عرض مشاركة واحدة
قديم 05-20-2021, 03:21 PM   رقم المشاركة : 1
عضو مجلس إدارة النبع
 
الصورة الرمزية شاكر السلمان





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :شاكر السلمان غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي قراءة في قصيدة الشاعر نزهان الكنعاني (خيار الظباء)

قراءة في قصيدة الشاعر نزهان الكنعاني

خيار الظباء

فــــي محفلِ الشعراءِ مرّت ظبيةٌ
أهل القفــا فــي حسنها قد حاروا

صاغوا لهـــا أحلــى الكلام مودّةً
فلعلّهــــا من بينهـــم تختارُ

قالت : يُثابُ الفوزَ بالأشواقِ مَنْ
بمحاسنـــــي دانت لـهُ الأشعــــارُ

أصغتْ وأرهفَ سمعُهــا في لهفةٍ
ويكادُ موطن صبرهــــــا ينهارُ

واليأسُــ يوشكُ أن يدبَّ دبيبهُ
فَإذا بصوتــــــي صادحٌ جهّارُ

ناجى شغافَ القلبِ حاكى وجدَهـا
بأرقِّ ما قـد تعزفُ الأوتارُ

فَإذا بهـا نادتْ وقالتْ : يافتي
أنتَ المُنى والمرتجى والدارُ

أسقيتَ جدبـــي من ينابيعِ الهوى
لمّا هَمَت بمرابعـــي الأمطــــارُ

فغدت جناني تزدهي بربيعها
فيهــا تروجُ وتنضجُ الأثمارُ

من بعدهــا قالوا تُتوَّجُ شاعراً
قرّاءُ ديواني فهم قد صاروا

قد فـاز شعري بالحبيبِ وبالورى
حيّوهُ : قد حفّتْ بـــــهِ السمّارُ

كنت أتمنى أن أسمعها من الشاعر نزهان بصوته أثناء قرائتي لها لأن الإلقاء وحركات الشاعر ونبرة صوته تزيد من جمالية الحرف وتظهر من قيمة الجرس الصوتي للكلام ويساعد على جلاء الصورة البصرية الملاصقة للصورة السمعية وكلما أوجدنا ميزات تعبيرية جديدة للصوت، ساعدنا ذلك على إظهار قيمة الصورة السمعية والبصرية، وذلك لأن المتلقي السمعي لايستخدم أذنه فقط بل يعيرها البصر أيضاً حتى وإن كان المرء لايبصر. وانطلاقاً من هذه المسوغات وغيرها تولدت رغبتي في رصد تجليات الظواهر الإيقاعية الصوتية واستنطاق الدلالات الحسية التي تجسد جمالية الصور المجازية لرؤى الشاعر.

فليس إدعا ء أن أقول: إن شعرك يا نزهان قد هزني، فامتلئت نفسي إعجابا وشغفا
بما فيه من المعاني الدقيقة، والقيم الفنية الأصيلة.
لنأتي الى قصيدة النزهان هذا الذي نحبه فقد أعطى الشعر حساسية انفعالية راقية، وتمثيل إبداعي لقدرات لغته بصورها الدلالية، وفرض آلياته المجازية على اللغة بصورٍ يرمي من ورائها استثمار الإمكانيات الفنية المخبوءة فيها، وكشف طاقاتها الكامنة، وانطلق منها نحو فعالية تجسد الجماليات التي تمنح النص قوة الاستمرار والحيوية والتأثير.
فالإيقاع الصوتي يقوم على التأثير في حاسة السمع ثم ينعكس ذلك على الحالة الوجدانية والفكرية عند المتلقي، ويترك أثراً في قواه الذهنية والتخيلية، ويتحقق ذلك من خلال الإطار البنائي الذي ينظم أحرفاً وألفاظاً وتراكيب تتوزع وفق هندسة صوتية معينة تعتمد التقسيم والتكرار، مما يجعل الإيقاع منبثقاً عن جملة من التقنيات خلقت وحدة وزنية متكاملة ومتناسقة.
وإن الإيقاع في قوله:
فــــي محفلِ الشعراءِ مرّت ظبيةٌ
أهل القفــا فــي حسنها قد حاروا

صاغوا لهـــا أحلــى الكلام مودّةً
فلعلّهــــا من بينهـــم تختارُ

هو نوعٌ من الإنزياح في الخطاب ينقله من المستوى النثري الى المستوى الشعري المختص بكيفية ترتيب الأصوات في النص، فالشعرية تحققت برفقة الإيقاع.

وربما كان السمع آلة الإدراك الأولى في تلقي الشعر، ومن هذا المبدأ كان لا بد للشعر من التركيز على الناحية الصوتية، لذلك بحث المبدعون الأوائل عن الطريقة المثلى التي يستطيعون من خلالها تحقيق الأثر الفعال بأقوالهم في الآخرين، وهكذا " تجاوزوا مرحلة اللغة اليومية العادية إلى الجمل المسجوعة التي تعتمد، ويؤكد حسان بن ثابت أهمية حلاوة القول وتأثيره في الأسماع بقوله:
إني لأعجب من قولٍ غررت به
حلوٍ يـمَد إليه السمع والبصر

