همس الياســـمين
( 16 )
ما بين مدينتين ...ورصاصتين ، عالق ٌ أنا .
ما بين وردتين ...نائمة ٌ أنت .
والطريقُ طويل جدا ، مليءٌ بالحواجز ونقاط التفتيش ، والحافلة التي ستغادر صوبَ مدينتك ، تنتظر ثلاثة مسافرين ليكتمل العدد ، وأنا في مقعدٍ جوار النافذة ... مقعد يقبع ُ في منتصف الحافلة ، تشاطرني مقعدي سيّدة في العقد السادس من العمر ...
رحلة ٌ تحمل ُكلَّ الأنظمة الصارمة ، فيها تفقد آدميتك ، تُساق ُ كالماشية ، لا تلمح سوى البنادق المشرعة في وجهك ، كثيرة هي نقاط التفتيش ، ومكررة جدا ...عن أيّ شيءٍ يفتشون عند كلّ نقطة !!
ربما يبحثون عن أحلامك الحبيسة في حنايا روحك ، ربّما هي رغبة منهم أن يحاصروك في كل خطوة ، وكأنّ هذه البلاد ليست لك ، وكأنك كائن غريب ...
تتأمل الوجوه في الحافلة ، تكاد تعرف أسباب تواجدهم ، منهم من اختار الحافلة ليعبر النهر ويطير إلى بلاد بعيدة ليلحق مقعده الدراسي في جامعة ، ومنهم من يعبر النهر ليلتقي بابنة تزوجت من ابن شقيقه ، هو غربي النهر وهي شرقيّه ... أمّا العجوز التي كانت تشاطرني مقعدي ، فابنها البكر خرج من المدينة الأرض المحتلة مع خيبة 67 ، واستقر شرقي النهر ...وقد دأبت على زيارته حاملة من عبق البلاد ما يلامس حنينه ...حاملة الزعتر والميرمية وزيت الزيتون وغير ذلك من ملامح الوطن المحتل .
تتشابه الوجوه في الحافلة ، وتختلف الرغبات بين المسافرين ...وربما تتقاطع الأوجاع وتلتقي عند نقطة واحدة ...
لا قيمة للوقت في رحلتك ...لا علم لك متى تصل ، هي ساعات ثقيلة مرهقة ، رغم أن المسافة الجغرافية بين مدينتك المحتلة والمدينة التي تنشدها لا تتجاوز الساعة والنصف ...لكنّ عناء الحدود ونقاط التفتيش والأنظمة اللاإنسانية تجعل من الوقت مجرد شيء عابر ...رحلة تفتقد لقيمة الوقت والإنسان .
رحلة فيها أنت وحدك ...محاصرٌ في كل شيء ...حتى أحلامك محاصرة ...ممنوعة .
ما بين مدينتين ...عالق ٌ أنا .
وبين سنبلتين ...تجلسين على مقعد الإنتظار ...
أكان عليك ِأن تعشقي ثائرا ...
أكان عليك أن تسكني قلبا ً محاصرا في مدينة محاصرة ! .
ماذا لو منحنا الياسمين فضاءً ليبوح فيه ...وينتشر عبقه ، ويتجاوز الحدود دون أن تحول بين أريجه وبينك نقاط التفتيش وحرس الحدود .
ـــــــــــــــــــــــ الوليد