الموضوع: ما بعد الكلام
عرض مشاركة واحدة
قديم 01-12-2011, 10:08 AM   رقم المشاركة : 14
شاعرة





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :وطن النمراوي غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي رد: ما بعد الكلام

اعتدنا أن نقرأ التحيات و السلام ثم يبدأ الكلام بعدها في مراسلاتنا
و لكن هنا أجد أستاذي جمال قد اختار عنوان (ما بعد الكلام) في إشارة إلى أنه قد يسلم بعد الكلام فهو ضروري جدا له في هذا الظرف...
بَعدَ المَحَبَّةِ و السَّلامْ .
بَعدَ اشتِيَاقِي و احتِرَاقِي
و الدُّمُوعِ النَّازِفَاتِ مِنَ الجُفُونِ
اْلآنَ يُمكِنُنِي الكَلامْ .
بَعدَ ارتِحَالِ غَمَامَةٍ سَودَاءَ
لِلأُفْقِ البَعِيدِ
و هِجرَةِ الأَحزَانِ لِلزَّمَنِ البَعِيد
و بَعدَ أَن كُشِفَ الظَّلامْ .

إذن و بعد أن انتهى من أيام حزنه و بعد أن بكى كثيرا ها هو يرسل كلماته لها ...
فمصره تعرضت لعمل إجرامي أودى بحياة العشرات بين شهيد و قتيل و كان للعمل أن يحفز شاعرنا على أن يبرق حال سماعه الخبر لمحبوبته (مصر) برقية يبثها حبه و مؤازرته لها شعرا
و ها هو و بعد أن انزاحت الغمامة يرسل لها سلامه و أشواقه...
الآنَ يَعزِفُنِي المِدَادُ عَلَى غُصُونِكِ
رَجعَ نَايٍ
تَصطَفِينِي رَوضَةُ الأَورَاقِ
كَي أَنسَابَ مِثلَ النِّيلِ فَوقَ سُطُورِكِ البَيضَاءِ
أَنغَامَ الحَمَامْ .
فَلَكِ السَّلامْ .
و عَلَى مُحَيَّاكِ السَّلامْ .


و كما اعتدنا من شاعرنا فهو ينتقي كلماته أنيقة و رشيقة ليبثها لها و هل أحلى من أن يجعل المداد معزفا يعزف كلمات شاعرنا على غصونها ؟ و هل أحلى من أن يجد نفسه كأنغام حمام و قد اصطفته روضة أوراق لينساب كالنيل على سطور حبيبته فيحييها بكل هذا الجمال و يبثها السلام ( فلك السلام)
و يعقب تحيته لها بتوعده لمن لطخوا ثياب طهرها بالدم و الخطيئة في صورة تنم عن شاعر مشتاق لها جدا و لكنه غاضب جدا بذات الوقت على من أساءوا لها فيتوعدهم ...
و إِلَى الذِينَ يُلَطِّخُونَ ثِيَابَ طُهرِكِ
بِالدِّمَاءِ و بِالخَطِيئَةِ
مِن شَرَايِينِ احتِدَامِي أَلفُ جَامْ .


نعود لما حدث و كما قلنا :
فمصره تعرضت لعمل إجرامي كان له أن يحفز شاعرنا على أن يبرق حال سماعه الخبر لمحبوبته (مصر) برقية يبثها حبه و مؤازرته لها شعرا لكن الخبر المؤلم قد ألجم كلماته فسكت أياما حتى نطق بعدما أفاق من أيام حزنه
فها هو يتجه بشعره لها و بكل ما يملك من حب يبثها دافعا عن نفسه ما قد يتبادر إلى ذهنها من أنه نساها
فيقول لها إنه لم ينسها لحظة لكنه الشعر الذي لم يمتثل له مع غضبه فكان في خصام مع خياله المنفي الذي يصل لتخومها فيختفي – من شدة شوق الشاعر و تعلقه بها – خلف تخومها الخضراء...
أَنَا مَا نَسِيتُكِ لَحظَةً
لَكِنَّهُ الشِّعرُ العَصِيُّ أَبَى اْمتِثَالاً لِي
مَعَ الغَضَبِ العَتِيِّ
كَأَنَّهُ ..
و خَيَالِيَ المَنفِيَّ خَلفَ تُخُومِكِ الخَضرَاءِ
كَانَا فِي خِصَامْ .

و كم من شاعر و خصوصا من يعيشون الحدث لا تسعفهم الكلمات ساعة يريدون استحضار الشعر و هذه لهم و ليست عليهم فليس أسهل من أن ينظم الشاعر كلمات في المناسبات و لكننا كلنا نشهد لشاعرنا المبدع جمال أنه ليس بالناظم و لا يجيد النظم في مواقف كهذه لذلك ظلت الكثير من قصائده حتى يومنا هذا رغم أنها قيلت في مناسبة ما محتفظة بألقها و بريقها لأنها شعر و ليست نظما ...

