كان اشتغالك آنستي بداية على الجدل الديالكتيكي بين الأنا وأنا، هذا الصراع التشكيكي بالقدرة على انتزاع مكنوانات الآخر باستفزاز مشاعر كل منهما، وهذا اشتغال على استغلال الحالة النفسية المتعرجة الأتجاه، كما حركة الممثل على الخشبة حين تكون قراراته متضاربة بأن أقول آو أصمت، أو أندفع ولا أتقدم.
وبنظرة من عين ثاقبة مبصرة وهذه العين تستحق أن تمطر لؤلؤاً بدل الدموع، وترقص على رموشها فراشات الجنة، إذ ترى مالا يراه الآخر من حيث انتخاب العنوان ولماذا كان نكرة وليس معرّفاً.. هنا صار واجب عليَّ أن أتعرف بجهاد بدران، وأعتبرها أل تعريفي، وذلك ليس مجاملة أو تزويقاً لفظياً بل أن من تمتلك هذه المديات من الرؤية والرؤيا تستحق أن نتعرف بها، لكي نزهو معها.
عمداً على بدء وليس عوداً، كوننا مازلنا في عز مغازلة القارئ، بعد أن وضّح المقروء بسلاسة بوح.
تناولت بدران الثريا والعتبة بهندسة المعرفة ووضع حجر الأساس للجملة، وهذا أمر يتوجب معرفة انسكلوبيدية خطيرة.
(هذه الومضة تدور في دائرة الذات، وتنحني في مكامن الفكر وما ينشأ عنه من أفكار في حدود تفكير الشخص نفسه)
في هذا المفصل تمكنت الغالية جهاد من فك شفرة بناء النص الذي نحا نحو البنية الدائرية لا العمودية الأرسطية او الأفقية البرختية، بل إلى بنية دائرية أي الإنتهاء من حيث بدأ، وهذا اشتغال على اتجاه العبث واللامعقول، وفق تنظيرات (كيركيگارد) والتي عززها (صاموئيل بيكيت).
ولم تكتفِ هذه الأميرة بذلك بل اقتحمت بيوت الجملة من كلمات، وفحصت كل غرفها التي هي الحروف، وإذا بها تنطلق بسرعة ضوئية حيث اكتشفت تفاصيل اللعبة التي رسمتُ من خلالها هذه الجملة كسلحفاة في سباق العدو، أقول انطلقت كالـ (بيب بيب) في أفلام الصور المتحركة، وركضها كان دليل اناقة ورشاقة هيأة.
منطلقة من أن الذي حدث مبني على فعل ماض.
عجيبة هذه الجهاد الرائعة.
حيث قامت بتحليل للسايكولوجية وقارنتها برد الفعل المنبثقة من روح الفسيولوجية، وهذا لا يلجه إلا من أتقن اللعب مع كبار علماء النفس كفرويد وبافلوف ويونگ وماسلو.
حيث حللت النص، ولم ترض بهذا أيضاً بل تناولت الجسد أيضاً، وهنا أحسد نصي البسيط هذا، فاستذكرت قصيدة ديوان شعرٍ للسياب التي أجتزئ منها :
ديوان شعر ملؤه غزل
بين العذارى بات ينتقل
أنفاسي الحرّى تهيم على
صفحاته والحب والأمل
ياليتني أصبحت ديواني
لأفر من صدر إلى ثاني
إذ طالما يكون التناول بهذه الطريقة فلا أخجل من حسد كلماتي، متمنياً أنا الجملة لا الجمّال.
وبعد هذا تنهرني نفسي حتى تمرغت بالفشل حين استعارت آية قرآنية كريمة، لتؤكد ما ذهبَت إليه لا ما أنا ذهبتُ إليه.
ولكن لا بأس، فالمنازلة الجمالية مازالت قائمة بين جموعي الفقيرة البسيطة وحشود قبائل النساء المتخندقات خلف اسم واحد.. وإذا بها تكر ثانية وتجلدني كأي محترفة تنكر هذا وتعلّق عملية الجلد في رقبتي، لتقول كبيرهم علمهم السحر.
وحين ولجت غرفة تحقيق اعترافات إحدى بنات أفكاري، نظرت إلي بنصف عين مع رفع حاجب، لتقول.. والآن ماذا تقول، هل ستبقى غافلاً أم تتخذ من هذه الإعترافات درساً أيها المجنون؟.
وهنا اعترفت بكل ما كنت أخفيه، وأقول، لك اليد الطولى بانتزاع اعتراف من مَن كان محققاً ذات غفلة.
جهاد بدران، بغياب وعيك تتعثر نصوصي في گراجات نقل الموتى، وبغياب جمالك نصلي صلاة الجنازة على الألَق، وبغيابك عليَّ الثبات لأنني سأُسأَل.
محبتي وبيادر ورد.