سفير الأدباء: وديع فلسطين
في مقعده بين المتفرجين شاهد على أجيال الأدب
حاوره: أ. د. حسين علي محمد
.................... ...........
تخرج وديع فلسطين في قسم الصحافة من الجامعة الأمريكية عام 1942م( )، وفور تخرجه عمل بجريدة "الأهرام"، وفي الفترة ما بين (أول مارس 1945-ديسمبر 1952م) عمل محررا في "المقطم" و"المقتطف"، فرئيساً للقسم الخارجي بالمقطم، فمحرره السياسي والدبلوماسي، وناقده الأدبي، ومعلقه الاقتصادي وممثله في المؤتمرات الصحفية حتى انتهى به الأمر إلى ممارسته لجميع اختصاصات رئيس التحرير دون أن يُكتب اسمه بهذه الصفة على "ترويسة" الجريدة.
ولقد نشر في "المقتطف" عشرات المقالات والدراسات (تأليفاً وترجمةً) كما كتب فصولاً في العلوم، والنقد الأدبي، والقصة، وكان القارئ يجد له في العدد الواحد أكثر من مادة منشورة.
ولقد أصدر حتى الآن تسعة عشر كتابا بين تأليف وترجمة، أشهرها كتابه "قضايا الفكر في الأدب المعاصر" 1959م، كما كتب مئات الفصول في دراسة الأدب ونقده أهمها:
1-حلقاته عن "الأدباء المهجريين" ، ونشرها في مجلات مختلفة مثل: "المقتطف"، و"الرسالة"، و"الثقافة"، و"الكاتب المصري"، و"الكتاب"، و"العالم العربي"، و"الأديب"، و"الآداب"، و"العلوم" ... وغيرها .
2-حلقاته عن "الأدب والأحذية" التي كتبها في مجلة "الأديب" بعد عودته من مهجره في ليبيا إلى الوطن عام 1970 .
3-حلقاته "أحاديث مستطردة" عن صلاته بأدباء العصر مثل: العقاد، وزكي المحاسني، وزكي مبارك، ومصطفى الشهابي، وميخائيل نعيمة ... وغيرهم، وهي دراسات يكتبها في أسلوب فريد قل أن تجد لها نظيراً بين مُعاصريه الآن.
وقد كتبت عن وديع فلسطين عشرات الدراسات والقصائد، لعل من أهمها دراسة الدكتور أحمد زكي أبو شادي التي نشرها في مجلة "الهُدى" التي تصدر في "نيويورك" ، في سلسلة أحاديث كـان يزمع أبو شادي كتابتها عن "الأدباء الأقباط" (وقد كتب منها ثلاث حلقات فحسب عن وديع فلسطين ، ومكرم عبيد باشا ، وسلامة موسى ... ثم عاجله الموت).
ويعد المفكر العربي الكبير عجاج نويهض في مقال نشرته "الأديب" البيروتية (مارس 1974) كتاب وديع فلسطين "قضايا الفكر في الأدب المعاصر" مع كتاب آخر لمحمد عبد الغني حسن من أهم الإنجازات الأدبية المُعاصرة في دراسة الأدب ونقدِه.
وهذه مواجهة أدبية معه:
*أين ترى نفسك في الحياة الأدبية ؟
ـ أرى نفسي في أقصى مقعد خلفي من مقاعد المتفرجين على مواكب الحياة الأدبية، وهو مكان آثرته لنفسي بعدما "توظف" الأدب، وصار الأديب يُعرف لا بإنتاجه بل بدرجته الوظيفية أو عضويته للجان والمجالس المختلفة. فإذا توافر الأديب على أداء رسالته في ترهُّب الناسكين كعلي أدهم، أو إذا أبت عليه كبرياؤه أن يُسخِّر شعره في الاسترضاء أو الاستعطاء كمحمود أبي الوفا، أو إذا ضاق بشموخ عقله القالبُ المصبوبُ كمحمود محمد شاكر، أو إذا ازورَّ عن القعود في "قهوة الفن" كمحمود البدوي، فبشرهم بالنسيان حاضراً، وإن كنت على يقين أن المستقبل لن ينساهم مهما استطالت أزمنة الجحود.
