النّص : إعتراف
النّاص : عمر مصلح
القراءة : جهاد بدران
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النص :
ــــــــــــــــــ
جَلَدْتُ ذاتي.. فاعتَرَفَتْ إِحدى بنات أَفْكاري، بأَني مازلتُ على قيدِ الغَفْلَة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ
القراءة :
من خلال العنوان / إعتراف/
يتضح لنا أن قبل عملية الإعتراف كانت هناك مسألة جدلية بين هيأتين مختلفتين، وكل هيأة تحاول إقناع الآخر بما تحمله من آراء وأفكار، حتى تمّ الإعتراف بعد بذل جهد معين، فالجهد هنا قبل الإعتراف هو رهن الحدث ليتم التخلص من هذا الاضطراب الناتج من النقاش الحاصل بينهما... وبعد عملية ضغط معينة تم استدراج الإعتراف كوسيلة لعملية التنفيس الذاتي للتخلص من الشوائب العالقة في الذات..
نلاحظ أن العنوان جاء نكرة، لتسهيل عملية التدبر في أبعاده واستنباط تأويلات مختلفة تخدم قضايا متنوعة بوجهات مختلفة.. وهذه النكرة تعطي اتساع للخيال وإعداد منافذ متسعة للفكر لإنشاء قواعد وعمليات متشعبة تساهم في تطوير عملية التفكير الإبداعي وتحفّزه على مناحي جديدة من الطرق الإبداعية..
في عملية الإعتراف وحتى تحمل صفة هذه الكلمة المحمّلة لأوجه كثيرة، يتم في مضمونها حق التنازل عن مبدأ معين أو فكر معين أو منهج معين، يضطر المعترف به أن يقتنع تماما بوجهة نظر الآخر، ليتم توقيع الإعتراف بكل حيثياته وجوانبه..
ثم يمكن أن يكون من خلال الإعتراف تنازل عن وجهة نظر صاحبها أو إعادة محاسبة للذات وبرمجة جديدة لأفكاره ونهج أسلوبه، وهذا يتعلق بصفة الشخص نفسه وقدراته التي يتصف بها إن كان صاحب وعي وفكر متطور يتلاءم مع حيثيات البيئة المتغيرة...
وهذه الومضة بحيثيات حروفها ومعالمها تومئ لنا لكل قضية ولكل موضوع في كل مناحي الحياة، خاصة أنه لم يضع الكاتب نوعية الإعتراف الذي دار* بين بنات أفكاره وما حملت معها من قيد الغفلة..
هذه الومضة تدور في دائرة الذات، وتنحني في مكامن الفكر وما ينشأ عنه من أفكار في حدود تفكير الشخص نفسه،
نأتي لأبعاد الحروف ف هذه الومضة، وما انصهر فيها من معاني ودلالات بتأويل ما يستنبطه التفكير في تراكيبها البنائية..
حيث تبدأ بفعل ماضي، وليس فعل مضارع أو أمر ، وهذا له دلائل تخدم معالم النص التكوّرة في بعض كلمات، حيث يقول الكاتب:
/ جَلَدْتُ ذاتي../
عملية جلْد الذات هي عملية تأديب أو عقاب أو تأنيب أو توبيخ، كلها وأكثر تندرج تحت سقف الجلد كنوع من أنواع عملية التغيير للذات المجلودة، وبما أن الجلْد جاء للذات، هذا يعني أن صاحبها يملك قدرة عظيمة في التحكم بالذات وقوة في السيطرة على السلوك والانفعالات الذاتية، وهذا طبعًا عامل قوي جدا في عملية التغيير والتطور، لأن عملية تغيير للإنسان، سلوكه أو نهج حياته، أو مستوى تفكيره، تبدأ من قوة الذات الداخلية وليست من خارجه..
حيث قال تعالى:
" إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ " [الرعد:11]..
فالتغيير حتى تتم آثاره يحتاج لأداة تساهم في هذا التغيير، أداة تعبر بقوة عن إحداث هذا التغيير، والكاتب هنا جعل من عملية الجلْد للذات أداة تبرهن أنه قام بهذا التغيير الفعلي، وإلا لن يحدث له آثار إذا لم يستعمل الجلد، فالجلد دليل على إحداث هذا التغيير المتكامل..
