الرحلة إلى الآخرة
==========
تغرب الشمس . ولكن لتشرق ثانية . وتشرق لتغرب ثانية . ما كان فى الوجود ليلٌ سرمد أو نهارٌ سرمد . فى الواقع كل شيئٍ فى هذه الدنيا إلى غروب . كل الكائنات الحية إنسانا كان أوحيوانا أو طائرا أو نباتا يعيش حياته ثم يأفل . سواءً كانت حياته قصيرةً أو طويلة فمصيرها الزوال والصمت الأبدى يوما . لو تحدثنا عن أعمار أمم فإننا أيضا نجدها كالشمس تشرق مع الصباح ثم تغرب مع مغيب الشمس . أيسر مثال عندى فى الأمم هى أمة الأندلس . كان الفجر فيها سنة 92 هـ وطارق بن زياد يواجه جيش لذريق فى وادى لُكّة على شاطئ نهر الوادى الكبير . من كان يتخيل أن ذلك الفجر الزاهى الجميل الملئ بالآمال العريضة سيصل إلى ضحىً ثم ظهيرة فأصيل ثم يضرب شفق المغيب الأحمر القانى فى سمائه ويُرخى الليل سدوله وينتهى الأمر . من يصدق أن يوم الأندلس الذى طال ثمانية قرون قد غابت شمسه؟ إذا كان عمر الأمم إلى نهاية فما بالنا بعمر الإنسان الفرد . إنه لعَمرى ومضةٌ إذا ما قورن بعمر الأمم . أفلت شموس أممٍ كثيرة أثْرت الحياة على ظهر هذه البسيطة ذات مرة . شمس الأمة الإغريقية . شمس الأمة الفارسية . شمس المغول والتتار وهم يهمون باجتياز سور الصين العظيم . شمس الفراعنة وهم منهمكون فى بناء الهرم الأكبر وأبى الهول الذى وصف الشاعر طول عمره قائلا:
أبينك عهدٌ وبين الجبال _ تزولان فى الموعد المنتظر
فعينٌ إلى ما بدا فى الوجود _ وأخرى مشيعةٌ من غبر
------
شمس قوم عادٍ فى عاصمتهم إرم ذات العماد وشمس قوم صالح..إلخ إلخ وكل شموس الأمم إلى يومنا هذا قد أفلت . إنها الرحلة الأبدية لقطار الوجود الذى ينهب الأرض قاصدا غايته كما وصفه الشاعر قائلا:
هيهات هيهات لا جنٌ ولا سحرة _ بقادرين على أن يلحقوا أثره
هذا غلامٌ أراه صاعدا حذرا _ على النخيل يرجّى فوقه ثمرة
وهذه ثلةٌ من قريةٍ خرجت _ وكلهم رافعٌ من دهشةٍ بصره
وثمّ طاحونةٍ لاحت لأعيننا _ ثوانيا واختفت فى الأفْق مستترة
------
إنه قطار الحياة الدنيا الذى لن يتوقف إلا فى محطته الأخيرة يوم البعث .
آخر تعديل سرالختم ميرغني يوم 03-13-2019 في 07:18 AM.