*وماذا رأيت من مقعدك بين المتفرجين؟
ـ رأيت ظواهر أغلبها لا أرتاح إليه، أذكر بعضها في تعميم لا تخصيص: فهناك نزعة احتكارية بادية معالمها في الجو الأدبي كلِّه. فخمسة أو ستة أو عشرة من الأدباء هم الذين آلت إليهم منابر الأدب جميعها؛ فهم في مجلس الفنون، وفي جمعية الأدباء، وفي نادي القصة، وفي اتحاد الكتاب، وفي مجلات الأدب، وفي أركان الإذاعة، وفي "استوديوهات التليفزيون"، وفي منتديات الأدب ومؤتمراته. وهناك إحجام عن التعريف بالكتب الجيدة القليلة الصادرة، و"إسهال" في التعريف بالكتب التي تشول في ميزان النقد. وهناك جنوح إلى الأخذ بأساليب "الموضة" في الأدب. و"الموضة" معناها قيام مناسبة ما، فيتسابق على التأليف فيها الأدباء والشعراء، حتى إذا جاءت مناسبة أخرى سايروا "موضتها"، وهكذا دواليك. وهناك استخفاف بأهم عنصرين من عناصر الكتابة الأدبية، وأعني بهما الأسلوب والفكرة. وما أكثر ما نقرأه، فإذا هو مسلوب من الأسلوب ومحروم من الفكرة.
ومن الظواهر التي لا تعجبني في الحياة الأدبية انعدام النقاش الحيوي بين الأدباء، سواء لتقصير من جانبهم، أو لتعسف من دوريات الأدب. فما أكثر ما نُطالعه مما يستحق الرد والنقاش، ولكن باب النقاش لا يكاد ينفتح، ويبقى الرأي منحصراً في جانب واحد لا غير.
ولكن أشد ما يفزعني وأنا لصيق مقعدي بين المتفرجين، هو أن أفذاذنا من المفكرين والأدباء إذ يُخلون مكـانهم لا يجدون من توافرت لهم الأهلية لاستخلافهم. فطه حسين والعقاد وسلامة موسى ومصطفى عبد الرازق وهيكل والمازني ومن إليهم قد مضوا عن دنيانا دون أن نستطيع بإنصافٍ أن نشير إلى خليفة لأي منهم. فمع انتشار أسباب العلم والثقافة كان ينبغي أن يكون هناك عشرات من أمثال العقاد وطه حسين يملأون علينا حياتنا الفكرية، ولكن الواقع الصارم يُؤكد لنا أن حياتنا الأدبية خلوٌ من "الخلفاء الأكفاء" لجيل العباقرة.
*إلى أي جيل تنتمي من حيث تكوينك الأدبي ؟
ـ ليس هينا عليَّ أن أُحدِّد الجيل الذي أنتمي إليه سواء بمطامح شبابي أو بواقع حاضري. ففي شبابي الأول فُتنت "بمدرسة المقتطف" التي خالطتُ أعلامها، وكنت على مودَّات أثيرة بأغلبهم؛ فالدكتور فؤاد صروف وخليل تابت والدكتور فارس نمر وخليل مطران ونقولا الحداد وإسماعيل مظهر وسلامة موسى والأمير مصطفى الشهابي كانوا جميعاً يبذلون لي صداقاتهم الملهمة وأستاذيتهم النيرة، فنشأت ولي من المطامح ما يشدني إلى هذا الجيل الرائد أملاً في أن أكون في غد شعاعاً من أشعتهم، وكنت إلى هذا الجيل مُنجذباً وإلى مناهجه وقيمه واتجاهاته مستجيبا. ولكن احتجاب "المقتطف" كواحدة من أتعس فواجع الأدب، ثم انتهاء جيل الرواد الكبار ، وتعاقب موت المجلات الأدبية والعلمية "كالرسالة" والثقافة" و"مجلة علم النفس" و"الكتاب" و"الكاتب المصري" و"الفصول"، كل هذا أشعرني بأنه ليس في حياتنا الفكرية موضع للأدب الجاد، فقد فشت السوقية، واستهتر الأدباء بالأساليب الرصينة، وجاءت بدعة الشعر الجديد بألفاظه المنكرة "كالغثيان"، و"السأم"، و"القرف"، وسيطر على الحياة الفكرية قوم إلى الجهالة أقرب، فماتتْ فيَّ مطامحي القديمة وإن بقيت على ولائي ووفائي "لمدرسة المقتطف"، أعُدُّ نفسي منها دون أن أكون لها امتداداً.
أما الجيل الذي أنتمي إليه بحكم عمري، فلعلي لا أجد بيني وبين أحد منهم مشابهة. وربما كنت أقرب عاطفيا ووجدانيا ومن حيث تذوق الأدب إلى جيل محمد عبد الغني حسن، ومحمد عبد المنعم خفاجي، وعلي أدهم، وحسن كامل الصيرفي، ومصطفى عبد اللطيف السحرتي، ومحمود أبو الوفا مني إلى منْ قُرناء لي من حيث السن، هذا مع مراعاة الفارق الكبير في المنزلة الأدبية بين أساتذتي أولاء وبيني.
وهكذا ترى أن مكاني ضائع بين الأجيال، وهي جميعاً تكاد تنكرني، ممَّا يجعلني أوثر الاستقلال على ادِّعاء الانتماء إلى هذا الجيل أو ذاك.
