ
هوذا ينادي بادياً عليه غيظاً مصطنعاً
لكني أرى نوارس السعادة تُحلق في فضاء جبهته
تعالي ياشهد سأقول لكِ شيئاً :
أرد عليه كمن يعرف ماذا يريد :
_ لن آتي .
أرجوك أيمن ستتبلل ثيابي ولن أستطع العودة للبيت على هذه الهيئة
فيردّ مبتسما :
وماذا عن هذه الرمال التي لطختِ بها قميصي ؟؟
- تقبل أسفي أيها الأنيق
حسناً تعالي إذاً
قد عفوت عنكِ ..
أسرعي فقد حان وقت الغروب .

كانت الشمس ترتعد شجناً وهي تُلوِ ح مُودعة .. كانت تمسح وجه البحر بعينيها
المسهدتين وتسحب جدائلها الحزينة من بين أصابعه العالقة بها ،
حتى الصخرة الضخمة التي كنا نجلس عليها صامتين لمتابعة مراسم الغروب ،
كنتُ أسمع صوت نحيبها وتفتق عظامها وهي تودع طاقة النور والدفء ..

على مسافة مدروسة من أيمن كنتُ أجلس ،

فقد اعتدتُ دائما أن أضع مسافة بيني وبينه ..
صمام أمان يجب أن تُشهره كل أنثى في وجه أي شاب خارج محيط العائلة ،
حتى لو كان هذا الشاب لصيقا بروحها..حتى لو كانت لأنفاسه دِفء أنفاس أبيها الذي لم تشم رائحة أنفاسه يوماً ..
حتى لو كانت ملامحهُ تَتَطابق مع ملامح أخيها الذي لم يولد .. حتى لو كان شراع الأمان الذي يبحر بها
للضفة الأخرى من الحلم المُلون بأبخرة الحياة ..
يُخيم السكون علينا في تلك اللحظات المهيبة ..كلٍ منا يحمل في جوفه غصات قديمة الأجل
يريد أن يشيّعها في حقائب الشفق..وأشد ماكان يؤلمنا في هذه اللحظة هو حُزن البحر الذي نعشق ..
لون عينيه الذي يفقد بريقهما شيئاً فشيئاً وهو يلهث خلف شمس تفارقه ولايستطيع أن يستبقيها ..
تلك الرعشة التي تتركها في أحضانه العارية منها ..
هذا ما كنا نعتقده ، ماكان يؤلمنا .. ما كان يشغلنا ..فما كنا نعلم وقتها أنها تُودع كوننا كله
لترتب مهجعها في أعماقه .. نحنُ نحزن لغروبها بينما هو يسعد بإشراقتها عليه في مكانٍ آخر وزمانٍ آخر ؛
لتعيد له بريق عينيه وحرارة شفتيهِ ..لتفخ الحياة في أطرافه المتجمدة ..
لتلفلف جذعه البارد بشالها المُتجمِر لهفة..
...
مساحات من الصمت وأحاديث خافتة كانت تجمعني وأيمن،
ليس فقط ذاك الهدوء الذي يخفي تحت قشرته براكين مضطربة من الأحاسيس ..
بل هواياتنا ..قراءاتنا.. جراحاتنا ..نظرتنا المتقاربة جدا للأشياء،
وحتى أحلامنا الصبيانية منها والعقلانية ..
قطع أيمن هذه الخلوة الجميلة بسؤال يعرف إجابته مسبقاً
-أتذكرين ياشهد منذ متى تعارفنا ؟
أجبته بحماس :
ياااااه ياأيمن ماسر هذا السؤال الآن ؟
سنين طويلة جمعتنا على الأخوة والصداقة البيضاء
مذ كنا في بداية المرحلة الثانوية حتى الآن ونحن على مشارف
التخرج من الجامعة لم نفترق .. أصبحنا متفاهمين في كل شىء
أصبحتَ تعرفني أكثر من نفسي ياأيمن ..
-ردّ متململاً :
لكني في الآونة الأخيرة أحاول أن أعرف مابكِ دون أن أسألكِ
فعجزت عن ذلك ..كلما نظرت إليكِ وجدتكِ حزينة ،ساهمة ..على غير عادتكِ خاصة في الكلية
التي كنتِ تملئين قاعاتها مرحاً وحيوية .. ماذا بكِ ياشهد ؟ لم أتعود أن تخفي عني شيئاً ..
أهناك شخص ما دخل حياتكِ دون أن تخبريني ؟
- أرد عليه باسمة :
ألم نتفق أنه لوحدث هذا ستكون أول من يعلم
وأنك من سيسلمني بيديهِ لزوج المستقبل ؟
-فيرد :
نعم ياشهد لن أفرط فيكِ بسهولة لأي شخص سأوصلكِ بيديّ هاتين
لعشك السعيد ..وماذا إذاً ؟؟
.....
- إنها أمي ياأيمن ..إنها تذبل أمامي يوماً بعد يوم وكعادتها تتعالى على آلامها
وكلما هممتُ بأخذها للطبيب عاندت وقالت :
أنا بأحسن حال يابنيتي ؛ فلاتشغلي بالكِ بي
تخيل ياأيمن هي تطلب مني ألا أنشغل بها !! وبمن أنشغل
سوى بتلك الشجرة المثمرة التي أجهضت كل ثمارها ،وأحْنت فروعها
لتحمي ثمرة واحدة من السقوط ، هي أنا !؟
سقطت هي وتقاطر عمرها سنة تِلو سنة كي تحميني من السقوط !!
دفنت شبابها ،ورغباتها ،وجمالها،
وعكفت على تربيتي بعد موت أبي الذي لم يترك لي الزمن من ملامحه
سوى تلك الصورة الشاحبة المسجاة على وسادتها .
قوية تلك المرأة ،شامخة في حزنها ، في وفائها ،كما شموخها في تعاليها على الألم
يرد أيمن متحمساً :
لكم أحببت أمكِ ياشهد كأمي، ولكم احترمتها قبل أن أحبها
هي أمي أيضاً فلا عليكِ واتركي الأمر لي .
وقتها انتفضتُ من مكاني فقد سرقنا الوقت وبدأ الليل يزحف علينا والظلمة تتناثر
من حولنا ..فطلبت منه أن ننصرف بسرعة حتى لاتقلق أمي عليّ
لدرجة أني نسيت أن أُعقِب على حديثه .
.
.
يتبع نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة






آخر تعديل منية الحسين يوم 01-21-2015 في 11:43 PM.
  رد مع اقتباس