إن عملية جلد الذات هي أصعب بكثير من جلد شيء أو أحد آخر، لأن الإنسان الذي يجلد الآخرين ليس كمن يجلد نفسه، فهو يشعر بألم ذاته بعد جلدها أكثر من جلد غيره..
لذلك عملية محاسبة الذات ومعاقبتها أصعب على النفس من غيرها..وهذا دليل القوة والعظمة في تجنيد حواسه للمحاسبة لذاته نفسها، ومن يتقن محاسبة الذات فهو يتقن مسك زمام الأمور والحكم في أمور وقضايا حياته بطريقة سليمة عادلة لا يظلم بها أحدا...
بعد عملية الجلد بما تحمله من عقاب، إما يكون الإعتراف وإما لا يكون، لكن القوة والأسلوب الذي يستخدمه الجالد هو الذي يبرهن على قدرته في إعتراف الذات المجلودة..
/ فاعتَرَفَتْ إِحدى بنات أَفْكاري،/
هنا تمت عملية الإعتراف، لكن لم تكن متكاملة، لأن الكاتب جعل إحدى بنات أفكاره داخل خط الإعتراف وليس كل بنات أفكاره، وفي هذا نوع من الذكاء الفكري وانتقاء الألفاظ بحرفية مطلقة، لأن الإعتراف الكامل يعني نزع كل مقومات الذات السابقة لمقومات جديدة ، وهذا بطبيعة الحال لا يأتي بعلية تغيير فورية إنما تحتاج لعدة جلسات في المحاسبة وجلد الذات لتستقيم، وهذه طبيعة بشرية مجبول عليها الإنسان، ولأن الكاتب أراد من إحدى بنات الأفكار ليوصل لنا فكرة التغيير على أنها عملية استدراجية تتم على مراحل، لأن الإنسان ليس ملاكًا ليغير من نفسه عالفور، فهو يحتاج للمدّ والجزر مع الذات لتثبت على القاعدة الجديدة التي انبثقت بعد عملية الجلد...
/ بأَني مازلتُ على قيدِ الغَفْلَة./
هنا جاءت مراسيم الحدث لقمته في ثوب الإعتراف، بأن ذاته كانت مرهونة بقيد الغفلة، حيث اشترط بتركيب الغفلة بالقيد، حتى يصل بنا الكاتب أن الغفلة كانت تقيده حتى يقل لنا أن سبب الإعتراف هو هذا القيد الذي يتعرض له الإنسان، فإما يملك القوة لكسر هذا القيد وإما يتركه على حريته في التلاعب بأبجديات الذات..
فالقيد جاء ليكمل عملية الإعتراف لسبب جعله يباشر في جلد الذات...
أما ومعالم الغفلة وما يندرج عنها من معاني مقتبسة فهي:
مفهوم الغفلة ومعناها:
الغفلة: سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ.
والغفلة: متابعة النفس على ما تشتهيه.
والغفلة: غيبة الشّيء عن بال الإنسان، وعدم تذكّره له.
والغفلة عن الشيء: نسيانه، وإهماله، والإعراض عنه..
هذا كل ما تحمله الغفلة من معاني وأصعبها الغفلة عن الله وذكره...
لذلك من خلال هذه المعاني كان حقًا عالكاتب أن يجعل الغفلة بالقيد كي تستدرج عملية الإعتراف بأنه ما يزال على هذا القيد من الغفلة وهذا الإعتراف هو عنصر المفاجأة والدهشة.. وهذا الإعتراف بهذا القيد هو أول خطوات مراحل التغيير وبدء الانتصار على الذات الغافلة...
لكن ليس من الهيّن على الإنسان أن يبقى داخل دائرة هذا القيد الذي إذا استمرت قيوده فستحطم النفس لتتتبع عملية هوى الذات دون رادع لها أو قوة...
الشاعر الكبير والفنان البارع متعدد الحرف والقدرات
أ.عمر مصلح
بوركتم وبورك قلمكم على ما تقدمونه من نوافذ إبداعية تطل على الأدب من أوسع الأبواب..
تملكون القدرة الهائلة في تطويع الحرف بفنون مختلفة وبمسارات متعددة..
هنيئًا للأدب ما تحملونه من حرفية وبراعة وإبداع..
حفظكم الله ورعاكم
.
.
.
.
جهاد بدران
فلسطينية