اعتاد سعيد كل يوم قراءة رواية (الحب في زمن الكوليرا) ، حتى صار في النهاية يقرأها في أي وقت ، ومن أي صفحة ، كان كل شيء بالنسبة له يمر من خلال أحداثها وشخصياتها ، وزمن الكوليرا المشبع بالحمى ورائحة الاجساد المتعطشة ، هو زمنه .. زمن الاستبداد والظلم وأنتهاك الكرامات ، وحبه لسعاد المترددة ، قليلة الكلام يشبه حب فلوربنتينو أريزا العاشق الحالم الشاعر لفيرمينا دازا المحبوبة ، المتقلبة الافعال والنوايــا ، ونهر دجلة بأمتداداته المائية
المتغيرة وجريانه القادم من الشمال ، يشبه نهر ماجدولينا المحفوف بشطآن طينية مديدة
، ومياهه تحمل سفن الشحن النهرية والسفن التي ترفع علم الوباء ، والطقس هنا .. يشبه الطقس هناك .. حرارة وسخونة محملة برطوبة الانهر ، والشمس قريبة ساطعة ، وتحتها لاتنفك المراوح عن الدوران على السقوف ، وسوق المدينة الذي لايرتاده سوى العرب ، يشبه السوق الذي كانت تتمشى فيه فيرمينا مع خادمتها ،حيث هناك باعة من عرب مهاجرين ،
وليالي السكارى المترنحين على شاطئ دجلة حيث السمك المسقوف ،يشبه ليالي سكارى الميناء المحملين بقناني البيرة ،ورفض أخوة سعاد المتربصين للخاطب الجديد بقلة الود ، يشابه رفض السيد دازا تاجر البغال الباحث عن نسب جديد ، وخالد ابن الخالة المتردد على بيت الحبيبة .. يشبه الى حد كبير الدكتور جوفينال اوربينو ، المعالج ، فتى الاحلام ، القادم من فرنسا .
دائماً ما يقرأ سعيد المشهد الذي يصف ماركيز فيه ،زفاف فيرمينا الى الدكتور جوفينال ، أذ يقول : أن فلوربنتينو جلس على تراب الطريق ، حيث مر موكب العروسين ، وبيديه يمرغ رأسه فيه ،وهو يصرخ على حب حياته ويناديها .. ألا أن دموعه وحدها ظلت تتساقط على طريق الرحيل ، ويختتم وصفه بعبارة ( فنعاها .. كما لم ينع العرب موتاهم ) ، فيجد سعيد في نعي فلوربنتينو عزاء ( أذا ما فعلتها سعاد ) ، ويذهب بخياله بعيداً ، حين يتصور ممانعة الاخوة هو ضغط على سعاد ، يشابه نفي فيرمينا عند ابنة الخالة ميراندا ، والقبلات السرية التي كانت تهبها له من حين لاخر يشبه تدخين فيرمينا الماريوانا مع ميراندا في مغطس الحمام .
أخيراً حانت ساعة الحسم .. جلس سعيد والخوف والترقب يلفانه ، وهو يتذكر حديث السيد دازا في المقهى ، تاجر البغال والممنوعات ، مع فلوربنتينو ، العاشق ، المنكوب ، الساقط في براثن الحب ، المتلاشي هناك .. في بؤرة التمني وألانتظار ، كل شيئ يحدث بسرعة ، حين لانريد ... حتى قائمة التوقعات ضاعت بعيداً ، وأختفت معها الواقعية السحرية من المكان ، حين نقل الاخوة مطلب العروس الوحيد ، المحدد والبسيط ( بيت مؤثث ) ، وأنها لاتقبل العيش في بيت العالة المؤجر .
جلس سعيد على سن كونكريتي ، خلفه الالمان حين شيدوا السد .. لكنه نسي أن هذا يشبه بقايا الثكنات العسكرية الامريكية على ساحل البحر .. نظر الى النهر وشعور بالواقعية يطغى على كل شيئ ، حتى أنه لم يستطع رؤية فلور بنتينو أريزا وهو يحتضن فيرمينا دازا ، بعد فراق استمر خمسون عاماً ، ولم يستطع أن يراهما وهما يطوفان نهر ماجدولينا ، على ظهر سفينة ترفع علم الوباء .. وتقطع النهر ذهاباً وأياباً .. أياباً وذهاباً