ثم يقدم اعتذاره لها و أي اعتذار !
هو هنا كمن يبثها وجعه مع اعتذاره و يشكو لها حاله فهو يوجه اعتذار مشرد شردته الغربتان (غربة عن الوطن و غربة عن الروح) و في وصف غاية في الروعة يصف حاله في الغربة فهو بغربته ما عاد له غير شموس غربت و ليال هربت و شريط ذكريات تظل أمام جفنه الذي أثقل سهدا...
فَلَكِ اعتذِارُ مُشَرَّدٍ فِي غُربَتَيْهِ
لَهُ الشُّمُوسُ الغَارِبَاتُ
لَهُ اللَّيَالِي الهَارِبَاتُ
لَهُ شَرِيطُ الذِّكرَيَاتِ أَمَامَ جَفنٍ مُثقَلٍ بِالسُّهدِ
جَافَاهُ المَنَامْ .
و لَكِ المَحَبَّةُ و السَّلامْ .


و يستمر في حديثه لها متمما اعتذاره لها إن تأخر في إرسال رسالة الحب لها فهو منذ أن أبرق له ساعي النزيف - الله الله على هذا التشبيه - في أذنه عن الخبر المشؤوم
و هو كراهب في محراب صمته لم يغادره و الأحزان لم تغادر صدره فكلما أرادت أن تنام أوقظها الضرام – صورة غاية في الجمال أن تتثاءب الأحزان في الصدر و كلما أرادت ان تهجع أيقظها الضرام – و أنى لها أن تغادرنا في ظروف كهذه ؟!
أَنَا يَا حَبِيبَةُ ..
ـ مُذ أَتَى سَاعِي النَّزِيفِ
يُرِيقُ فِي أُذُنَيَّ
أَنبَاءَ احتِرَاقِ البَحرِ فِي صُبحٍ كَئِيبٍ
و اغتِيَالِ شُمُوعِ عِيسَى
لَيلَةَ المِيلادِ ـ
فِي مِحرَابِ صَمتِي رَاهِبٌ
تَتَثَاءَبُ الأَحزَانُ فِي صَدرِي فَتُوقِظُهَا الضِّرَامْ .
ثم ينفجر الحرف بين يدي شاعرنا غضبا و بعد كل كلمات الحب و الاعتذار و النجوى مع حبيبته يصل بنا هنا لثورته التي يصبها في أكثر من نصف القصيدة على من أرادوا بحبيبته سوءا :
فيراهم خفافيش، ذئابًا، فئرانا،الحثالة، السفالة، النذالة، و اللئام .
يقابلها ما يرى عليه حبيبته و شعبه في أحلى و أرق الصور و هل أحلى من أن يراهم :
يماما، أقمارا، بدر التمام، غصونا، و أحلاها ما وصف به دموع مصره ؛ تلك الدموع الأبية، و أحلى ما نادى به محبوبته : بـ يا ضيا عيني...
و تَمُورُ أَسئِلَةٌ بِرَأِسِي
حِينَ أُصبِحُ ، حِينَ أُمسِي
أَيُّ ذَنبٍ لِليَمَامْ ؟
أَيُّ قُبحٍ حِينَ تَقتَرِفُ الخَفَافِيشُ الجَرِيمَةَ
تِلوَ أُخرَى
تَسلُبُ الأَقمَارَ زَهرَةَ اْلابتِسَامْ .
مَاذَا تُرِيدُ ذِئَابُ لَيلِكِ
حِينَ جَاءَت كَي تَقُدَّ قَمِيصَكِ النِّيِليَّ مِن دُبُرٍ
و تَنهَشَ لَحمَكِ العَرَبِيَّ ،
تَغرِزَ نَابَ حِقدٍ
فِي رُؤَى بَدرِ التَّمَامْ .
مَاذَا تُرِيدُ بِحَرقِ هَاتِيكَ الغُصُونَ
سِوَى الوَقِيعَةِ
و الخَدِيعَةِ
ثُمَّ تَهرُبُ مِثلَمَا الفِئرَانِ صَوبَ جُحُورِهَا
تَلهُو و تَشرَبُ نَخبَ خَيبَتِهَا
تُقَهقِهُ فِي المَدَى نَشوَانَةً
بِدُمُوعِ عَينَيكِ الأَبِيَّةِ
بَعدَمَا رَشَقَت بِقَلبِكِ يَا ضِيَا عَينَيَّ
آَلافَ السِّهَامْ .
تَبَّت أَيَادِيهُم و أَرجُلُهُم
فَإِنَّهُمُ الحُثَالَةُ
و السَّفَالَةُ
و النَّذَالَةُ
و اللِّئَامْ .
و عَلَيكِ مِن قَلبِي السَّلامْ .


ثم يعود لهدوئه في مناجاتها و كمن يواسيها في مصابها فيتساءل حيرانا :
مَاذَا أَقُولُ حَبِيبَتِي ؟
لَو كَانَ يَمسَحُ دَمعَكِ المَسفُوحَ نَاراً
كُلُّ أَشعَارِي
لَكُنتُ كَتَبْتُ فِي عَينَيكِِ أَلفَ قَصِيدَةٍ
و لَكُنتُ عَلَّقتُ القَصِيدَةَ
تِلوَ أُخرَى
فَوقَ صَدرِكِ كَالوِسَامْ .
لَكِنَّ شِعرِي ، كُلَّ شِعرِي
لَيسَ يَعدِلُ دَمعَةً كَالدُّرِّ سَالَت فَوقَ خَدِّكِ
يَومَ وَلَّى مُدبِراً عَامٌ
و أَقبَل مُرقِلاً بِالحُزنِ عَامْ .

