رغم قلة عدد الأبيات فلقد جاد أستاذي محمد علينا بكم من الصور الجميلة و العبارات المنمقة التي كفتنا فعرفنا كم هو يحبها
تلك التي يخاطبها بأنه يحبها علنا و همسا واصفا إياها بأنها جراحاته، و لكنها بذات الوقت أنسه
أحبّك ِ بين إعلاني وهـمـسي
أحبّك ِ يا جــراحــاتي و أنسي
صورة غاية في الجمال عندما يشبه عشقها كالجدول فبالتالي صف غرسه على ربا جنبي الجدول
أحبّك ِ جـــــدولاً ينسابُ عشقاً
أصفُّ على ربى جنبيهِ غرسي
و هنا يصور عشقه بالروض و هي فيه طائر تغني ؛ فتداوي جراح أمسه
و هل أعذب من صورة كهذي أن تُداوى جراح شاعرنا بغناء طيره - الحبيبة-
و اختار لغنائها أن يكون عن الأيام الخوالي ، فمعنى ذلك أن شاعرنا يحن لتلك الأيام التي غدت اليوم ذكريات
و يتمنى لو أنها - طيره- تغسل بالندى يأسه
الندى هنا تقبل تفسيرين : إما الكرم و إما الندى الذي يزور الرياض صباحا يحيي كل ما فيه...
أحبّك ِ طائراً في روض ِعشقي
يداوي بالغناء ِ جــــراحَ أَمــسـي
يغنـّي لحنَ أيــامي الـخـوالـــــي
ويغسلُ في نـــدى الآمـال ِ يأسي
و بعد ما أمتعنا من صور جميلة عن حبيبته و كيف يريد لها أن تظل محبة له قريبة منه كالطير تشدو في روضه
يصل بنا الشاعر لما يعانيه ؛ فقيودها اليوم جعلت حتى الأفق سجنا !
ما أقواها من قيود تجعل الأفق الواسع يبدو سجنا
فهذه قمة المعاناة إذن...
قيودُك ِ تجعلُ الآفــــــــاقَ سجناً
أفــيــقُ مـقـيّـداً فـــيـهِ و أُمــسي
و يظل السؤال هنا : هل حبها هو القيد ؟ يفيق مقيدا به و فيه يمسي؟
أم أنه هجرها و صدها و الذي باح لنا الشاعر عنه في البيت الذي تلا عندما شبه صدها بالقتل له فيقول لها في قول يقترب للعتاب :
سفكت ِ دمي بسيف ِ الصد ظلماً
وأسدلت ِ الستارَ بـوجــهِ شمسي
معاناة يكتبها شاعرنا في عبارات غاية في الجمال و لكنها تعكس حزنه الكبير
فيا له من صد جعل الستار يسدل بوجه شمس شاعرنا !
تلك التي منحت لعينيه سهدا في لياليه
لم يقل هنا الشاعر أنها حلم ؛ فشاعرنا مسهد من فراقها، فكيف تكون حلما ؟! و لم تعد بالتالي نفسه تذوق سوى الأحزان
منحت ِ العينَ سهداً في الليالــي
وما ذاقـتْ سوى الأحزان ِ نفسي
و يستمر في شكواه : فهو مريض و لظى الآهات قد نالت منه و طعامه و شرابه بات طعمهما مرا
معاناة رسمها شاعرنا بروعة و بكلمات جعلتنا نعيش معه حاله التي صار بها منذ صدت
عليلٌ في لـظـى الآهــــات ِ إني
أعاني الــمرَّ في زادي وكأسي
و يأتي و بعدما بثها حبه، و بعد أن وصف حاله التي صار بها بصدها و هجرها ليرجوها ألا تحيل ذاك القصر الجميل الذي بناه في عينيها بالحب إلى قبر
و هنا حدد موضع القصر -عينيها- فهو لا يريد أن يرى الحب قد مات لو نظر إلى عينيها...
بنيتُ الحبَّ فـي عينيك ِ قصراً
جـمـيـــلاً لا تـُحـيـلـيـهِ كرمـس ِ
أستاذي الفاضل محمد
شكرا جزيلا لما أمتعتنا به هنا من شعر يفيض عذوبة و رقة و يفيض حبا عفيفا بكلمات جاءت كالشهد الصافي
لك و لحرفك البهي هذا تحياتي و تقديري.