- 3
في "الثقافة والإمبريالية" ربط سعيد كتاباته عن فلسطين والشرق الأوسط وتأملاته حول دور المثقف ووظيفته بنقده للثقافة الغربية وأشكال الهيمنة الغربية على العالم غير الغربي
لكنه تحدث كذلك عن ثقافة المقاومة مقترحاً صيغة جديدة من صيغ القراؤة سماها "القراءة الطباقية " . وماعناه سعيد بالقراءة الطباقية هو "إعادة قراءة الأرشيف الثقافي " للمستعمِر والمستعمَر شاملين في بحثنا الخطاب المهيمن والخطاب الواقع تحت ثقل الهيمنة. وقد اقترح، في مواضع عديدة من كتابه، أن نقرأ أوبرا عايدة لفيردي وأعمال ألبير كامو وأن نقرأ جين أوستن بمصاحبة فرانز فانون وأميلكار كابرال، بحيث تشمل القراءة الطباقية الإمبريالية والمقاومة التي تتصدى لها في الوقت نفسه.
يمكن أن نعيد تصورات سعيد السابقة، فيما يتعلق بمنهجية القراءة،إلى فكرته الأساسية حول تهجين الثقافات واختلاط هويتها، وهجومه المستمر على الرؤية المحافظة التي تغلف الهوية بادعاءات جوهرية بحيث تفصل البشر عن بعضهم البعض بسيف بتار. ولعل تعريف الهوية، والثقافات من ثم بأنها متغيرة غير ثابتة هو مايعطي كتاب "الثقافة والإمبريالية " قوة دفعه وأصالته وذهاب سعيد بعيداً في مشروعه الثقافي والشخصي بوصفه "مقيماً بين الثقافات"
وعلى حدودها المشتركة.
لقد حاول سعيد في كتابه ذاك، الذي عده تتمة ل"الاستشراق"
أن يحلل فكرة الإمبراطورية، والتوسع والامتداد الجغرافي للإمبريالية الغربية في آسيا وإفريقيا، واتصال الحضور الإمبريالي بالثقافة وكونه جزءاً مُشكلاً لمعنى الثقافة الغربية في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.
ومن ثم لم تكن غاية "الثقافة والإمبريالية" تقديم قراءة متوازنة لما كتبه كتاب الغرب عن العالم الثالث وما كتبه كتاب العالم الثالث عن بلادهم؛ كما أن القراءة الطباقية، التي تحدث عنها سعيد، ليست سوى مقترح يعرضه للتخفيف من فائض التحيز الذي يغمر الكتابات الغربية عن العالم الثالث. لكن هذه القراءة المقارنة، بالمعنى الواسع والعميق لفعل المقارنة،ليست
هي موضوع "الثقافة والإمبريالية"،مثلما لم يكن كتاب "الاستشراق" معنياً بتقديم قراءة مصححة للخطاب الاستشراقي؛ إذ أنه كان معنياً في الحقيقة بتحليل الأنظمة الداخلية للخطاب الاستشراقي: كيف تشكل هذا الخطاب وكيف كان يعمل بنوع من الآلية الداخلية ،وماهي غاياته وطرق اتصاله بالسلطة التي تستعمله. وهذا التحليل مدين بقوة لعمل ميشيل فوكو، الذي تأثر به إدوارد سعيد كثيراً خصوصاً في "الاستشراق"،رغم افتراق السبل بين فوكو وسعيد من حيث فهمها المختلف لغايات تحليل الخطاب والفوائد التي نجنيها من عملنا على الخطابات بأشكالها المختلفة.
وفي كتاب سابق على "الثقافة والإمبريالية"، هو "العالم والنص والناقد"،عمق إدوارد سعيد فكرته الأساسية عن ترابط الإنجاز النصي والعالم وشروط الحياة اليومية للبشر رافضاً تصورات منظري مابعد البنيوية الذين يرفضون اية مقاربة لعلاقة النص بالعالم، مفضلين الاهتمام بالتداخل النصي!
إنهم كما رأى سعيد، لايقدمون "أية دراسة جدية لمفهوم السلطة،سواء من حيث الطريقة التي تنتقل بها السلطة تاريخياً وظرفياً من الدولة إلى المجتمع المشبع بالسلطة، أو بالعودة إلى العمل الفعلي للثقافة ودور المثقفين والمؤسسات والأجهزة الاجتماعية". (العالم والنص والناقد،ص:172) ومن الواضح أن هذا النقد الذي وجهه سعيد، إلى منظري مابعد البنيوية، يمس بصورة عابرة ملهمه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو. ومن هنا فإن علاقة سعيد بفوكو تبدو متغيرة غير ثابتة؛ فهو رغم نهله من عمل فوكو وعدّه له مصدراً منهجياً أساسياً ، لاغنى عنه ،يزوده بتعريفه للخطاب ويدله على أشكال تموضع السلطة في الخطاب، إلا أن سعيد يبدو متشككاً فيما يتعلق بفهم فوكو للسلطة، ويرى أن هذا الفهم يقود إلى نوع من عدم المشاركة السياسية، خصوصاً أن الفيلسوف الفرنسي لايؤمن أن النظرية أو التحليل يؤديان إلى أي فعل. إن منهجية فوكو في تحليل علاقات القوة والمعرفة تعمل على فضح صيغ التوتاليتارية وأنظمة الاستبداد وأشكال عملها في الفكر والمؤسسات، لكن ذلك لا يقود إلى أية مقاومة، ولا يحفز على وضع برنامج عمل. وهذا هو الفرق الحاسم بين تفكير كل من فوكو إدوارد سعيد الذي يشدد على مفهوم المقاومة وعلاقة النصوص بشروطها المكانية-الزمانية. ومن ثم فإن سعيد يؤسس في "العالم والنص والناقد" مفهومه لدنيوية النصوص ويقارن بين مايسميه النقد الديني والنقد الدنيوي مفضلاً النقد الأخير الذي يرى أن النصوص الأدبية "في أكثر أشكالها مادية تكون مشتبكة بالظرف والزمان والمكان والمجتمع".