*ماذا تقصد "بالأحاديث المستطردة" التي تكتبها عن أعلام المفكرين الذين عرفتهم ؟
ـ ليس بخافٍ عليك أن التكتلات أو "الشلل" التي تهيّأت لها أسباب النشوء والترعرع في حياتنا قد نجحت في إخمال ذكر كثيرين من الأدباء الذين لا ينتمون إليها، وإنكار كل فضل لهم في الحياة الأدبية. وهذه الحقيقة نببهتني إلى ضرورة "إثبات وجودي"، أو بتعبير أرباب المعاشات، تقديم "شهادة وجود على قيد الحياة"، فاستصوبت أن أسوق أحاديث مستطردة عن كبار الأدباء مُتوخيا ـ في غير ما تفاخر أو ادعاء ـ أن أسرد طرفا مما كان لي معهم من مودات وُثقى، مؤكدا دائما ما تخلق به هؤلاء الكبار من أريحية أستاذية طوَّعت لهم أن يُفيضوا بعلمهم وأدبهم وتجاربهم على من هم بمقام التلاميذ مثلي. ولئن حسب البعض أنني استهدفت غرضاً أنانيا من سوق هذه الأحاديث، ولئن توهم بعض الفضلاء ـ كالصديق الأستاذ إميل توفيق ـ أنني ابتغـيت الإعراب عن وفاء التلميذ لأساتذته، فقد كان من أهم مقاصدي أن أُبيِّن للجيل الطالع كيف كان أعلام عصر مضى يحدبون على الناشئة ويشجعونهم ويتعهدونهم بالتوجيه والتزكية، وهذا هو ما اصطلحتُ على تسميته "بالأريحية الأستاذية".
فالعالم العظيم هو الذي يبذل أسباب العلم لمن يحملونه بعده. أما العالم الذي يقول: لا قبلي ولا بعدي، ويحتكر في صدره وفي ذاته ما استقام له من حظوظ العلم، فهو بتصرفه هذا يُنكر بديهة علمية هي أن العـلم تراث إنساني مبذول للناس جميعاً، ومن الخير الجزيل أن يصرف العالم الكبير بعض جهده في تربية تلاميذ يحملون من بعده المشاعل.
"فالأحاديث المُستطردة" ، وإن نسبتني بحق التلمذة إلى أعلام عصري ، فقد أتاحت لي أيضاً أن أُذكِّر التكتلات الأدبية ـ أو الشلل ـ بأن الحياة الأدبية أوسع من أن نحصرها في فئة قليلة لها وحدها حيثيات الأدب ووجـاهاته ، وليس لسواها إلا خمول الذكر.
وقد وهِم البعض أنني في هذه الأحاديث المستطردة أؤرِّخ للأدب المُعاصر، ومضوا يُؤاخذونني على إهمال تواريخ الميلاد وتواريخ الوفاة، وإغفالي الحقائق المتعلقة بالنشأة والدراسة، وعدم احتفالي بسرد قوائم مؤلفات أولئك الأعلام، وما إلى ذلك مما يدخل في باب السيرة. ولكنني في حقيقة أمري لم أنشد كتابة تاريخ للأدب، فهي مهمة واقعٌ عِبْؤها على عاتق رجال التاريخ الأدبي. وإنما كان مُبتغاي أن أروي ما ارتسم في ذهنـي وانطبع في قلبي من مُعاصَرة أولئك الأعلام لفرط قربي منهم واتصالي بهم. وطبيعي أن مسؤولية القلم التي أنا بها مؤمن، واعتبارات الأخلاق التي بـها أدين قد ألزمتني ألا أنشر إلا ما هو جائز في عُرف الحق والخُلق، وأما مالا ينفع الناس فلستُ موكَّلا بتسجيله ولا أتاني خبرُه.
* عملت في بداية حياتك العملية في "المقتطف" التي مازلت تحمل لها الوفاء والتقدير، فهل ترى أن "المُقتطف" كانتْ تُمثِّلُ مدرسة فكرية مُتميزة؟
-إن "المقتطف" يمثل جامعة لا مدرسة ، بمعنى أنه كان دائرة معارف حية يتناول كتابها موضوعات الاقتصاد والزراعة والطب والأدب والشعر ومشكلات الاجتماع والمؤتمرات العلمية، هذا عدا أبواب الكتب الجديدة وسير الأعلام، ومساجلات القراء، وأخبار الحركة الفكرية في البلدان العربية والعالم. ولعلك تدهش إذ تعلم أن "المقتطف" كان في يومهِ رائجاً في الريف بين المشتغلين بالزراعة، لأنه كان يقدم إلى القراء آخر التطورات في مُستحدثات الآلات الزراعية، ومكافحة الآفات، وتربية النحل والبهائم، وما إلى ذلك من الموضوعات. وطبَعِيٌّ إذن أن تتسع هذه الجامعة لكل شيء حتى للآثار وتاريخها، بل حتى لموضوعات تحضير الأرواح، والتراسل الذهني، ولمغامرات الرحالة وصيادي الوحوش في الأدغال.
