اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عباس العكري احتراق الجذر: حين يتحول النصر إلى مشهد سقوط العدو _____________________________ هل يمكن لغزة المحاصَرة، ينهشها الموت من كل الجهات، أن تتحول إلى أسطورة حية بمجرد أن تلتقط بندقية؟ حتى وإن كان الثمن هو كل ما تبقى من الروح والجسد؟ محمد داود العونه في هذه الومضة يختزل حربًا كاملة في لحظتين متقابلتين: لحظة المقاومة ولحظة انهيار العدو. لا يقدم مشهد المعركة بتفاصيله، بل يذهب مباشرة إلى الصورة الأكثر كثافة: "يا غزة خذي البندقية بقوة"، جملة أمرية محمّلة بعزم وإرادة، تُحوِّل غزة من ضحية إلى فاعل رئيسي، ومن متلقٍّ للهزيمة إلى صانعة للحدث. الفعل اللاحق "نهضت.. قاتلت.. بما استطاعت" يؤكد واقعية النص، إذ لا يزعم أن غزة امتلكت كل أدوات القوة، بل يقيم البطولة على حدود الإمكانيات المتاحة، وهو ما يضفي على المشهد صدقًا وعمقًا إنسانيًا. "نصر" لمحمد داود العونه ليست ومضة عابرة، بل شيفرة سردية متكاملة تختصر مشهد المقاومة في ثلاثة أفعال: الاستعداد، المواجهة، والانتصار. منذ النداء الأول "يا غزة خذي البندقية بقوة"، نجد صدى واضحًا لسورة الأنفال لآية: "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ (60)"، حيث يشكل الفعل "خذي" هنا أمرًا تعبويًا مباشرًا يوازي صيغة الإعداد القرآني، لكنه يُسقَط على مشهد معاصر لمقاومة محاصرة. يتعزز هذا البعد التعبوي مع العبارة "واضربي بكل ما أوتيتِ من عزم" التي تتناص بقوة مع قوله تعالى في سورة الأنفال: "إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ (12) "، لتصبح المواجهة هنا فعلًا حتميًا وشرعيًا، حيث الضرب لا يقتصر على الفعل الجسدي بل يمتد رمزيًا إلى ضرب منظومة العدو بأكملها. وحين تهتف البطلة غزة "تلك الشجرة الملعونة.. انظروا إليها الآن.. تهوي وتحترق"، يستدعي النص الذاكرة القرآنية لرمزية الشجرة الملعونة التي وردت في قوله تعالى في سورة الإسراء: "وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60)"، لتصبح الشجرة هنا تجسيدًا للعدو التاريخي والسياسي، وسقوطها احتراقًا إعلانًا لنهاية طغيانها. هذا البناء النصي يجعل القفلة أشبه بتجسيد عملي للعنوان وللبشارة القرآنية في قوله تعالي في سورة الصف: "وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)"، حيث يتحول الفعل المقاوم إلى انتصار حسي ومرئي، ينقله السارد في صورة سقوط العدو أمام أعين المقاومين. السردية تتكون من أربع لحظات متصاعدة: النداء المُلهم، النهوض بالفعل المقاوم، القتال ضمن الممكن، ثم الانتصار الرمزي بسقوط الشجرة. هذه البنية تمنح النص إيقاعًا دراميًا متسارعًا، يبدأ بالتحريض وينتهي بالمشهد البصري الصادم، حيث النيران تلتهم رمز العدو. بهذا التوظيف للتناص القرآني، تتحول الومضة إلى نص يشتبك مع أعمق طبقات الذاكرة الجمعية، ويعيد تفعيل الخطاب القرآني في سياق سردي مكثف، يدمج بين الواقعي والرمزي، ليترك القارئ أمام مشهد مكتمل: من الاستعداد إلى الضرب، ومن الضرب إلى النصر. هذا النص، على قصره، لا يمنح القارئ مساحة للحياد؛ فهو يدفعه للانخراط في المشهد، وكأن القاص يهمس: لست مطالبًا بفهم كل تفاصيل الحرب، يكفي أن ترى الشجرة الملعونة وهي تسقط، لتدرك أن ثمة لحظة فاصلة تغير مجرى الحكاية. ويبقى السؤال الذي يعلّق النص في ذهن القارئ: اتركه ليراعكم فيا ترى ماهو؟ وما زلت أعود إلى هذه القراءة الإبداعية من حين لآخر .. مبدعنا العزيز/ عباس العكري لا كلمة تعطيك حقك .. . .كن بخير وإبداع . .ممتن لك كثيرا . .