- أشباحي لا تُسعفني استحضاركِ... -- لا تحتاجُ الأشباحَ لاستحضاري! - ولكنِّي أتعبُ كثيراً محاولاً تهيئةَ خيالي مراودَتكِ حُلولَ عالميَ المأفونَ هذا... وكثيراً ما كُنتُ أصطدمُ بمَلمَّاتٍ، تنتزعُ من هذياني إيراقةَ الرَّاحةِ الممتنعةِ من الولوجِ دهاليزَ أوقيانوسِ وحدتي... -- ألم نتفق أن تكتبَ جسراً من المعاني يصل بين عالمَينا؟! - بلى... -- أعلمُ أن اقترافَ الكتابةِ ينهشُ في الأعماقِ كذئبٍ جائع شرسٍ فتَّاك... - هذا عداكِ عن زنزانتيَ التي قمعتْ روحي، في سراديبِ الجماداتِ القميئةِ التراكيب.. وعندما أصِرُّ مندفعاً عازماً عناقَ كائناتكِ الهلاميَّةِ، أتعثَّرُ بمطبَّاتِ الصَّحوِ المكفهرَّةِ الأقانيم... تلتهمُني! -- الإغماضاتُ التي عوَّدَتكَ زيارتي، إلى جانبِ استغراقاتٍ أخرَ، تمرَّستَ مُزاولَتها، تُعينُكَ إلى حدٍّ بعيدٍ... ثَمَّ تجدُني بينَ بينِكَ قابعةً مُتأمِّلةً - كما اعتَدتَني - فيكَ! أرمُقُ تفاصيلَ ملامحكَ التي تحملُ الدِّفءَ والحنانَ حتى عنانِ السَّماء... - أَوَ احتكرتُ التَّعبَ علَّني! حتى باتَ زاداً لا تشبعُ أعماقي اجترارهُ، دونَ معالمِ سُمنةٍ تُتخمُ مرامي أفكاري فيكِ؟! فأخبريني؛ كيفَ لي براحةٍ، تنتهِكُ قداسةَ انهماكي تولُّهي ذكراكِ؟! مع ما أحملُ من شجونٍ ومجونٍ قضَّت مضاجعي! وحوَّلتني رفاتَ شعورٍ بروحٍ أنهكها فقدكِ؟ -- يا وحيدي... احتمالاتُ الرَّاحةِ ضئيلةٌ، في ظلِّ التَّوهُّمِ على شفا برزخِ الثَّلجِ والنَّار! تتكاثرُ احتياجاتُ الرُّوحِ أملاً باكتفاءٍ ما! ولكنَّ توخيَ السَّكينةِ؛ مطلبٌ مشروعٌ لكلينا، ولو تناهت مقارباتُ حدوثه نحو العدمِ، بخطواتٍ ثابتةٍ أنيقة! صحيحٌ أنَّ لقاءاتِنا تكتنزُ تحليقاً وراءَ عوالمهم الدُّنيويَّة التافهةِ؛ إلا أنَّها ستبقى حائلاً دونَ التقائنا حتَّى حين... - مللتُ زنزانتي... -- أطلقْ سراحَكَ إذن، وتعال اغمرني بكَ عُنوةً، تخترقُ حواحزَ الليلِ السَّاجي أمداءَ الحياة! وضُمَّني مابينَ تلكَ المفاصلِ الكينونيَّةِ، علَّني أحياكَ مجدَّداً! أو تحياني أغوارَ زنزانتكِ الموقوتةِ، كإغفاءةٍ محترَّةِ المضامين... - هئت...
- إلى أين؟!!! -- إلى حيثُ لا يبقى لدينا سوى الأطيافُ السِّحريَّةُ محطَّ تواصلٍ بريب! - ... -- صبراً جميلا... - كيف أقنعُ المدى بانكفاءِ الرُّؤى مرمى أنظارِ الحياةِ مابيني وبيني؟! أوَ أعودُ وحيداً طريدَ الحزنِ المدلهمِّ يستشري ورمهُ الفتَّاكُ خفقاتِ قلبي...؟! لماذا ترحلينَ فقط!؟ وتتركيني منادياً، قمعَ الشَّجى نبراتِ صوتي، وتحشرجت بالأنِّ آهاتي! أبتلعُ الألمَ جَرعاتِ صُهارةٍ قطَّعت محترَّ كبدي... -- تنادي اسمي؛ فأعبرُ العوالمَ ممتثلةً أصداءَ احتياجكَ غامرةً بحنايَ كُلَّكَ... تراني حولكَ... كما تشعُرني أربِّتُ - كما كنتُ - على كاهلكَ مشتفَّةً حرارةَ افتقادكَ إيَّاي... - ابقي هنا... يتيمٌ أنا دونكَ، أضعتُ السُّبلَ، عمَّها ضبابٌ مُتَّقدُ الأسى، غمرَ ناظريَّ، فتقاعست إدراكَ الواقعِ تأمُّلاتي! أتخبَّطُ ممسوسَ الشُّعورِ، واهنَ الخفقِ، يائسَ الأحاسيسِ، بائسَ الحالِ، مجهداً حدَّ تلاشي روحي من جسدي... -- ليتني... وهل تحاملتُ على الفقدِ حتى امتثلَ أعنَّةَ غيابي؟! منطوياً تحت أكفِّ رغبتي في رحيلٍ قاصمٍ للحياةِ ماوراءَ حيثيَّاتِ تواجدكَ عمري القصير؟! تعلمُ أنني لم أقترف أحجيَّةَ الغيابِ عن سابقِ إصرارٍ وإرادة! ضِعتُ منكَ وفيكَ في آن! وضاعت من أيامي مسرَّاتٍ حسبتني أحياها بكَ يوماً... يوماً باتَ بعيدَ المنالِ يا ألبير... كفكف دموعكَ الآنَ... لا أراني في عينيكَ حالَ غرقها بموجٍ عاتٍ، يثلمُ ملحهُ المركَّزُ شفافَ روحي! ويؤججُ احترارُ الماءِ لوعة افتقادي صدركَ الدافئ... فيصلبُني صقيعُ الابتعادِ على بوَّاباتِ أمنيَّاتٍ مُعدمةٍ! تلاشت مضامينُها إلى أمدٍ ليس بالقليل... - خذي أشياءكِ معكِ إذن! خذي ربيعكِ والخريف... الأثير والأوراقَ والظِّلالَ والهمساتِ والكلمات... معالمَ الخفقاتِ ومرامي النَّظراتِ وإحداثيَّاتِ الأمكنة! الجدرانَ والغدرانَ وذرَّاتِ العطرِ والهواء... خذيكِ... خذيكِ من عوالمي الشَّقيَّةِ، وأريحني ... -- وكيف أحيا هنا إن لم يكن كلِّي هناكَ معك؟! سِفارتي ليلٌ حالكٌ تقوَّسَ مرماهُ عَنانَ خيالكَ المحلِّقِ يستحضرني! لا أحبُّ أن أكونَ وحيدةَ دونك! أحتاجُ الدِّفءَ حيثُ حللت! أحتاجكَ في كلِّ العالمين... - ..........