ولما كان معظم كتاب "المقتطف" من أهل العلم والمتطوعين وكلهم لا يشتغلون وظائف تحريرية مأجورة في المجلة، فقد تفاوتت أساليبهم ومناهجهم واتجاهاتهم، ولكنها جميعاً تشترك في خصائص معينة هي الوضوح الكامل مهما كان الموضوع فيها شديد التعقيد، والحرص على اللغة العربية كأداة للتعبير حتى عن المصطلحات الأجنبية العلمية، ثم الحرية المطلقة في التعبير عن الآراء، باستثناء موضوعين كانت المجلة تتحاشاهما، هما الدين والسياسة.
وأعتقد أن هذه المجلة مازالت تحتفظ بجدية موضوعاتها إلى اليوم، وهي مرجع لا غنى عنه لأي دارس للحركة في البلاد العربية في القرن الأخير، وقد عمَّرتْ 77 عاماً.
*ما دور هذه المجلة في الحركة الفكرية في العالم العربي؟
ـ أنشئت مجلة " المقتطف" في بيروت عام 1876م، وانتقلت إلى مصر في عام 1884م، وظلت تصدر بصورة شهرية منتظمة إلى آخر عام 1952م، أي أنها عاشت سبعة وسبعين عاما، وكانت وقتها أطول المجلات العربية عمراً، وإن كانت "الهلال" واصلت السير حتى كادت أن تتم عامها المئة.
وكانت "المقتطف" طوال عمرها الممتد منبراً رصيناً للعلوم والمعارف جميعاً، كما شارك في تحريرها كبار العقول العربية في أكثر من ثلاثة أرباع قرن، عدا ما كانت تنشره من ترجمات عن المجلات العلمية المتخصصة لمسايرة التطورات في الميادين العلمية والصناعية والعمرانية.
أًحصِ وجوه الأمة العربية فلن تجد منهم أحداً تخلف عن المساهمة في تحرير "المقتطف"، مثل: أحمد شوقي، والشيخ محمد عبده، والشيخ جمال الدين الأفغاني، وخليل مطران، وشبلي شميل، وعباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني، والشيخ عبد القادر المغربي، والأمير مصطفى الشهابي، والفريق أمين باشا المعلوف، وعيسى اسكندر المعلوف، وأحمد زكي أبو شادي، والدكـتور فيليب حتي، ومصطفى صادق الرافعي، وشيخ العروبة أحمد زكي باشـا، وميخائيل نعيمة، وجميل صدقي الزهاوي، والأب أنستاس ماري الكرملي، وإيليا أبو ماضي، وعلي محمود طه، وحافظ إبراهيم، وطه حسين، وسلامة موسى، ومي زيادة، والأمير شكيب أرسلان، والدكتور أمير بقطر، ولطفي السيد باشا … إلخ.
وقد أنشأ هذه المجلة أستاذان شابان يُدرِّسان العلوم في جامعة بيروت الأمريكية لينشرا فيها خُلاصة لما يطِّلعان عليه من بحوث علمية في المجلات الغربية المتخصصة. وحمل عددُها الأول الصادر في مايو 1876م عبارة "جريدة علمية صناعية" لمنشئيْها: يعقوب صرُّوف معلم الفلسفة الطبيعية والرياضيات وفارس نمر المعيد في المرصد ومعلم علم الهيئة واللاتيني في المدرسة الكلية السورية (وهو الاسم القديم لجامعة بيروت الأمريكية). ولكن المجلة لم تلبث أن اتسعت لبحوث أوسع نطاقا من مجرد "العلوم" و"الصناعة" ، ممَّا أزعج السلطات العثمانية الحاكمة ، فنقلا المجلة إلى القاهرة حيث وجدت ترحيباً من شريف باشا رئيس الوزراء، وأصدرا إلى جانب هذه المجلة الشهرية جريدة يومية اسمها "المقطم" في عام 1888م.
وقد اختص الدكتور يعقوب صروف بتحرير مجلة " المقتطف"، في حين توافر زميله الدكتور فارس نمر باشا على تحرير"المقطم". وتعاقب على تحرير "المقتطف" يعقوب صرُّوف، ثم ابن أخيه فؤاد صرُّوف، ثم الدكتور بشر فارس، وإسماعيل مظهر، ونقولا الحداد، وأخيرا سبيرو جسري الذي صحّح اسمه إلى سامي الجسري.
