تائهة يا خلق الله ، ديني دينٌ سامٍ، مَرّ أو مرّتْ فوق تراب بلادنا قبل عصور ، أقام أو أقامت في الشرق مرة و مرة في الجنوب ، و مرة هاجرت إلى الشمال ، و حين جاء دور الغرب أقام بين الثلاثي راقولا (1 ) تصعد به و تهبط ، و ما بين فمي و كَسرَةِ الخبز أفواه يستكين على حواف شفاهها الشُّقاق (2)، و ينضج الجوع نضوج التّمر فيتساقط سعفا نحو الشرق ، هل جربت الجوع المخمور ؟ حتى جوع الشرق تميز ،
رَتِّلْ معي ترتيلا و أمترِ بالقول و أجعل من قولك كــ المِرْوة (3) إذا احتَكَت بالسَمْعِ أشعلته نارا و اسْتَغْلظ بالقول : ( فأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9)) . ( قرآن )
هناك على مقرُبة من اللوعة كثيراً ما يُدَقُ الطبل ، كي أُذكّر أنّ قلبي حجر ، و كأنه حفرة عميقة مدورة ،
فيه تجاويف ملأَى بأشياء غير قابلة للتحليل ، بعض اليمامات اتخذت منها أعشاشا لها تهاجر منها إليها كلما مرّ يُتم مُرْجَحنٌّ (5) باسطا ذراعيه على المدى ،
كثيراً ما يُدَقُ الطبل فتتلوى الخاصرة من كثرة الحصى في الكلى أو في الرّحم سيّان ، صراخ و عويل ، غربة ، وقلوب ميتة ، ضمائر غائبة و أمة في (برواز ) محاصرة من الزوايا الأربعة ، يستطيل البرواز و يتربع ، يتربع و يستطيل لا فرق حين يتمدد الجرح و يمتد و يصير النزف نهراً طويلاً يصل الشرق بالغرب و الشمال بالجنوب ، كــالحبل الموصول من الوريد إلى الوريد و تسقى الأرض ، فتبلغ التربة أقصى حدود الإرتواء ،
محراث الصبر بيد طفلة تمارس الحرث على قلوب ممارِث العرب و عجوز طاعنٌ بالسّن تُكسِّر الصخر بمنديل على أبواب مؤسسات الرِّفق بالعجز ، و دموع صبية كما رُضابُ النّدى المالح تَقاطرت أخاديد على صفحات الوجه البائس تُعلّلُ النفس أن مازال في العمر بقية باقية لتمارس أنوثتها المخنوقة و ثلم الوجه وصّدْع في صدر الفِكرِ عقيم و هي الآن تجري أكبر مناورة في تاريخها بين الإصلاح و إعادة تكوين ، و تُكَفكِف عن اليتيم و تقتلع شرور الأذى في عالم أصيب بالاضطراب و الهلوسة يهذي بامتداد و استمرار كـالبعوض يطنطن في الخلف و يردد بلا ملل أو كلل كصوتٍ يأتي من القاع : ( أنا لغة أخرى ) ،
إن المرء ليحتار أمام ممالك الصمت المرعبة و جنون الخوف ، أيها العربي إذا الموت عَسعَسَ في الفراش و جاء يغتاس (4) عليك أن تختار و ليكن خيارك أن تمضيَ راغبا لا مكرها ، حيث تنام و تضطجع على مقربة منك الأنوار تنام متوسدا طمأنينة مستوطنا قلوب الملايين ،
في ليالي الفَقْدْ تتراقص وراء الستار خلف الايقاع أنثى من صخر ( فاطمة) و الجوع المتربص بها فغر فاه و كاد يبتلعها و الرقصات ، و اللحن المنهوب و مذاق التوت و العنب ، و اختلف شكل الدّراق و بَدَّلَ لونه الربيع بالأحمر القاني ،
أمة دخرت و طفل ( الحارة ، الحجارة ، الحرب ) يتناسل في أحشاء الشوارع منهمكاً باليتم سائراً في طريق الحتف على نهج الضياع تستقبله العتمة لا يَسْكَّفُ (6) لأحد بابا ليس لأنه لم يشأ بل لأن الأبواب جميعها استغلقت و تضاءل حتى كاد لا يرى ،
1- الرَّاقول: حَبْل يُصْعدُ به النخل .
2- الشُّقاق : داء يكون بالدواب وهو يُشَقِّق الحوافر و قد يصل إلى الصدوع .
3- المَرْوة : القدَّاحات التي يخرج منها النار.
4- الإغتِساس : الطلب او الإكتساب .
5- مُرْجَحِنٌّ: ثقيل واسع.
6- لا يَسْكَّفُ : يطأ عتبة الباب
لوحة يتيم الحرب للأستاذ مصطفى رمضان حسين
التوقيع
لايكفي أن تطرق باب الإنسانية لتحس بمجيئها نحوك , عليك أن تخطو تجاهها و التوقف عن الاختباء خلف الزمن,