ثلاثية إيزابيل الليندي: تاريخ نساء معطرات بالحب والألم والحروب
12/11/2008
خاص بوابة المرأة /فريد رمضان
من الصعب اختصار ثلاثية الروائية التشيلية إيزابيل الليندي وهي "ابنة الحظ"، "صورة عتيقة"، و"بيت الأرواح" ذلك ان هذه الثلاثية تمتد في تقديم سرد روائي يختزل تاريخ الجمهورية التشيلية الممتد ما بين العام 1843م مع بداية الرواية الأولى في "ابنة الحظ" وتنتهي في العام 1973م مع الانقلاب العسكري على رئيس الجمهورية المنتخب "سلفادور الليندي" وأغتياله، في روايتها الثالثة "بيت الأرواح".
إن الروائية إيزابيل الليندي تختصر زمن يزيد عن 130 عاما من تاريخ بلد ومجتمع، عبر ثيمة مجموعة من النساء، ذلك أن المرأة تشكل عنصر أساسي وحيوي، فهي السارد، وهي القائمة على البحث والهجرات وتنوع الهويات وتداخلها بين الجنس الأسباني والهندي والشرق اسيوي والعربي.
ابنة الحظ وتشكل الهويات
في هذه الثلاثية حيث يلتئم فيها عقد سلالة من النساء الباسلات اللواتي يبدأن "بإلزا سوميرز" في ابنة الحظ، مرورا بشخصية "أورورا دل بي" في صورة عتيقة، وأنتهاء "بكلارا وروسا وإلبا" في بيت الأرواح. نساء ينحدرون من سلالة تختلط فيها الأعراق والهويات. نساء يبحثن عن ذواتهن في مجتمع تعصف به الطبيعة من زلازل، وحروب وماجاعات.
نساء يبحثن في سديم الألم عن الحب، عبر تضحيات كبرى، فإلزا سوميرز التي يجدونها طفلة ملفوفة في قماط وموضعة أمام باب بيت عائلة آل سوميرز الاسبانية التي وصلت تشيلي في العام 1830م، والتي لم تكن سوى أبنة أحد أخوة آل سوميرز من امرأة هندية تشيلية فقيرة، تتكفل بتربيتها الأخت "روز" المرأة الوحيدة التي عرفت بالسر، وأخفته عن العائلة الارستقراطية، وهو الامر الذي يظل مثل العار يطارد شخصيات هذا البيت، التي تخسر كل شيء، وتهاجر إلى سواحل معاجم الذهب في سان فرنسيسكو التي تبدأ في التحول من أرض جرداء لتصبح مدينة ثم ولاية امريكية، مع تدافع الباحثين عن الذهب، وهكذا تتحول الهجرات لتصنع خليط جديد من شعوب تتعايش فيما بينها بالقتل والحروب والعنصرية، وتجد "إلزا" الفتاة الشابة نفسها في عالم من الرجال القساة الذين يبحثون عن الذهب في الوقت الذي تبحث فيه هي عن حبيبها، الشخصية الأسطورية التي صاغها الشاعر التشيلي المشهور "بابلو نيرودا" بعد أن حبلت منه، وتظل في سعيها تتلاقى وتتاقطع مع شخصية "تاو تشين" أو الرجل الذي يحمل اسم الابن الرابع، والذي يجد نفسه من رحلة شاقة من قرى شنغهاي إلى هونغ كونغ، ليكتشف نفسه فجأة على أحد البواخر التي تلقي به على سواحل "بالبارايسو" ويقبل في نهاية الأمر الزواج وقبول "تاو تشين" بابنة "إلزا" التي تحمل في ملامحها الجينات العربية التي جاءت بها من والدها الاسباني.