ولو قلب القارئ مجموعة "المقتطف" الصادرة في (77) عاماً، أو حتى فهرسها المنشور في ثلاثة مجلدات ضخام، لتبيّن أن هذه المجلة الباذخة تناولت جميع قضايا العصر من اقتصادية وأدبية وعلمية ومن نظريات سياسية وفلسفية ومذهبية، وأنها كانت سجلا عظيما لكل ما عمر به هذا العصر من مظاهر الإبداع الفكري والحضاري، وإليها يرجع الفضل في نشر أول معجم للفلك، وأول معجم للحيوان، ومعجم للنبات، وهي التي ترجمت نظرية أينشتين، ووصلت أدباء المهجر بأدباء الوطن المقيم. وكانت المجلة في كل تاريخها مجلةً علميةً رصينةً، تجتنب المهاترات وترحِّب بالمناقشات الجادة، وإن كانت آلت على نفسها ألاَّ تخـوض في المسائل الدينية والمسائل السياسية (باستثناء النظريات السياسية) لتنأى بنفسها عن ميادين الجدل العقيم .
وقد عاصرت السنوات العشر الأخيرة من عمر "المقتطف"، وكنتُ من محرريها ومديريها المسؤولين، وكانت لنا في مقرها ندوة أسبوعية عمرتْ بوجوه كريمة من رجال الأدب والعلوم والفلسفة. وفي اعتقادي أن احتجاب "المقتطف" خسـارة لا تُعوَّض، وأن الدور الذي أدَّتْه في الحياة الثقافية العربية يحتاج إلى دراسة جادة.
ومن أسف أن ندوة المجلات العربية التي أقامتها مجلة "العربي" بمناسبة احتفالها بانقضاء ربع قرن على إصدارها قد شهِدتْ أحكاماً متسرِّعة جائرة على مجلة "المقتطف"، ولم ينْبَرِ أحد للرد عليها إنصافاً للتاريخ الفكري لأمتنا العربية.
*ترجمت في أول حياتك الأدبية مسرحية "الأب" للأديب السويدي سترندبرج ، فلماذا لم تترجم مسرحيات أخرى وأنت صاحب أسلوب عذب ؟
- إنني بعد تخرجي من الجامعة عام 1942م لاحظت انعدام المكتبة المسرحية انعداماً كاملا في الأدب العربي، كما لاحظت أن كبار المثقفين يجهلون روائع المسرح الغربي، فقررت أن أسد هذه الثغرة بادئاً بمسرحية "الأب" التي ترجمتها في ثلاثة أيام عام 1942م، ولم يتسن نشرها إلا عام 1945م عندما اتصلت بلجنة النشر للجامعيين وأعضائها العاملين: عبد الحميد جودة السحار، ونجيب محفوظ، وعادل كامل، وعلي أحمد باكثير.
وثنيت بترجمة مسرحية "دعوى قذف" لإدورد وول، وحاولت نشرها في نفس السلسلة (سلسلة الجامعيين)، ولكن السحار ثبَّط همتي، وأفهمني أن المسرحيات للتمثيل لا للمُطالعة، وطويتها ضمن أوراقي إلى هذا اليوم، ولم أحاول بعثها في ثلاثين سنة كاملة، وكنت قطعت شوطاً في ترجمة مسرحية ثالثة عنوانها "الطريق المقفر" للمسرحي النمسوي آرثر شنتزلر، ولكنني نفضت منها اليدين زهداً في بضاعة لا سوق لها.
ومع أنه ظهرت بعد ذلك سلاسل جديدة للمسرحيات: واحدة أصدرتها وزارة الثقافة، وواحدة أصدرها عبد الحليم البشلاوي، وثالثة مازالت تصدر في الكويت، فلم أُحاولْ طرْقَ أي من هذه الأبواب.
*أنت صادقت معظم أدباء العالم العربي وراسلت الكثير منهم، فلماذا لا تنشر رسائل الراحلين منهم حتى تفيد تاريخ الأدب بنظراتهم وآرائهم، ولعلك اطلعت على ما نشره صديقكم "نقولا يوسف" من رسائل عبد الرحمن شكري في مجلة "الأدب"، فقد أفاد منها كثير من الباحثين.
