عرض مشاركة واحدة
قديم 01-30-2026, 09:58 AM   رقم المشاركة : 1
شاعر
 
الصورة الرمزية المختار محمد الدرعي





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :المختار محمد الدرعي غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
افتراضي الوطن… نبضٌ يسكننا قبل أن نسكنه

الوطن ليس خريطةً معلّقةً على جدار الصف، ولا نشيدًا يُردَّد في الطوابير الصباحية، الوطن شيءٌ يحدث في الداخل، كنبضٍ إضافيٍّ لم يُدرَّس في كتب الأحياء.

أمشي في شوارعه فأشعر أن الإسفلت يعرف وقع خطاي، وأن الأرصفة تحفظ ملامحي أكثر مما تفعل المرايا. حتى الأشجار التي لا أعرف أسماءها تلوّح لي كأقارب بعيدين، وكأن جذورها تمتد خفيةً إلى قلبي.

الوطن خبزٌ ساخن يخرج من ذاكرة الأمهات، ورائحة قهوةٍ تصعد من نوافذ الفجر، وصوت بائعٍ ينادي الحياة بأبسط مفرداتها. هو تلك التفاصيل التي لا يلتفت إليها أحد، لكنها إن غابت صار العالم واسعًا حدَّ الوحشة.

أحبه لا لأنه كامل، بل لأنه يشبهنا حين نحاول أن ننهض بعد كل تعب. فيه شقوقٌ مثل كفوف العمال، وفيه عنادُ البحر حين يرفض أن يتعب من معانقة الشاطئ. وطنٌ يتعثّر أحيانًا، لكنه لا يسقط، لأنه محمولٌ على أكتاف الحالمين.

حين أسافر، أكتشف أن المسافات ليست طرقًا بل امتحانات حنين؛ كل مدينةٍ جديدة تسألني من أين جئت، فأجيب بصمتٍ يرتجف: جئت من مكانٍ يزرعني فيه الهواء كلما اقتربت منه.

الوطن نافذةٌ لا تُغلق، حتى لو أدرنا لها ظهورنا. يظل الضوء يتسلل منها ليذكّرنا أن لنا جهةً واحدةً فقط حين تضيع الجهات.

وأعرف الآن أن حبَّ الوطن ليس شعارًا مرتفعًا، بل طريقةُ نظرٍ إلى الأرض: أن تمشي عليها برفق، كأن تحت التراب قلبًا يسمعك… وأن تهمس له كل يوم:
أنا هنا، ما دمتَ هنا.







  رد مع اقتباس