صورة عتيقة توثق التاريخ
في الرواية الثانية صورة عتيقة يتواصل السرد من الحي الصيني في سان فرنسسكو حيث تعيش "إلزا" و "تاو تشين" الذي اضحى خبيراً في الطب الشعبي الصيني، وحيث تولد "أورورا" الحفيدة التي تولد مع وفاة أمها، ابنة "إلزا"، في هذا المجتمع الخليط في الدم والعرق وتأخذ جمال خرافي تدفع بفنان إلى نحتها شبه عارية لتمثل تمثال الحرية في تشيلي التي تستقل عن الاستعمار الاسباني، وتتوزع العائلة في رحلات دورية بين تشيلي الأرض الأم وبين سان فرنسيسكو، تتعرض "أورورا" من صدمة نفسية قاسية تمحو من ذاكرتها السنوات الأولى من حياتها، مع تميزها بحاسة شم قوية، تقودها إلى خيانات زوجها فتعيش في عزلة لكنها حين تكتشف الكاميرا فتبدأ باكتشاف ماضيها، حياتها، تاريخ سلالة النساء الخارقات بطاقات خرافية يمتزج فيها أرث إنساني يمتد من الجذور العربية والاسبانية والصينية.
تقول "أورورا" عن أهمية الصور التي تتولع في تصويرها "ان الصورة لا تكشف الملامح وحدها، وإنما المشاعر التي تطفو بين الاثنين معاً" وهكذا تطرز سيرة العائلة مثل من يحوك سجادة الحياة العريضة.
بيت الأرواح وسيرة مخاطبة الموتى
في الجزء الثالث من الثلاثية وهي رواية "بيت الأرواح" تتواصل طاقات النساء الخرافية في سرد التاريخ العائلي وتاريخ تشيلي، حيث "كلارا" هذه المراة التي تمتلك قدرة خارقة على مخاطبة الموتى واستشعار الموت والكوارث التي تحل على تشيلي، بدأ من الزلازل إلى الأنقلاب العسكري وتفجر الدم وضياع الجمهورية الديمقراطية، وسيطرة الديكتاتورية.
هنا تكتشف الروائية إيزابيل الليندي، تشيلي الحديثة من خلال "إيستبان تورييبا" الذي يتحول من رجل اقطاعي يبهره جمال "كلارا" ويصعب عليه فهمها في علاقاتها الروحية التي اكتسبتها من هذا التراث المتنوع، لذلك يتركها في عوالمها رغم انها تقوده في نهاية الأمر إلى مكان أخته التي تفارق الحياة، حين تدخل عليهم وهم على طاولة الطعام وتقبل "كلارا" على جبهتها ثم تغادر بنفس الخفة التي دخلت فيها إلى البيت، وحين يركض خلفها أخيها "إيستبان" تخبره "كلارا" ان من دخل البيت هو روح الأخت، فتقوده إلى البيت التي توفت فيه، حيث كانت تعيش على الكفاف رغم ثروة أخيها الاقطاعية التي توصله إلى الانتخابات ليكون ممثل لاحد المحافظات التشيلية، وكيف يستغل سلطته في دعم الدكتاتور بيونيشة فتدخل تشيلي مرحلة الديكتاتورية التي حكم فيها بالحديد والنار والقمع وتم تعطيل البرلمان والدستور، وتتحول حفيدته "إلبا" إلى دعامة للمقاومة الشعبية، وكيف تتنبأ لها أحد العرافات بأنها ستتعرض للتعذيب والاختطاف، وهو ما يجري عليها رغم سطوة وسلطة جدها "إيستبان".
الثلاثية وتاريخ المجتمع
تنجح الروائية إيزابيل الليندي في رسم مسار هذه الثلاثية عبر جهد كبير في تقديم قراءة سردية ذات حس إبداعي كبير من عرض تاريخ المجتمع التشيلي، وبحساسية عالية استمدت قوتها فيها من شعر "بابلوا نيرودا" حتى أنها طرزت مقدمة كل جزء من هذه الثلاثية بقصائد شعرية له، لما يمثله هذا الشاعر من قيمة وطنية للمجتمع التشيلي، والذي اغتيل في 23 ايلول 1973م.