عن كتاب بغداديات للراحل عزيز جاسم الحجيه
البغداديون كأغلب العراقيين على دراية بخواص كل شهر من أشهر السنة من حيث المنا والطقس وذلك لاتصال حياتهم المعيشية بالزراعة، ولاشك ان الزراعة الناجحة تعتمد بالدرجة الأولى على معرفة خواص المواسم والفصول والشهور والأيام، وما يزرع في كل موسم من المحاصيل المختلفة وقد سبك البغداديون حسهم المناخي في أمثال وعبارات مسجوعة ليشيروا بها الى مقاصدهم واغراضهم ، وانني استطعت ان اسيطر على بعض مالهم من رصد على ذلك الصعيد وهذا هو:
كانـــــــون
لم يذكروا الاول والثاني وانما قالوا دورة عاقل دورة مجنون أي تارة يكون فيه الجو هادئا وتارة عاصفا باردا وقالوا كانون: لو سيف مسنون لو در مخزون أي أما أن يكون من البرودة الشديدة بحيث يقع على الماشية كالسيف القاطع باترا صلتها بالحياة بين برد قارص وعشب هزيل أو أن يكون دافئا غزير الأمطار وفيه تسمن الماشية ويدر حليبها دهنها الذي وصفوه بالدر تشبها بكرائم الحجارة.
شبـــــاط
قالوا فيه (لو شبط لو لبط بيه من روايح الصيف) ويقصدون انه مهما بلغ شباط من عنفوان فانه في اواخر ايامه في لابد ان يكون دافئا وقد يكون حارا وكأنه من شهور الصيف، وقد ذكره البغداديون في أمثالهم فأن هذا الشهر سيكون مدينا للأرض فإذا جاء آذار سدد دينه بما يجود به من أمطار.
آذار
وهم يقولون

آذار ابو الهزاهز والامطار) و (آذار الهدار ابو الهزاهز والامطار) وذلك لاحتفاله بالرعد والبرق والامطار وقيل انه (ايطلع السنبل من الحجار) ومعناه واضح لان ازدهار السنابل موكول بغزارة المطر وقالوا ايضا (مطر اذار يحي كلما بار) اي الخير يجيء مثقلا ببركاته فتزول الخصاصة وتنتعش القلوب والجيوب. وقالوا ايضا (ابآذار اتطكطك الاشجار مثل آذان الفار) وهو تشبيه لطيف يومئ إلى براعم الأغصان التي جعلها آذار الفار حيوية ونشاطا كما قالوا أيضا (آذار ضم له فحمات كبار) تأكيدا على عدم الاعتماد على بعض الظواهر من الأمور فان خروج الشتاء ليس معناه انتهاء البرد ولذا يجب الاستعداد لما يتوقع من برد آت بتوفير الفحم الخشن ضمانا للوقاية من البرد وقالوا أيضا (أبآذار طلع بكرك -يقرك - عالدار) اي أن البرد في هذا الشهر لا يؤذي الماشية لاسيما البقر فلا بأس في إخراجها من مآويها.
نيســـــان
وقالوا فيه (امغرك الجدسان) ويشيرون إلى حصاد المزروعات وتكديسها تمهيدا للدياسة والتذرية ثم تعبئتها في الأكياس ولكثرة الأمطار في نيسان وهو شهر الحصاد قالوا (امغرك الجدسان) وقيل أيضا ويزيد الذبان
أيار
وهم يقولون (أيار الروائح والازهار) و احصد السنبل لو جان خيار لان موسمه ملائم للحصاد وإذا تأخر هذا الحصاد إلى ما بعد آذار فان السنابل ستجف تماما فتساقط الحبوب أثناء الحصاد ونقله إلى البيادر، ولذلك رسخوا عليها من دون أن يقيموا وزنا لخضرة السنابل التي تشبه لون الخيار. وهم يقولون أيضا (أيار لو غوار لو فوار) أي إما أن يزول ماؤه مياه الأمطار إلى غوار الأرض وإما يفيض على سطحها.
