الإيقاع في قصيدة (جحفلُ الماء) للشاعرة هديل الدليمي
وجِلاً أتيتَ فهدهدتكَ ملائِكُ
وبكى الرسولُ وقمحُ ثغركَ ضاحِكُ
.
في محفلٍ هزَّ السماءَ حُبورُهُ
فاختالَ مُزنٌ ناسمتهُ نيازِكُ
.
يا مرحبًا صدحَ النقاءُ مُهلِّلاً
من كلِّ فجٍّ والدموعُ ضواحِكُ
.
يكفيكَ فخرًا أنَّ أوّلَ ناظرٍ
لنميرِ وجهكَ هاشميٌّ فاتِكُ
.
يكفيكَ أنكَ للأنـــامِ رسالةٌ
هطلتْ، وعرشُ الباقياتِ يبارِكُ
.
يكفيكَ حينَ تقهقرت خطواتُهُم
حُزتَ الصّوابَ فأترعتكَ مسالِكُ
.
جاؤوكَ من سَقَرِ العداوةِ همُّهُم
نيلُ العروشِ وعرشُ قلبكَ ناسِكُ
.
تركوا سبيلَ الرّ شدِ زاغَ زِمامُهُم
واستعذبوا الدنيا وظِلُّكَ تارِكُ
.
متقلِّبونَ تأُمُّهم شحناؤهُم
في اللاّ ثباتِ وإفكُهُم متدارَكُ
.
يا جَحْفلَ الماءِ الزلالِ أما صغت
أُذُنُ الأُوارِ ولحنُ مجدكَ سافِكُ
.
سبحانَ من أعطى الكرامةَ لونَها
من نزفِ نحركَ والجراحُ عوارِكُ
.
يا أيها البحرُ العميقُ وغمرُهُ
أنتَ البقاءُ وقاتِلوكَ هوالِكُ
.
يا أيها القدّيسُ نعشكَ قِبلةٌ
للعاشقينَ، شعائرٌ ومناسِكُ
.
يا ساقيَ الأرزاءِ سيلَ تجلّدٍ
أزِفَ القِطافُ وضورُ زُهدِكَ ناهِكُ
.
يا حاملاً ورعَ الإلهِ بصيرةً
بأكفِّها كفُّ الجنانِ تُشابِكُ
.
يا ناثرَ الآياتِ شمسَ هدايةٍ
للعالمينَ وكيدُ خصمِكَ حالِكُ
.
ما زالَ صوتكَ رغمَ صمتكَ صادحًا
بالحقِّ، في حَرَمِ المسامعِ بارِكُ
.
ما زالَ جرحُ اللهِ يرمُقُ ثأرَهُ
عِبرَ الدهورِ فخطبُ طَفِّكَ شائِكُ
.
تبقى قيامتكَ الجليلةُ محورًا
للخالدينَ مقاومٌ ومُشارِكُ
.
تسمو بها سُحبُ البطولةِ عاليًا
وتحطُّ في دركِ الجحيمِ ممالِكُ
.
تبقى الحسينَ إمامَ منبرِ أحمدٍ
وبغيرِ سيفكَ لا تُقادُ معارِكُ
كَمَلَ الْجَمَالَ مِنَ الْبُحُوْرِ الكامِلُ *** مُتَفَاْعِلُنْ مُتَفَاْعِلُنْ مُتَفَاْعِلُ
القصيدة من بحر الكامل فلابد من توطئة تعريفية قبل الولوج في مرابع بساطها ورنّة ايقاعها ودندنة موسيقاها.
الكامل من أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا، قديمًا وحديثًا، وهو بحرٌ أُحاديُّ التّفعيلةِ يرتكزُ بناؤه على تَكرارِ (مُتَفَاعِلُنْ ///ه//ه). هذه التّفعيلة الّتي يطرأُ عليها زُحافٌ واحدٌ وأربعُ عِلَلٍ.
وجِلاً أتيتَ فهدهدتكَ ملائِكُ
وبكى الرسولُ وقمحُ ثغركَ ضاحِكُ
.
