الموضوع: نكوص
عرض مشاركة واحدة
قديم 08-31-2025, 07:07 AM   رقم المشاركة : 10
أديب وناقد
 
الصورة الرمزية عباس العكري






  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :عباس العكري غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
 
0 وسام

افتراضي رد: نكوص

ثِقَل النكوص: قراءة نقدية في قصة قصيرة جدًا للفرحان بوعزة


في قصة "نكوص"، يرسم القاص المغربي الفرحان بوعزة مشهدًا رمزيًا شديد الكثافة: رجل يتأمل الجبل ثم يبدأ الصعود طامحًا إلى العلو. غير أنّ الجبل، وكأنه كائن واعٍ، يدحرج نحوه صخرة كبيرة لكنها تخطئه. المفاجأة أن البطل لا يزيحها ولا يتجاوزها، بل يقرر أن يحملها على كتفه، مرددًا: "عليّ ألا أصل إلى القمة". النص، في بساطته الظاهرية، يعكس مأساة داخلية أعمق من مجرد مواجهة مع الطبيعة. يضاهي في كتابته " حسن برطال بوشاح شعبي يعانق عبره هموم طبقات المجتمع المهضومة الحقوق في أبعادها المحلية والوطنية والقومية والإنسانية" (حمداوي، 2007)

المشهد يحاكي مباشرة أسطورة سيزيف " يجب عليه أن يجعل صخرة هائلة تنمو إلى ما لا نهاية، ويجعلها تتسلق منحدر الجبل. عند وصوله إلى القمة، رأى صخرته تتدحرج إلى أسفل المنحدر، مما أجبره على البدء في إعادتها إلى القمة إلى الأبد" (الخويلدي، 2024)، غير أن بطل بوعزة لا يُجبر على حمل الصخرة مرارًا، بل يختار حملها طوعًا ليحولها إلى قيد داخلي يمنعه من بلوغ القمة. المفارقة تكمن في هذا الانقلاب: النكوص ليس نتيجة هزيمة خارجية، بل قرار إرادي بالانسحاب أمام احتمالية الإنجاز.


الجبل هنا يتجاوز كونه طبيعة جامدة، ليصبح فضاءً رمزيًا يتقاطع فيه الزمان والمكان وفق مفهوم الكرونوتوب عند باختين." الكرونوتوب المفضل عند باختين هو بالطبع كرونوتوب التاريخ، أي تاريخ أنماط الحياة والعادات والمؤسسات والمجتمعات" (المودن، 2000)، الصعود يمثل حركة نحو المستقبل، والقمة تجسد طموحًا أو غاية قصوى، لكن الصخرة المحمّلة على الكتف تحول هذا الزمن إلى زمن معطّل، مسار يتكرر في حلقة مغلقة. العنوان "نكوص" يوجّه القراءة منذ البدء، ممارسًا ما وصفته الحمادي (2024) بسلطة العنوان كعتبة نصية تتحكم في أفق التلقي. هنا يُفرض على القارئ أن يرى الفعل لا كصراع بطولي مع الجبل، بل كهروب داخلي من القمة.
من منظور نظرية التلقي عند ياوس، يبني النص خيبة مقصودة في أفق انتظار القارئ.

المتوقع هو أن يواصل البطل صعوده أو أن يتجاوز العقبة، لكن النص يخرق هذه التوقعات ويعيد تشكيل التجربة باعتبارها انكسارًا إراديًا. إيزر بدوره يرى أن النص يترك "بياضات" يملؤها القارئ (شيخ & بليصق، 2022)، وهنا تتجسد الفجوة في غياب تفسير واضح: لماذا حمل الصخرة؟ هل هو خوف من مواجهة القمة؟ أم تواطؤ مع هزيمة ذاتية سابقة؟
القفلة تكثّف المفارقة: "عليّ ألا أصل إلى القمة". الجملة لا تُقرأ بوصفها قناعة آنية فحسب، بل كفلسفة انسحاب، وربما شكل من أشكال "الوعي التعيس" بالمعنى الهيغلي. "فبحسب هيغل، الروح هي "الذاتية الحقيقية التي حققت ذاتها"، أي أنها لا تكتفي بأن تكون ذاتًا تعرف، بل تصبح ذاتًا تعرف أنها ذات وتدرك ذاتها في الآخر "(أمين، 2025) القصة بهذا المعنى ليست عن الجبل، بل عن الذات التي تخلق قيودها وتمنع نفسها من تحقيق العلو.


إذا كان سيزيف عند كامو يرمز إلى التمرد في وجه عبثية الوجود، فإن بطل بوعزة يرمز إلى الاستسلام أمام عبء ذاتي مصنوع. النص يطرح أسئلة فلسفية أكثر مما يقدم إجابات: هل النكوص هزيمة، أم هو شكل آخر من المقاومة السلبية؟ وهل القمة تمثل غاية يستحق الإنسان أن يدفع ثمنها، أم أن بلوغها وهم يخشاه البعض أكثر من إخفاقهم؟


المراجع
الخويلدي، ز. (2024، 22 يناير). أسطورة سيزيف عند ألبير كامو. إيلاف.
https://elaph.com/Web/Culture/2024/01/1526796.html

الحمادي، م. أ. ع. م. (2024). رمزية عتبة العنوان في قصص لولوة المنصوري. مجلة الآداب، (148)، 96. جامعة بغداد. https://aladabj.uobaghdad.edu.iq/ind...383/3688/11812


شيخ، ع. ر.، وبليصق، ع. ن. (2022). أسس نظرية التلقي عند "آيزر" وأثرها في الرواية الجزائرية المعاصرة: رواية تاء الخجل لفضيلة الفاروق أنموذجًا. القارئ للدراسات الأدبية والنقدية واللغوية، 5(5)، 440-455. https://asjp.cerist.dz/en/article/210959

حمداوي، ج. (2007، 5 نوفمبر). تطور القصة القصيرة جدا بالمغرب. دنيا الوطن. https://pulpit.alwatanvoice.com/cont...nt/109441.html

أمين، ع. (2025، 15 أغسطس). الروح الذاتية عند هيغل: الوعي بوصفه حركة وتحقّقاً. العربي الجديد.
https://www.alaraby.co.uk/blogs/%D8%...82%D8%A7%D9%8B

المودن، ح. (2000، سبتمبر). الزمان والفضاء في الرواية: من خلال كرونوتوبيا هنري ميتران. منبر الدكتور محمد عابد الجابري، (34).
https://www.aljabriabed.net/n34_11muddan.htm







  رد مع اقتباس