إلى أبي
للشاعر الوليد دويكات
يا قَبْرُ إرفَعْ ما تَماسَكَ من جِداركَ كيْ أراه
هذا أبي ، يا قَبْرُ يَسْكُنُ تَحتَ صَمْتكَ لو أراه
يا قَبْرُ دَعني مرَّةً
أرمي برأسي فوقَ صَدْره
سجنٌ رَهيبٌ حولَ نفسي قاتمٌ
وأنا هنا ...
في هذه الدنيا الغريبة في الفصول
وأبي هنالكَ تحتَ ظلّكَ ما أقول !!
مِتْرانِ تَفْصِلُ بيننا
والمتْرُ أطولُ منْ زمانٍ أو مكان
وهُنا تَغــيّرَ كلُّ شيء
صَوْتُ المؤذّنُ كي تُلبيه النّداء
لا فرقَ عندكَ كانَ فجراً أو مساءْ
لا فرقَ عندكَ كانَ صَحْواً أو شتاءْ
وهُنا تَغيَّرَ كلُّ شيء
لونُ الرَبيع ِ على القِبابْ
هَمْسُ الفراشَةِ في الحقولْ
ركضُ الغزالةِ في البراري والتِلالْ
شَدوُ البلابل فوق شُرفةِ حُجْرَتي
لا شيْءَ أعرفُ خلفَ نافذةِ الغيابْ
يا والدي ...
زَيْتونةُ الحقلِ الصغيرةِ قَدْ نَــمَــتْ
كَبُرَتْ كما قدْ كنتَ دَوماً تَشتهي
( والأسْــــكَدنيا ) لمْ تَزلْ
في الحقلِ تَرقُبُ خَطوَتَكْ
( والبرتقالةُ ) قد تَرعرَعَ غُصْنُها
( والدّالية ) ....
والمقعدُ الحجريُّ تَحتَ ظِلالها
وحَصيرةُ القشِّ التي
قد كنتُ أحبو فوقها
وبقيّةُ الأشياء والأشجار جاءتْ يا أبي
جاءت لتُقْرؤكَ السلام
هِيَ لا تُصدّقُ أنَّ سيّدها رحلْ
قلْ لي بربّكَ يا أبي
لِمَ قدْ رَحلتْ !
الصمتُ يسكنُ كلَّ شيء
وأنا وحيدٌ حولَ قبركَ سيّدي
وهنا شَريطُ الذكرياتِ يهزني
ما زلتُ أذكرُ يا أبي
مشوارنا لصلاةِ فجرْ
وحديثكَ الورديّ لي ..ولأخوتي
عن نجمةِ كانت تسافر في المساء
وحكايةُ ( الجبّارِ ) و( الدبِّ الكبير )
( وبناتُ نَعشْ )
ما زلتُ أذكرُ جيدا
إفطارنا في يومِ بردْ
وعباءةَ الفروِ التي
فيها تَلفُّ طفولتي
والرّيحُ تعوي خلفَ ( مَطبخنا العتيق )
وحكاية ( الزير المهلهلِ ) و ( بن عَبْسٍ عَنتَرة )
ما زلتُ أذكرُ حينَ ترجعُ في تمام الثانية ..
وأنا أفتّشُ بينَ ما حَمَلَتْ يداك
أحظى بحلوى كنتَ تَشريها إليْ
وأرى ابتساماتٍ على
وجهٍ توضأ بالحنان
ستظلّ أغلى ما لدي
ورحلتَ عنّا سيدي
ماذا أقولُ اليومَ لي
أأقولُ أنّكَ لا تُفكرُ بالرّجوع
هل أخطأتْ قدماكَ شارعَ بيتنا ؟
أم إنَّ دنيانا مَقيتةُ يا أبي