في محفلٍ هزَّ السماءَ حُبورُهُ
فاختالَ مُزنٌ ناسمتــهُ نيازِكُ
إنّ انتظام البنية الإيقاعيّة الواسعة بمجاليها الخارجي والدّاخليّ يحكمها قانون أساسي، يحكم في الوقت نفسه باستجلاء التمثيل الصوتي للمعاني بمختلف بنى النّص الرئيسية الثلاث التي توفرت في هذه الأبيات: (المضمون، اللغة، الإيقاع) وارتباط ذلك بالبعد الدلالي مما أتاح لنا سهولة الولوج ومعرفة التلوين الصوتي الصادر عن الألفاظالمستعملة ذاتها. (فهدْهدَتْكَ ملائك) بعد جملة (وجلاً أتيت) فهناك علاقة عضوية بين الدلالة الإيقاعية في الهدهدة ( اللفظة الإهتزازية ) والتي تأتي من دمج حرفين متشابهين (هد- هد) والدلالة اللغوية في الآتي فزعاً وهذا ما أشرنا اليه في بداية كلامنا.
(وبكى الرسولُ وقمحُ ثغركَ ضاحِكُ)([1]) تنطلق الشاعرة بفعالية تجسيد الجماليات موسيقياً بعكس ماتعني اللفظة من بكاء وحزن بتمثيل ابداعي لقدرات اللغة الصوتية وكشف الحيوية الكامنة بين بكاء المصطفى والثغر الضاحك بحباته اللؤلؤية (قمح ثغرك) بإيحاء الى سيدنا الحسين عليه السلام. وتتوالى دفقات النغمات باهتزاز السماء بالحبور المنسوب لسيد الشهداء بل سيد شباب أهل الجنة. ولايفوتنا أن نتكلم عن الروي في القصيدة وهو حرف الكاف "ك" هو الحرف الثاني والعشرون من حروف الهجاء العربية وهو صوت شديد مهموس، مخرجه بين عَكَدة اللسان وبين اللهاة في أقصى الفم، ويلفظ [k] بصوت انفجاري مرقق شبيه بلفظ القاف. حرف الكاف الفينيقي. حرف الكاف العبري. حرف الكاف العربي.
(في محفلٍ هزَّ السماءَ حُبورُهُ) آثرت الشاعرة لفظة الحبور على السرور فاختيارها كان عن ذكاء وفطنة لأن الحبور هو السرور مع النعمة أما السرور فهو عند حصول نفع أو توقعه أو اندفاع ضرر {اُدْخُلوا الجَنَّةَ أَنْتُمْ وأَزْواجُكُمْ تُحْبَرونَ} وجعلت من الموسيقى معنى بألياتها المجازية في اختيال المزن واقتراب النيازك بلفظة لغوية بارعة (ناسمته نيازك).
والنيزك هو النَيزَك معرب من (الفارسية : نیزه) جسيم يوجد في النظام الشمسي ويتكون من حطام الصخور وقد يكون في حجم حبيبات الرمل الصغيرة أو في حجم صخرة كبيرة.
اقتباس:
يا مرحبًا صدحَ النقاءُ مُهلِّلاً
من كلِّ فجٍّ والدموعُ ضواحِكُ
.
يكفيكَ فخرًا أنَّ أوّلَ ناظرٍ
لنميرِ وجهكَ هاشميٌّ فاتِكُ
.
يكفيكَ أنكَ للأنامِ رسالةٌ
هطلتْ، وعرشُ الباقياتِ يبارِكُ
.
يكفيكَ حينَ تقهقرت خطواتُهُم
حُزتَ الصّوابَ فأترعتكَ مسالِكُ
.
جاؤوكَ من سَقَرِ العداوةِ همُّهُم
نيلُ العروشِ وعرشُ قلبكَ ناسِكُ
إن آلة الإدراك عند الشاعرة في التركيز على الناحية الصوتية عبر إيقاع المفردات في بنيتها المقطعية، لتبين مدى التناغم الذي تحدثه الظواهر الصوتية في بعض مفرداته، (يا مرحبًا صدحَ النقاءُ مُهلِّلاً) لتحقيق الأثر الفعال في أفعال الذين أتوا (من كلِّ فجٍّ والدموعُ ضواحِكُ)فتعكس الحالة الوجدانية والفكرية وفق هذه الهندسة الصوتية لتترك أثراً عند المتلقي في قواه الذهنية والتخيلية للصورة التي أبيح فيها قتل ابن بنت رسول الله.