حزيـــران
وصفوه بقولهم (عمبار الهوه) وفيه تذري البيادر لنشاط الريح وهذا ما ينتظره الفلاح لينهي آخر مرحلة من مراحل الزراعة بتطهير حبوبه من التبن.
تمـــــــــوز
قالوا عنه (أينشف الماي بالكوز) مبالغة في حرارته وجفافه.
آب
وهم يذهبون إلى أن (بشهر آب اكطف العنكود ولاتهاب) أي اقطع ما شئت من عناقيد العنب دون خوف فهذا هو أوان الجني . وقد وصفوا شهر آب وصفا دقيقا بقولهم (آب بنهار لهاب وبالليل جلاب) أي أن نهار أيام شهر آب حارة كاللهب بينما لياليه عليلة باردة عذبة الهواء ولقد قسموا أيامه إلى ثلاث مجموعات بقولهم أول عشرة من آب تحرك البسمار بالباب أي أن حرارة هذه الأيام تذيب مسامير الأبواب وتحرقها في أماكنها و ثاني عشرة من آب تقلل الأعناب وتكثر الأرطاب، وذلك حساب دقيق لنهاية موسم العنب وبداية حاصل التمر و (آخر عشرة من أب اتفك من الشته باب) أي أن الثلث الأخير من آب يفتح لبرودته بابا من أبواب الشتاء وهم يقصدون (فصل الخريف)، للتأكيد على الوقاية الصحية. وبنهاية هذا الشهر ينتهي فصل الصيف بحرارته التي لا يتحملها إلا العراقيون أنفسهم، ولكن بعض لياليه قد تكون من البرودة بحيث تؤثر على صحة من لا طاقة لهم بها ومن هنا تحذيرهم (برد الصيف احد من السيف) ومعناه واضح لا يحتاج إلى بيان.
أيلــــول
ويسمونه أيلول وفيه قالوا (ايلول امشوا لا تكيلون) أي اسعوا في مناكب الأرض دون هوادة لأنكم في هذا الشهر أقوى من الحرارة ومن أمثال البغداديين (ايلول احرقني بحره رحمة الله على آب) يضرب لانعكاس الرجاء في شيء فقد كانوا يظنون أنهم تخلصوا من حر آب فإذا بهم يعانون في أيلول ما هو اشد من قيضه.
تشــــرين
وهم يذكرونه دونما تمييز بين أوله وثانيه....تماما مثل كانون وبرغم ذلك أشاورا إلى وجود تشرينين بقولهم (بين تشرين وتشرين صيف تاني) للاحتمال القوي في ارتفاع درجة الحرارة في بعض ايام التشرينيين. قالوا أيضا بتشرين يخلص العنب والتين أي يختفيان من السوق.
وذكروا لتشرينيين معا بقولهم (برد التشارين توقاه وبرد الربيع تلقاه) وهم يقصدون تشرين الأول والثاني وفي قولهم هذا تحذير ظاهر من برديهما وترحيب صادق بالربيع يليهما رغم البرد الذي تبشر به طلائعه.
وقد ذكروا تشرين وحده في قولهم بتشرين كل عضه بعشرينوالمألوف أنهم في نهاية الصيف يقدمون بقايا المزروعات الصيفية علفا للماشية ولذلك جعلوا كل عضة من هذا الزرع اليانع المرتوي بماء تشرين تساوي عشرين عضة من سواها. وتشبثا بالصحة العامة قال البغداديون (اصعد بالمنقلة وانزل بالمهفة) وهم يقصدون أن صعود الناس إلى سطوح منازلهم بمجامر الفحم غب الشتاء للنوم فوقها يماثل نزولهم منها بالمراوح اليدوية الى غرفهم قبيل الشتاء فكلاهما نافع لا يوجب الخشية والحذر.
أيام الأسبوع
لكل يوم من الأيام عند البغداديين خواص ثابتة في معرض السعد والنحس يراعونها دفعا لشر وطمعا في الخير وهي على هذا الوجه
السبت
قالوا عنه عواد أي يعود عليهم لاحقا كما تركهم سابقا ولذلك ينهضون بالأعمال السهلة غير المتعبة متحاشين المنغصات والأحزان.