إذن هو يرى أن كل ما يمكن أن يقوله فيها و لها لن يعوضها دموعها حزنا و لو كان يرى ذلك لعلق قصائده الواحدة تلو الأخرى على صدرها تتزين بها و لكنه يعلم إنما شعره و مهما كثر لن يعدل دمعة واحدة من دموعها ...

و يعود له غضبه و ترتفع نبرة صوته لما حدث فيرى الخطب أكبر من حروف قصيدة و أمرّ ما في الأمر أن تكون دماؤنا هي فرس الرهان على تشرذم الأمة...
مَاذَا أَقُولُ حَبِيبَتِي ؟
و الخَطبُ أَكبَرُ مِن حُرُوفِ قَصِيدَتِي
و أَمَرُّ مِن صَابِ الفَجِيعَةِ
أَن تَكُونَ دِمَاؤُنَا فَرَسَ الرِّهَانِ
عَلَى تَشَرذُمِ أُمَّتِي .

و يتكئ على ذكاء القارئ المتلقي ليتعرف إليهم ؛ فيتحدث عن الجمع الغائب و لم يشخص فيقول عنهم :
هُم قَامَرُوا
هُم غَامَرُوا
هُم بِالخَدِيعَةِ حَاوَلُوا أَن يَزرَعُوا
فِي أَرضِكِ الخَضرَاءِ بَذرَةَ اْلانقِسَامْ .
لَكِنَّهُم خَابُوا
فَعَادُوا يَسحَبُونَ وَرَاءَهُم
ذَيلَ الهَلاكِ و الاْنهِزَامْ .


و يعود لهدوئه في مناجاتها ليهون الأمر عليها هذه الشامخة رغم الجراح على الأحقاد و الحساد و يظل نيلها عذبا للمحبين و علقما للمارقين و يظل النيل يوحد الفرعين و يتقدم و تظل مصر بقلبها النايض حبا لأهلها الذين عاشوا منذ آلاف السنين على المحبة و الوئام...
و بَقيتِ رَغمَ الجُرحِ شَامِخَةً
عَلَى الأَحقَادِ
و الحُسَّادِ
نِيلُكِ سَلسَلٌ لِلأَصدِقَاءِ
و عَلقَمٌ لِلمَارِقِينَ
يُوَحِّدُ الفَرعَينِ ، يَمضِي لِلأَمَامْ .
و يَظَلُّ قَلبُكِ نَابِضاً بِأَحِبَّةٍ
عَاشُوا بِظِلِّكِ مُنذُ آلافِ السِّنينِ
عَلَى المَحَبَّةِ و الوِئَامْ .
فَعَلَيكِ يَا مِصرُ السَّلامْ .


إذن لقد كانت أنفاس الشاعر تتصاعد و تتسارع غضبا عندما يتحدث عن الحدث فيثور و يصفهم بأبشع ما يليق بهم من نعوت و يتوعدهم الموت و الهزيمة لمحاولاتهم الدنيئة،
ثم ما يلبث أن يعود ليهدأ عندما يناجي حبيبته فيبثها شكواه أو اعتذاره أو محبته.

أستاذي الفاضل جمال، صباح الخير
قصيدتك هذي لا تقل جمالا عن قصائدك التي اعتدناها و أنت تزينها بأحلى الصور و أرق العبارات و أعذب كلمات المحب التي يغدق بها على حبيبته لو مرت بوقت ضيق و شدة،
لقد تمكنت من القصيدة فألبستها ثوب الإبداع و أنت تنزفها و لقد تمكنت مصر من انتزاع أحلى الكلمات منك و هي تستحقها طبعا بل و أكثر...
فما قيمة حروفنا إن لم تتغن حبا بأوطاننا و لم تؤازر الوطن وقت الشدة !
حفظ الله مصر العروبة و حفظ أهلها الكرام الطيبين و حفظ النيل و كل شبر منها من أي شر و سوء
و حفظك إبنا بارا بها تبثها أحلى عبارات الحب و الوجد فتمتعنا بعواطفك أولا ثم بشعرك الجميل الذي تزينه عواطفك و مشاعرك تجاه مصر...
و سلمك الله شاعرا له القوافي و الحروف تنصاع فيصفها كالماسات في عقد جميل...
لك و لكل أهلنا في مصر المحروسة تحياتي و تقديري
و لكم من أهلكم في عراق الرافدين ملايين التحيات داعين الله أن يحمي مصر و أهلها الكرام الطيبين و أن يخزي الجبناء الذين يريدون بها و بكل شبر عربي الأذى و يرد كيدهم إلى نحورهم.






  رد مع اقتباس