فأما الجمل التي تقوم بنيتها على أساس التصدع، فإيقاعها بتشكلاته المقطعية؛ بفاعلية النبر وفاعليات صوتية ودلالية أخرى وقد نسمي هذا (بالتناغم الشكلي) كما في قول الشاعرة هديل(يكفيكَ فخرًا أنَّ أوّلَ ناظرٍ**لنميرِ وجهكَ هاشميٌّ فاتِكُ) لتخلق تناغماً يتضافر مع الوحدة الوزنية المتناسقة بانسجامحركة الدلالات التي ينتج عنها ايقاع التواصل وقد يحمل خصائص مغايرة فنسميه(التناغم الدلالي) كما في (جاؤوكَ من سَقَرِ العداوةِ همُّهُم**نيلُ العروشِ وعرشُ قلبكَ ناسِكُ).
اقتباس:
تركوا سبيلَ الرّ شدِ زاغَ زِمامُهُم
واستعذبوا الدنيا وظِلُّكَ تارِكُ
.
متقلِّبونَ تأُمُّهم شحناؤهُم
في اللاّ ثباتِ وإفكُهُم متدارَكُ
.
يا جَحْفلَ الماءِ الزلالِ أما صغت
أُذُنُ الأُوارِ ولحنُ مجدكَ سافِكُ
.
سبحانَ من أعطى الكرامةَ لونَها
من نزفِ نحركَ والجراحُ عوارِكُ
وهذا الإيقاع بإطاره الصوتي يتلاحم بعناصر القصيدة من ألفاظ وتراكيب وأخيلة وحروف ويأتيامتداداً للأغراض النفسيّة التي صاحبت الإنفعال والعاطفة لدى الشاعرة في قولها(تركوا سبيلَ الرّشدِ زاغَ زِمامُهُم) في محاولة منها للوصول إلى حالة من التوازن كي ينتظم في إطارها ذلك الصّراع بمعانيه الدلالية التي انبثقت عن ترتيب مقنن ومنظم لحركة الأصوات في النص وبالكيفية الشعرية التي لاتتحقق دون الإيقاع.مع تبني النظرة المعيارية في الوزن والقافية وتكمل البيت بـ (واستعذبوا الدنيا وظِلُّكَ تارِكُ).
و قد تولد من الإيقاع وحدة النغمة التي تتكرر على نحو ما في الكلام أو في البيت في ( متقلِّبونَ تأُمُّهم شحناؤهُم ) فركزت الشاعرة على التناوب الزمني للصوت وتقسيمه ( في اللاّ ثباتِ وإفكُهُم متدارَكُ ) "فصناعة الإيقاع تقسم الزمان بالنغم، وصناعة العروض تقسم الزمان بالحروف"([2])، (يا جَحْفلَ الماءِ الزلالِ أما صغت) نداءٌ لجحفل الماء بدفقة موسيقية عذبة توحي برهابة الموقف وهيبته لتدك المسامع بسؤال تعجبي (أما صغت) وبهذا التنغيم توحد الشاعرة بين الإنفعال الوجداني والنغم الصوتي المنبعث عن جرس الأحرف والكلمات.. "فالإيقاع الداخلي دوراً هاماً، ويرتبط بالنظام الهارموني الكامل للنص الشعري([3]).
(أُذُنُ الأُوارِ ولحنُ مجدكَ سافِكُ ) بهذه المجازات اللغوية وبهذا الكم النغمي تجعل الهديل أذناً لحر الشمس أولمعنى العطش "أُوارهِ"لتتوالي الحركات والسكنات على نحو منتظم في فقرتين أو أكثر من فقر الكلام، وتختار لفظة السفك للحن المجد موقنة بأن لفظة السفك ستفي بالغرض كمعنى وإيقاع، فمن معانيها نشر اللحن وأخرى تعني سفك الدماء والذي يتناسب الموقفالرهيب. فتمثل الإيقاع في أحلى صوره في هذا السبك الرائع .. أما وقولها( سبحانَ من أعطى الكرامةَ لونَها**من نزفِ نحركَ والجراحُ عوارِكُ )فقد ألبست بوحدتها الموسيقية وجرسها المعتاد القصيدة العربية تاجها. وهذا الإيقاع الهامس الذي يَصدُر عن الكلمة الواحدة، بما تحمل في تأليفها من صدًى ووَقْعٍ حَسَنٍ، وبما لها من رَهافةٍ ودِقة تأليفٍ، وانسجام حروفٍ، في أعطى الكرامة لونها وأعطت الشاعرة بُعدٍاً عن التنافر، وتقارُب المخارج.(في نزف نحرك والجوارح عواركُ).
اقتباس:
يا أيها البحرُ العميقُ وغمرُهُ
أنتَ البقـاءُ وقاتِلوكَ هوالِكُ
.