-أخبرك أن لديَّ أطنانا من رسائل الأدباء تلقيتها منذ أكثر من ثلاثين سنة ولم يضع منها شيء. وصحيح أن نقولا يوسف نشر رسائل عبد الرحمن شكري في مجلة "الأدب"، كما أن الدكتور فؤاد صروف نشر رسائل شكري في مجلة "الأبحاث" البيروتية، ونشر أحمد محمد عيش رسائل الزهاوي، ونُشِرت كذلك رسائل الرافعي إلى الشيخ محمود أبي ريَّة، ورسائل مي وجبران، ومي ولطفي السيد، ورسائل أمين الريحاني، ورسائل الأمير شكيب أرسلان، ورسائل الحبيب بورقيبة إلى محمد علي الطاهر، ورسائل الأب الكرملي وأحمد تيمور باشا، ورسائل الشيخ محمد رشيد رضا ... وقد اطلعت على هذه الرسائل جميعاً، وأغلبها تحت يدي، ولكن لي رأيا أعلنته غير مرة، وهو أن رسائل الأدباء من الخصوصيات التي تُعرِّض أصحابها لأشد الحرج في حالة نشـرها كما أنها تسيء إساءات بالغة إلى كاتبيها، إذا كانو فيها صُرحاء، ولم يكتموا ما في صدورهم، ولذا أرفض رفضاً باتًّا نشر ما عندي من رسائل وقد جاءتني من أعلام معاصرين، ومن أعلام مفكري الأمة العربية، ومن جميع الطبقات، هذا مع العلم بأنني لو نشرت هذه الرسائل لدخلت تاريخ الأدب من أوسع أبوابه، لأن فيها من عبارات الثناء الموجهة إليَّ ما يجعلني كبيراً في نظر الناس. وحسبك أن تعرف أن من هذه الرسائل التي عندي ما جاءني من الأمير مصطفى الشهابي، وسلامة موسى، والعقاد، والشاعر القروي، وإسماعيل مظهر، وسيد قطـب، وأحمد أمين، وفارس نمر باشا، وخليل تابت باشا، ومحمد علي علوبة باشا، ومفتي فلسطين الأكبر الحاج محمد أمين الحسيني، ورئيس حكومة عموم فلسطين أحمد حلمي باشا، وصالح حرب باشا، والدكتور حافظ عفيفي باشا، وعادل زعيتر، وأكرم زعيتر، وقدري حافظ طوقان، وعلي أدهم، وأبو رية، ومحمود أبو الوفا، والشيخ علي عبد الرازق باشا، وعبد الرحمن الرافعي بك، وعبد القوي أحمـد باشا، وحسين فهمي بك، والدكتور فؤاد صروف، والدكتور قسطنطين زريق، ومحمد علي الطاهر، وبولس سلامة، ونزار قباني، وأمين نخلة، ومحمد جميل بيهم، ونظير زيتون، وإلياس فرحات، وجورج صيدح، وإلياس وزكي قنصل، وأبو شادي، والدكتور فيليب حتى، والمستشرق جرمانوس، والدكتور أمير بقطر، وطاهر الطناحي، وعادل الغضبان، وإبراهيم المصري، وما شئت من أسماء الأحياء من الأدباء في مصر، والبلاد العربية، والمهاجر، وديار الاستشراق.
*ما حال النقد العربي اليوم؟ وهل يقوم بوظيفته في نقد العمل الأدبي وفي مُخاطبة جمهور القراء المتعطشين إلى المعرفة؟
-حال النقد الأدبي لا يسر، سواء لأنه يكاد يختفي من حياتنا الأدبية بعد اختفاء أعلامه، مثل: طه حسين، والعقاد، ومحمد مندور، وسيد قطب، ومحمد عبد الغني حسن، ومصطفى عبد اللطيف السحرتي، أو لأن ما نُصادفه اليوم من نقد ـ على قلته ـ يكاد يندرج تحت تصنيفين عريضين، هما "النقد الأبوي" كما وصفه نجيب محفوظ، وفيه يحتفي الناقد بكتابات شابة من قبيل التشجيع والعطف، و"النقد التكنولوجي" ـ كما أوثر أن أصفه ـ وفيه يعمد الناقد إلى تطبيق معايير مُستعارة من خارج الأدب، كالمعايير الرياضية والهندسية والكمبيوترية على الآثار التي يتصدّى لنقدها، ومن هنا دخلت إلى ساحة النقد تعبيرات مثل "المعمار"، و"البناء"، و"التفكيك"، و"الزخم"، وما إليها. وهي تعبيرات ألصق بالهندسة والميكانيكا منها بالأدب.
