نحن في الحزن أجمل
بهذا استشهدت الآنسة احلام المصري مداخلتها
فاستعرتها لتكون مدخلي أنا أيضاً.
محبة وإكبار..
ورد في موضوعكم أعلاه مصطلح (سايكولوجية التغيير)
وفي شرح موجز وبسيط أوردتم أنها تتيح للفرد التخلص من التراكمات السلبية تدريجياً.
وبادئ ذي بدء أستشهد بماقاله د. حسن الموسوي : (أن التغيير الداخلي والتغيير الخارجي ليسا نقيضين، بل يلتقيان، فإذا كان تقدم التغيير الداخلي، فإنه لا بد ان يحدث تقدم في التغيير الخارجي اذا لم ترتبط عجلته بتقدم المجتمع وتطوره الواضح وباستعداده للتغيير الخارجي مراوحا في مكانه ان لم يكن عرضة لما هو اسوأ وضحية للحلول الوقتية، وسببا للهروب الى ما هو ابعد عن مواجهة الحقيقة، وكما هو معروف فإن التغيير الخارجي، ما هو الا دلالة للمكونات الداخلية للفرد).
ان كل الدعوات الداعية للتغيير لا تؤدي الى تحقيق التغيير المنشود، بل تضعه في مأزق خطير، وبذلك قضت الحكمة الالهية حين ربطت بين الامرين على سبيل العلة الواجبة، حيث يقول الله في التنزيل العزيز '(ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)'.
وهنا قد لا نختلف كونكم أوجزتم، بغية الدخول بالمغزى مباشرة، ولا ضير.. متجاوزاً الحكم المباشر واتهام الكل بالجزء.
ولكن قبل هذا علينا التوقف عند اهتمام علماء النفس (السايكولوجيين) بدراسة الشخصية (عاطفياً وسلوكياً وأدراكياً، ومن ثم العلاقات المجتمعية).
بعد أن وجدتكم قد أثرتم الموضوع ولم نتعرف على معالجاتكم للقضية، أما مسألة الفرح والحزن بشقيها فهي مرمية على الطرقات، ولا ميزة للكاتب بنشرها على علّاتها.
فهل فكرتم بمعالجتها عن طريق السايكو دراما مثلاً؟.
إذ كما تعلمون هو توع من أنواع العلاج النفسي، عن طريق تفريغ المشاعر والإنفعالات عن طريق التمثيل، ومن خلالها تعالج الصدمات العاطفية والعنف الأسري.. إلخ.، ومن أمثلتنا (المسرح الحسيني) و (مسرحيات كريم عبدالله في مشفى الأمراض العقلية).
وهناك حقيقة يبدو إنها قد غابت عن جنابكم الموقر، أن الأمر يتعلق بالسايكوباث، الذي يتناول اضطراب الشخصية، والسلوك المعادي للمجتمع، وضعف التعاطف.
أما الذي حفزني للرد هو استخدامكم لكمة نحن
"نحن نعاني لأننا نعشق الحزن"
لماذا نعاني؟.
ومن قال ذلك؟.
على العكس تماماً، فنحن نشتري الحزن، بدلالة شرائنا للأقراص المدمجة (أغانٍ محزنة وأفلام مبكية)
وأما الدموع فهي صحية لتنقية العيون من الشوائب، ووسيلة لخفض القلق، وتعبير صادق عن الإنفعالات.
ثم ماقيمة الفرح إن لم يكن له معادل موضوعي يعاكسه بالإتجاه ويساويه بالقوة؟.
ثم ماهي التراكمات السلبية؟.
حقيقة تناولت الموضوع بداية من الجانب النفسي تماشياً مع تركيزكم الكامل.
ولكن لو عدنا إلى علم الإجتماع، وتأملنا الإتفاقات الكثيرة بين الشعوب ، من حيث المشتركات.. لتبين مايلي :
اللون : الأسود في الأتراح، والأخضر في موائد القمار ، والمشافي، والأبيض لبدلات الزفاف.
الموسيقا : وهذا ينطبق على التلقي السمعي والذائقة المشتركة - مع فارق البناء الأفقي الشرقي عن البناء النسيجي الغربي - حيث أن الموسيقا (الشرقية والغربية) تتشابه تقريباً، من حيث المغزى التوصيلي، في التعازي والأفراح والمارشات العسكرية والترقب.
ألهيأة : ثمة تشابه كبير - رغم اختلاف الزي - بين أغلب الشعوب، ومثال على ذلك نرى الفرد الشرقي يضع غطاءً (أسود بالغالب) على الرأس والغربي يضع النظارة السوداء.
أللغة : (وهنا أتحدث عن تجربة شخصية، وليس عن حقيقة علمية، إذ زرت إثنتين وعشرين دولة، منهارالعربية ودول البلقان والأوربيتين والاسيوية) وجدت تشابه المفردات التي تتردد في المناسبات بشكل مدهش، وأحياناً تكون حرفية ولكن بلغة مختلفة.
إذاً نحن أمة لا تختلف عن غيرها بالطقوس والعادات المجتمعية.
لكننا نتميز عن البعض بفرط الحزن الذي صيّرنا شعراء وإن لم نكن، إذ أن لغتنا بتعدد لهجاتها لغة شعرية ولا تشكو من جفاف عاطفي كما في أغلب دول الغرب وأمريكا.
أمثلة
أللهجة العراقية: گلبي، روحي ،عمري، عيوني، أغاتي، بعد بيتي، عونك، فدوة لطولك، فدوة لگلبك.. إلخ.
اللهجة الخليجية: يابعد عمري، فديتك، بعد طوايفي، عونك، بعد چبدي، على امرك.. إلخ.
اللهجة الشامية : تؤبشني، تِشْكِل آسي، سيدي، عين الله حولو، تؤبرني.. إلى آلخ.
اللهجة المصرية : ياخويه، يانن عنيا من گوة، رءيتك من عين حسادك، يا أرض احفژي ماعليكي.. إلخ.
اللهجات المغاربية : كنت أحفظ بعضها، ولكن لهجاتهم لا يعرفها إلا الله والراسخون بالعلم، وهي أيضاً تحتوي على مفردات عاطفية رائعة.
ثم من قالك لك أن الحزن يولّد طاقة سلبية؟.
من المتعارف أن الإبداع الوجداني، لا يتأتى إلا بعد عسر وضنك - مع بعض الاستثناءات - لذلك أبدعنا في الغزل، والشعر، والحكاية، والغناء والرقص، ورقصاتنا تعبيرية أكثر من مثيلاتها في الجنس من دول أخرى.
نخلص من هذا أن الحزن ميزة لاسُبّة.، وعلى العكس، فإن الحزن أعظم إجراء عاطفي وبعض عظمته تكمن في صدقه.
وطالما تطرقتم للقرب من الله وطاعته، ولزوم أوامره وكثرة مخافته، وجب عليَّ بتذكير جنابكم الموقر بضعف نبينا الأعظم حين عانى ماعانه حتى قال (رب إني مغلوب فانتصر)، وبحزن يعقوب، ومظلمة يوسف، وصبر أيوب، وحرق إبراهيم، وقهر لوط، وغدر أحد الحواريين للمسيح، ورحلة موسى في لجة بحر، وأزمة يونس.. إلخ.
فالحزن يا جميلتي، ناموس الألق، وموئل الإبداع، وأهم أسباب بناء الذات.
أرجو أن لا أكون قد تسببت بإزعاجك مولاتي، وارجو اعتبار مداخلتي هذه، تفكير بصوت مسموع.
أكرر اعتذاري أيتها الفاضلة.