لو تسمع العصم من صم الجبال به
ظلت من الراسيــــاتِ العصمِ تنحدر

ونلمح هذا التوجه والاعتقاد في قول بشار بن برد المشهور الذي رفع من شأن السمع وقدمه على البصر:
يا قوم أذنـي لبعضِ الحي عاشقة ٌ
والأذن تعشق قبل العينِ أحيانـا

قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم
الأذن كالعين تؤتـــي القلب ما كانا

نعود للنزهان وقصيدته
المحاكاة فيها تتمثل في تكرير الحركات التي تؤدي دورا دلاليا للغة، وتزودها بنغمات تؤكد الجرس الصوتي للحرف لتنسجم مع المعنى. ويتجلى المعنى عنده بالإيقاع الصوتي والدلالة انطلاقا من أن الشعر أداته اللغة التي هي أبنية من الأصوات التي تشبه من حيث دلالتها المعنوية الأصوات الموسيقية، وأن ما يكسب الإيقاع عند البعض وظيفتان : وظيفة بنائية ووظيفة دلالية.
وتمييزها بين صورتين أساسيتين للتأثيرات الصوتية. كالمحاكاة الصوتية والموسيقى الداخلية والتقسيم، واذا وقفنا عند الجرس وما ينطوي عليه اللفظ من دلالة وإيحاء نجده في قوله:

قالت : يُثابُ الفوزَ بالأشواقِ مَنْ
بمحاسنـــــي دانت لـهُ الأشعــــارُ

أصغتْ وأرهفَ سمعُهــا في لهفةٍ
ويكادُ موطن صبرهــــــا ينهارُ

واليأسُــ يوشكُ أن يدبَّ دبيبهُ
فَإذا بصوتــــــي صادحٌ جهّارُ

لابد لنا من ربط قضية الإيقاع والعاطفة بموضوع الفن من حيث ارتباطه بوظائف الأعضاء، ينبغي أن نفرق بين الإيقاع بهذا المعنى، و بين الإيقاع الفني كعملية جوهرية وضرورية، فهو هنا تأكيد حقيقي لمجموعة اعتبارات محذوفة، إنه تأكيد قوي لمعنى الكلمات(أصغتْ وأرهفَ سمعُهــا في لهفةٍ)، و ضغط على الانفعال والأفكار بواسطتها فهو من ثم يعني حقيقة أغلب الحركات التأثيرية(ويكادُ موطن صبرهــــــا ينهارُ)، ولهذا فهو يتكون مما يمكن أن نسميه بالإيقاع الداخلي، المؤكد للحركة و من النغم الخارجي.
و من التتابع اللفظي:

ناجى شغافَ القلبِ حاكى وجدَهـا
بأرقِّ ما قـد تعزفُ الأوتارُ

فَإذا بهـا نادتْ وقالتْ : يافتي
أنتَ المُنى والمرتجى والدارُ

أسقيتَ جدبـــي من ينابيعِ الهوى
لمّا هَمَت بمرابعـــي الأمطــــارُ

هذا الإحساس العالي أفرغ القلب وحول ايقاعه الى الفؤاد بقوله ( حاكى وجدها) ليعزف أجمل ماكان من خيال الصورة وايقاعها على ذوق المتلقي بازدياد دقات القلب.. والإيقاع في مفهومه الفني مبدأ وجداني يقوم في النفس و يصدر عنها، و هو توفيق بين نزعتين متناقضتين: الثقل والخفة، أساسه الحركة التي يوجهها كل من النظام و التناسب الدوري. و الإيقاع بهذا المعنى سابق للغناء والموسيقى والشعر والرقص، لأنه مستوحى من الطبيعة والرغبات الخفية للشاعر.
اقتباس:
فغدت جناني تزدهي بربيعها
فيهــا تروجُ وتنضجُ الأثمارُ

من بعدهــا قالوا تُتوَّجُ شاعراً
قرّاءُ ديواني فهم قد صاروا

قد فـاز شعري بالحبيبِ وبالورى
حيّوهُ : قد حفّتْ بـــــهِ السمّارُ

للإيقاع في شعرك أيها الشاعر الراقي خاصية جوهرية فيه وليس مفروضا عليه من الخارج وهو تنظيم لأصوات اللغة بحيث تتوالى في نمط زمني محدد، ولا شك أن هذا التنظيم يشمل في إطاره خصائص هذه الأصوات كافة .و إن كان الشعر في كل لغة يبرز واحدة من هذه الخصائص يكون تنظيمها هو أساس إيقاعه، فالوزن أو الإيقاع المنتظم عنصر أساسي من عناصر الشعر لا غنى عنه، و من المغالطة التعامل معه و كأنه قيد محض، كما أن الوزن هو الوسيلة التي تمكن الكلمات من أن يؤثر بعضها في البعض الآخر على أكبر نطاق ممكن. ففي الكلام و الوزن يزداد تحديد التوقع زيادة كبرى بحيث إنه في بعض الحالات التي تستعمل فيها القافية أيضا يكاد يصبح التحديد كاملا. وعلاوة على ذلك فإن وجود فترات زمنية منتظمة في الوزن يمكننا من تحديد الوقت الذي يحدث فيه ما نتوقع حدوثه.

لا أستطيع أن أختم دون أن أشكر الشاعر نزهان الكنعاني على متعة قرائتي لقصيدته.












التوقيع

[SIGPIC][/SIGPIC]

  رد مع اقتباس