ولا يختلف اثنان على أن وظيفة النقد تكاد تكون عالة على الأدب، بمعنى أن الناقد يصبح من المتعطّلين عن العمل ـ وفي بطالة دائمة ـ إذا انتفى الأدب من حياتنا، وهو افتراض جدليّ ليس إلا. وبعبارة أخرى: إن الناقد شبيه بطبيب الأطفال الذي لا يستطيع أن يشرع في تطبيق طبه إلا بعد أن يخرج الوليد إلى الحياة، وعندئذ فقط يُزاول طبيب الأطفال المهمة التي نذر نفسه لها وتخصّص فيها. وكما أن الطبيب يُعالج كل قصور يُشخِّصه في حالة الطفل، فإن مهمة الناقد أن يتناول العمل الأدبي بنفس القدر من نطاسية الطبيب من حيث تشخيص أوجه القصور فيه والتنبيه إلى سبيل تداركها، وإظهار ما في العمل الأدبي من خصائص يستقل بها، أو أنها منتحلة من عمل سواه. وفي يد الناقد دائماً ميزان ذو كفتين: كفة لتبيان المزايا التي يتحلّى بها العمل الأدبي، وكفة للتنبيه إلى أوجه النقص التي برتئيها في هذا العمل، وله بعد ذلك أن يخرج برأي جامع يضع العمل الأدبي في المرتبة التي يستحقها ارتفاعاً وانخفاضاَ. وهنا تُصبح وظيفة الناقد أشبه بوظيفة القاضي الذي يُوازن بين الدعاوى المنظورة أمامه، ثم يُصدر حكمه المتضمِّن رأيه الرجيح.
وإذا كان القاضي يسترشد في قضائه بمواد القانون التي لا يسعه أن يُخالفها، فإن الناقد يضع لنفسه قانونه الذي يُطبِّقه ويستهويه، سواء أكان هذا القانون مُستمدا من مذاهب النقد ـ عربية كانت أو غربية ـ أم من وحي اجتهاداته الخاصة. ولهذا فإن الأثر الأدبي الواحد قد يرجح في ميزان ناقد ويشول في ميزان ناقد آخر، لأن لكل من الناقدين أدواته واجتهاداته التي صدر عنها في إصدار أحكامه، ومادام الناقد بشراً فهو لا يخلو من هوى، والهوى هو أول مطعن يوجّه إلى الناقد.
ووظيفة الناقد تُحتِّم عليه أن يُخاطب الجمهور القارئ إلى جانب صاحب العمل الأدبي، الذي يهمه أن يعرف آراء النقاد في كتاباته، ولكن بعض النقاد عندنا ينسون حق الجمهور في متابعة نقدهم، لأنهم يستخدمون في نقدهم مصطلحات أعجمية دون محاولة لشرحها أو تبيان معناها، كما أنهم يُشيرون إلى أعمال أدبية أفرنجية دون أن يُحدِّدوا للقارئ ملامحها، ولعلهم يفترضون أن كل قارئ مُلم بآداب العالم شرقاً وغرباً. فمادام الناقد يريد أن يُوصِّل رسالته إلى الجمهور العريض في الصحيفة التي يكتب فيها، فلا بد له من أن يرعى حق القارئ في الفهم، وحقه في الإحاطة بالعمل الأدبي المنقود، وحقه في أن يخرج بعد ذلك برأيه الخاص، سواء أوافق رأي الناقد أم خالفه.
*هل يعني ذلك أن معظم النقد المكتوب اليوم لا يقوم بدوره في الحياة الأدبية بخاصة والثقافية عموماُ؟ وفي توجيه القارئ إلى الكتب الجيدة؟
-لكي تكتمل رسالة النقد لا بد أن يجتمع لها ثالوث يتمثل في المؤلف أو صاحب الكتاب المنقود، والناقد الذي يضطلع بتقييم الأثر المنقود، ثم القارئ الذي خوطب عن طريق الصحيفة أو المجلة بكلام الناقد. وكنت على مدى العمر أنتقي ما يهمني من الكتب الجيدة استناداً إلى آراء النقاد المنشورة، ولا سيما النقاد الذين أورثوني ثقةً في كتاباتهم، وبت أرتضي شهادتهم قبل أن أدفع ثمن الكتاب، ولكنني كففت عن الاحتكام إلى آراء نقّاد هذا الجيل في الكتب الجديدة الصادرة، بعد ما خابت ظنوني في موازينهم النقدية.
ففي ما يتعلّق بمدارس الشعر الجديدة التي خرجت على قواعد الخليل وثارت عليه، والتي وجدت نُقّاداً يتحمسون لها من الدكاترة وغير الدكاترة، فقد حفزتني الرغبة في متابعة هذه المدارس الجديدة ـ أو قل هو الفضول الذي دفعني إلى ذلك ـ في قراءة كم ضخم من الآثار التي جاء بها المحدثون، سواء في مجلة "شعر" اللبنانية التي طالعت كل ما نُشِر في عمرها، أو في الدواوين الصادرة، وألفيتني ـ بتحكيم ذوقي الخاص ـ أستشعر التعرض لعملية خداع ضخمة من جانب النقاد الدكاترة وغير الدكاترة، الذين حاولوا تزيين القبيح وتجميل "الكلام الفارغ" من أمثال: "وشربتُ شاياً في الطريق، ورتقتُ نعلي"! و"أُضاجع سريري كل يوم، أضاجعه فلا يحبل"! إلى آخر هذا "الكلام الفارغ" الذي احتفى به ـ وما انفك يحتفي به ـ دكاترة النقد وصبيانهم!