يا أيها القدّيسُ نعشكَ قِبلةٌ
للعاشقينَ، شعائرٌ ومناسِكُ
.
يا ساقيَ الأرزاءِ سيلَ تجلّدٍ
أزِفَ القِطافُ وضورُ زُهدِكَ ناهِكُ
.
يا حاملاً ورعَ الإلهِ بصيرةً
بأكفِّها كفُّ الجنانِ تُشابِكُ
.
يا ناثرَ الآياتِ شمسَ هدايةٍ
للعالميــنَ وكيدُ خصمِكَ حالِكُ
العنصر الذي يميز الشعر عما سواه هو الإيقاع في القصيدة فضلا عن أنه يتخلل البنية الإيقاعية للعمل، (يا أيها البحرُ العميقُ وغمرُهُ) فالعناصر اللغوية التي يتشكل منها هذا العمل يحظى من تلك الطبيعة المميزة بما لاتحظى في الاستخدام العادي، حين جعلت من البحر العميق كنية لسيدنا الحسين (أنتَ البقاءُ وقاتِلوكَ هوالِكُ) بإشارة بلاغية حيث مازال إسم الحسين يتردد ويغزو المسامع الى يوم القيامة، "فمن خلال النغم الصوتي المتمثل في الوزن والقافية ووتر داخلي يتجلى من خلال النغم النفسي العميق([4])" ومن هنا أشار أدونيس الى العلاقة الوشيجة بين الإنفعالات النفسية والكلمة في النص بـ (قاتلوك هوالك).
وثمة أمر هام آخر وهو "أن البنية الشعرية في (جحفل الماء) لاتبدو في بساطة تلك الظلال الجديدة لدلالات الألفاظ، بل إنها تكشف الطبيعة الجدلية لهذه الدلالات،( يا أيها القدّيسُ نعشكَ قِبلةٌ ) وتجلو خاصية التناقض الداخلي في ظواهر الحياة واللغة بـ (للعاشقينَ، شعائرٌ ومناسِكُ) الأمر الذي تعجز وسائل اللغة العادية عن التعبير عنه، ويحسب هذا للشاعرة هديل.
جزء كبير من قيمة الشعر الجمالية يُعزى إلى صورته الموسيقية، (يا ساقيَ الأرزاءِ سيلَ تجلّدٍ) بل ربما كان أكبر قدر من هذه القيمة مرجعه إلى هذه الصورة الموسيقية، في ذكر الإمام الحسين عليه السلام بالتلميح بالأبيات أعلاه ومدحه.
وتوالت النداءات في المقطع أعلاه بخمسة أبيات هن: يا أيها البحرُ، يا أيها القدّيسُ، يا ساقيَ الأرزاءِ، يا حاملاً ورعَ الإلهِ، يا ناثرَ الآياتِ.
وهذا ينبه إلى وجود عنصر زماني معين في الإيقاع، إذ ان النسب المكانية تكتسب قيمة زمانية حين تعمل بعض المساحات على اجتذاب الحس مدة أطول من بعضها الآخر.
والإيقاع هنا تَميل معه الأذنُ، وتَطرَب له النفسُ! فإن توزيع الكلام في قصيدة الهديل بهذه الصورة ليكون نتيجة حتمية لطبيعة الأوزان التي تَنْظِمُه وهي إحدى السمات العفوية للإيقاع المرئي.
ويتميز ايقاع القصيدة في تشكيل الرسوم الفنية، ليس من الخطوط، وإنما من كلمات القصيدة ذاتها. ومن ظاهرة التشكيل وحركته فيما يتعلق برواية الحكاية المثيرة، وواقعة الطف التي تُوجب التفصيل في الجزئيات. اقتباس:
ما زالَ صوتكَ رغمَ صمتكَ صادحًا
بالحقِّ، فــــي حَرَمِ المسامـعِ بارِكُ
.
ما زالَ جرحُ اللهِ يرمُقُ ثـأرَهُ
عِبرَ الدهورِ فخطبُ طَفِّكَ شائِكُ
.
تبقى قيامتكَ الجليلةُ محورًا
للخالدينَ مقاومٌ ومُشارِكُ
.
تسمو بها سُحبُ البطولةِ عاليًا
وتحطُّ في دركِ الجحيمِ ممالِكُ
.
تبقى الحسينَ إمامَ منبرِ أحمدٍ
وبغيرِ سيفكَ لا تُقادُ معــــارِكُ