سلام من الله و ود ،
ملخص قراءة نقدية جمالية و زاوية رؤيا في نص ( دعني أنام للشاعرة أ. هديل الدليمي )
رابط النص : https://www.nabee-awatf.com/vb/showthread.php?t=33787
__________________________________________________ ___________________
تروح بنا الشاعرة في قصيدتها، في رحلة عميقة ومؤلمة ؛ فاتحة رائحة الحزن و الفقد و رثاء الذات و غير ذلك
إلى مواطن الذات المنهكة والروح المتعبة حد فقد النوم ففي قفلة النص تقول
دعني أنام الذي توافق في لفظها العنوان دعني أنام إنه نص يأكل الألم ويشرب الوجع
و الفقد
و يفوح ليبوح بالحزن،
وتبني عالماً من الرموز والصور تتجلى بها غربة الروح و قلق الوجود.،
فبدأت بهذا المطلع القوي لترسم صورة صادمة منسوجة بإتقان بقراءة الذات و اندفاعاتها
على تفعيلة أعانتها على بوح التناقض بين ظاهر الأمر و باطنه :
مُذ حطَّ وحشُ الفقدِ والحزنُ بيَ استقرْ
ما عدتُ تلكَ الطفلةَ الريّانةَ الثمرْ
قطوفُها دانيةٌ تراقصُ الوترْ
تلكَ التي استمدَّ يومًا ضوءهُ مِن وجهها القمرْ
هامَ بها الغيمُ
فألقى حفنةَ المطرْ
فالناصة لم تلبس قناعا زائفا يزور الحقيقة ؛ لاحظ معي إضافة الحزن و الفقد للوحش،
و في نسج الخيط الآخر من الصورة ( طفلة + القطوف جفت / تراقص /القمر/المطر)
فهذا مطلع متحرك بولويفي إنموذج،فتسكين القمر الذي هو مرفوع بالأصل – و هي للضرورة الشعرية كما لا يخفى عليكم- بين لنا المفقود لبطلة هذا النص و يحتمل غير تأويل ؛ ربما الأب ، الأخ الأكبر، المعلم القدوة ، المحبوب بشكل
عام لنفهم بالتالي إنه فقد قديم جدا على أنه عزيز فقالت غيم ألقى حفنة المطر ، فبطلة النص
هنا لم تشبع من المفقود الراحل و عاشت معه فترة قصيرة و ترك حزنا و تعلقا كبيرا مثل
سحابة صيف مرت و علمت / في جدلية الزمن و الإشباع...
بينما الضعف والحزن في الأعماق. هذه الازدواجية خيط أساسي ينسج
القصيدة بأكملها فتقول :
ما عدتُ أهوى العيشَ والبقاءْ
كرهتُ وجهَ الصبحِ والأضواءَ والبشرْ
وأنتَ، لا أثرْ
لم تكترثْ للوجعِ المخبوءِ والأنينْ
مضيتَ لم تأسفْ على قلبٍ ولا وتينْ
أرّقَكَ الوعدُ؟
أم انهارَ بكَ اليقينْ؟
فالناصة في إخراج الألم المبطن: ، إلى أداة للتفريغ الذاتي، وكأنه تعبير عن عمق الجرح الذي لا يمكن التعبير عنه إلا
لجأت للكوميديا السوداء – واعية أو غير واعية - لترسم بيانا ساحرا للكمد الذي ينفجر
إبتسامة ، و أقول ربما ، و هذا ما حصل معي أثناء قراءة النص .
تتصاعد صور المعاناة لتجدل خيطا جديدا للذهاب إلى ما يطلق عليه بالاستنجاد الروحي من خلال
روحانية الوطن و الأرض:
أم انهارَ بكَ اليقينْ؟
يا صبريَ الحزينْ
يا عشقيَ المهجورَ مِن سنينْ
يا ليليَ الممهورَ بالحنينْ
أنا ابنةُ الفراتِ والواحاتِ والنخيلْ
سادَ الصقيعُ مرتعي الهزيلْ
وعَبرتي تسيلْ
وتلعنُ الهوى
هذا المقطع يحمل دلالات عميقة في الدال و المدلول، من حيث الأنساق اللغوية مع المفقود و الموجود
؛ و أقصد الذين فقدوا كل شيء سوى الألم، وكأن وجودهم صار طباق توليف للمعاناة.
