ألالتزام يعني حرية الاختيار وهو يقوم على المبادرة الإيجابية الحرة من ذات صاحبه ، مستجيباً لدوافع وجدانية نابعة من أعماقه.
من طبيعة العمل المسؤول أن يكون هادفاً إلى غاية معينة .. وللإلتزام الفكري هدف ، هو الكشف عن الواقع ، والسعي إلى تغيير ماليس سليماً فيه ( محمود امين )
أن القدامى من الأدباء والنقاد والشعراء لم يكونوا يعون هذا ، ولم يتخذونه فلسفة .. لكنه موجود ضمناً. ويظهر بين الحين والآخر من خلال ديوان شعري أو نظرية فكرية أو عمل فني او من خلال سيرة فيلسوف أو أديب أو فنان.
والالتزام المدون وردنا من اليونان من خلال موت سقراط وإفلاطون بالتزاماته الخلقية المثالية في جمهوريته .. أما أرسطو فقد نادى بنظرية (( التطهير )) وهي أول وجهة من وجوه الإلتزام في العمل الأدبي بمنظار المنفعة ومعنى التطهير.
قال أرسطو في معرض حديثه عن المأساة : أن المأساة محاكاة فعل نبيل تام ، بلغة متبلة بملح من التزيين ، وهذه المحاكاة تتم بواسطة أشخاص الحكاية ، وهي تثير الرحمة والخوف فتؤدي إلى التطهير من هذه الانفعالات ( أرسطو/ فن الشعر )
وإن الأعمال التي تدور حول معاناة مشاعر الخوف والقلق والرحمة والشقاء وما إلى ذلك مما يثيره الحديث عن شرور الحياة وأمراض الناس الإجتماعية والنفسية والخلقية وذلك عن طريق تراسل المشاعر بين الجمهور والشخصيات التي يصورها العمل الأدبي.
وعلى الرغم من التناقض القائم بين مثالية أفلاطون وواقعية أرسطو إلا أنهما يتفقان على الغاية الخلقية والمناداة بها في كل عمل أدبي .. وهنا أراني أجد قول لابروبيير خير شاهد حين قال : حينما تسمو القراءة بفكرك وتلهمك مشاعر النبل وعلو الهمة ، فلا تبحث عن قاعدة أخرى للحكم على الكتاب ، فهو عمل جيد قد صنعته يد ماهرة. ( لابروبيير / ألطباع )
وقال ديدرو : ألعمل الفني ينبع من الواقع ويستمد منه عناصر وجوده العامة.
وإن العمل الخالي من المضمون الفكري ، لايعتد به من وجهة النظر الإجتماعية وهو يرى أن بين الخير والحق والجمال وشائج وثيقة. ( ديدرو / مقالة في الجمال )
ثم توالت النظريات حول الالتزام كـ ( كانت ، وهيغل ، وسان سيمون ، وأوغست ، وغوته ، وأدغار ألان بو ، وفلوبير ) .. إلخ.
لكني أود أن اتوقف عند نظرية الواقعية الاشتراكية التي أطلقها مكسيم غوركي المنطلقة من تعليمات ماركس ونظرية الجدل المادي التي نستطيع ان نستخلص منها ان الانسان لابد له قبل الاهتمام بالسياسة والعلم والدين والفن من ان يحصل على طعامه وشرابه وملبسه ومسكنه وسائر ما يؤمن له أسباب العيش وأن كل حياة هي ذات بنيتين .. بنية دنيا المتمثلة بالنتاج المادي وبنية عليا متمثلة بالنتاج الفكري حيث يقول : ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم بل على العكس من ذلك . ان وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم.
ويًُعتبر هيغل أبرز من لفت النظر في الفن الى الاعتبارات التاريخية والاجتماعية
وأودُّ ان اتوقف أيضاً عند جان بول سارتر رائد الوجودية في العصر الحديث وأول من نظَّم أسس الإلتزام بكون الإنسان هو الوسيلة التي تكتشف بها الأشياء ولاقيمة لشيء غير الذات الإنسانية وأن الفكر انعكاس للمادة وإن الإنسان موقف يتحدد عن طريق وعي القيم.
وقد عالج قضية الأدب حين تناول ثلاث مسائل هي : ما الكتابة ؟ .لماذا نكتب ؟. لمن نكتب؟ ( سارتر / مواقف ).
ولي عودة إن شاء الله.
محبتي واحترامي.