التّفسير
الاُمّة الوسط:
يهذه الآية تشير إلى جانب من أسباب تغيير القبلة، تقول أوّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ أي كما جعلنا القبلة وسطا، كذلك جعلناكم أُمّة في حالة اعتدال، لا يشوبها إفراط ولا تفريط في كل جوانب حياتها.
أما سبب كون قبلة المسلمين قبلة وسطاً، فلأن النصارى - الذين يعيش معظمهم في غرب الكرة الأرضية - يولون وجوههم صوب الشرق تقريباً حين يتجهون إلى قبلتهم في بيت المقدس حيث مسقط رأس السيد المسيح.
واليهود - الذين يتواجدون غالباً في الشامات وبابل - يتجهون نحو الغرب تقريباً حين يقفون تجاه بيت المقدس.
أما «الكعبة» فكانت بالنسبة للمسلمين في المدينة تجاه الجنوب، وبين المشرق والمغرب، وفي خط وسط.
وهذا ما يُفهم من عبارة «وَكَذلِك»، وإن كان للمفسرين آراء اُخرى في هذه العبارة لا تخلو من مناقشة.
القرآن يؤكد أن المنهج الإِسلامي في كل أبعاده - لا في بعد القبلة فقط - يقوم على أساس التوازن والإعتدال.
والهدف من ذلك ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيِداً﴾.
و«شهادة» الاُمّة المسلمة على النّاس، و«شهادة» النّبي على المسلمين، قد تكون إشارة إلى الأُسوة والقُدْوَةِ، لأن الشاهد يُنتخب من بين أزكى النّاس وأمثلهم.
فيكون معنى هذا التعبير القرآني أن الاُمّة المسلمة نموذجيّة بما عندها من عقيدة ومنهج، كما أن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرد نموذجيّ بين أبناء الاُمّة.
الاُمّة المسلمة بعملها وبتطبيقها المنهج الإسلامي تشهد أن الإنسان بمقدوره أن يكون رجل دين ورجل دنيا... أن يكون إنساناً يعيش في خضم الأحداث الإِجتماعية وفق معايير روحية ومعنوية.
الاُمّة المسلمة بمعتقداتها ومناهجها يتشهد بعدم وجود أي تناقض بين الدين والعلم، بل إن ك منهما يخدم الآخر.
ثم تشير الآية إلى واحد آخر من أسرار تغيير القبلة فتقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾.
الآية لم تقل: يتبعك، بل قالت: ﴿يَتَّبعُ الرَّسُولَ﴾ إشارة إلى أن هذا الإِتباع إنما هو تسليم لأمر الله، وكل اعتراض إنما هو عصيان وتمرد على الله، ولا يصدر ذلك إلاّ عن مشرك جاهلي.
وعبارة ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ تعني في الأصل الرجوع على مؤخر الرجل، وتعني هنا الإنتكاس والتراجع.
ثم تضيف الآية: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله﴾.
لولا الهداية الإلهية، لما وجدت في نفس الإنسان روح التسليم المطلق أمام أوامر الله.
المهم أن يكون الإنسان المسلم مستسلماً إلى درجة لا يحسّ معها بثقل مثل هذه الأوامر، بل يشعر بلذتها وحلاوتها.
وأمام وسوسة الأعداء المضللين والأصدقاء الجاهلين، الذين راحوا يشككون في صحة ما سبق من العبادات قبل تغيير القبلة، تقول الآية: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾.
فأوامر الله مثل وصفات الطبيب لكل مرحلة من مراحل العلاج نسخة خاصة، وكلها شافية وافية تضمن سعادة الإنسان وسلامته، والعمل بأجمعها صحيح لا غبار عليه.
وهناك بحوث عديدة سأذكرها لاحقا ...تقديري