وكان اليهود يتعطلون يوم السبت دون أن يوقدوا نارا ولا يطفئونها إذا كانت مو قوة (كالمصابيح النفطية مثلا) وكانوا ينجزون أعمال يوم السبت في يوم الجمعة بما في ذلك إعداد الطعام. ومن هنا اشتهر مأكلهم المعروف بـ(التبيت) الذي كان قوامه كرشة الخروف محشوة باللحم المفروم والتمن وغلب على يهودي بغداد اسم -ابن السبت.
الأحد
تساءلوا فيه –ما نهاك أحد ؟ أي ألم يمنعك احد من القيام بهذا العمل؟ ولذلك يضربون فيه عن غسل (الهدوم) الملابس وتفصيل الملابس الجديدة ولا يسافرون في أية ساعة من ساعاته لا اعتقادهم انه ثقيل كما أن النصارى يعتبرون يوم الأحد عطلة لهم كالجمعة عند المسلمين.
الاثنين
وفيه خلق الحسن والحسين لذلك يتوسمون فيه البركة وعلى هذا التوسم فضلوا هذا اليوم وليلة أنسب وقت للدخلة –أي ليلة الزواج الأولى.
الثلاثاء
عندهم ثقيل شديد الوطأة، ولذلك لا يفصلون فيه الملابس لعقيدتهم أنها (لو تنشك لو تحترك)، وتقول من روت لي هذه الرواية مخاطبة ابنتها إذا شفت عدوج يغسل هدوم جبي ألمي أو كوميه
الأربعاء
من الأيام المسعودة التي تباح فيها جميع الأعمال ويعتقد إخواننا الشيعة بأن (أكل السمج يوم الأربعاء زين للرزق) كما يعتقد البغاددة بأن الشخص الذي يتوفى يوم الأربعاء، لابد من أن يجر خلفه بعض افراد عائلته وتفاديا لذلك (يدكون بسمار بتابوته) وقد يضع بعضهم بيضة نيئة ومسمارا وسبع خوصات سعف تحت رأس الميت لنفس الغرض .كما ان النساء لا يذهبن فيه للحمام لاعتقادهن بأن من فعلت ذلك أصيبت بوجع الرأس.
الخميس
وصفوه بكلمة (أنيس) فقالوا

الخميس أنيس والدعوة البكلبي ما تخيس) وفي هذا اليوم تقام حفلات (الحنة) لختان الاولاد وحنة العروس والدخلة وفي أمسياته تزار المقابر وتوزع الخيرات على ارواح الموتى ,كما تزار اضرحة الائمة.
الجمعة
جعلوها للراحة وعقدوها على أداء صلاة في الجوامع والمساجد وقد اعتادوا ألا يغسلوا الملابس لاسيما في وقت التمجيد قبيل اذان الظهر وقد ذكر الكرخي ذلك بقوله
يوم الجمعة ما تغسل الحرمة هدوم
والمغرب أغر ما تكنس المهجوم
الحرمة يعني المرأة
المهجوم يعني البيت
وقد اشار المستشرق الالماني بيترمان في اواسط القرن التاسع عشر الى ان من معتقدات البغداديين اعتقادهم بأيام الاسبوع المختلفة وتخصيص كل يوم منها لعمل من الاعمال . فقد كان يوم الجمعة يخصص للنساء ويوم السبت للصيد ويوم الاحد لتشييد الدور وترميمها ويوم الاربعاء لتعاطي الادوية وتناولها ويوم الخميس للشغل والزيارة وتقليم الأظافر وحلق الشعر، وللأطفال أهزوجة مسجوعة يرددونها في الكتاب وهي سبت سبوت -احد عنكبوت -ثنين بابين -ثلاثا منارة -أربعاء زيارة -الخميس لعبتنه باعتبار ان دوامهم ينتهي ظهرا والجمعة عطلتنه
ومن ملاغزات الاطفال يوم الاحد قولهم:ورا السبت لحد يجي أي يأتي يوم الاحد فيظن السامع فيه النهي عن المجيء بعد السبت.