حجرة ٌ نائية في عمارة ٍ منسية ...
شوارع ٌمزدحمة بالغرباء ...
أحلام ٌ مُؤجلة ...
كانت هنالك يلاحقها الإنتظار ، يحاصرُ رغباتها ، يجددُ أمنياتها ، أنّ الفارس الذي امتطى صهوة الوقت قادم لها من خلف المسافات البعيدة .
لا تقلقي ...
فالحديث الذي هيأنا له كلّ المقاعد ، والأغنيات التي قمنا بترتيبها ، والهمس النائم في صدورنا منذ البدء ... سنشرع لكل هذه الأشياء نوافذ الروح ونمنحها ما يكفي من الشوق على مائدة اللقاء.
ما أصعبَ الشوق َالذي تتحكمُ فيه المسافة ! .
ما أقسى اللقاء الذي يتحكم فيه عقارب الساعة !
كم هو مؤلم أن تكون وحيدا رغم الضجيج من حولك !
اشتقتُ إليك ولم أعد أحتمل هذا الإنتظار ، تعال ... قبل أن تعبث الرّيحُ بتسريحة شعري ، وترسم الفوضى على ملامح أعددتها لك .
تعال قبل أن يتطاير عطري ، ويضيع في الطرقات .
ــ أنت َالذي أيقظتَ في أعماقي مشاعرا ً كنتُ أظنّ أنها ماتت ، أنتَ الذي عرفت َ كيف ترسم الإبتسامة من جديد على شفاهي ، وأعدت َلي نفسي .
رغم وجع الإنتظار وقسوة الحنين ، إلا أنني أجد في إنتظاري لك ما يكفي لأحلّق في فضاء ٍجميل .
أتدري أيّها الساكن بين ضلوعي كم أحبّك ...
ضمّني إليك ...دعني أتشبثُ بك ، دعني أسمعك وأنتَ تهمسُ لي : أحبّك ِ .
لا عليك يا جميلتي ...
وجدتك بعد ألف عام من البحث عنك ، بعدما كنت أظنّ أنّك حلمٌ رأيته كثيرا في يقظتي ومنامي.
وجدتُك ِوكنت أفتشُ عن ملامحك في وجوه العابرات في الطرقات ، في الحواري القديمة ، في تفاصيل السفر .
كنت أجمل من تلك الجميلة التي رسمتها في خيالي ، تحملين كل الملامح التي أحبّها ... هل كنتُ من قبل أن ألتقيك قد تهيّأت ُ لأحبّ امرأة تشبهك ! أم هي نسخة عنك أنت !
وجدتُك ...ما أجمل أن ألتقيك بعدما كنتُ أظنّ أنّ لقائي بك ، هو أمنية ستبقي حبيسة الكلمات على السطور ، أنثى تركض في أغنيات الحالمين وقصائد المشتاق ... أريد أن أحبّك أكثر ، أريد أن أملأ بك كل الفراغات التي مرّت في مشوار العمر ورحلة الحياة ، أريدُ أن أستعيد كل دقيقة مرّت قبل أن ألتقيك ، لأعيشها معك من جديد ...ضاع الكثير ...الكثير .
همس باذخ، يستنطق السكون بضجيج الحنين
ويرسم بريشة الكلمات لوحة
تضطرب فيها المسافات وتصطخب الأشواق.
في محراب الانتظار
تنسج الياسمينة صراعًا أزليًا بين الآن والآتي
بين زحام الغرباء في شوارع النسيان
وبين توحد الذات في حجرة التوق.
فالانتظار ليس مجرد وقت ضائع
ربما كان عملية إعادة صياغة للذات
وترميم للملامح التي كادت أن تمحوها ريح الخيبات.
والمغزى لا يكمن في اللقاء فحسب
بل في تلك القوة الخفية التي يمنحها الانتظار للروح.
ولعلي هنا أسبر غور الوجد وأشرحه..
البطلة تعيش حالة من الغربة الوجدانية
فهي وحيدة رغم الضجيج، ومزدحمة بالأغنيات رغم الصمت.
ألحظ خوفًا رقيقًا يتبدى في خشيتها من عبث الريح
بتسريحة الشعر، أو تطاير العطر
وهو تجسيد رمزي لخشية ضياع اللحظة البكر
قبل أن ترتوي من الحضور.
أما الطرف الآخر..
فيمثل الباحث الكدود الذي وجد ضالته بعد ألف عام
ليعلن أن الحب ليس صدفة عابرة
بل هو استحقاق يأتي بعد رحلة تيه مضنية
في وجوه العابرات وتفاصيل السفر.
أستاذي الوليد..
خلجات تفيض بالوداد، وتستنهض كوامن الفؤاد
في ليل السهاد.
صغت من الحنين عقدًا، وأحكمت من الوجد قيدًا
فكان همسك للروح رفدًا.
جرى قلمك بماء الغرام، فأحيا رميم المشاعر الجسام
ونطق بلسان الوجد الهيام.
هي أنفاس ياسمين، تخترق حصون البين
وتكحل بمرود اللقاء جفن العين.
فلا المسافة حائل، ولا الوقت عن مراد النفس مائل
مادام النبض في الضلوع صائل وجائل.
همسة..
"إن الحب ليس التقاء عينين
بل هو تلاقي قدرين هاما في تيه الوجود
حتى وجدا في لغة الهمس موطنًا وقرارًا."
دمت بهذا الألق الباذخ
وشكرًا لمدادك الذي عطر مسامعنا بهذا الأريج الأدبي.
والآن، أخبرني يا صاحب الياسمين
هل سيطول وقوفنا على شرفة الانتظار؟
أم أن هناك ومض قادم
سيشرع لنا نوافذ فجر جديد في رحاب هذا الهمس؟