بعد هدوء وصمت تنزاح ظلمة ليل رهيب وتطلّ الشّمس من خدرها ترسل شيئا فشيئا خيوطها الذّهبية
وتتشكّل ملامح يوم جديد....
يتنّفس نهار فيضطرب شارع ..
وتدب حركة حثيثة فتشرّع الأبواب وتنصفق النّوافذ ...
ويحسّ الواحد منّا بارتعاشة الحياة فيه ...
أيقظت الزّوج والأولاد على عجل ...
وترشّفت قهوتي على عجل ...
ثم أصلحت من حالي وابتلعني الشّارع ..
الى المعهد ..
الى التّدريس....
واحدة ...
امراة ..
.رقم مبهم.... من احد عشر مليون مواطنا ...
لا أعني وسط هذا العدد السّكاني المتضخّم الزّاحف شيئا
لمحته أمامي يدفع قي ثقل عربته اليدويّة ..
لما تدقّق النّظر الى وجهه تخاله في النّزع الأخير....
هو واحد من الكادحين......المعذّبين على الأرض
.خفق الفجر وحده يسرّب له الاطمئنان ...
هو يدرك بغيته ...
فبانتظاره زبائنه من الصّبية يبتاعون منه فوله المالح وقد رشّ عليه الكّمون فصار لذيذا...ا
عربته قدره ورزقه الحلال ومنها يأكل أولاده الخبز
وغير بعيد منه امراة تكنس الشّارع ...
تلعقه..حتّى يتقوّس ظهرها...
صباحها لم أر غير وجوه الكادحين...مغبرّة كأنّما رسمت بقلم رصاص وغاب عنها الكثير من الضّوء
والقرية تتمدّد لتبتلعهم ولا أحد يعلم بهمّ الآخر..
ظللت لبرهة من الوقت مغموسة في المشهد الى العنق...
كأنّما أبحث عن مشهد أو وجه مشرق أبدأ به يومي...
ثمّ بدا لي أن أهرول لتتضاءل أشباحهم المنهوكة أمام عينيّ
أسرعت خطايا الى المعهد ...
هناك حيث ألتقي طلبتي ...
هناك حيث أزداد طولا وأتنفس بعمق ويصبح بصري أكثر نقاء ...
هناك حيث يغوص تلامذتي في مقاعدهم فيذهب في ظني أنهم أقزام...
فلا أرى الا رؤوسهم ...وأصابعهم تتشابك ....
وأنا أشرح بيتا شعريّا من قصائد صعاليك الجاهليّة وكراريسهم بين أيديهم تكتظّ بالكتابة ...
والعشق يسري في قلوبهم الصّغيرة وأنا أرقبهم بعين يقظة