دايالكتيا هنا، يصبح الأسى ، في إشارة إلى طول أمد الحزن وتعمقه في الذات و الروح.
تصل الشاعرة إلى ذروة التعبير عن المعاناة و الغربة و عندما تقول:
( منذ خارت القوى و حبنا هوى ) لكنها تنير الظلام، رغم معانتها باستمداد القوة من الموطن
،و كأني أقرأ قصيدة السياب ( غريب على الخليج ) و هذا فيه دلالة على تناص ذكي خفي،
معه ؛
أي السياب ، و دلالة على ثقافة الناصة لا سيما في موطنها ،
لذا حملت في طياتها مفارقة مؤلمة وجمالاً حزيناً( وعَبرتي تسيلْ) إنها تضحية الذات
من أجل إضاءة عالم مظلم، حتى وإن كان متعلقا بالشاعرة نفسها. كما أن هذا الوصف ينزع عنه صفة التحديد والبداية والنهاية، ليصبح نسيجا في لوحة مشبعة بالمعاناة.
يستمر الحزن بوصفه قدرا محتوما في النص، عندما تقول:
ما عادَ يُجدي اللومُ والكلامْ
عابسةٌ قيثارةُ الشعرِ بِلا سلامْ
هيهاتَ للهديلِ أن يعودْ
الحزن هنا ليس شعورا عابرا، لا بل هو جوهر الوجود وكيانه.
فصار و كأنه شيء مقدس يروي تفاصيل المعاناة الذي باركها. هذا التماهي الكامل مع الحزن يبرز عمق اليأس والاعتراف المطلق بالقدر المؤلم.
تتضح صورة الغربة و الألم و الفقد في قفلة النص :
ما عادَ يُجدي اللومُ والكلامْ
عابسةٌ قيثارةُ الشعرِ بِلا سلامْ
هيهاتَ للهديلِ أن يعودْ
لا صوتَ للحمامْ
دعني فقطْ أنامْ
فهو كابوس دائم يغم، إشارة إلى خبايا الناصة الداخلية التي تطبق عليها؛ إذن ليس غريبا
أن تنهي الشاعرة نصها بهذه التراجيدية بنسيج آخر من خلال بيان ساحر في صوره لتصنع
هوية مفقودة وأمل ضئيل ،الذي هو جوهر هوية المعاناة في :
( دعني أنام ) ففيه تجدد و تملك مفتاح سعادة جديد لخبايا الذات و الواقع الذي تعيشه
انطلاقة و بعث جديد لكن هل سيدعها تنام ؟!!!
و هل ستهنأ في قدرها لحل لغز الألم و المعاناة و الفقد...؟!!! ربما ...
النص كان ثريا غنيا بالصور التي ما تزال بحاجة لتوضيح أكثر، وفيه من أدوات البناء المختلفة
الثرية التي زينت النص و ذهبت بألمه بعيدا ، مما يضفي عليها بعداً جماليا عميقا. أضف
إلى ذلك قوة اللغة الثائرة و الحزينة الشجنة. إنها دعوة للتأمل في خبايا الذات الإنسانية، وفي مواجهة الألم والبحث عن معنى الوجود في ظل الفقد والغربة الجوانية و الحزن و الألم كما يجب أن يكون و لا يكون
إلا بنبض حروف المبدعين و الفارسات الأصايل. إن الشاعرة أ. الهديل
تقدم لنا هنا نصاً مؤثراً ومتقناً، يترك أثره العميق في نفس المتلقي.
( و لم تدعني أنام ...!!!) .gif)
لكم القلب و لقلبكم الفرح...
أنعم بكم و أكرم ...!!
محبتي و الود