والناقد الذي يحترم رأي القارئ وذوقه يستحيل عليه أن يُطري مثل هذا "الكلام الفارغ" سواء باسم الإبداع، أو بأي اسم آخر يخترعونه من معاجم مصطلحاتهم الغامضة.
*قدّمت لنا مثالاً للشعر الذي تعدُّه "كلاماً فارغاً" ومع ذلك احتفى به النقاد، فهل تُقدِّم لنا مثالاً من النقد المعاصر الذي لا يُعجبك حتى يكون القارئ على بينة؟
-من قبيل التمثيل أورد فقرة من مقال نقدي نُشر في مجلة "فصول" المصرية (عدد يناير 1992)، وقد جاء فيه: "وشواغل اللغة يجب أن تكون في منطقة وسطى بين التجريد والتجسيد، بمعنى أن تبتعد قدر إمكانها عن مفردات الوقائع الجزئية، وأن تتحاشى ـ إلى حدٍّ ما ـ الهموم اليومية النمطية، وإن كان هذا لا ينفي إمكان تسرُّب بعض هذه المُفردات إلى الشخوص أو الأحداث في أوقات بعينها تقتضيها الطبيعة الدرامية (وهذا يعني وجود الوعي بها حتى مع غيابها) بل من المسموح به أن تتحول اللغة ـ في مواجهة مثل ذلك ـ إلى كائن صامت يرمز للغائب، ويستحضره بالصمت، أكثر مما يستحضره بالكلام"!
وأقر ـ بادئ ذي بدء ـ بجهلي الفاضح في فهم هذا الكلام المنقول بنصِّه. فما معنى أن شواغل اللغة يجب ـ أي من الحتم ـ أن تكون في منطقة وسطى بين التجريد والتجسيد؟ وما معنى أن من المسموح به (ومن سمح بذلك؟) أن تتحوّل اللغة إلى كائن صامت يرمز إلى الغائب ويستحضره بالصمت أكثر مما يستحضره بالكلام؟ (فهل هناك لغة صامتة ولغة متكلمة؟ لعلها توجد في عالم الخُرس، وليست في عالم الأدب الذي وسيلته الأولى هي اللغة مكتوبة ومنطوقة).
* أخيراً .. لماذا أنت مقل في الكتابة هذه الأيام ؟
ـ إنني وإن كنت سيَّال القلم ـ كما وصفني رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق ـ فإنني أعد نفسي مُقلا بالنسبة لما في ذهني من موضوعات أُحـب الكتابة فيها، ورغبـات أشتاق إلى تنفيذها، ولكني مضطر إلى صرف نحو 18 ساعة يوميا في العمل المتصل برزقي، فلا يبقى لي بعد ذلك من الجهد أو الوقت أو صفاء البال ما تهون معه تأدية تبعات الأدب على الوحه الذي أحب.
*ما مشروعاتك الأدبية الحالية ؟
ـ المشروع الذي أتوافر عليه هو إخراج أربعة دواوين مخطوطة مات عنها المرحـوم الدكتور أحمد زكي أبو شادي في أمريكا ولم تر النور منذ وفاته في[12 من أبريل ] عام 1955م، ويُخشى عليها من الضياع. وقد تكرمت الأديبة صفية أبو شادي ابنة رائد جماعة أبولو، فوضعت تحت تصرفي النسخ الأصلية المخطـوطة لهذه الدواوين، وقمت من ناحيتي، وفاءً لهذا الصديق العظيم، بإعدادها للنشر مع هوامش رأيت ضرورة إثباتها من قبيل الإيضاح. وقد وُفِّقتُ فعلا إلى إصدار أول هذه الدواوين وعنوانه " الإنسان الجديد"، وبقية الدواوين الأربعة تنتظر دورها لدخول المطبعة.
وفي المهاجر الشمالية والجنوبية في أمريكا عشرات من المخطوطات من دواوين الشعراء ومؤلفاتهم، وقد مات عنها أصحابها، وآلت إلى أبناء يجهلون العربية. فليت هيئاتنا الثقافية تنبري للاتصال بهؤلاء ومحاولة إنقاذ هذه الآثار قبل أن تتبدَّد إلى الأبد. وإذا كانت هيئاتنا الثقافية تُعنى بتصوير المخطوطات المحفوظة في المكتبات العالمية، فأحرى بها أن تُعنى بهذه المخطوطات التي آلت إلى من لا يعرفون قيمتها أو لغتها، والتي مصيرها المؤكد الضياع، إن لم تكن ضاعت فعلا.
.................... .......
[نشر في مجلة "الفيصل"، العدد (262) أغسطس 1998م، ص75-79].